عودة المسيح نهاية المسيخ

المقدمة
بين الحاء والخاء في الكتابة العربية نقطة واحدة، ومن هذه النقطة أخذنا صورة عنوان هذا الكتاب: المسيح والمسيخ. أما المسيح فهو الذي مُسح بالبركة الإلهية وكُرّس لها، وتقترن أخباره بالسياحة والشفاء. وأما المسيخ فأردنا به صورة أُخذت عن ذلك الأصل، ثم دخلها من التحوير ما غيّر معناها وأبقى لها شبهها به. فاللفظان في العنوان متقاربان، والصورتان اللتان يدلان عليهما متباعدتان فيما نرى: صورة صاحب الرسالة، والصورة التي انتهت إلى الناس باسمه.
والقناعة التي ينطلق منها هذا الكتاب أن الذاكرة المتداولة عن المسيح جمعت أخبار شخصيتين تفصل بينهما قرون: عيسى ابن مريم ﵇، ونحن نضع زمنه في القرن السادس قبل الميلاد، ويسوع الناصري، الذي عاش بعده بنحو خمسة قرون ونصف. ثم حُمّلت هذه الصورة المركبة تأويلات عقدية، فاستقرت في النفوس بما كان لها من قوة التعليم والسلطة والتوارث. وهذه الصورة المحوّرة هي التي نسميها في عنواننا «المسيخ»؛ أما الرجل الذي نُسبت إليه فله قصته، ومن حقه علينا أن ننصفه فيها.
السؤال الذي ظل مغلقاً
منذ نحو ألفي سنة والناس مختلفون في فهم شخصية المسيح. فالمسلمون يعرفونه نبياً موحداً أُرسل إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى أن «اعبدوا الله ربي وربكم». والعقيدة المسيحية الغالبة تقول إنه إله تجسّد، فصُلب ثم قام ليفتدي البشرية. أما اليهودية فلم تعترف به مسيحاً موعوداً. وقد دخل هذا الخلاف في تاريخ الأمم، واقترن بالحروب والفتوحات ومحاكم التفتيش والمجازر، حتى صار من ينظر في أخبار هذا الرجل ينظر في جانب كبير من تاريخ العالم.
وقد نشأ سؤال هذا الكتاب من العودة إلى أصل ذلك الاختلاف: أكانت هذه الأخبار جميعاً تتحدث عن رجل واحد؟ أم كان وراءها رجلان، تقاربت الأسماء التي عُرفا بها، ثم امتزجت سيرتاهما على مر القرون، وأصبح الفصل بينهما محتاجاً إلى قراءة جديدة؟
الفرضيّة في ثلاث درجات
النبي الذي يذكره القرآن اسمه عيسى ابن مريم ﵇، وصاحب السيرة في الأناجيل اسمه يسوع الناصري. وقد اعتاد القراء، خلال أربعة عشر قرناً، أن يفسروا أخبار الأول بما عرفوه عن الثاني، حتى صارا في الأذهان رجلاً واحداً. ونحن نرجع إلى هذه البداية نفسها، فنسأل: على أي أساس جُمع بين الصورتين؟
والرأي الذي ندافع عنه أن وراء هاتين الصورتين شخصيتين تاريخيتين، التبس خبر إحداهما بخبر الأخرى في الذاكرة المشتركة، ثم صارت صورة الناصري في الأناجيل هي التي تحدد للقارئ صورة النبي في القرآن. ولسنا أول من لمح هذا السؤال؛ فقد ظهرت ملامحه من قبل عند مسلمين وعند باحثين غربيين، غير أنها بقيت متفرقة، أو محتاجة إلى من يبيّنها. فنحن نجمع هنا شواهدها، وننظر إلى أي حد يسند بعضها بعضاً.
فإذا أخذنا بهذا التمييز، لقينا سؤالاً آخر: في أي زمن عاش عيسى ﵇؟ إن شواهد الكتاب تعود بنا إلى ما قبل القرن الأول الميلادي بنحو ستة قرون، إلى البيئة السامية الممتدة بين بابل وفارس وشمال الجزيرة. وفي هذه البيئة يبرز رجل حفظت الوثائق خبره ملكاً لبابل، هو نبونيد. وسنفرد لهذه الوثائق فصلاً، ننظر فيه في سيرته وفي صلتها بموضوعنا.
ثم نمضي إلى أبعد من تعيين البيئة والعصر، فنقول إن نبونيد هو عيسى ﵇ نفسه: حفظت بابل أخبار ملكه، وحفظ القرآن أخبار نبوته. وهذه أوسع قراءات الكتاب أثراً، لأنها تغيّر ترتيب أخبار المسيح وزمنه، وتغيّر الروابط التي اعتدنا أن نصل بها بين تلك الأخبار؛ وسنفصّلها في موضعها.
وعيسى ﵇ في هذه القراءة نبي وملك من بني إسرائيل، ومعلّم يردّ الناس إلى الله ويصلهم بتراث الأنبياء. أما يسوع الناصري فرجل صالح من عالم ورث شيئاً من ذلك التعليم. والذي نرجّحه أن أخبار المعلّم الأول انتقلت إلى سيرة الرجل الذي جاء بعده، وأن التداخل بدأ في الرواية والتذكير، ثم صارت له سلطة العقيدة الرسمية. وسنتتبع كيف بُنيت هذه الصورة حتى المجامع وما بعدها، من غير أن نحمّل يسوع نفسه تبعة كل ما شُيّد باسمه.
ثم تتسع الفرضية حتى تبلغ السير التي حفظتها الهند باسم بوذا، والصين باسم لاو تسي، وإيران باسم زرادشت. ونحن نقترح أن هذه السير قد تحمل صوراً من قصة عيسى ﵇ نفسه، روتها كل ثقافة من جديد بلسانها وعلى قدر ما حفظته ذاكرتها. فربما رحل المعلّم نفسه، وربما رحل تلاميذه فامتزجت أخبارهم بخبره. والشواهد التي بين أيدينا لا تحسم أي هذه الطرق كان؛ لكن ما نقصده أبعد من تشابه عابر بين حكماء متباعدين: نقصد أن الشخصية التي ترويها هذه السير قد تكون في أصلها شخصية واحدة.
ولكل درجة من هذه الدرجات شواهدها. وسنعرض شواهد كل درجة وحدها أولاً، ثم نجمع بينها، لأن كل درجة تمهد لما بعدها: فإذا فصلنا بين الشخصيتين أمكن أن نعيّن الأولى بنبونيد، وإذا عيّناها به فهمنا كيف امتدت قصتها إلى تقاليد أخرى. وهكذا يرى القارئ كل شاهد في موضعه من بناء الحجة.
والذي ننقده في هذا الكتاب هو البناء العقدي الذي تكوّن حول المسيح، والطريق التي سلكتها صورة الرسول البشري الموحد في القرون التالية حتى صارت صورة الإله المتجسد. أما الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، فهم أصحاب الرسالة التي نريد أن نستعيد معناها، والإنصاف يقتضي أن نميّز بينهم وبين ما أُلحق بأخبارهم بعد رحيلهم.
وقبل أن نفصّل الشواهد، يحسن أن نتبيّن البيئة التي يقول القرآن إن عيسى ﵇ أُرسل إليها. فنحن نقرأ أنه أُرسل إلى بني إسرائيل، ثم نجمع تحت هذه العبارة، في أكثر الأحيان، بني إسرائيل واليهود وحملة التوراة، كأنها أسماء متطابقة. فإذا فعلنا ذلك تخيّلنا زمن عيسى ﵇ على صورة اليهودية التي نعرفها، بمجامعها وحاخاماتها وفرقها وتلمودها. لكن القرآن إذا قُرئ مع الشواهد الأثرية دعانا إلى أن نفرّق بين هذه المعاني، وأن ننظر في القرون التي تكوّنت فيها مؤسساتها وآدابها. ولا تُفهم الصورة التي نقترحها للمسيح إلا بهذا التمييز.
بَنو إسرائيل والشَريعة واليَهوديّة: ثَلاث طَبقاتٍ مُتَمايزة
نفرّق في هذا الكتاب بين أمرين: تراث بني إسرائيل النبوي، واليهودية بوصفها حركة تاريخية لها مؤسسات ومذاهب، وتعاقبت عليها صيغ مختلفة. ونرى أن هذه الحركة تبلورت في قلب التحولات الهلنستية والحشمونية، ولا سيما منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وبحث يوناتان أدلر يساعد على فهم هذا التحول من جهة محددة، إذ يسأل: متى يظهر الدليل على أن العمل بالتوراة انتشر بين عامة الناس؟ وهذه مسألة غير مسألة تاريخ موسى، وغير مسألة تاريخ كل خبر أو تشريع في الأسفار.
والاستعمال الشائع يجمع ثلاث طبقات تحت اسم واحد، فلنبدأ بها، ونبيّن ما نعنيه بكل تسمية منها، وكيف تتصل بسائر التسميات في التاريخ وفي قراءة النص:
أما الطبقة الأولى فهي بنو إسرائيل، الشعب الذي تعاقب فيه ميراث النبوة جيلاً بعد جيل، من إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ﵈. والاسم يأتي في القرآن، في غالب مواضعه، وصفاً تاريخياً لهذا الشعب. ونحن نقرأ أصله في صلته بالناجين مع نوح، فيتسع نسبه عندنا إلى ما قبل سلالة يعقوب؛ والقرآن نفسه يذكر إبراهيم في شيعة نوح: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (الصافات ٨٣). فبنو إسرائيل بهذا المعنى سابقون على زمن عيسى ﵇ بقرون.
وردُّ هذا الاسم إلى الناجين مع نوح قراءةٌ من قراءات هذا الكتاب، ونستند فيها إلى أمرين. الأول أن الآية المتقدمة (الصافات ٨٣) تصل إبراهيم بنوح، فتسمح لنا أن نتتبع الميراث النبوي حتى جماعة السفينة، بدل أن نقصره على أب جاء بعدها. والثاني أن القرآن حين يخاطب بني إسرائيل يخاطبهم قوماً يحملون ميثاقاً، ويذكّرهم بنعمة، كما في النداءات التي تبدأ من الآية ٤٠ من سورة البقرة. فالخطاب يدور على عهد الأمة وخبرها، ولا يعرّفها بعمود نسب على نحو القوائم المعروفة في العهد القديم. وفي هذين الأمرين يفارق الكتاب التفسير المتعارف.
ويبقى ليعقوب ﵇ مقامه في هذه السلسلة النبوية، فقد قرنه القرآن بإبراهيم وإسحاق حين ذكر الوحي (النساء ١٦٣). وكل ما نقوله أن أصل الشعب أوسع عندنا، ونسبه أبعد مدى، فلا نحصر تراثه كله في ذرية يعقوب وحدها.
والطبقة الثانية هي الشريعة الموحاة، بما فيها من وصايا وأخلاق وتشريعات، ومن أحكام الطهر والتكليف. وقد توارثها هذا الشعب عن أنبيائه، وفيها نفهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة ٤٤). فهي قديمة قِدَم النبوات، وتعاليمها ممتدة عبر العصور. وكانت، في قراءتنا، حاضرة في زمن عيسى ﵇، يأخذ بها، ويذكّر قومه بمعانيها، كما يصل كل نبي ما بينه وبين من سبقه.
أما الطبقة الثالثة فهي اليهودية حركةً اتخذت صورة مؤسسية. ونحن نربط تبلور هذه الصورة بالأزمة التي نشأت حين فرض أنطيوخس الرابع الثقافة اليونانية الوثنية بالقوة، ثم بثورة المكابيين سنة ١٦٧ قبل الميلاد. في هذه المرحلة نضع ظهور الحركة بالمعنى الذي نعنيه هنا، ونميزها من الشعب الأقدم منها ومن الشريعة التي حملها ذلك الشعب؛ فنرى كيف نشأت في ظروفها، وماذا أضافت تلك الظروف إلى الميراث الذي سبقها.
ويروي سفر المكابيين الأول ما أمر به أنطيوخس في يهوذا (١ مكابيين ١: ٤١ـ٦٤): أمر أن يترك كل شعب سننه، وأن تُبطل المحرقات والذبائح في المقدس، وأن يُدنَّس السبت، ويُترك البنون غُلفاً، وأن تُمزَّق أسفار الشريعة وتُحرق، ويُقتل من وُجد عنده سفر العهد أو اتبع الشريعة. فلما بلغ الأمر ذلك، صار الكتاب نفسه علامة الانتماء، وصار حمله تهمة يُقتل بها صاحبه؛ وتحت هذا الضغط رُسمت حدود الجماعة.
واللغة نفسها تشهد بهذا الميلاد. فأول موضع يظهر فيه لفظ Ἰουδαϊσμός (يودائيسموس)، أي «اليهودية»، هو سفر المكابيين الثاني، وفيه يرد في وصف الذين قاتلوا دونه وثبتوا عليه (٢ مكابيين ٢: ٢١؛ ٨: ١؛ ١٤: ٣٨)، وتنقله الترجمة العربية «دين اليهود». ويضع السفر في مقابله لفظين على وزنه: Ἑλληνισμός (هِلّينيسموس)، أي «الهلينة»، وἀλλοφυλισμός (ألّوفيليسموس)، أي التشبه بالأجانب (٤: ١٣)، وهو الموضع الذي تنقله الترجمة العربية «الميل إلى عادات اليونان، والتخلق بأخلاق الأجانب». فالاسم الذي صار بعدُ علماً على دين وُلد في المواجهة مع أنطيوخس، وكان معناه الأول أن يأخذ المرء بسنن أهل يهوذا في وجه سنن اليونان. ويقرأ ستيف ميسون (٢٠٠٧) اللفظ «تهوّداً»، أي انحيازاً إلى شريعة يهوذا وثقافتها، ويرى أن العالم اليوناني الروماني لم يعرف «اليهودية» ولا «الدين» فئتين بالمعنى الحديث؛ وإنما عرف اليهوذيين شعباً بين الشعوب، له شرائعه وعاداته وإلهه. أما دانيال بويارين (٢٠١٨) فيرى أن «اليهودية» بوصفها اسماً لدين مفهومٌ صاغه اللاهوت المسيحي، وأن اليهود لم يتخذوه اسماً لأنفسهم إلا في العصر الحديث.
وفي هذه المرحلة وما تلاها ظهرت فرق ومؤسسات وآداب متباينة: ظهر الفريسيون والصدوقيون والإيسيون، ودار الجدل حول الشريعة، ونشأ أدب الرؤى، ثم جاءت المشنا والتلمود في عصور لاحقة. والذي يهمنا هنا أن هذه الطبقات تراكم بعضها فوق بعض، فإذا غفل القارئ عن ذلك نقل صورتها المتأخرة كلها إلى زمن الأنبياء السابقين، وقرأ القديم بملامح لم تجتمع إلا بعده.
وقد جمع أدلر في «أصول اليهودية» (٢٠٢٢) ما وجده من شواهد أثرية ونصية على عمل عامة الناس بالشريعة، ثم انتهى إلى أنه لا يوجد دليل مقنع على انتشار هذا العمل قبل أواسط القرن الثاني ق.م. وما نأخذه من بحثه هو التمييز بين الشريعة الموروثة والزمن الذي عُمّم فيه العمل بها وصارت لها مؤسسات. وفي الملحق التاسع نعرض أثر هذا التمييز في قراءة تاريخ بني إسرائيل. (يوناتان أدلر، أصول اليهودية.)
ويصل شاي كوهين إلى النتيجة نفسها من باب آخر، هو باب الهوية، في The Beginnings of Jewishness (١٩٩٩). فهو يرى أن الانتماء إلى اليهود كان حتى القرن الثاني قبل الميلاد انتماء نسب إلى شعب وأرض، ثم صار في ذلك القرن نسباً وديناً معاً، يستطيع الغريب أن يدخله إذا تهوّد. ويروي يوسيفوس أن يوحنا هيركانوس أبقى الأدوميين في أرضهم بشرط أن يختتنوا ويأخذوا بشرائع اليهود، وأن أرسطوبولس ألزم الإيطوريين بمثل ذلك (العاديات ١٣: ٢٥٧ـ٢٥٨، ٣١٨ـ٣١٩). فالدولة الحشمونية هي التي جعلت العمل بالتوراة حدّ الجماعة.
فطرق البحث، على استقلال بعضها عن بعض، تلتقي عند القرن الثاني قبل الميلاد. يصل إليه أدلر من الأثر، وكوهين من الهوية، وستيف ميسون من اللفظ، وسث شوارتز من رعاية الدولة للتوراة، وإسرائيل فنكلشتاين من الخلفية الحشمونية لأسفار عزرا ونحميا وأخبار الأيام، وراينهارد كراتس من قراءته لبرديات إلفانتين. وفي الملحق التاسع عرض شواهدهم.
ولهذا التمييز أصل في استعمال القرآن نفسه. فعبارة «بني إسرائيل» تأتي فيه وصفاً للأنبياء وقومهم، أما لفظ «اليهود» فيشير في الغالب، بحسب قراءتنا، إلى الحركة العقدية بعد أن تبلورت. فإذا اختلفت التسميتان في لغة الوحي، فلأن إحداهما تدل على الشعب وميراثه، والأخرى على الصورة التاريخية للحركة.
فإذا فرّقنا بين هذه الطبقات، وجدنا موضع عيسى ابن مريم ﵇ في الطبقتين الأوليين: هو نبي من بني إسرائيل، يحمل الشريعة الموحاة ويدعو إليها. أما زمنه، كما يقرؤه الكتاب، فيسبق تبلور «اليهودية كحركة» بأكثر من ثلاثة قرون. ولذلك يخلو خبره القرآني من منازعات الفريسيين والصدوقيين، ومن الجدل الذي تعرضه المشنا، لأن هذه ملامح تراكمت في المرحلة الحشمونية والفريسية وما بعدها. وعلى العكس من ذلك تصوّر الأناجيل يسوع الناصري، في القرن الأول الميلادي، يحاور تلك الفرق ويصطدم بكهنتها. فالبيئة الدينية التي يعيش فيها كل منهما غير بيئة الآخر، وهذا وجه من الوجوه التي نميّز بها بين الشخصيتين.
كيف تضيع الكلمة
وسنعتمد كثيراً على المقابلة بين نصوص التوراة والأناجيل والقرآن، فيحسن أن نعرف أولاً كيف وصلتنا هذه النصوص، وما الذي طرأ عليها وهي تُكتب وتُقرأ وتُترجم؛ لأن الشاهد الذي نستخرجه من نص لا يُفهم حق فهمه حتى نعرف حال ذلك النص.
وما أصاب النصوص في انتقالها يمكن أن نتتبعه في أربع طبقات، يتداخل بعضها في بعض. أولاها ما بين أصوات اللسان ورموز الكتابة من فرق. فقد احتفظت العربية بتمييزات صوتية قديمة لا تفصل بينها الأبجدية العبرية ذات الاثنين والعشرين حرفاً، ومنها الحاء والخاء والعين والغين. وإذا اشترك صوتان في حرف واحد، فلا يعني ذلك أن الناطقين نسوا الفرق بينهما من فورهم؛ لكن من أراد بعد ذلك أن يسترجع النطق احتاج أحياناً إلى أن يقارن بين اللغات. والطبقة الثانية أن النصوص انتقلت بين تقاليد الكتابة العبرية والآرامية، ومعها ما تنسبه الرواية الكتابية إلى عزرا من أنه جمع الشريعة وعلّمها. وعند هذه الطبقة يفصل الكتاب بين ميراث الأنبياء القديم وبين انتشار التقيد بالتوراة في المجتمع، وهي المسألة التي أعاد يوناتان أدلر بحثها من خلال الآثار، فرجّح أن شواهدها الواسعة ظهرت في العصر الحشموني. والطبقة الثالثة الترجمة اليونانية التي عُرفت بالسبعينية، وقد بدأ العمل فيها في القرون السابقة للميلاد. وهذه الترجمة حفظت معاني كثيرة، لكنها نقلت الأسماء إلى نظام صوتي آخر؛ فإذا أردنا أن نعرف ما وراء الاسم من ذاكرة سامية، لم تكفنا صورته اليونانية وحدها.
أما الطبقة الرابعة فهي أنظمة الضبط الماسوري، التي استقرت في القرون الميلادية الأولى والوسطى، فثبّتت تقاليد بعينها في النطق والقراءة. ومن أقدم ما وصلنا من نسخ الكتاب العبري الكاملة المؤرخة مخطوطة لينينغراد، وتاريخها سنة ١٠٠٨/١٠٠٩م. لكن قبلها مخطوطات جزئية كثيرة، في مقدمتها شواهد البحر الميت. فتاريخ النسخة الكاملة عندنا غير تاريخ بدء النص، والذي نسأل عنه: ماذا حفظ كل شاهد، وما الذي تغيّر من شاهد إلى شاهد؟
ومع ذلك كله تبقى للتوراة والأناجيل في هذا الكتاب قيمتهما التاريخية والروحية. ولعل أقرب مثال لطريقتنا في قراءتهما خريطة قديمة نُقلت عن خريطة أقدم منها: تبقى فيها المعالم الكبرى والإشارات الدالة، ويتغير رسم بعض التفاصيل. وكذلك الأسماء والألفاظ، قد يتغير صوتها وهي تُنقل وتُترجم، فإذا نظرنا في جذورها السامية استرجعنا شيئاً مما وراء صورتها المكتوبة.
المنهج الصوتي
ونرجع في المقارنة الصوتية إلى ثلاثة أنواع من المراجع. أولها ما قررته اللسانيات السامية المقارنة الحديثة (Comparative Semitic Linguistics) من قواعد في المقابلات الصوتية، وقد اتسع درسها منذ القرن التاسع عشر. وثانيها المعاجم: لسان العرب لابن منظور، ومقاييس اللغة لابن فارس، وتاج العروس للزبيدي، ومعجم Brown-Driver-Briggs للعبرية، وPayne Smith للسريانية، وDrower-Macuch للمندائية، وCAD للأكدية. وثالثها ما كتبه الباحثون العرب المعاصرون، ومنهم الباحث الليبي فهمي خشيم، الذي جعل العلاقة الصوتية بين العربية وأخواتها موضوعاً لعدد من كتبه. فإذا أخذنا بقراءة من قراءاته قابلناها بما في هذه المراجع: فما توافقت عليه بيّنّاه، وما انفرد به عرضناه في موضعه ووزنّاه بتلك المراجع.
القاعدة الأساسية في هذا المنهج هي أن الحروف الحلقية العربية حين تنتقل إلى العبرية يندغم بعضها في بعض أو يتحوّل وفق جدول منتظم يمكن التحقق منه. فالعينُ العربيّة تُقابلها العينُ العبريّة (ע) (عين)، وتَندغم فيها الغينُ فيَشتركان في الرمز نفسه؛ والحاءُ والخاء تُقابلهما الحاءُ العبريّة (ח) (حيت) وحدَها، فيَشتركان كذلك في رمزٍ واحد؛ والظاءُ والضاد يَؤولان إلى الصاد (צ) (تسادي). وإنّما تَسقط العينُ في النقل إلى اليونانيّة لا إلى العبريّة. وإذا عبرت هذه الحروف من العبرية إلى اليونانية فقدت مزيداً من دقتها: الخاء تُكتب بالخي اليونانية (χ) (خي)، والحاء تتحول إلى صوت هاء أحياناً أو تسقط، أما الحروف الثقيلة الأخرى فلا مقابل لها أصلاً في اليونانية فتُستبدل بأقرب الأصوات المتاحة.
وعنوان الكتاب نفسه صورة أدبية تقرّبها هذه المقارنة. فالمسيح والمسيخ من جذرين، م س ح وم س خ، يفترقان بالحاء والخاء، والحرفان يلتقيان في الرسم العبري في حرف واحد هو ח (حيت)، ثم تتغير صورتهما مرة أخرى حين يُنقلان إلى اليونانية. وقد جعلنا هذا التقارب مثالاً لما نراه قد وقع في الذاكرة: صورتان تتشابهان في الظاهر أشد الشبه، وبين أصلهما ومعناهما فرق بعيد. أما أن الالتباس التاريخي قد وقع فعلاً، فدليله في الشواهد التي تعرضها الفصول، وتشابه الرسم لا يكفي وحده دليلاً عليه.
ولنا في قراءة هذه المقارنات منظور خاص نعرضه في الفصل الأول. فالعربية عندنا أحفظ الألسنة السامية لمنطق اللسان الأم، وأوسعها احتفاظاً بحروفه الحلقية وتمييزاته، وقد انزاحت عنها أخواتها في بعض هذه الوجوه. وسنعرض القرائن التي نستند إليها في ذلك، ونبيّن أن هذا ترجيح يرجّحه الكتاب في تفسير القرابة اللغوية. ومن هذا المنظور نفسه نفهم لماذا اختيرت العربية للتنزيل الخاتم: فهي أداة تحمل الجذر، وتفصل من الأصوات ما اندمج في غيرها، فتجيء بها الرسالة بلسان عربي مبين.
الرفع والنزول: طبقاتُ المعنى في اللسان القرآنيّ
ونقرأ في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ … بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء ١٥٧–١٥٨). فإذا وقفنا عند لفظ الرفع، وجدنا له في العربية وفي القرآن استعمالات تقرّب معناه. فنحن نقول «رفع الله ذكر فلان»، ونريد أن قدره ارتفع واسمه شاع. فللرفع والنزول، إلى جانب معناهما الحسي، وجوه معنوية سنعرض شواهدها في الفصل الأول، ثم ننظر أيّها يلائم خبر المسيح.
ويقرأ هذا الكتاب رفع عيسى ﵇ على أنه حفظٌ لمقامه ولحقيقة رسالته، واحتجابٌ لمعرفته عن الناس حين غلبت عليهم الصورة المركبة. فهو رفع في المعنى وفي المعرفة، وتكون العودة أن ينكشف ما حُجب. وسيبلغ هذا المعنى مداه في الفصل الرابع والعشرين، بعد أن نتتبع ما صار إليه الاسم والقصة والتعليم.
ثم نقرأ قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾. فإذا استعاد الناس معرفتهم بالمسيح، كان ذلك في تأويلنا جزءاً من اتساع وعي الإنسان، ومن انكشاف ما خفي عليه. وسيبسط الكتاب هذه الصلة بين المعرفة والساعة في خاتمته، حين تلتقي قراءة التاريخ بسؤال آخر: ماذا تصنع المعرفة بالإنسان؟
وإلى هذا كله يرجع فهمنا لحديث «المسيح الدجال». فنحن نرى أن الحديث قد يصف الصورة المؤلهة للمسيح التي استقرت في مجامع القرن الرابع، ثم انتشرت في معابد الإمبراطورية. فإذا فهمناه كذلك اتسعت الفتنة حتى شملت ظاهرة عقدية وسياسية وبصرية، قامت كلها على تأليه مخلوق. وسيأتي تفصيل هذه الصلة في أبوابها، وحسبنا هنا أن نبيّن كيف يلتقي معنى المسيخ في العنوان بمعنى الدجال في هذا الكتاب، وكيف يُفهم كل منهما بالآخر.
كيف تقرأ هذا الكتاب
أكتب هذا الكتاب وأنا مسلم، شغلني ما حفظته النصوص من أخبار المسيح. وأدعو القارئ، أياً كانت عقيدته، إلى أن يصحبني وأنا أنظر في هذه الأخبار وفي مواضع اختلافها؛ فإذا صحبني فيها، تبيّن له وجه السؤال الذي أقمت عليه الكتاب.
حَفرٌ في طَبقات النَصّ
إذا عثر عالم الآثار على لوح مسماري في أنقاض نينوى، سأل: من كتبه؟ ومتى؟ ولمن كُتب؟ ثم قابله بالألواح الأخرى التي خرجت من الموقع نفسه، فربما وجد بين خبرين منها اختلافاً يحتاج إلى تفسير. وأياً كان موقفه من الإله آشور، فإنه لا يستغني عن هذه الأسئلة؛ لأن التحقيق يقوم على أن يرتّب الشواهد في الزمن، ويقارن بينها، ويعتني بتفاصيل ما تتفق فيه وما تختلف.
وبمثل هذه العناية نقرأ الأناجيل والتوراة، وكنزا ربا المندائي، ووثائق قمران، والنقوش البابلية، كأننا نعمل في موقع أثري تدل كل طبقة فيه على شيء مما سبقها. فكل نص منها يحمل ذاكرة الجماعة التي حفظته، والذاكرة تحمل أخباراً أقدم منها، بقي بعضها واضحاً، وتغير بعضها وهو يُنقل ويُعدَّل. لذلك نسأل عن زمن النص، ومن قاله، ولمن قاله، وأين يختلف مع نفسه أو مع سائر الشهود. أما القرآن فنقرؤه وحياً محفوظاً، نزل ﴿مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة ٤٨)، فهو يحفظ من تلك الأخبار القديمة ما ضاع عند غيره، ونقابل به سائر الشهود بالعناية نفسها، فيكون الميزان الذي نعرف به ما تغيّر عندهم. نبدأ بأن نفهم ونفحص، حتى نعرف ما يصلح أن نبني عليه.
وأكثر ما يفيدنا مواضعُ الاختلاف، فهي كالشق في جدار جُدّد بناؤه، تظهر منه طبقة أقدم تحت سطحه. فقد تبدو الرواية في صورتها الأخيرة متصلة، حتى نقع على تفصيل صغير فيها، فيدلنا على المراحل التي مرت بها قبل أن تتصل.
حين يتناقض النص مع تقليده الخاص
ولنأخذ الأناجيل الأربعة مثالاً. فهي جميعاً تروي خبر يسوع الناصري، لكن نسبه في متى غير نسبه في لوقا، وكلماته الأخيرة على الصليب تُروى بصيغ متعددة، وتختلف أسماء شهود القيامة، وتختلف أماكنها وأوقاتها، ويختلف ترتيب بعض الأحداث من إنجيل إلى إنجيل. وقد شغلت هذه الفروق شراح الكنيسة قروناً، فاقترحوا لها وجوهاً من التوفيق والتأويل، أو تركوا بعضها دون أن يعالجوه. ونحن نرى أن عدداً من تلك المحاولات يحمّل النص ما لا يظهر فيه، فنعود إلى الفروق نفسها، ونجعلها مادة نفهم بها النص.
ويترتب على ذلك سؤال عن منشأ التباين: أي أخبار أقدم كانت بين أيدي أصحاب الأناجيل؟ وكيف اختار كل منهم ما يرويه، ورتبه في سياق قصته؟ وما الذي حفظته هذه الصياغة من الموروث السابق، وما الذي غاب فيها، عن قصد أو من غير قصد؟
وهذه المواضع هي التي نسميها في هذا الكتاب خطوط الصدع، لأن الروايات حين تختلف تدلنا على تاريخ تكوّنها، وعلى ما قد يكون وراء صورتها الأخيرة من أخبار كانت متفرقة.
تَفرُّدُ القرآن: مَحتوًى وسِلسلةُ نَقل
وللقرآن في هذا الكتاب موضع خاص لأمرين: الملامح التي يحفظها عن المسيح، والطريق التي وصل بها نصه إلينا. وكلا الأمرين يتصل اتصالاً مباشراً بالمقارنة التي سنجريها.
يحفظ القرآن ملامح يحسن أن تُقرأ مجتمعة. فهو يسمي مريم «أخت هارون»، ويجعل زكريا كافلها في المحراب، ويسمي عيسى ﵇ «ابن مريم»، ويروي مشهد الولادة عند النخلة والسري، وينفي أن يكون المسيح قد قُتل أو صُلب، ويقول: ﴿ولكن شُبّه لهم﴾. وهذه الملامح تفترق في مواضع مختلفة عن الصورة الإنجيلية المتداولة، ومنها يبدأ الكتاب سؤاله: من صاحب هذا الخبر، وفي أي بيئة عاش؟ أما نفي الصلب عن عيسى ﵇ فلا يمنع، في قراءتنا، أن يكون قد وقع على رجل آخر.
ونحن نقرأ هذه الفروق قرائن تدعونا إلى أن نعيد النظر في تعيين هذه الشخصية وزمانها. فإذا وضعنا عيسى القرآني ﵇ في أفق نبونيد، في القرن السادس قبل الميلاد، اتصلت الأم بالملك، واتصلا بتيماء وبأخبار زكريا. وتاريخ الأسرة يُقرأ على طبقاته: زمن الأم، ثم زمن الكفالة، ثم زمن الرؤى التي تؤرخها افتتاحية سفر زكريا بسنة ٥٢٠ ق.م؛ وهذه السنة تؤرخ أول رؤيا سُجلت باسمه، ولا تؤرخ حياته كلها. وسنبسط هذا الترتيب في الفصل الخامس.
وأما طريق النقل، فقد وصل القرآن بسلسلة مستقلة عن السلسلة التي نُقلت بها الأناجيل. فنصه لم يصدر عن المجامع الكنسية، ولم يمر بالرقابة الإمبراطورية الرومانية، ولم يصلنا ترجمة عن اليونانية، ولا ثمرة لمحاولات التوفيق بين روايات العهد الجديد. وهذا الاستقلال له قيمته في المقارنة التاريخية، مهما يكن موقف القارئ العقدي منه. لذلك ننظر فيما يحفظه من أخبار تتلاقى مع شواهد نرى أنه لم ينقل عنها مباشرة، ثم نعرض وجوه هذه الصلة في القسم التالي، «حين تتقاطع الشهادات».
ولذلك نطلب من القارئ أن ينظر فيما يحفظه القرآن من معلومات بالعناية التي ينظر بها في أي وثيقة قديمة، كأخبار هيرودوت أو ألواح ماري، فيسأل: كيف وصل النص؟ وإلى أي زمن ترجع مادته؟ وماذا يعرف مما غاب عن المصادر الأخرى؟ فإذا قارنّا على هذا النحو، قرأنا فيه مصدراً سامياً يحفظ من الذاكرة طبقات قديمة، أبعد مما افترضه بعض نقاده، وبعض المدافعين عنه أيضاً.
حين تتقاطع الشهادات
إذا حفظت شهادات متباعدة ملامح تتلاقى حول سؤال واحد، فحقها أن تُقرأ معاً. والمواد التي نعرضها هنا نراها أبواباً تُفضي إلى ذاكرة أوسع من الرواية التي استقرت فيما بعد، ولكل باب منها موضوعه: فبعضها يحفظ صورة المسيح، وبعضها بقاء الشريعة، وبعضها صلة الشفاء بالمغفرة، وبعضها أخبار الجماعات التي حملت التعليم. ومن أهم هذه الأبواب:
- القرآن الكريم: هوية عيسى ﵇ وأمه، والتوحيد، وقراءة ما وقع من تشبيه ورفع.
- الموروث المندائي: مركزية يحيى والجدل حول صورة المسيح وصلتها بتعليمه.
- الأبيونيون: الذاكرة المسيحية الحافظة للشريعة والرافضة لسلطة بولس، كما تنقلها المصادر عن فرقهم.
- صلاة نبونيد، 4Q242: مرض الملك في تيماء، وحضور رجل من بني إسرائيل، واتصال المغفرة والشفاء.
- التقليد الإثيوبي: حفظ أسفار وشعائر وذاكرة سامية واسعة داخل مسيحية تؤمن بألوهية المسيح.
وإنما نجمع هذه الشهادات لأنها، على اختلاف مواضعها، تُرينا ما تفرّق من الصورة: نجد هنا اسماً، وهناك شعيرة، وفي موضع ثالث خصومة أو خبر شفاء. فإذا اتصلت الخيوط سألنا: أي تاريخ يفسّر اجتماعها؟ وسيأتي تفصيل كل شاهد في فصله، فنعرض ما يحمله هو أولاً، ثم ما نضيفه نحن إليه.
وربما كانت الصلة بين بعض هذه الجماعات جزءاً من الجواب نفسه، فقد يكون وراءها تعليم قديم حمله أتباع، ثم تفرّق في ألسنة وبلدان. لذلك نقرأ مواضع الاتفاق، ونقرأ معها الطرق التي انتقلت بها. فالخبر الذي تناقلته جماعات كثيرة يساعدنا على أن نتتبع الذاكرة، والشهادة التي تختلف عنها تساعدنا على أن نميّز ما بقي من الأصل.
مسار هذا الكتاب
هذا كتاب يسأل عن هوية المسيح، وعما صارت إليه رسالته. ومداره أن عيسى ﵇ هو نبونيد، وأن سيرته غير سيرة يسوع الناصري؛ ثم يتتبع كيف انتقلت الأخبار، وكيف تحولت المعاني. وسيمضي القارئ مع الحجة من ألفاظ النصوص إلى الوقائع والروايات، ثم إلى صورة الإنسان التي تحملها الرسالة.
وسيجد القارئ كل نص في الموضع الذي نستدل به فيه، أما الوثائق والجداول والمراجع فجمعناها في الملاحق لمن أراد أن يتوسع. وحيثما اقترحنا قراءة لاسم أو حدث، بيّنّا وجهها في سياقها، حتى يبقى الفرق واضحاً بين ما تقوله الوثيقة وما نفهمه نحن منها.
وأقوى ما في هذا الإطار أنه يجمع أسئلة كانت متباعدة: فهو ينظر في أخبار الميلاد قرب الفرات، وفي نسب مريم، وفي إقامة نبونيد في تيماء ورواية محنته، وفي اختلاف الجماعات في فهم المسيح، وفي الصورة التي صنعتها التقاليد اللاحقة. وهذه الشواهد لا تحمل جواباً واحداً جاهزاً، لكن المقارنة بينها هي التي يبدأ منها مسار الكتاب.
وهذه أسئلة طُرحت قبلنا، وسيعود إليها الدارسون بعدنا. والذي نعرضه هنا هو ما يجمع بينها: فهي، على اختلاف موضوعاتها، يمكن أن تنتظم أجوبتها في فرضية واحدة، تفسّر ما بقي متفرقاً في الدراسات والروايات.
وهذا الكتاب جزء من حوار واسع يدور حول تاريخ النصوص، وجغرافية الأخبار، وأسماء الشخصيات. وقد أفدنا فيه من المقارنات السامية عند فهمي خشيم، ومن الأسئلة التي أثارها كمال الصليبي وغيره، ومن الأخبار والقراءات التي جمعها محمد مصطفى منصور في «توراة مكة والنبي المنتظر». غير أننا نرجع من هذه الدراسات إلى النصوص التي تدلنا عليها، ثم نقرأ تلك النصوص بسؤال الكتاب؛ فإذا أخذنا من أحدهم خبراً أو قراءة، لم يلزمنا ذلك أن نأخذ تصوره كله.
فلنبدأ إذن من مواضع الاختلاف، لأنها هي التي تدلنا على الطريق الذي قطعه الخبر حتى وصل إلينا.
الحجة إجمالًا
هذه خلاصة السؤال الذي تتناوله الفصول الخمسة والعشرون والملاحق التي تتبعها. نريد بها أن يعرف القارئ دعوى الكتاب الرئيسية، والشواهد التي تشير إليها، والمسائل التي نترك تفصيلها للفصول، ثم أن تصحبه وهو يقرأ، فيرى كيف يتصل كل فصل بمقصد الكتاب.
الدَعوى في ثَلاث دَرَجات
أول الدعوى أن عيسى ابن مريم ﵇ ويسوع الناصري شخصيتان اختلطت أخبارهما. والحجة تبدأ من أن صورة الأسرة والبيئة والرسالة تختلف بين الاثنين، ثم تستعين بدلالة الأسماء وبالمقارنة بين النصوص. ونحن نفهم يسوع رجلاً صالحاً من تيار ورث تعليم المسيح، ثم حُمّلت سيرته أخباراً أقدم منه.
وثانيها أن عيسى ﵇ هو نبونيد، الملك الذي تحفظ الوثائق البابلية خبره في القرن السادس قبل الميلاد، ونحن نقرأ مريم في أمه أدد-غوبّي. وفي هذه الدرجة نجمع ما رُوي عن أمه وتدينها، وعن إقامته في تيماء، وعن مرضه وشفائه كما ترويهما صلاة نبونيد، وعن استرجاعه آثار السابقين. والأم تذكر ابنها في مسلّة حرّان فتقول: «ابني الوحيد، ثمرة بطني»، ولا تذكر له أباً. وفي نقشها أن ابنها اختير للملك وكُلّف، وهذا هو الوجه الذي نقابل به الاصطفاء؛ أما الولادة فتبقى آية من الله، والنقش لا يرويها.
وثالثها أن سير بوذا ولاو تسي وزرادشت قد تكون روايات أخرى للشخصية الأصلية، حملتها الرحلات والجماعات، ثم أعادت كل ثقافة تشكيلها على طريقتها. ونعرض هذه الإمكانية بأن ننظر في بنية السيرة والتعليم، وفي الطريق التي انتقلا بها، ونحفظ لكل مقارنة نصها وتاريخها.
الأسماء والأزمنة التي نعيد جمعها
وفي المقارنة ثلاثة مصادر يصل الكتاب بينها: الوثائق الملكية لنبونيد، وأخبار زكريا، وصورة الأسرة الكهنوتية في القرآن. وهي مصادر تجمعها بيئة شرقية وتراث ديني، ويرتّب الفصل الخامس تواريخها على طبقاتها: زمن الأم، ثم زمن الكفالة، ثم زمن الرؤى.
- حكم نبونيد بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، وأقام نحو عشر سنوات في تيماء.
- تؤرخ افتتاحية سفر زكريا رؤاه بعهد داريوس الأول، بدءاً من سنة ٥٢٠ ق.م.
- يربط القرآن مريم بهارون ويجعل زكريا كافلها؛ وعلى هذا يبني الكتاب قراءة النسب الهاروني.
ونصل زكريا الذي يذكره القرآن بصاحب السفر الذي يحمل اسمه، ثم نقرأ أخبار الأسرة في الفصل الخامس على طبقاتها: زمن الأم، ثم زمن الكفالة، ثم زمن الرؤى.
وتبسط الفصول التالية هذه المسائل واحدة بعد أخرى. فنبدأ باللسان وطريقة القراءة، ثم ندرس الوثائق في الفصلين الخامس والسادس، ثم نتتبع الجماعات التي حفظت جوانب من الميراث، وننظر أخيراً في الطريقة التي تكوّنت بها الصورة التي نراها محوّرة عن الأصل. ومن أراد أن يناقش حجة بعينها، عرف موضعها فعاد إليها.
خطوطُ الصدع: الأناجيلُ الأربعة في ميزان النقد الأكاديميّ
نَبدأ مِن الأناجيل، كما يَقرأ المُؤرِّخُ أيَّ مَصدر
نبدأ بالأناجيل الأربعة كما يبدأ المؤرخ حين تقع في يده وثيقة قديمة: يقرأ رواياتها، ويقابل بعضها ببعض، ثم يسأل لماذا تباعدت. ونقف في هذا الفصل عند ما تقوله النصوص نفسها، وعند ما انتهى إليه الباحثون الذين درسوا تاريخها، تمهيداً لفهم الصورة التي وصلتنا عن يسوع الناصري.
يقرأ كثيرون الأناجيل الأربعة كأنها سجل واحد متصل، كتبه شهود عيان يكمل بعضهم ما فات بعضاً، وربما شبّهوها بأربع صور التُقطت لمشهد واحد. فإذا وضعنا النصوص جنباً إلى جنب ظهرت فروق تدعونا إلى مراجعة هذا التصور. وسنعرض هنا ما قاله النقد الأكاديمي في هذه الفروق، لنرى مقدار ما يمكن أن ترجع به الروايات إلى خبر واحد، ثم ننتقل بعد ذلك إلى القراءة التي يقترحها هذا الكتاب.
سِلسِلتا النَسَب: شَجَرتان لا تَلتقيان
يَفتتِح إنجيلُ متّى نصَّه بسِلسِلة نَسَبٍ ليسوع (متّى ١:١-١٧)، ويُورِد لوقا سِلسِلةً أُخرى (لوقا ٣:٢٣-٣٨). والقارئُ الذي يَتوقّع أن تَتطابَق السِلسِلتان، أو أن تُكمِّل إحداهما الأُخرى، يُفاجَأ بأنّهما تَختَلِفان في أدقّ التَفاصيل. فأبو يوسُف عند متّى هو «يعقوب» (متّى ١:١٦)، وأبوه عند لوقا هو «هالي» (لوقا ٣:٢٣). والخطُّ الداوديّ نفسُه مُختلِف: يَمُرّ متّى بالمَلِك سليمان، بينما يَمُرّ لوقا بابنٍ آخَر لداود اسمُه «ناثان». بل إنّ عددَ الأجيال بين داود ويسوع يَختلِف بين النَصّين اختِلافاً لا يُمكِن رَدُّه إلى مُجرَّد سَهوٍ في النَسخ.
وقد درس هذا الاختلاف ريموند براون (Raymond E. Brown)، الباحث الكاثوليكي في العهد الجديد، في كتابه «The Birth of the Messiah» (١٩٧٧)، فانتهى إلى أن السلسلتين لا يمكن أن تصحّا تاريخياً معاً على النحو الذي وردتا به، لأن الأب يختلف فيهما، والجد يختلف، والطريق الذي يتصل به النسب يختلف كذلك. ومن الوجوه التي وفّق بها الشراح قديماً بينهما أن تكون إحدى السلسلتين لمريم والأخرى ليوسف. لكن النص نفسه لا يصرّح بهذا التوزيع، فيبقى تفسيراً اقترحه الشراح لحل التعارض، وإنما تُعرف ملاءمته بمقابلته بالألفاظ التي بين أيدينا.
تاريخُ الميلاد: عَشرُ سنواتٍ داخِل الكِتاب الواحد
ثَمَّةَ صَدعٌ آخَر يَتعلّق بزَمَن المِيلاد. يَضَعُ متّى وِلادةَ يسوع في أيّام هيرودُس الكبير (متّى ٢:١)، وهيرودُس تُوفِّي سنة ٤ قبل الميلاد بحساب المُؤرِّخين. أمّا لوقا فيَربِط الوِلادةَ بإحصاءٍ جَرى «حين كان كيرينيوس والياً على سوريّة» (لوقا ٢:٢)، وهذا الإحصاءُ الرُومانيّ مُؤرَّخٌ بسنة ٦ للميلاد.
فبين التاريخين نحو عشر سنوات. والخلاف هنا يقع داخل مجموعة الأناجيل المعتمدة نفسها، بين روايتين منها، ويظهر أثره متى قابلنا كل رواية بما يعرفه المؤرخون من تاريخ هيرودس وكيرينيوس. والذي يعنينا منه أن زمن الميلاد رُوي على أكثر من وجه. وهذا يفتح مسألة أوسع، هي ترتيب الأخبار في الزمن، وهي مسألة في صميم دراستنا لانتقال صورة المسيح.
يومُ الصَلب: فِصحٌ قبله أم فِصحٌ بعده
ثم إن الأناجيل تختلف في ترتيب العشاء الأخير والصلب. فالأناجيل الإزائية، وهي مرقس ومتى ولوقا، تجعل العشاء وجبة الفصح، يأكلها يسوع في مساء الرابع عشر من نيسان، وهو المساء الذي يدخل به الخامس عشر، ثم يُصلب في اليوم التالي، الخامس عشر من نيسان (مرقس ١٤-١٥). فيكون يسوع في هذه الرواية قد أكل الفصح قبل أن يُصلب.
أما يوحنا فيرتب الأحداث على نحو آخر. فهو يقول، وهو يصف المحاكمة، إن رؤساء اليهود تجنبوا دخول دار الولاية «لئلا يتنجسوا، بل ليأكلوا الفصح» (يوحنا ١٨:٢٨)، فيفهم القارئ أن وجبة الفصح لم تكن قد أُكلت بعد. ثم يسمي ذلك الوقت «استعداد الفصح» (يوحنا ١٩:١٤)، فيقع الصلب عنده في الرابع عشر من نيسان. فبين الروايتين يوم كامل، وهذا اليوم يغيّر صلة الصلب بالفصح، في الحدث الذي تقوم عليه خاتمة السيرة كلها.
رِواياتُ القيامة: مَن ذَهَب، ومَن لاقَوا
وتختلف روايات القبر الفارغ في عدد الذين قصدوا القبر وفي أسمائهم، وتختلف فيمن وجدوه هناك. فالنسوة في مرقس يجدن «شاباً» جالساً (مرقس ١٦:٥)، وفي لوقا يقف بهن «رجلان» (لوقا ٢٤:٤)، أما متى فيروي أن «ملاك الرب» نزل، فوقعت الزلزلة، ودُحرج الحجر (متى ٢٨:٢). والأولى أن نترك لكل رواية ملامحها كما هي، حتى نفهم كيف صوّر كل إنجيل ذلك المشهد.
وتستحق نهاية مرقس، كما هي في أقدم نسخه، وقفة خاصة. فبعد أن أُمرت النسوة بحمل البشارة، تقول الرواية: «خرجن وهربن من القبر، وقد أخذتهن الرعدة والحيرة، ولم يقلن لأحد شيئاً، لأنهن كن خائفات» (مرقس ١٦:٨). وعند هذه الآية يقف النص، فيختم بخوف النسوة وصمتهن، ولا يروي أن يسوع نفسه ظهر لأحد. أما الظهورات التي تأتي بعدها في النهاية الأطول فسنعرض لها بعد قليل حين نتكلم على الطبقة النصية.
الكلماتُ الأخيرة على الصَليب: ثلاثُ كلماتٍ عَبر أربعة أناجيل
وتختلف الأناجيل كذلك في آخر ما قاله يسوع على الصليب، وهو اختلاف له دلالته. فمرقس ومتى يرويان أنه صرخ: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟» (مرقس ١٥:٣٤، ومتى ٢٧:٤٦). أما لوقا فيختار أن يختم المشهد بكلمات يسلّم فيها أمره: «يا أبت، في يديك أستودع روحي» (لوقا ٢٣:٤٦).
ويروي يوحنا أنه قال: «قد أكمل» (يوحنا ١٩:٣٠). فالمشهد واحد، لكنه يُسمع بثلاث نبرات: في الأولى ألم من يشعر أنه هُجر، وفي الثانية رجل يسلّم روحه، وفي الثالثة من أتمّ مهمته. والكلمات التي يختارها كل راوٍ لختام السيرة هي التي تعطي الموت معناه في إنجيله، ولذلك تصير مفتاحاً لفهم تصوره كله.
الطَبقةُ النَصّيّة: ما لم يَكُن في أقدَم المَخطوطات
هذا عن اختلاف الأخبار، وبقيت مسألة أخرى هي انتقال النص نفسه من نسخة إلى نسخة. فهناك مقاطع اشتهرت حتى ألفها القارئ، وهي مع ذلك غائبة عن أقدم الشواهد اليونانية لمواضعها، ولهذا يعدها النقد النصي إضافات لحقت بالنص بعد ذلك. ومن أبرزها النهاية الطويلة لمرقس (مرقس ١٦:٩-٢٠)، وقصة المرأة الزانية (يوحنا ٧:٥٣-٨:١١)، والفاصلة اليوحناوية في رسالة يوحنا الأولى (٥:٧-٨).
وأدلة هذا الحكم مبسوطة في المراجع المتخصصة. فقد ناقش بروس متزغر (Bruce M. Metzger) في «A Textual Commentary on the Greek New Testament» غياب تلك المقاطع عن الشهود القدماء، وبيّن موقعها في تاريخ انتقال النص. وشرح بارت إيرمان (Bart D. Ehrman) في «Misquoting Jesus» (٢٠٠٥) كيف تدخل الزيادة إلى النسخ، ثم يألفها القراء حتى يحسبوها جزءاً من النص منذ نشأته. فلا بد إذن من مقابلة المخطوطات، ومن معرفة ما تحفظه كل طبقة منها.
أقدم بردية: ماذا يحتمل تأريخ الخط؟
ثم نذهب إلى الطرف الآخر من تاريخ المخطوطات، فنسأل: ما أقدم ما بقي لنا من شواهد؟ كثيراً ما يُجاب بأنها بردية رايلاندز اليونانية ٤٥٧، المعروفة بالرمز P52، فتُذكر على أنها أقدم قطعة من أسفار العهد الجديد. وهي قصاصة من إنجيل يوحنا، على أحد وجهيها ١٨:٣١-٣٣، وعلى الآخر ١٨:٣٧-٣٨، والشائع في تأريخها أنها ترجع إلى نحو سنة ١٢٥ للميلاد. ويُبنى على هذا التقدير أن الإنجيل الرابع كان متداولاً في مصر بعد جيل من التاريخ المقترح لتأليفه، أي نحو ٩٠-١٠٠م، وبعد قرابة قرن من الأحداث التي يرويها. لذلك يحسن أن نتوقف عند الأساس الذي قام عليه هذا التأريخ.
نشر كولين روبرتس القصاصة سنة ١٩٣٥، وقارن خطها بخطوط أخرى، فرجّح أنها من النصف الأول من القرن الثاني. والقطعة لا تحمل تاريخاً كتبه ناسخها، فتأريخها تقدير يقوم على خصائص الخط وعلى ما يقارَن به. ثم جاء باحثون بعده فأعادوا النظر في هذه المقارنات وفي حدودها، ولهذا ينبغي أن تُقرأ سنة ١٢٥ الشائعة على أنها تقريب، وأن البردية نفسها لا تسجلها.
ثُمّ جاءَ Brent Nongbri فوَضَعَ هذا الحُكمَ في مُقابَلة المَجموعة الأوسَع من البَرديّات التي أُرِّخَت تَأريخاً مَوثوقاً ممّا ظَهَرَ بعد سنة ١٩٣٥، ونَشَرَ ما انتهى إليه في بَحثِه «The Use and Abuse of P52: Papyrological Pitfalls in the Dating of the Fourth Gospel» في مَجلّة Harvard Theological Review، المُجلَّد ٩٨ (٢٠٠٥)، الصَفَحات ٢٣-٤٨. فقد وَجَدَ أنّ خُطوطاً قَريبةَ الشَبَه بخَطّ قُصاصة رايلاندز تَظهَرُ في أواخِر القرن الثاني وفي أوائل القرن الثالث، فالخَطُّ وحدَه يَحتَمِل مَدىً يَمتَدّ عَبر القرن الثاني وإلى ما بعده، ولا يَحصُرُ القُصاصةَ في نُقطةٍ ضَيّقةٍ قُربَ مُفتَتَحِه. أمّا Pasquale Orsini مع Willy Clarysse فقد أبقَيا القُصاصةَ في القرن الثاني، في بَحثِهما «Early New Testament Manuscripts and Their Dates: A Critique of Theological Palaeography» المَنشور في مَجلّة Ephemerides Theologicae Lovanienses، المُجلَّد ٨٨ (٢٠١٢)، الصَفَحات ٤٤٣-٤٧٤، لكنّهما جَعَلا مَداها يَمتَدّ بين سنة ١٢٥ وسنة ١٧٥ للميلاد.
فالتأريخ، كما تُظهر هذه الدراسات، يتسع مداه أو يضيق بحسب الخطوط التي يقارن بها الباحث. والقصاصة شاهد مادي مهم، لكن خطها يعطينا تقديراً للزمن، ولا يعطينا سنة كتبها الناسخ. لذلك نضع هذا التقدير إلى جانب سائر الشهود حين نبحث في زمن تأليف الإنجيل، ونُبقي المدى كله الذي تسمح به المقارنة، رجّح الباحث طرفه المبكر أو طرفه المتأخر.
تَطهيرُ الهَيكل: في المُستَهَلّ أم في الخِتام
والأناجيل تختلف أيضاً في ترتيب بعض الأحداث الكبرى. خذ مثلاً مشهد يسوع وهو يطرد الباعة والصيارفة من الهيكل: يضعه يوحنا في الإصحاح الثاني من إنجيله (٢:١٣-٢٢)، في أول الرسالة العلنية، فيصير من الأعمال التي افتتح بها يسوع ظهوره للناس.
أما الأناجيل الإزائية فتضع تطهير الهيكل في الأسبوع الأخير قبل الصلب (مرقس ١١:١٥-١٧). وهذا يغيّر مكانه في فهمنا للسيرة: هل كان عملاً افتتح به يسوع رسالته، أم مواجهة وقعت في آخرها وأسهمت في التعجيل بنهايتها؟ وبين الموضعين اللذين تضعه فيهما الروايات سنون.
جمع الأناجيل في رواية واحدة: دياتسارون تاتيان
وقد جرت في وقت مبكر محاولة لجمع هذه المواد في قصة واحدة متصلة. ففي نحو سنة ١٧٠ للميلاد ألّف تاتيان السرياني «الدياتسارون»، أي الإنجيل الرباعي المنسوج، فأخذ روايات الأناجيل الأربعة ورتّبها في سرد واحد. وعمله يرينا كيف تعامل القراء مع الأخبار المتعددة قبل أن تستقر الشروح المتأخرة لها.
فالقارئ القديم، كما يدل هذا الجمع، احتاج إلى أن يرتب ما توزّع بين الأناجيل في سرد واحد. وطريقة تاتيان تفتح لنا باباً لدراسة ما قدّمه وما أخّره وما ضمّه بعضه إلى بعض، فنسأل: كيف تتكون سيرة متصلة من روايات متعددة؟ وهذا السؤال في صلب ما يدرسه هذا الكتاب حين يبحث في تركيب الذاكرة. والذي نأخذه من تاتيان شاهداً هو طريقته في الجمع كما ينقلها النص.
ثمانية مواضع بين السيرة وتاريخ العقيدة
نظرنا حتى الآن في اختلاف الأناجيل بعضها عن بعض، وننتقل الآن إلى سؤال آخر: ما الصلة بين ما قاله صاحب السيرة وما نُسب إليه في المراحل التي جاءت بعده؟ وقد جمع الدكتور محمد مصطفى منصور ثمانية مواضع تتصل بهذا السؤال، فنعرضها هنا بمراجعها، ونضبط وجه الاستدلال في موضعين منها، حتى يتضح ما يدل عليه كل خبر، وما يحتاج منه إلى شاهد آخر.
- بنوة داود: في مرقس ١٢: ٣٥–٣٧ يُطرح سؤال عن علاقة المسيح بداود، وينتهي بقوله: «فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه؟»، فيصير لقب «ابن داود» نفسه موضع نظر. وقد قرأ فريق من النقاد هذا السؤال اعتراضاً على اشتراط النسب الداودي في المسيح.
- خبر الملك: يروي يوحنا ٦: ١٥ أن جماعة أرادت أن تجعل يسوع ملكاً، فانسحب منها. والخبر من السيرة الإنجيلية، فيبقى حكمه فيها، ولا ننقله إلى نبونيد، الملك الذي نطابقه بعيسى ﵇.
- الشريعة: في متى ٥: ١٧ تصريح بأن المقصود الإكمال لا النقض. فإذا قابلنا هذا القول برسائل بولس، أمكننا أن نبحث ما تغيّر في موقع الشريعة.
- النبوة بعد يسوع: يذكر سفر الأعمال أنبياء في جماعتي أورشليم وأنطاكية (أعمال ١١: ٢٧، ١٣: ١)، ويعدّ بولس الأنبياء في المرتبة الثانية بعد الرسل (١ كورنثوس ١٢: ٢٨). فالجماعات الأولى كانت تعرف النبوة موهبة قائمة فيها بعد يسوع، ثم استقر في اللاهوت المسيحي بعد ذلك مفهوم اكتمال الوحي.
- صمت بولس: رسائل بولس لا تسرد معجزات يسوع في حياته كما تسردها الأناجيل، وهو نفسه يصرّح بمقصده: «لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً» (١ كورنثوس ٢: ٢). فدعوته تدور على الصلب والقيامة أكثر مما تدور على سيرة المعلّم وأعماله، وعند هذا الموضع يبدأ تحوّل الصورة.
- الميلاد: يروي متى ولوقا الحبل العذري، كلٌّ بروايته، ويسكت عنه مرقس ويوحنا. والسكوت عن الخبر شيء، وإنكاره صراحةً شيء آخر.
- أخبار الطفولة: ما يرويه متى منها غير ما يرويه لوقا، ثم تتسع هذه الأخبار في مؤلفات جاءت بعدهما، مثل إنجيل يعقوب الأولي وإنجيل توما في الطفولة. ولذلك تُقرأ كل مجموعة منها مع تاريخها ومصادرها.
- يوسيفوس: يختلف الدارسون في الشهادة الفلافية التي في العاديات ١٨: ٦٣–٦٤، ويتجادلون في مقدار ما تدخلت فيه اليد المسيحية. أما أخبار الإسيين في الحرب ٢: ١٥٢–١٥٣ فتسمح لنا أن نقارن موقفهم من العذاب، من غير أن نجعلهم والمصلوب شخصاً واحداً.
وهذه المواضع كلها تسأل عن المسافة بين الرواية المبكرة والصياغات التي استقرت بعدها. بعضها يرجع إلى اختلاف النصوص، وبعضها إلى سكوت عن خبر، وبعضها إلى خلاف في التأويل، فإذا اجتمعت صار لدينا ميدان نحقق فيه تاريخ الصورة. وفي هذا الميدان يعرض الكتاب ما يقترحه: أن أخبار رجلين، وتراثين من زمنين مختلفين، قد اجتمعت في سيرة واحدة.
النقد التاريخي داخل الدراسات الإنجيلية
وهذه المسائل ليست جديدة، فلها تاريخ طويل في الدراسات الإنجيلية التي نشأت في الغرب وفي البيئة المسيحية نفسها. ففي القرن الثامن عشر فرّق هرمان صموئيل رايماروس (Hermann Samuel Reimarus) بين يسوع التاريخ ويسوع الإيمان. ثم جاء دافيد فريدريش شتراوس (David Friedrich Strauss) فدرس الروايات بأدوات النقد التاريخي في «The Life of Jesus Critically Examined» (١٨٣٥). ومن هذه البدايات اتسعت الأسئلة، وتعددت الطرق التي سلكها الباحثون في الإجابة عنها.
وسار على هذا الطريق باحثون محدثون: فقد درس إي. بي. ساندرز (E.P. Sanders) يسوع في سياقه اليهودي، وبحث ريموند براون (Raymond E. Brown) روايات الميلاد، وعمل بروس متزغر (Bruce M. Metzger) في النقد النصي، وخصص بارت إيرمان (Bart D. Ehrman) كتاب «Jesus, Interrupted» (٢٠٠٩) لعرض اختلافات الروايات وما يترتب عليها. فما نرجع إليه في هذا الفصل مباحث قائمة في الدراسات المتخصصة بالعهد الجديد، وإن اختلف أصحابها في مواقفهم وفي النتائج التي انتهوا إليها.
حُدودُ هذا الفصل بأمانة
وقد انتهينا في هذا الفصل إلى أن الأناجيل تحفظ روايات متعددة، وأن الصورة المتصلة التي تُعرض بها تكوّنت حين قرأها الناس وجمعوها وتأولوها. أما تعيين زمن يسوع ومكانه، وإثبات البديل الذي يقترحه هذا الكتاب، فموضعهما الشواهد الآتية. وما خرجنا به من هذا الفصل نقطة بداية: أن نقرأ كل خبر بملامحه، ونعرف الطريق الذي نُقل به، ثم ننظر في صلته ببقية الأخبار.
ومن هذه البداية ننتقل إلى لسان القرآن. فقبل أن نقابل الشخصيات والأزمنة، ينبغي أن نفهم الألفاظ التي تصفها، وأن نعرف مقدار ما تحفظه الكلمة من معنى يتسع لما اعتدنا قراءته فيها.
الفصل ١ ـ لِسان القرآن: مِن الاختِزال الحَرفيّ إلى الشُموليّة الأَصليّة
إشكالية الاختزال
يغلب علينا حين نقرأ الكلمة القرآنية أن نصلها بأشهر صورة تاريخية عرفناها لها. فإذا ذُكر عيسى ﵇ قرأناه بسيرة يسوع الناصري، وإذا ذُكر موسى قرأناه بالرواية التوراتية، وإذا ذُكرت الشجرة تبادرت إلى أذهاننا النبتة، ومع الصلب تتبادر الخشبة، ومع الرفع حركة الجسد إلى أعلى. وقد أقر علماء اللغة بأن للكلمة وجوهاً متعددة، لكن التطبيق في كثير من التفسير، من الطبري إلى اليوم، ظل أقرب إلى الصورة المشهورة. وهذا ما نريد أن نعيد النظر فيه. فحين نقف عند قوله تعالى «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ» نقرأ فيه، إلى جانب الصورة الحسية، معنى إبطال الرسالة ومحو صاحبها من الوعي، ونرى ما يصل الصلب بالتشهير والإهانة وإسقاط الحقيقة أمام الناس. ففي لغة القرآن من الاتساع ما يدعونا إلى النظر في هذه الوجوه، والسياق هو الذي يحكم بينها.
مَنهَج الجِذر والمَصاديق
ولنبدأ بكلمة الرفع. أول ما قد يتبادر منها أن ينتقل الجسم إلى مكان أعلى، ثم نقرأ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، فنفهم أن المرفوع هنا ذكر النبي ﷺ وقدره. ونقرأ كذلك ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فإذا الرفع رفع في المنزلة، بالإيمان والعلم، كما يفسره المفسرون. فالكلمة الواحدة تُستعمل في المحسوس وفي المعنوي، والسياق هو الذي يدلنا على الوجه المراد منها.
وعلى هذا النحو تمضي قراءتنا في ثلاث خطوات: ننظر أولاً في الجذر السامي كما هو في العربية وأخواتها، ثم نتتبع المعنى الذي يجمع استعمالاته، ثم نرجع إلى السياق لنعرف ما ينطبق عليه في الآية. فيبقى درس اللفظ موصولاً بفهم الخبر الذي ورد فيه.
من صاحب القول، وعن مَن يتحدث؟
ولنقرأ آيات النساء متصلة بعضها ببعض. يبدأ موضع القتل بقوله ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فالآية تعرض دعوى قوم يعيّنون المقتول، ثم يأتي الجواب ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. ويمضي السياق فيذكر اختلافهم فيه، وشكهم، واتباعهم الظن، ثم يقول ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء ١٥٧–١٥٨). فمن وقف عند صورة الصلب وحدها فاته أن القول والعلم والظن والاختلاف تتردد في هذه الآيات مرة بعد مرة.
والشبهة في قراءتنا وقعت في هوية صاحب الخبر: نُسب إلى عيسى ﵇ ما رُوي عن رجل آخر. فأصحاب الدعوى جمعوا الاسم إلى الحدث، وجاء جواب القرآن ففصل بينهما. وهذه هي القراءة التي يصلها كتابنا بما بقي من سيرة نبونيد، وبما أُلحق بيسوع الناصري. ومادتها التاريخية تأتي في الفصول التالية، أما السياق هنا فيدلنا على موضع السؤال: كيف استقر عند الناس أنهم يعرفون من قُتل، وبأي علم جزموا بذلك؟ والرفع عندنا يتصل بحفظ حقيقة المسيح وعلو مقامه، وعودته أن ينكشف ما حُجب من خبره.
ومثل هذا الاتساع نجده في لفظ الشجرة. فقوله تعالى ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يرسم عقيدة ثبت أصلها، وامتدت فروعها إلى آفاق المعرفة. وكذلك نفهم الإنزال في ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾: فالمراد أن المعرفة بالحديد أُتيحت للناس، ومعها القدرة على استخراجه. هذه كلها وجوه في الدلالة، ونرى أن من يقتصر على الصورة الحسية للكلمة تُحجب عنه هذه الوجوه.
وجذر م-س-ح من أهم الأمثلة في هذا الكتاب. فهو في العربية يدل على مسح الملوك والأنبياء بالزيت حين يُكرَّسون للوظيفة المقدسة، ويدل أيضاً على إمرار اليد طلباً للشفاء، ومنه ما أورده ابن منظور: «مَسَحَه المَلَكُ مَسحَةً فأَذهَب عَنه الأَذى». وفي العبرية نجد מָשִׁיחַ، ماشيح، أي الممسوح المكرس، ومن أفعال الجذر נִמְשַׁח (نِمشَح)، ويقابلها في الآرامية مشيحا (māshīḥā). فهذه صيغ متجاورة في الألسنة الثلاثة: משיח (ماشيَح) في العبرية، وmšīḥā في الآرامية، والمسيح في العربية، وكلها تحفظ صلتها بجذر سامي مشترك.
فإذا جمعنا هذه المعاني رأينا صورة رجل كرّسته البركة الإلهية، يشفي بإذن الله. وبها نقرأ وصف عيسى ابن مريم ﵇: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقد وصل مفسرون قدماء لقب المسيح بسياحته في الأرض ودعوته فيها، وهو معنى يحفظه جذر المسح نفسه، فالرازي ينقل عن أحمد بن يحيى: «سمي مسيحا لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها». فمن مسح الأرض فقد ذهب فيها، وعند هذا المعنى تلتقي السياحة بصورة النبي.
غير أن اتساع الوصف يردّنا إلى الشخصية التاريخية التي يشير إليها. فعيسى ﵇ في القرآن نبي بعينه، عاش في زمن معين، وأوصافه تحمل معاني تتصل بميراث النبوة السامي الأوسع. لذلك نجمع بين أمرين: أن نعيّن الرجل، وأن ندرس المعاني التي ظهرت في حياته، لأن الصفة قد تتجاوز صاحبها، وإن كانت قد تجلت فيه تجلياً خاصاً. وهذا الجمع هو الذي يمهد لنا النظر في صورة المسيح الأصل، وفي الصورة المحورة التي نسميها المسيخ.
الآراميّة والعَرَبيّة: قَرابةٌ أَعمَق ممّا يَتَخَيَّل القارئ
تعد اللسانيات السامية العربية والآرامية والعبرية لغات شقيقة ترجع إلى أصل سامي مشترك (Proto-Semitic). وقد يعرف القارئ هذه العبارة دون أن يدرك مقدار ما وراءها من قرابة. فهذه الألسنة تتشارك نظام الجذور، وكثيراً من أبنية الصرف، وعدداً كبيراً من الكلمات الأساسية المتقاربة في الصوت والمعنى. ومن تعلم الآرامية بعد العربية لمس ذلك في ألفاظ مألوفة له، كأنما يعود إلى وجوه أخرى من لسان يعرف أصوله.
وقد بيّنت أبحاث الدكتور أحمد الجلاد في النقوش الصفائية والثمودية أن العربية القديمة كانت تُنطق وتُكتب في شمال الجزيرة قبل الإسلام بقرون. وكانت تُكتب أحياناً بأبجديات غير أبجديتها، كالآرامية النبطية واليونانية، وتحتفظ مع ذلك بخصائصها الصوتية والصرفية. فنفهم كيف كتب النبط بالأبجدية الآرامية، وما صلة هذه الكتابة بالعربية التي كانوا يتحدثون بها. ومن هذه النقوش نقوش أم الجمال، ونقش رقش المؤرخ بسنة ٢٦٧م في مدائن صالح، ونقش النمارة المؤرخ بسنة ٣٢٨م، وفيها كلها نستطيع أن ننظر في اللغة فنميزها من شكل الحروف التي كُتبت بها.
وعلى هذه المقارنات نبني رأياً خاصاً بهذا الكتاب، هو أن العربية أحفظ أخواتها لمنطق اللسان الأم، وأدقها في الاحتفاظ بطائفة من الأصوات الحلقية والمطبقة، كالعين والغين والحاء والخاء والظاء والضاد. فهذه فروق بقيت ظاهرة في العربية، وضاق عن بعضها الرسم العبري والآرامي. ونرى في ذلك أن الأخوات هي التي انزاحت عن الأصل في هذه الوجوه، فنرجع إلى العربية لنستبين ما اندمج في أخواتها من أصوات. وسنعرض القرائن الصوتية والمعجمية لهذا الرأي في مواضعها، ونميزه هناك من القدر المشترك في الدرس الأكاديمي. وبه أيضاً نفهم نزول الوحي الخاتم بلسان عربي مبين، وهو لسان نراه أقدر على حمل هذه الفروق والاحتفاظ بمعاني الأصل.
ولنأخذ اسماً يعرفه كل قارئ: غزة. تُكتب في العبرية עזה (عَزّاه)، بحرف يعبّر به الرسم العبري أيضاً عن العين، وتُنقل في اليونانية القديمة Γάζα (گازا). أما العربية فتحفظ الغين في «غزة»، وتميزها من العين في الكتابة والنطق معاً. وقد أورد غيزينيوس هذا المثال حين بحث الحروف الحلقية ونقلها إلى اليونانية. فالمقارنة بين الألسن تعيد إلينا فرقاً صوتياً يغيب إذا اكتفينا بالرسم العبري، ومن مثل هذه الفروق نبدأ في قراءة الأسماء القديمة وفي سماعها من جديد. (قواعد غيزينيوس، الفقرة ٦، في نطق الحروف وتقسيمها.)
فعودتنا إلى الآرامية والعبرية القديمة جزء من نظرنا في القرابة العميقة للسان القرآن، نرجع إليهما كما نرجع إلى المعاجم، لنستبين تاريخ الكلمة ووجوه معناها. وهذه المقارنة تسمح لنا أن نقرأ أسماء الأنبياء قراءة يتصل فيها الاسم بوصف صاحبه، وبالخبر الذي حفظته النصوص عنه.
تَأصيلُ المَنهَج في التُراث
ولهذه الطريقة أصول في التراث اللغوي العربي. فقد أقام الخليل بن أحمد الفراهيدي معجم «العين» على ترتيب صوتي يرد الحروف إلى مخارجها. وجاء ابن فارس بعده بأكثر من قرن، فبحث في «مقاييس اللغة» عن المعاني المركزية للجذور وما تتفرع إليه. ثم اعتنى الراغب الأصفهاني في «المفردات» بوجوه الكلمة القرآنية وصلتها بمعناها، حتى تجاوز عمله جمع الألفاظ إلى تفسيرها في سياق الوحي. وإلى جانب هذه الأعمال نشأ علم الوجوه والنظائر، الذي يتتبع تعدد دلالة اللفظ الواحد في القرآن.
ومن امتداداته في العصر الحديث ما قام به فهمي خشيم من مقارنات بين العربية وأخواتها السامية. وفي الفكر الغربي عُني غادامر بتاريخ الفهم وسياق النص، وبحث ريكور في تعدد طبقات الدلالة، ونحن نضع ذلك إلى جانب ما سبق إليه التراث الإسلامي من وجوه النظر في المعنى. فالمنهج الذي يسير عليه هذا الكتاب يستفيد من هذا الميراث الممتد من الخليل وابن فارس والراغب إلى خشيم، ثم يعود بأدواته إلى أسئلة الأسماء والأخبار التي تشغلنا هنا.
وننتقل إلى الأسماء: ما الذي تحفظه من وصف صاحبها، وما الذي يضيع حين تُنقل من لسان إلى آخر؟ وسنقرأ عيسى ﵇ ويحيى ومريم على هذا النحو، ثم نقابل دلالاتها بالقصص التي حملتها.
الفصل ٢ ـ أسماء الأنبياء في القرآن: أوصافٌ لا أعلام
«الاسم» في استِعمال القُرآن نفسِه
الاسم في القرآن أكثر من علامة يُعرف بها صاحبه، فللأسماء فيه حياة ومعنى. خذ قوله ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾: فالتسمية هنا متصلة بالرحمة والحكمة والعزة والقداسة. وعلى هذا النحو نقرأ أسماء الأنبياء، فنراها أوصافاً تستحضر رسالة أصحابها، وتجمع معنى حياة كاملة في لفظ قصير. أما إذا صار الاسم في أذهاننا صوتاً نميز به رجلاً من رجل، فقد غاب عنا ما اختير ليدل عليه. وهذا الفصل محاولة لاسترجاع تلك الدلالة.
وقد اختلف النحويون قديماً في اشتقاق «اسم». فردّه البصريون إلى السمو، أي العلو، وقالوا إن الاسم يعلو على المسمى، وردّه الكوفيون إلى الوسم، أي العلامة التي يُعرف بها الشيء، والمسألة مبسوطة في «الإنصاف في مسائل الخلاف» لابن الأنباري. ونحن نأخذ في قراءتنا بوجه الكوفيين، فالاسم عندنا سمة، وعلى هذا الوجه نفهم «اسمه أحمد»: أي إن سمته أحمد.
على أن الخلاف بين المدرستين ما زال قائماً، ولذلك لا نحمّل هذا الوجه وحده حجة الفصل، وإنما نضم إليه ما نجده في القرآن نفسه من استعمال الأسماء للدلالة على الصفات. فإذا اجتمع الأمران كان لقراءتنا شاهد من النص، وأصل معروف في النظر اللغوي.
وللإنسان على هذا المعنى اسمان. اسم في الدنيا يختاره له أهله، فيُنادى به بين الناس، ويُكتب في سجلاتهم، ويُعرف به في البيت والسوق. واسم عند الله يدل على حقيقته، وعلى السمات التي خُلق عليها، والمهمة التي جاء لها. والقرآن حين يسمّي أنبياءه يذكرهم بهذا الاسم الثاني، ولذلك تأتي أسماؤهم من الله في البشارة قبل أن يولدوا: ﴿يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا﴾ (مريم ٧)، و﴿وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ﴾ (الصف ٦). فالذي سمّى هو الله، والاسم يسبق صاحبه إلى الدنيا ليدل على ما سيكون. ومن المفسرين من حمل «سمياً» في آية يحيى على المثيل والشبيه، كما حملوه عليه في قوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا﴾ (مريم ٦٥)، فيكون السميّ من شاركك في السمة، لا من شاركك في صوت الاسم وحده.
وفي أسفار العهدين شاهد على المعنى نفسه، إذ يتغير الاسم حين تنكشف المهمة. قيل لأبرام: «فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم» (تكوين ١٧: ٥)، وقيل ليعقوب بعد أن صارع حتى الفجر: «لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل» (تكوين ٣٢: ٢٨). وفي رؤيا يوحنا وعدٌ لمن يغلب بأن يُعطى «حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ» (رؤيا ٢: ١٧). فالاسم الحق يُعطى من فوق، ويبقى سراً بين صاحبه وربه، حتى يكشفه الله لمن يشاء. وعلى هذا نفهم كيف يُعرف رجل واحد في سجلات الناس باسم، ويذكره القرآن باسم آخر: فالسجلات تحفظ الاسم الذي ناداه به قومه، والقرآن يذكره بالاسم الذي سمّاه به الله. وهذا ما نقرؤه في الفصل الخامس، حين نجد عيسى ﵇ في نقوش بابل باسم ملكها نبونيد.
عيسى: قراءةُ الاسم من حروفه
وعلى هذا الأساس نقرأ أسماء الأنبياء. فالاسم يدل على صاحبه بما يحمله من صفته أو مهمته، ثم تأتي سيرته فتبيّن ما انطوى فيه من معنى. وأسماء القرآن في نظرنا أوصاف مكثفة، يستحضر كل منها جوهر رسالة. وأول ما نبدأ به اسم عيسى ﵇، لأنه أقرب الأمثلة إلى السؤال الذي يدور عليه هذا الكتاب.
وخطوتنا الأولى أن ننظر فيما تقوله حروف الاسم في العربية، قبل أن نقابلها بصوره في الألسنة الأخرى. وحروف «عيسى» العين والياء والسين، فإذا رجعنا إلى هذا الجذر في العربية وجدنا العيس، وهي كرائم الإبل البيض، ووجدنا العيسة وما يتصل بها من البياض والصفاء. ومن هذا الحقل نقرأ في الاسم معنى الطهر والاصطفاء.
ثم نضع إلى جانب هذا الحقل حقلاً آخر هو حقل العيش، من ع-ي-ش، ومنه عاش ويعيش وعيش ومعاش. والذي يصل بين الصيغتين أن بين السين والشين في الألسنة السامية مقابلات منتظمة. فإذا أخذنا بهذه الصلة قرأنا في الاسم الطهر والحياة معاً، واجتمع فيه الصوت والدلالة.
فإذا جمعنا الحقلين خرج لنا معنى الحي الطاهر المصطفى. وهذا المعنى نجده في وصف صاحب الاسم نفسه: فعيسى ﵇ يحيي الموتى بإذن الله، كما قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو المسيح الممسوح المطهر المكرس، وهو كلمة الله وروح منه، ولدته مريم الطاهرة بنفخة الروح. فالدلالة التي نقترحها للاسم تلتقي بهذه الصفات، ويشرح كل منهما الآخر.
السين والشين: قاعدةُ التَبادُل الساميّ
إذا قارنّا الألسنة السامية بعضها ببعض وجدنا بين بعض السينات والشينات مقابلات منتظمة. وفي الكتابة العبرية ما يشهد لذلك أيضاً، فقد استُعمل فيها رسم واحد هو ש (شين / سين) لصوتين، ثم جاءت نقاط القراءة بعد ذلك فميّزت بينهما. لكن تقارب الرسم لا يعني أن الأصوات كلها تتبادل بلا قيد، ولذلك نقرأ كل مثال من أمثلة المقابلة مع كلمته وسياقها، ثم نعرض اقتراحنا للاسم على هذا الأساس.
ومن أوضح الأمثلة: سنة في العربية وשנה (شاناه) في العبرية، وسبت وשבת (شَبّات)، وسلام وשלום (شالوم)، وسن وשן (شين). ففي كل زوج منها يتغير الصوت بين لسانين قريبين، ويبقى المعنى واحداً. ونحن نستعين بهذا الباب حين نصل اسم عيسى ﵇ بمعنى الحياة. أما المسار الذي سلكه الاسم نفسه فإنما يتعين بصيغه وشواهده، وهي ما تتناوله الفقرات التالية من النقش والأسماء القريبة.
وفي النقوش شاهد مهم لهذه المسألة. فقد نشر أحمد الجلاد وعلي المناصر نقشاً صفائياً يرد فيه الاسم ʿsy في سياق دعاء، ورجّحا أن الاسم يقابل اسم عيسى القرآني ﵇، وأن النقش يعود إلى القرن الرابع الميلادي. فالاسم بهذه الصيغة كان معروفاً في شمال الجزيرة قبل الإسلام، والقرآن إذن يحفظ صيغة عربية كانت قائمة قبله. هذا ما يشهد به النقش: أن الصيغة قديمة. أما معناها فنطلبه في اللسان، في العيس والعيش، على قراءة هذا الكتاب. (الجلاد والمناصر، «الاسم الإلهي السابق للإسلام ʿsy وخلفية عيسى القرآني»، ٢٠٢١.)
وقد وقف آرثر جفري أمام اسم عيسى ﵇ في كتابه «المفردات الأجنبية في القرآن» (١٩٣٨، ص ٢١٨–٢٢٠)، فعدّه لغزاً لم يُحل بعد، ولم يجد طريقاً إليه من «يشوع» إلا بتقليب الحروف، ثم أحال إلى أثر محتمل للنطق النسطوري. فاشتقاق الاسم من العبرية يحتاج، عند القائلين به أنفسهم، إلى عمليات متعددة حتى يستقيم، في حين يشهد النقش الصفائي بأن الصيغة العربية كانت قائمة.
الاسمُ الذي لم يَستَعمِله القُرآن
وبعد الاشتقاق ننظر في الاسم الذي اختاره النص القرآني. فقد عرف نصارى العرب في الشام والحيرة ونجران اسم «يسوع»، المتصل بالصورة السريانية، واستعملوه قبل الإسلام وبعده. أما القرآن، وهو يخاطب أهل الكتاب في صاحب هذه الأخبار، فيذكر «عيسى» خمساً وعشرين مرة، ويذكر لقب «المسيح» إحدى عشرة مرة، ولا يذكر لفظ «يسوع» أبداً. وهذه أعداد للألفاظ، وقد يجتمع بعضها في الآية الواحدة. ونحن نقرأ هذا الاختيار مع اختلاف أخبار الشخصيتين في الأم والبيئة والمصير، لأن حجة الكتاب في التمييز بينهما تتكون من اجتماع ذلك كله.
شَواهِدُ إضافيّة: العَيص والإيسيّون
وعندنا، فوق مادة الجذر والنقش الصفائي، اسمان قريبان من هذه الصيغة، نرى أن المقارنة بهما تساعد على تتبع قدمها وصلتها باللسان السامي.
أولهما العيص، أو عيسو (עֵשָׂו) (عيساو)، وهو في الرواية التوراتية ابن إسحاق وتوأم يعقوب. وقد سجّل ابن حزم الأندلسي، في ملاحظاته على الأسماء، ما بين «عيسى» و«العيص» من تقارب. والذي يعنينا من هذه المقارنة أن صيغة قريبة في صوتها من الاسم القرآني كانت حاضرة في الذاكرة السامية القديمة، فهي تفتح لنا طريقاً إلى تتبع أصل الاسم قبل الإسلام.
وثانيهما الإيسيون (Essaioi)، وهم جماعة يهودية زاهدة موحدة، وصف فيلون الإسكندري حياتها المشتركة في «Hypothetica»، وربط اسمها بالقداسة (ὁσιότης) (هوسيوتيس) في «كل فاضل حر» (Quod Omnis Probus Liber Sit, 75). ووصف يوسيفوس فلافيوس في «الحرب اليهودية» (٢: ٨) ما كانت عليه حياتها من نظام، وما كان لها من عناية بالشفاء. ثم بحث ماثيو بلاك (١٩٦١م) وجيزا فيرمس في أصل التسمية، فردّاها إلى الآرامية ʾāsyāʾ، أي الشافين المعالجين. ونحن نقترح إلى جانب ذلك قراءة لصدر الاسم اليوناني: فالصائت E في أوله قد يحفظ أثر العين والياء، «عي»، لأن العين لا مقابل لها في اليونانية، فإما أن تكون سقطت وإما أن تكون تحولت إلى صائت. وعلى هذا يكون وراء Essaioi اسم «العيسيون» (al-ʿĪsiyyūn)، أي المنسوبون إلى عيسى ﵇: عي-سيون ← إسايوي. ثم ننظر في صلة هذا الاسم بالصيغتين العربيتين: الإيسيين والعيسيين.
ثم نخطو في تفسير الدلالة خطوة أبعد مما صرّح به بلاك وفيرمس. فالشفاء الذي تدل عليه ʾāsyāʾ، والحياة التي نقرؤها في ع-ي-ش، يلتقيان في عمل واحد: أن يُحيا الإنسان وتُردّ إليه عافيته. والقرآن يجمع الفعلين في وصف عيسى ﵇: «أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله». وعلى هذه الصلة نبني المقارنة بين المعنى العربي والوسيط الآرامي والصيغة اليونانية، حتى لكأن الاسم يحفظ صورة المعلّم الحي الذي يحيي ويشفي.
فهذه أربعة مداخل إلى الاسم: الجذر السامي، والنقش الصفائي، واسم العيص، واسم الإيسيين. وننظر فيما يضيفه كل مدخل منها إلى غيره، في تفسير الاسم وفي معرفة قدم مادته. أما الإطار التاريخي الأوسع، ومنه صلاة نبونيد 4Q242، فسنعود إليه في الفصلين الخامس والسادس.
يحيى وعيسى: الثنائيّ النبويّ المتكامل
ننتقل الآن من الاسم المفرد إلى اسمين يقترنان في القرآن: يحيى وعيسى ﵇. فكل منهما سُمّي قبل أن يولد، وجاء اسمه في بشارة من الله: قيل لزكريا «إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى»، وقيل لمريم «إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم». فالتسمية في الموضعين تأتي مع البشارة، وفي هذا التوازي نرى مدخلاً إلى فهم ما يصل الرسالتين، وما يجمع النبيين من قصد إلهي واحد.
والاسمان في قراءتنا يدوران حول الحياة وإحيائها. ونرى يحيى معلّماً لعيسى ﵇ في طريقه إلى الله، فالمختار قد يصحبه معلّم، ويُربّى بالابتلاء حتى يكتمل ظهوره. والتطهير عندهما متصل بالشفاء، وهي الصلة نفسها التي سنقرؤها بعدُ في خبر نبونيد. فلا نجعل لأحدهما القلب وللآخر الجسد، لأن الرسالة تشمل الإنسان كله.
ويضاف إلى ذلك أن النبيين جاءا من بيت متصل النسب. فزكريا كاهن مكرس للعبادة، ويذكر لوقا ١:٥ أن زوجته إليصابات «من بنات هارون»، والقرآن يخاطب مريم بقوله «يا أخت هارون». ونحن نقرأ في هذا الخطاب انتسابها إلى البيت الكهنوتي نفسه، فيكون يحيى وعيسى ﵇ ابني امرأتين هارونيتين، ويكون الميراث الذي يحملانه راجعاً إلى موسى وهارون والمسحة المقدسة. وإذا عرفنا هذا النسب فهمنا شيئاً من التقليد الروحي الذي نشآ فيه.
وقد حفظ المندائيون ليحيى في ذاكرتهم مقاماً مركزياً في التعليم والتعميد، وحملت رواياتهم عن يسوع آثار خصومة دينية سنقف عندها في الفصل الرابع عشر. وفي هذه المادة ما يساعدنا على تتبع ما بقي من سلطة يحيى وتعليمه، ثم على السؤال عن الطريقة التي توزعت بها أخبار هذه العلاقة بين الأناجيل والتقاليد الأخرى.
وتظهر بين النبيين صلة أخرى حين ننظر في الطريقة التي يُذكر بها مصيرهما. يقول القرآن في يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ١٥)، فيذكر مولده وموته وبعثه، ولا يفصّل كيف مات. أما خبر قطع رأسه بأمر هيرودس فإنما يرد في متى ١٤ ومرقس ٦، والقرآن لا يفصّل القول فيه بإثبات ولا نفي. ويقول في عيسى ﵇: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، ثم ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء: ١٥٧-١٥٨). فالنبيان يجتمعان في الرسالة، لكن ما يُروى عن مصير كل منهما يختلف في مقداره، وهذا فرق نضعه في حساب المقارنة.
«حَصوراً»: قِراءةٌ جامِعة
ومما وُصف به يحيى قوله تعالى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ٣٩). وقد فُسّر «حصوراً» بمن لا يأتي النساء، غير أن ابن منظور يورد في مادة ح-ص-ر من «لسان العرب» معنى أوسع: «الحصور: الكثير الإمساك، المتمسك المتقبض في كل شيء، والذي لا يأتي النساء». فالجذر يتسع للإمساك والإحاطة والحفظ، ومن هذا المعنى الجامع نقرأ الوصف: فالحصور رجل يحفظ ميراثه الهاروني ويضبط نفسه، والعفة داخلة في صفته مع سائر وجوه الحفظ والإمساك.
يَحيى أَوَّلاً ـ التَتابُعُ الزَمَنيّ الذي يَحفَظُه القُرآن
وإذا نظرنا في ترتيب الأخبار وجدنا القرآن يقدّم زكريا ويحيى، ثم ينتقل إلى مريم وعيسى ﵇. ويتكرر هذا التتابع، كاملاً أو في بعض حلقاته، في مواضع متعددة:
- سورة آل عمران (٣٧-٤٥): زَكَرِيّا يَدعو، يَحيى يُبَشَّر، ثُمَّ مَريم تُبَشَّر بِعيسى ﵇.
- سورة مَريم (١-٣٤): زَكَرِيّا أَوَّلاً، يَحيى ثانياً، مَريم ثالثاً، عيسى ﵇ رابِعاً.
- سورة الأَنبياء (٨٩-٩١): زَكَرِيّا، ثُمَّ مَريم وعيسى ﵇.
- سورة الأَنعام (٨٥): ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ﴾ ـ تَجتَمِعُ أَسماؤُهم في آيَةٍ واحِدة.
فإذا قدّم القرآن يحيى في هذه المواضع، فذلك منسجم مع قراءتنا له معلّماً سبق عيسى ﵇. ونضع إلى جانب ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي يحضر في صلاة نبونيد، فنقترح أنه يحيى، ونقترح أن الشفاء والتعميد وظهور الروح في الروايات اللاحقة تحفظ وجوهاً من تجربة السلوك نفسها. فالمرض في هذه القراءة امتحان للمختار وترقٍّ له، كما تروي الآية ابتلاء إبراهيم وإتمامه الكلمات، ولا نقرؤه انتقالاً من ملك كافر إلى نبي مؤمن. هذا ما يضيئه ترتيب الذكر في القرآن، أما تعيين الرجل في الوثيقة فاجتهاد نبسطه حين نعرض نصها.
ويتصل بهذا الترتيب ما وُصف به الاسم نفسه في قوله تعالى ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم ٧). ففي تفرد التسمية نقرأ إشارة إلى أن ما أُعدّ له يحيى أمر جديد، وأنه بداية تتصل بها رسالة عيسى ﵇ من بعده. وهكذا يلتقي الاسم وترتيب الخبر في قراءتنا للعلاقة بين النبيين.
«وحَنَاناً مِن لَدُنّا»: القُرآنُ يَقرَأُ الاسمَ التَوراتيّ
أما التقليد المسيحي فيحفظ لهذا النبي اسم يوحنا المعمدان. وصورة الاسم في اليونانية Ἰωάννης (يوآنّيس)، يوآنس، وفي السريانية ܝܘܚܢܢ، يوحنان، ووراءهما العبرية יוֹחָנָן، يوحانان، وصورتها التامة יְהוֹחָנָן، يهوحانان. والاسم الكامل مركّب من جزأين: יְהוֹ، يهو، وهو العنصر الدال على اسم الرب، وחָנָן، حانان، من جذر ح-ن-ن بمعنى تحنن وأنعم، فيكون معناه «الله تحنن». والحرف ח (حيت) في العبرية يقابل الحاء في العربية، فالقرابة ظاهرة في الحاء والنون وفي معنى الحنان معاً، ومن هذه القرابة نصل الاسم بالوصف.
ثم نعود إلى القرآن، فنجده يسمي الغلام يحيى، ويذكر تفرد هذه التسمية، ثم يصفه بعد آيات بقوله ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ (مريم: ١٣). ولفظ الحنان لا يرد في القرآن إلا في هذا الموضع، وهذا اللفظ الفريد يقع في وصف النبي الذي يقوم اسمه المعروف عند أهل الكتاب على الجذر نفسه. ونحن نقرأ هذا الالتقاء دليلاً على أن معنى الاسم الآخر حاضر في الآيات، وإن كان القرآن قد اختار اسم يحيى ليعرّف به صاحبه.
ومعنى «يوحانان»، أي تحنّن الرب، يلتقي بقوله ﴿وحناناً من لدنا﴾: فالحنان في الآية هبة صادرة عن الله. والعنصر الإلهي في الاسم يقابل في الآية الجهة التي جاء منها العطاء، والجذر ح-ن-ن حاضر في الموضعين. على أن هذه مقارنة في بناء المعنى، وليست ترجمة حرفية تجعل «يهو» وحدها بمعنى «من لدنا».
وهنا تظهر الطريقة التي نقترحها في قراءة الأسماء. فـ«يحيى» يبرز معنى الحياة المتصل برسالة النبي، و«حناناً» يردّ معنى الاسم القديم إلى عطية من الله. وعلى هذا نفهم ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾: فالمتفرد هو لفظ يحيى في التسمية، أما يوحانان فكان من الأسماء الشائعة، يحمله كبار الكهنة وملوك حشمونيون. وبالفرق بين الصيغتين يبقى لكل منهما معناه في موضعه.
وانتشار «يوحانان» في أخبار الكهنة والملوك يثير مسألة زمنية أخرى. فآية ﴿لم نجعل له من قبل سمياً﴾ تتحدث عن اسم يحيى الذي اختاره القرآن، ويمكن أن نقرأ فيها معه جدّة المنزلة والوظيفة. أما أن نجعلها تأريخاً لأول من حمل اسم يوحانان في السجلات كلها، فخطوة لا يعطينا إياها النص وحده. ولذلك نتتبع من حملوا الاسم وشبكة أسرهم، وننظر فيما قد تحفظه من صلة ببيت زكريا ويحيى.
وفي لوقا يعترض الأقرباء على التسمية بقولهم: «ليس أحد في عشيرتك تسمّى بهذا الاسم» (١:٦١). واعتراضهم يخص العشيرة، فلا ينفي أن الاسم كان شائعاً خارجها. والذي يعنينا في هذا المشهد أن التسمية كانت مقصودة، قطعت بها الأسرة عادتها، وهذا يلتقي باهتمام القرآن بالاسم الموهوب، فيدخل في المقارنة بين القصتين قبل أن نعيّن العصر الذي نشأ فيه هذا الخبر.
ويحضر اسم يوحانان أيضاً في أخبار الكهنوت الذي نقرأ صلته بزكريا ويحيى. ففي عزرا ١٠: ٦ يدخل عزرا «مخدع يهوحانان بن إلياشيب»، والاسم هنا بصورته التامة יְהוֹחָנָן (يِهوحانان). وفي نحميا ١٢: ٢٢ـ٢٣ سلسلة الكهنة الكبار، وهم إلياشيب ويوياداع ويوحانان ويدوع. وتذكر برديات إلفانتين سنة ٤٠٧ ق.م «يهوحانان الكاهن الأكبر» في أورشليم، ونجد الاسم منقوشاً في المعدن على عملة «يوحانان الكاهن»، وهي العملة التي نعرضها في الملحق التاسع. وبهذه الشواهد نستطيع أن نتتبع الاسم في البيت الكهنوتي، ولا سيما في القرنين الخامس والرابع ق.م. ثم نقابلها بصورة يحيى في القرآن: فأبوه صاحب المحراب، وفي دعائه ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (مريم: ٦)، ومريم تُخاطب بـ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ (مريم: ٢٨).
ومن الشواهد المؤرخة عريضة إلفانتين TAD A4.7، المعروفة أيضاً بكاولي ٣٠، وقد كُتبت سنة ٤٠٧ ق.م، وفيها ذكر يهوحانان الكاهن الأكبر في أورشليم. وقيمتها أنها تثبت أن الاسم كان حاضراً في الوسط الكهنوتي في ذلك التاريخ. لكنها متأخرة عن حكم نبونيد بأكثر من قرن، ولذلك نستعملها في تتبع الاسم والبيت الكهنوتي، ولا نعاملها وثيقة معاصرة لنبونيد.
ويجمع المندائيون الاسمين في «كتاب يحيى» بصيغة «يهيا يوهانا» (Iahia Iuhana، في تحقيق لدزبارسكي ١٩١٥). ولهذه الشهادة وزنها، لأنها تأتي من جماعة تحفظ ليحيى مقاماً خاصاً، ولم تدخل في قانون الكنيسة. ونحن نفهم اجتماع الاسمين عندهم على أنه حفظ لوصفين للرجل نفسه: صيغة توافق الاسم القرآني، وأخرى تتصل بالاسم التوراتي. وعلى هذا نقرأ تسميته يحيى، وورود الحنان في آياته، على أنهما معرفة بالمعنيين معاً، وهذه قراءة غير قراءة من يرى في يحيى تصحيفاً ليوحانان.
والاستدلال هنا يقوم على مستويين. فالمقابلة بين ح وח (حيت) معروفة، كما يبين السطر الثاني من جدول الفصل السابع، وورود «حناناً» مرة واحدة أمر يُعرف بالإحصاء، فهذا مستوى ثابت. أما أن يكون اجتماع اللفظ بالاسم في هذا الموضع مقصوداً، فهذا ما نقترحه في التأويل. وعند هذا الحد نقف بالمقارنة: فجذر «زكاة» ز-ك-و يختلف عن جذر زكريا العبري ז-כ-ר، ز-خ-ر، المتصل بالذكر، والمشابهة لا تسوّغ إغفال الحرف الثالث. ويضاف إلى ذلك ما ينقله السيوطي في «الإتقان» عن ابن عباس: كل القرآن أعلمه إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، وأواه، والرقيم. فنستأنس بتوقفه عند الحنان في فهم ما قد يخفى من صلة اللفظ بالاسم المعروف لدى أهل الكتاب، وكأن انقطاع الذاكرة بين الاسمين أبعد عن قارئ اللفظة أحد مفاتيحها.
المَسيحانِ في زَكَرِيّا ـ يَهوشَع وَ زَرُبّابِل
وسنحتاج هنا إلى تعريف موجز بسفر زكريا. فهو من كتب الأنبياء في العهد القديم، أو التناخ العبري، وينتمي إلى مجموعة الأنبياء الاثني عشر الصغار، وهي مجموعة غير أسفار موسى الخمسة: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية. ويُنسب السفر إلى زكريا بن برخيا، وتؤرَّخ بداية نبوته بنحو سنة ٥٢٠ قبل الميلاد، أي في جيل الرجوع من بابل وإعادة بناء الهيكل، وكان معاصراً لحجي. وفي سفره رؤى كثيرة، ومعانٍ كثيرة من انتظار المسيح. والرواية التقليدية تميّزه من زكريا والد يحيى، كما تميّز يهوشع الكاهن الذي يرد فيه من يوشع بن نون. أما هذا الكتاب فيقرأ الصلات بين هذه الأسماء في الأفق الأقدم الذي يقترحه لعيسى ﵇ ومريم، ويعرض ما تتيحه الأخبار من تقارب، وما في ترتيبها من مسائل.
وفي السفر رؤيا تصل الوظيفة الدينية بالملك، هي رؤيا المنارة الذهبية والزيتونتين: يرى زكريا منارة ذات سبع سرج، عن يمينها وشمالها زيتونتان تمدانها بالزيت، فيسأل عن معناهما، فيأتيه الجواب:
«هَذانِ هُما ابنا الزَيت، الواقِفانِ عِندَ سَيّدِ الأَرض كُلِّها» (אלה שני בני־היצהר העמדים על־אדון כל־הארץ) (إيلّه شِني بْني هَيِّتسهار هاعومديم عَل أَدون كول هاآرِتس)زَكَرِيّا ٤:١٤
فهاتان صورتان تقفان عند الرب، يسميهما النص ابني الزيت، أو «بنو اليصهار» بالعبرية. ولما كان الزيت مادة المسحة المقدسة، فهمنا من هذا الوصف أنهما ممسوحان. فمن هما؟ لتعيينهما نعود إلى الشخصيتين البارزتين في الإصحاحين الثالث والسادس:
- يَهوشَع بنُ يَهوصادَق ـ أَوّلُ كاهِنٍ أَكبَر بَعدَ الرُجوع مِن بابِل، وابنُ يَهوصادَق الكاهِن الذي سيقَ إلى السَبي. في الإصحاح الثالِث يَقِف بِثيابٍ قَذِرة (رَمزِ الإثم)، فَتُنزَع عَنه وتُلبَسُ له «ثيابٌ نَظيفة» و«عِمامةٌ طاهِرة» (٣:٤-٥)، ثُمَّ يُتَوَّجُ بِتاجٍ في (٦:١١). هذا هو المَمسوحُ الكَهَنوتيّ: يُطَهِّر ويَرفَع الإثم. (وهو غَيرُ يوشَع بن نون خَليفةِ موسى؛ وتَشابُهُ الاسمَين هو بِعَينِه مَصدَرُ الالتِباس الذي سَنَقِف عِندَه).
- زَرُبّابِل بنُ شَأَلْتيئيل ـ والي يَهوذا تَحتَ الحُكم الفارسيّ، الذي قادَ العَودةَ ووَضَعَ أَساسَ الهَيكَل الثاني. في الرُؤيا «الجَبَلُ أَمامَه يَصيرُ سَهلاً» (٤:٧)، و«يَداه تَضَعانِ أَساسَ البَيت» (٤:٩). هذا هو المَمسوحُ المُلوكيّ: يَبني ويُؤَسِّس.
واسم «زربابل» نفسه يحمل ذاكرة بابل، فقراءته الأكدية الشائعة zēr-Bābili، أي «بذرة بابل». ويروي النص نسبه إلى شألتيئيل، ويربطه بالميراث الداودي، فقد اجتمعت في هذا الرجل بابل في اسمه، والبيت الداودي في نسبه، ودوره في بناء الهيكل وفي الانتظار الملوكي. ثم تبلغ الصورة ذروتها في زكريا ٦:١٢–١٣، حيث يظهر «الغصن»، ويُذكر بناء الهيكل والعرش والكهنوت، ثم تُختتم الرؤيا بذكر مشورة السلام بين الاثنين. فهذه مادة أساسية لسؤالنا عن اجتماع الملك والوظيفة الدينية، أما تعيين الشخصيات والعلاقة بينها فتتناوله الفقرات التالية.
ويلفت النظر في النص العبري أن الأكاليل تُجمع وتوضع على رأس يهوشع، ثم تُذكر مشورة السلام «بينهما» في زكريا ٦: ١٣. وفي الآية التالية يأتي بعد «الأكاليل» فعل بصيغة المفرد: וְהָעֲטָרֹת תִּהְיֶה (وِهاعَطاروت تِهيِه). واللسان العبري يعرف إسناد المفرد المؤنث إلى جمع الأشياء، كما يشرح غيزينيوس في الفقرة ١٤٥، ولذلك تتجه عنايتنا إلى صورة المشهد، وإلى من يجمعهما السلام، أكثر مما تتجه إلى اختلاف العدد النحوي وحده. فالنص يضع الأكاليل، والرأس المتوج، وبناء الهيكل، والعرش، والكاهن، بعضها إلى جانب بعض، ويصل بينها.
والترجمة اليونانية القديمة تزيد السؤال وضوحاً، فهي في زكريا ٦: ١٣ تجعل كاهناً عن يمين صاحب العرش، ثم تذكر مشورة السلام بين الاثنين. أما النص العبري فيضع الكاهن «على عرشه»، وهو تركيب تباينت فيه القراءات. فعندنا إذن شاهدان قديمان على الطريقة التي تصوّر بها القدماء هذه العلاقة: في اليونانية شخصيتان متجاورتان على نحو أوضح، وفي العبرية صياغة يتداخل فيها العرش والكهنوت. ومن هذه المقابلة يدخل سؤال المسيحين في مادة النص نفسه. (زكريا ٦: ١١–١٤، النص العبري؛ مقابلة ٦: ١٣ وقراءة السبعينية؛ غيزينيوس، الفقرة ١٤٥.)
وقد ناقش المحققون في هذا المقطع تعدد الأكاليل مع وحدة الرأس، ومجيء الضمير بصيغة المثنى، واقترح بعضهم أن لزربابل دوراً في صورة أقدم للرواية. والذي يعنينا أن النص يجمع مسحاً وتطهيراً وتاجاً وبناءً وسلاماً، ويجعلها بين اثنين. ومن هذه العناصر نبدأ المقارنة بانتظار المسيحين في قمران، ثم ننظر إلى أي حد تتصل الصورتان، لأن الانتظار نفسه جزء من تاريخ انتقال هذا التراث.
ويتصل زكريا نفسه بالبيت الكهنوتي العائد من بابل. فنحميا يذكر «عدّو» بين الكهنة الذين صعدوا مع زربابل بن شألتيئيل ويشوع (١٢:١، ٤)، ثم يقول «ولعدّو زكريا» (١٢:١٦). فصاحب الرؤيا، الذي يتكلم في التتويج وفي العلاقة بين الاثنين، ينتمي بحسب هذا الخبر إلى الوسط نفسه الذي يصفه.
فإذا رتبنا الأخبار بحسب تواريخها رأينا أحداثاً تتعاقب في نحو أربعين سنة، يرتبط كل منها باسم ملك، وبزمن يعرفه النقش أو السفر الذي يرويه:
- نَحوَ ٥٥٣ـ٥٤٣ ق.م ـ نبونيد مُقيمٌ بتَيماء، بشَهادة نُصُبِه هو في حرّان.
- ٥٣٩ ق.م ـ قورشُ يَدخُل بابِل، بشَهادة حَوليّة نبونيد.
- ٥٢٠ ق.م ـ أوّلُ وَحيِ زَكَرِيّا، مُؤَرَّخاً بالشَهر وبالسَنة الثانية لداريوس (زَكَرِيّا ١:١).
- ٥١٥ ق.م ـ تَمامُ البَيت، في السَنة السادِسة لداريوس (عَزرا ٦:١٥)؛ وقَد صَرَّح السِفرُ أنّ البِناءَ إنّما أَفلَحَ «بنُبُوّةِ حَجّيَ وزَكَرِيّا» (عَزرا ٥:١ـ٢، ٦:١٤).
وهذه الأخبار تتعاقب في فضاء تتصل فيه بابل وبلاد الشام وشمال الجزيرة، لكن تعاقبها لا يعني أن أصحابها جميعاً كانوا متعاصرين. وقراءتنا تقترح أن وراءها تراثاً انتقل بين ملوك وكهنة وجماعات، ويبقى من مفاتيح المطابقة أن نعرف من هو زكريا، وما عمره، وكيف ترتبت أخباره.
ونضع هذا الزوج في مقابل يحيى وعيسى ﵇، والمقارنة بينهما تقوم على معلّم وطالب مختار، وعلى تطهير وملك، وعلى ميراث يجري إلى الجيل التالي. ونقرأ معهما انتظار «مسيحي هارون وإسرائيل» في قمران. وهذا الانتظار قد يحفظ زوجاً متعاصراً، وقد يمتد إلى شخصيتين في زمنين، فيحتمل أن يُعيَّن بعيسى ﵇ ومحمد ﷺ، أو بيحيى وعيسى ﵇، والنصوص لا تفصل بين الوجهين. أما الثابت عندنا فهو أن عيسى ﵇ نفسه ملك، وأن نسبه الهاروني لا يحصر رسالته في وظيفة كهنوتية مجردة من الحكم.
وتقارب الاسمين يهوشع ويسوع، مع تكرار الألقاب والوظائف، يبيّن كيف يمكن أن تلتقي أخبار رجال مختلفين تحت اسم متداول. ونحن نقرأ هذا الاحتمال في طريقة تركّب الذاكرة، ثم نقابله بتفاصيل كل رواية. فالجمع بين الاسمين خطوة لغوية، وتعيين صاحبيهما خطوة تاريخية، وحجة المطابقة تقوم على الخطوتين معاً.
وهذه الصلات تدعونا إلى السؤال عن موقع بابل في ذاكرة بني إسرائيل. فاسم زربابل، «بذرة بابل»، يردنا إلى البلد الذي تصفه الرواية أرضاً للسبي، غير أن الأسفار تحفظ لهذا البلد صلات بهم أقدم وأوسع. فإبراهيم يخرج من أور الكلدانيين في جنوب الرافدين، ورفقة وراحيل وليئة يأتين من حران في أعاليه، وحزقيال يتلقى الوحي عند نهر خابور، ودانيال في البلاط البابلي. ثم يصعد عزرا من بابل ومعه الشريعة، ويقود زربابل ويهوشع العودة لبناء الهيكل الثاني، ويهوشع الكاهن نفسه مولود في بابل. فإذا اجتمعت في هذا الفضاء الأصول العائلية والوحي والكهنوت والشريعة، كان لنا أن نسأل عن مكانه قبل مرحلة المنفى وبعدها.
ونقترح أن صورة بابل منفىً قد حجبت صلات أقدم تجعل الرافدين منبتاً لبني إسرائيل ومركزاً في تاريخهم. فإذا رفعنا هذا الحجاب أمكن أن نقرأ السبي والعودة في حركة أوسع، يتردد فيها الناس بين المركز والأطراف تهجيراً وخروجاً ورجوعاً. فالتهجير واقع له اتجاهاته ومراحله، ثم نسأل كيف اختُصر تاريخ طويل في حكاية واحدة عن الغربة. وفي هذه الحركة نضع المحور الذي تتحرك فيه سيرة نبونيد: بابل وحران وتيماء.
فإذا نظرنا إلى الرافدين على أنها مركز، اتسعت أسئلة الجغرافيا القديمة. فمنها موقع «مصر»، أو مصرايم، في رواية الخروج: هل هي مصر النيل بعينها، أم يمكن أن نبحث لها عن موضع في فضاء الرافدين والجزيرة، كما اقترح بعض المراجعين لجغرافية الكتاب المقدس؟ ذلك موضوع دراسة مستقلة. أما الذي يبقى من هذه المسألة في موضوعنا فهو دلالة الاسم البابلي، والصلات التي تجمع أصحاب هذه الأخبار ببابل.
مريم: المرّ والمسحة والمسيح
اسمُ «مريم» (מִרְיָם) (مِريام) من أقدم الأسماء الساميّة. وتَقتَرِح الدِراساتُ اللُغَويّة ثَلاثةَ احتِمالاتٍ رَئيسيّة لم يُحسَم الخِيارُ بَينها قَطعيّاً.
أول هذه الاحتمالات، وأقربها إلى المعنى الديني الذي نتتبعه، أن يتصل الاسم بجذر المر، م-ر-ر، الذي يدل على المرارة، ويدل على العطر الراتنجي المقدس. فالمر الخالص يدخل في زيت المسحة الذي يُكرَّس به الملوك والأنبياء والكهنة، كما في خروج ٣٠: ٢٣-٢٥: «وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب: مرا قاطرا خمس مئة شاقل»، ثم «وتصنعه دهنا مقدسا للمسحة». فمريم في قراءتنا تتصل بالمر، والمر يتصل بالمسحة، والمسحة بالمسيح، فتجمع هذه الصلة الأم والابن ومادة التكريس. ويسندها اللفظ العبري نفسه، فالمر فيه mōr، من جذر المرارة م-ر-ر، وهو أول الأطياب التي يُركَّب منها زيت المسحة في خروج ٣٠: ٢٣.
والاحتمال الثاني أن يتصل بالجذر الآرامي م-ر-أ (ܡܪܐ) (مارا)، الدال على السيادة والرفعة، ومنه ܡܪܝܐ (ماريا) (māryā)، أي الرب، في المذكر، وܡܪܬܐ (مارتا) (mārtā)، أي السيدة. وعلى هذا الوجه نقرأ في الاسم معنى الرفعة والاختيار، ونقابله بقوله تعالى «إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين». ويبقى احتمال ثالث يردّ الاسم إلى التمرد، من «مري» (mᵊrî)، وهو في ميزان هذا الكتاب أضعف الوجوه صرفاً ودلالة، فلا نعتمد عليه في فهم شخصية مريم.
وأخبار مريم في القرآن تضع الاسم في بيئته. فأمها نذرتها للعبادة قبل أن تولد، فقالت «إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني»، ثم كفلها زكريا، وكان لها محراب يأتيها فيه الرزق: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً». فالصورة التي ترسمها هذه الأخبار صورة امرأة مكرسة للطهارة والعبادة، نشأت في كنف البيت الكهنوتي. ونحن نقرأ هذه الصورة مع صلتها بهارون، ومع معنى المسحة الذي نتتبعه في نسب ابنها.
ونفهم «يا أخت هارون» وصفاً لانتساب مريم إلى السلالة الهارونية. فالبشارة بالابن جاءت في بيت حمل الوظيفة الدينية جيلاً بعد جيل، وعيسى ﵇ يرث من جهة أمه هذا المقام المتصل بالمسحة المقدسة. وهكذا تصل قراءتنا نسب الأم بوظيفة الابن، وتصلهما معاً بالتقليد الذي اقترن فيه التكريس بالزيت والمر منذ عهد موسى وهارون.
وفي صحيح مسلم (٢١٣٥) رواية للمغيرة بن شعبة، فيها سؤال أهل نجران عن «أخت هارون»، وجواب يصل التسمية بالأنبياء والصالحين السابقين. فصلة الأسماء بالذاكرة الدينية كانت حاضرة في ذلك الحوار. وهذا الكتاب يقرأ وصف مريم أيضاً على جهة الانتساب إلى البيت الهاروني، وهو المعنى الذي ينسجم عندنا مع نذرها للمحراب وكفالة زكريا لها.
ما قاله اللغويون العرب عن كلمة «المسيح»
فإذا فرغنا من اسم مريم عدنا إلى لفظ المسيح كما شرحه اللغويون والمفسرون العرب. فقد جمعوا فيه وجوهاً متعددة، نعرف منها ما كان يسمعه القارئ العربي في هذا اللقب، وما يتصل به من عمل صاحبه وصفته.
يُسَجِّلُ الإمامُ ابنُ مَنظور في «لِسان العَرَب» ثَلاثةَ مَعانٍ تَتَشابَكُ في الجِذرِ ذاتِه: فالمَسيحُ عِندَه المَمسوحُ المُبارَك، وهو الشافي، وهو السائحُ الذي لا يَستَقِرّ؛ وفي هذا المَعنى الأَخيرِ يَقول: «مَسَحَ في الأَرضِ يَمْسَحُ مُسُوحاً: ذَهَبَ. والمَسِيحُ: الذي يَذْهَبُ في الأَرضِ ولا يَستَقِرُّ في مَكانٍ». ثُمَّ يَأتي الإمامُ القُرطُبيّ في «الجامع لأَحكام القُرآن» فيُؤَكِّدُ هذا الوَجهَ الحَرَكيَّ، ولا يَعُدُّه شاذّاً، بَل يَراه راسِخاً في اللُغةِ الأَقدَم، فيَقول: «سُمِّيَ المَسيحُ لأنّه مَسَحَ الأَرضَ أي ذَهَبَ فيها فلم يَستَقِرَّ بمَكانٍ».
وقد جمع فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» أكثر من عشرة أوجه للتسمية، فالمسيح عنده قد يكون الممسوح بالبركة، أو المطهر من الذنوب، أو الشافي بلمس المريض، أو السائح الذي مسح الأرض، أو الممسوح بدهن القدس على عادة الملوك والكهنة، أو الصادق الوجه، أو المحمي بجناح جبريل عند مولده، أو المبارك، أو الملك المتوج بالمسح، أو الكريم، إلى غير ذلك. وقد عرض هذه الوجوه كلها ولم يحصر الاسم في واحد منها. وجمعه لها يعرّفنا بسعة الدلالة التي رآها المفسرون في اللقب، وبالصور التي ربطوها بصاحبه.
وكتب التفسير واللغة تجمع للقب وجوهاً متعددة، منها المسح بالبركة، ومسح المرضى، والسياحة في الأرض، وتذكر صلته بلفظ «مشيحا». ويورد القرطبي هذه الوجوه عند تفسير آل عمران: ٤٥، وينقل القول بالأصل العبري عن أبي عبيد. أما في قراءة هذا الكتاب فتتجاور هذه المعاني كلها: فالمسيح هو المختار الممسوح، وهو المعلّم السائح، وهو صاحب الشفاء. ويدخل فيها أيضاً ما قارنّاه رمزاً بين المرّ وزيت المسحة حين نظرنا في اسم مريم. فالمسح يربط في ذاكرتنا بين التكريس والأثر الذي يتركه المعلّم في الناس، ونحن لا ننسب هذا الربط كله إلى مفسر واحد، ولا نجعله اشتقاقاً اتفق عليه أهل اللغة.
ويذكر الفيروزآبادي في «القاموس المحيط»، في مادة م-س-ح، أنه جمع في اشتقاق «المسيح» خمسين قولاً في شرحه لـ«مشارق الأنوار» وغيره، وينقل لين في معجمه أنه بلغ بها في كتاب آخر ستة وخمسين قولاً. وكثرة هذه الأقوال تشهد بأن اللقب حقل واسع من المعاني، تمسك كل قراءة منه بطرف.
الرابط الصوتي: م-س-ح ↔ س-ي-ح
والجذران م-س-ح وس-ي-ح يشتركان في السين والحاء، ويلتقيان في المعنى الذي حفظته شروح اللقب. فالمسح في الأرض ذهاب فيها، كما ينقل ابن منظور والرازي، والسياحة في العربية القديمة تتصل بالذهاب في الأرض للعلم والعبادة والدعوة، وهذا هو المعنى الذي نريده هنا. وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى ﴿السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ (التوبة: ١١٢) الصيام، والرحلة للعبادة والعلم، والجهاد والرباط، ونحن نختار في «المسيح السواح» وجه الذهاب في الأرض، وهو من الوجوه التي عرضها الطبري ومن جاء بعده. فنقرأ في اللقب الحركة والسفر إلى جانب المسحة والشفاء، لأن جذر المسح يحفظ المعنيين معاً، كما حفظتهما كتب اللغة والتفسير.
ثَلاثة أَسماء تَخدُم الحُجَّة: زَكَرِيّا، موسى، يوشع بن نون
وتظهر صلة الاسم بوظيفة صاحبه في أسماء أخرى أيضاً. ونقتصر منها هنا على زكريا وموسى ويوشع بن نون، لأنها تتصل مباشرة بالأنساب والأخبار التي يدرسها الكتاب، ومن أراد مادة أوسع وجدها في الملحق المعجمي.
زكريا ﵇: اسمه في العبرية זְכַרְיָה (زِخَرياه)، زخريا، وهو مركب من الذكر ومن العنصر الإلهي «يه»، فيكون معناه «الله يذكر». والذكر في العربية استحضار بالقلب واللسان، وبه وصف الله كتابه: ﴿إنَّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ﴾. والعنصر «يه» نجده في أسماء سامية أخرى، مثل إيليا وإشعيا ويرميا. ومعنى اسم زكريا يلتقي بخبر دعائه في القرآن: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. وإنما يهمنا هذا الالتقاء لأن سفر زكريا يصل صاحب الاسم بالأفق البابلي بعد السبي، في القرن السادس قبل الميلاد، وهو الأفق الذي يعيد إليه هذا الكتاب عيسى ﵇. فنضم هذا الشاهد الكتابي إلى الآثار، ونبني التأريخ عليهما معاً.
موسى ﵇: اشتهر البحث في أصل اسمه، أهو من المصرية أم من العبرية. وخبر القرآن يفتح لنا مدخلاً إليه من جهة الحدث: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾، أي التقطوا الطفل من الماء. ونقابل هذا الخبر بالمعنى السامي للانتشال والاستخراج، وهو المعنى الذي تحفظه العبرية في מָשָׁה (ماشاه)، مشه، بمعنى انتشل. فالاسم في قراءتنا يحفظ وصفاً لحدث في حياة صاحبه، والخبر يوضح دلالته.
يوشع بن نون ﵇: يدخل اسمه في المقارنة التي ردّ فيها بعض المستشرقين «عيسى» إلى تعريب «يهوشع». والصورة العبرية יְהוֹשֻׁעַ (يِهوشوع) مركبة من «يه»، وهو العنصر الإلهي، ومن «شوع»، من ي-ش-ع، بمعنى الخلاص والنجاة، فيكون معنى الاسم «الله يخلّص». وهذا الجذر غير ع-ي-ش المتصل بالحياة، الذي نقترحه في قراءة عيسى ﵇، ولهذا الفرق في الدلالة مكانه في حجتنا للفصل بين عيسى ﵇ ويسوع الناصري ويوشع بن نون.
ففي الأمثلة الثلاثة يحفظ الاسم وصفاً نقرؤه مع الخبر: زكريا والذكر، وموسى والانتشال من الماء، ويوشع والخلاص الذي يجريه الله. ومن أراد أن يوسع المقارنة إلى أسماء آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وداود وسليمان ويونس وإلياس واليسع وغيرهم، وجدها في الملحق المعجمي. وحسبنا هنا أن تظهر الطريقة التي نصل بها الاسم بوظيفته ومعناه.
هادوا واليهود: حين يَتحجّر الفعلُ اسماً
ونختم الفصل بتطبيق هذه القراءة على اسم جماعة. فالقرآن يستعمل «الذين هادوا»، وهي صيغة فعل، ويستعمل «اليهود»، وهو اسم الجماعة. والهود في العربية الرجوع والتوبة، كما في قول بني إسرائيل ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦)، وقد وصل المفسرون التسمية بهذا المعنى، ومن ذلك ما ينقله ابن كثير عن الطبري: «إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: إنا هدنا إليك». فنحن نبدأ في فهم التسمية من هذا الأصل العربي، ونقرأ في دلالتها أثر الرجوع إلى الله، قبل أن نردها إلى اسم يهوذا.
ثم ننظر أين ترد كل صيغة. فعبارة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ تأتي في آيتي البقرة ٦٢ والمائدة ٦٩، ويُربط فيهما الأجر بالإيمان والعمل الصالح. أما «اليهود» فترد في مواضع الجدل، مثل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠)، و﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: ٦٤)، و﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ (المائدة: ٨٢)، بل إن سورة المائدة نفسها تجمع الوعد في الآية ٦٩ ووصف العداوة في الآية ٨٢. على أن «هادوا» ترد أيضاً في العتاب، كما في النساء ٤٦، فلا نجعل الفعل مدحاً مطلقاً. لكن الذي يستحق النظر أن آيات النجاة تختار الصيغة الفعلية، وأن الاسم يرد في هذه السياقات الجدلية، وهذا التوزيع هو ما تفسره الفقرة التالية.
ونفهم الصلة بين الصيغتين من الفرق بين فعل حي ولقب مستقر. فـ«هادوا» يستحضر الرجوع والتوبة، وما يفتحه الإيمان والعمل الصالح للإنسان. أما اللقب فقد يستقر لجماعة على معنى الرجوع، ثم تبتعد ممارستها عن المعنى الذي حمله. وهذه القراءة تلتقي بتمييزنا بين بني إسرائيل وتراث الشريعة الموحاة من جهة، واليهودية بوصفها حركة تاريخية من جهة أخرى، كما يفصّل الملحقان التاسع والعاشر. وهي تعيدنا إلى السؤال الذي يدور عليه الكتاب: كيف يبقى الاسم، ويتحول المعنى الذي عُرف به صاحبه؟
الفصل ٣ ـ تطبيق المنهج على مفاتيح السرديّة القرآنيّة
الأداة الصوتية السامية المقارنة
في هذا الفصل نأخذ ما بيّناه من قبل، فنطبقه على الألفاظ المركزية في قصة المسيح. ولنذكّر أولاً، في إيجاز، بالأدوات التي نعتمد عليها في المقارنة. فنحن نرجع إلى معاجم العربية، كلسان العرب ومقاييس اللغة وتاج العروس، وإلى معاجم أخواتها، مثل Brown-Driver-Briggs للعبرية وPayne Smith للسريانية، ثم إلى دراسات المقارنة الصوتية، ومنها أعمال الباحث الليبي فهمي خشيم. فإذا اجتمعت هذه المراجع عرفنا بها ما يقابل الصوت الواحد في لسان قريب، واستطعنا أن نفرّق بين مشابهة تقع عرضاً وعلاقة تتكرر في الكلمات.
وعلينا عند المقارنة أن نميز بين عدد الحروف المكتوبة وعدد الأصوات المنطوقة. فالأبجدية العبرية اثنان وعشرون حرفاً، غير أن بعض رموزها جمع، في مراحل من تاريخ اللسان، أصواتاً كانت متمايزة، وأوضح ذلك الحاء والخاء، والعين والغين. وقد بقي أثر الغين في نقول السبعينية، في أسماء مثل غزة وعمورة. أما العربية فحفظت هذه الفروق، ولذلك نراها أداة ثمينة نستعيد بها احتمالات القراءة، بشرط أن نقابل الكلمة بنظائرها، ولا نستخرج نطقها من عدد الحروف وحده.
| العربيّة | العبريّة | الآراميّة | اليونانيّة | تطبيق |
|---|---|---|---|---|
| ع (ayn) | ע (عين) (عاين) ← أ أو ∅ | ע (عين) (عاين) | ∅ (يسقط) | عيسى ﵇ → Essa → Essaioi |
| ح (ḥāʾ) | ח (حيت) | ח (حيت) | h أو ∅ | مسيح → Masīḥ |
| خ (khāʾ) | ח (حيت ـ لا تمييزَ بينها وبين الحاء) | ח (حيت ـ ولا تمييزَ كذلك) | χ (خي) | مسيخ → Masīkh |
| غ (ghayn) | ע (عين) (عاين ـ لا تمييزَ بينها وبين العين) | ע (عين) (عاين ـ ولا تمييزَ كذلك) | γ (گاما) أحياناً | غزّة → Γάζα (گازا) (غازا) |
| ض (ḍād) | צ (تسادي) (صادي) | ע (عين) (عاين) | s | الأرض → ארץ (إيرِتْس) / ארע (أَرَع) (أرعا) |
| ظ (ẓāʾ) | צ (تسادي) (صادي) | ט (طيت) | s أو t | الظِلّ → צל (تسيل) (تْسِل) / טלל (طْلَل) (طلال) |
| ث (thāʾ) | ש (شين / سين) (شين) | ת (تاو) | th أو s | ثلاث → שלוש (شالوش) / תלת (تْلاث) (تلات) |
| ذ (dhāl) | ז (زاين) | ד (دالت) | z أو d | ذَهَب → זהב (زاهاڤ) / דהב (دهَب) |
في هذا الجدول جمعنا مواضع المقارنة بين صيغ الكلمات، وما يطرأ عليها حين تُنقل. ومن الفروق التي يحجبها الخط أن تلتقي الحاء والخاء في رسم قديم واحد. وقد اتخذنا من قرب «المسيح» و«المسيخ» صورة أدبية لما يصيب الذاكرة من تحول، أما الخلط بين عيسى ﵇ ويسوع فشواهده قائمة في الأخبار والأسماء والأزمنة.
المسيح ↔ المسيخ: تَطبيقُ الجَدول على الزَوج المَركزيّ
تفرّق العربية تفريقاً واضحاً بين م-س-ح وم-س-خ: فالأول جذر المسح والتكريس، والثاني جذر تبديل الهيئة. ولما كان اللفظان متقاربين، أمكننا أن نقول في عنوان الكتاب ما نراه في القصة نفسها: أصل حفظت الرواية بعضه، وغيّرت بعضه، حتى ظهرت له صورة أخرى.
فالمسيح في كتابنا هو الشخصية والرسالة اللتان نسعى إلى استعادتهما، والمسيخ هو الصورة العقدية التي تشكلت حين اختلطت الأخبار وتحولت المعاني. وهي تسمية نصطلح عليها في هذا الكتاب، ولا ندّعي بها أن كاتباً أخطأ في نقطة، فأنشأ خطؤه التاريخ المسيحي كله.
المفاتيح الخمسة التي تنير القراءة
ونترك الاسم الآن إلى خمسة أفعال تتصل بخبر عيسى ﵇، هي الرفع، والنزول، والتوفي، والقتل، والتشبيه. وسنسأل عن كل فعل منها: ما الذي يدل عليه جذره؟ ثم كيف استعمله القرآن؟ فإذا عرفنا ذلك اتضح المعنى الذي نأخذ به، واتضحت صلته بسائر الأفعال في الرواية.
الرفع: الإخفاء والحماية
في سورة النساء قوله تعالى «بل رفعه الله إليه» (النساء: ١٥٨). والرفع في العربية يحمل معاني عدة: فهو الإعلاء، وهو التنقية، وهو إبعاد الشيء عن متناول الأيدي، وحفظه من الضياع. وقريب من ذلك قول القرآن «ورفعنا لك ذكرك»، فالمرفوع هنا هو الذكر، والمعنى علو الشأن؛ وقوله «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، فالرفع هنا منزلة ينالها أهل الإيمان والعلم. ومن هذه الاستعمالات نقرأ الرفع في الآية من جهة المقام والمعنى.
فإذا قرأنا الآية على هذا الوجه فهمنا أن الله حفظ حقيقة عيسى ﵇ ورسالته، وأعلى مقامه، وأبقى من ذكره ما يتصل به الناس، وإن احتجبت عنهم تفاصيل حياته. صحيح أن القوى الدنيوية نالت من المعرفة به، لكن خيط رسالته بقي في الذاكرة، يعود إليه كل من طلبه. وهذا الحفظ الذي يصحبه احتجاب هو ما نقرؤه في معنى الرفع، وعليه يسير الكتاب.
النزول: الإتاحة والظهور
أما الإنزال فيتسع في استعمال القرآن حتى يشمل وصول العطاء إلى الناس وإتاحته لهم، كما أنزل الله الكتاب وأنزل الحديد. وعلى هذا النحو نقرأ نزول المعرفة: يكون الشيء محجوباً، ثم يصير معروفاً، يؤثر في حياة الإنسان. فإذا قلنا إن المسيح يعود، فنحن نعني أن حقيقته وتعليمه يظهران بعد طول احتجاب.
التوفّي: الاستيفاء والأخذ الكامل
ويجتمع التوفي والرفع في قوله لعيسى ﵇ «إني متوفيك ورافعك إلي» (آل عمران: ٥٥). وجذر و-ف-ي يدور على الأخذ التام والاستيفاء، ولذلك نقرأ فيه أن عيسى ﵇ مات بعد أن أتم مهمته، كما يموت سائر البشر، والقرآن يقول ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (الأنبياء: ٣٤). ثم جاء الرفع بعد الوفاة، فنفهمه حفظاً للحقيقة، وعلواً للمكانة، وبقاءً للذكر، على نحو ما في «ورفعنا لك ذكرك» و«يرفع الله الذين آمنوا... درجات». فالكتاب يقوم على أن عيسى ﵇ توفي، وأن مقامه رُفع، وأن رسالته بقيت فوق أن يمحوها التحريف كله. ومن هذا الوجه أيضاً نقرأ عودته، وسنبسط ذلك في الفصل الرابع والعشرين.
القتل: نفيُ الإعدام الجسديّ، وامتدادُ المعنى
أما قوله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ (النساء: ١٥٧)، فأول ما نفهمه منه أن القتل والصلب لم يقعا على عيسى ﵇. وعلى هذا النفي يقوم سؤال الهوية الذي يطرحه الكتاب: فإذا كانت الرواية الآتية من فلسطين الرومانية في القرن الأول الميلادي تحكي عن رجل صُلب، فمن هو ذلك الرجل؟ وكيف نُقل ما وقع له إلى النبي الذي ينفي القرآن عنه الصلب؟ عند هذا السؤال تبدأ قراءتنا لاختلاط الشخصيتين.
وللآية، بعد هذا المعنى المباشر، وجه آخر يتصل ببقاء الرسالة والذكر. فالعرب تستعمل القتل في غير إزهاق الروح، فتقول «قتله علماً» إذا بلغ غاية المعرفة به، و«قتل البحث» إذا استوفاه واستنفده. فإذا نظرنا إلى نفي القتل من هذا الجانب، قرأناه نفياً لقدرة الخصوم على أن يبطلوا رسالة عيسى ﵇، أو يمحوا أثره من الذاكرة. ويبقى نفي الصلب الجسدي هو الأساس، ثم يضاف إليه معنى الحفظ المعنوي، فيسند كل من الوجهين الآخر في الآية.
الشبه: التباس هوية صاحب الخبر
ونقرأ ﴿ولكن شُبّه لهم﴾ على أن الالتباس وقع في صاحب الخبر نفسه، فما وقع ليسوع الناصري نُسب إلى عيسى ابن مريم ﵇. وربما بدأ هذا الالتباس في جماعات كانت تروي أخبار المعلّم الأول، فحملتها على رجل صالح من ورثته، ثم استقر الاسم والصورة على ذلك في الذاكرة. وقد عرض تود لوسون في «الصلب والقرآن» (٢٠٠٩) ما أثارته الآية من تأويلات متنوعة، أما حملها على هذا التداخل التاريخي بعينه فاقتراح هذا الكتاب، وستبسطه الفصول التالية.
البناء المنطقيّ: خمسُ حركاتٍ مُتضافرة
فإذا جمعنا هذه المعاني وجدناها تروي قصة واحدة متصلة. عاش عيسى ﵇ وأتم رسالته ثم توفي، فحُفظ مقامه عند الله، واحتجبت عن الناس تفاصيل من سيرته. ثم اختلط خبره بخبر يسوع الناصري، فنُسب إليه صلب الرجل الآخر. فإذا عادت المعرفة فتحت ما أغلقته هذه الصورة المركبة. وعلى هذا الترتيب نمضي بالحجة، فننتقل إلى الوثائق أولاً، ثم إلى الجماعات التي حملت الأخبار.
ثم إن هذه المعاني تتصل بقوله تعالى «وإنه لعلم للساعة» (الزخرف: ٦١). فنحن نرى أن المعرفة بحقيقة عيسى ﵇، وبالزمن الذي عاش فيه، وبما أصاب رسالته من الفتنة التي نسميها الدجال، قد تكون من علم الساعة ومن علاماتها الكبرى. وما نقصده بهذا الكتاب أن نتبع الشواهد إلى حيث تسمح لنا بالمعرفة، وأن نقرّب ما بقي محجوباً من صورة صاحب الرسالة.
وقد فرغنا من دلالة الاسم والفعل، فلننتقل إلى حياة صاحب الرسالة نفسه. كيف تحفظه الذاكرة معلّماً يسيح في الأرض ويشفي المرضى؟ وأين نجد آثار الملك الذي نقترح أنه هو؟ ثم نتتبع ما صار إليه تعليمه وأخباره في الجماعات التي جاءت بعده.
الفصل ٤ ـ المسيح السوّاح: ما حفظته اللغة وما نسيه التاريخ
الإنجيلُ الإسلاميّ: ثَلاثُمِئةِ قَولٍ لعيسى حَفِظَتها العَرَبيّةُ وَحدَها
في كتب العربية الإسلامية مادة واسعة من أقوال عيسى ﵇ وأخباره، تقع خارج المجموعة التي اعتمدتها الكنيسة في أناجيلها. وقد جمعها المؤرخ طريف الخالدي، فرتبها ووثق مصادرها في كتابه «المسيح المسلم» (The Muslim Jesus، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠٠١)، فبلغت عنده ثلاثمئة وثلاثة نصوص، تتفرق أصولها في كتب الزهد والحديث والأدب والتاريخ، من القرن الثاني إلى القرن الثاني عشر للهجرة. وبها نبدأ، لأنها تصور المسيح من الجانب الذي يعنينا هنا: معلماً يسير في الأرض.
ولننظر أولاً في الكتب التي حملت هذه الأقوال. فإذا رتبنا النصوص بحسب المصدر الأول الذي يسند إليه الخالدي كلّاً منها، ظهرت هذه الأعداد:
| المَصدَرُ الأَوّل | سَنةُ الوَفاة | عَدَدُ النُصوص |
|---|---|---|
| أحمدُ بنُ حَنبَل، «الزُهد» | ٢٤١هـ | ٥٠ |
| أبو حامِدٍ الغَزاليّ، «إحياء علوم الدين» | ٥٠٥هـ | ٥٠ |
| ابنُ أبي الدُنيا | ٢٨١هـ | ٢٥ |
| عبدُ اللهِ بنُ المُبارَك، «الزُهد» | ١٨١هـ | ١٦ |
| الطُرطوشيّ، «سِراج المُلوك» | ٥٢٠هـ | ١١ |
| ابنُ قُتَيبة، «عُيون الأَخبار» | ٢٧١هـ | ٩ |
| أبو اللَيثِ السَمَرقَنديّ | ٣٧٣هـ | ٩ |
| ابنُ عَساكِر، «تاريخ مَدينةِ دِمَشق» | ٥٧١هـ | ٧ |
ونلاحظ في هذه المصادر حضور كتب الزهد والتربية، مثل «الزهد» و«إحياء علوم الدين» و«ذم الدنيا»، وهذه كتب يقرأ فيها القارئ أقوال عيسى ﵇ ليتأدب بها ويعمل بمعناها. فإذا عرفنا هذه الوظيفة فهمنا ما حفظته الذاكرة الإسلامية عنه، وميّزناه من مادة أخرى جُمعت للمناظرة، في كتب الملل والنحل وفي الردود على النصارى.
وبعض هذه المادة قديم جداً، يرجع إلى الطبقة الأولى من تدوين الحديث. ففي صحيفة همام بن منبه (ت ١٣١هـ)، ص٣٤، رقم ٤١، أن عيسى ﵇ رأى رجلاً يسرق، فسأله «أسرقت؟» فقال «كلا، والذي لا إله إلا هو»، فقال عيسى ﵇ «آمنت بالله، وكذبت عيني». وهو الخبر نفسه الذي يرويه صحيح مسلم. فهذه الصورة للمسيح حاضرة منذ أقدم ما بقي لنا من صحف الحديث.
ثمّ إنّ الصُورةَ التي تَستَقِرُّ عليها المُدَوَّنةُ واحِدةٌ لا تَتَبَدَّل: رَجُلٌ لا بَيتَ له ولا مالَ ولا وَلَد، يَضرِبُ في الأَرضِ ويَأكُلُ ممّا تُنبِتُ. من ذلك قَولُه المَشهورُ الذي رَواه ابنُ قُتَيبةَ في «عُيون الأَخبار» (٢: ٣٢٨) والغَزاليُّ في «الإحياء» (٤: ٢١٨): «الدُنيا قَنطَرةٌ، فاعبُروها ولا تَعمُروها». ومنه ما رَواه ابنُ حَنبَلٍ في «الزُهد» (ص١٤٣، رقم ٤٧١): أنّه قال «قَلَبتُ الدُنيا ظَهراً لبَطنٍ وجَلَستُ على ظَهرِها، فلا وَلَدٌ لي يَموت، ولا بَيتٌ لي يَخرَب»؛ فقيلَ له: «أفلا تَتَّخِذُ بَيتاً؟» فقال: «ابنُوا لي بَيتاً في مَجرى السَيل». ومنه ما رَواه أيضاً (ص١٢٤، رقم ٤٠٢) في «الغُرَباء» ـ الذينَ يَفِرّونَ بدينِهم ـ أنّهم «يُحشَرونَ مع عيسى يَومَ القِيامة».
وهذا القَولُ بعَينِه لَيسَ في الكُتُبِ وَحدَها؛ إنّه مَحفورٌ في الحَجَر. فعلى البَوّابةِ العُظمى (بُلَند دروازه) لِمَسجِدِ فَتحبور سيكري الّذي بَناه الإمبراطورُ أَكبَر، نَقشٌ فارِسيٌّ مُؤَرَّخٌ سَنةَ ١٦٠١م يُفتَتَحُ بقَولِه: «قالَ عيسى عَليه السَلام: الدُنيا قَنطَرة، فاعبُروها ولا تَبنوا عليها بَيتاً؛ مَن أَمَّلَ ساعةً أَمَّلَ الأَبَد، والدُنيا ساعةٌ فاجعَلوها عِبادة». فالقَولُ الّذي حَمَلَه أَهلُ الزُهدِ في كُتُبِهم حَمَلَه إمبراطورٌ على بابِ مَسجِدِه، وكَتَبَ فَوقَه اسمَ صاحِبِه كما يُسَمّيه القُرآن: عيسى ﵇. وسَنَرى في الفَصلِ العاشِرِ مَوضِعَ هذا القَولِ مِن العَلاقةِ بَينَ المُعَلِّمِ وتِلميذِه.
فهذه المدونة تحفظ صورة المسيح معلّماً سائحاً، وتفتح لنا من حياته جانباً أغفله من انصرف اهتمامهم إلى المحاكمة والصلب. والزهد الذي نقرؤه فيها موقف من التملك والتعلق، ولا يلزم منه أن صاحبه لم يكن ملكاً في مرحلة من حياته. بل إن ترك القصر والسير في الأرض هما بعينهما من وجوه المقارنة بينه وبين نبونيد.
على أن الخالدي يفسر نشأة هذه المدونة تفسيراً غير تفسيرنا، فهو يراها ثمرة أوساط الزهد الإسلامي، جمعت فيها مادة إنجيلية إلى حكمة شرقية وتقوى إسلامية. ونحن نستفيد من عمله في معرفة النصوص ومصادرها، ثم نقرأ الصورة التي تحفظها على أنها ذاكرة بقيت خارج القانون الكنسي. أما أن نصل هذه الذاكرة بمنبع يرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، فذلك اقتراح هذا الكتاب. وقد نقلنا المعاني هنا عن ترجمة الخالدي الإنجليزية، وأثبتنا مواضعها في الأصول العربية، ليسهل على القارئ أن يراجع ألفاظها.
خمسة أصوات في قرن واحد
أطلق كارل ياسبرس اسم «العصر المحوري» على مرحلة من التاريخ تحولت فيها طرائق النظر إلى الإنسان والعالم تحولاً واسعاً. وفي هذه المرحلة نضع سير بوذا ولاو تسي وزرادشت، ونقرؤها إلى جانب سجل نبونيد وصورة عيسى ﵇. غير أن هذه السير لا تتفق في تأريخها، وفي بعضها خلاف واسع، ولذلك تنظر مقارنتنا في الأزمنة معاً: زمن الشخصية، وزمن تشكل روايتها، وزمن انتقالها. وقد تتباعد هذه الأزمنة كثيراً حين تسافر السيرة من ثقافة إلى ثقافة.
فما الصلة بين هذه السير التي اجتمعت في الأفق القديم؟ للسؤال جوابان معروفان: فمن الدارسين من يراها موجة روحية ظهرت في بيئات مختلفة، ومنهم من يراها إجابات متقاربة عن حاجة إنسانية مشتركة. أما هذا الكتاب فيقرأ بعض هذه الصور على أنها تعود إلى رجل واحد، انتقلت قصته بين الشعوب، فحفظ كل لسان اسمه ووصفه على طريقته. ولكي نبين ذلك نترك التقارب العام، وننزل إلى تفاصيل الاسم والسيرة.
بوذا، أم قُثَم؟ ـ قِراءةٌ سامِيّة للاسم والسيرة
اسم بوذا في سيرته سيدهارتا غوتاما، أما «المستيقظ» فلقبه. ويجعل التقليد البوذي حياته نحو ٥٦٣-٤٨٣ ق.م، ومولده في لومبيني عند أقدام الهيمالايا. وسنعرض هذا الإطار أولاً كما حفظته الرواية المتوارثة، ثم ننظر في القراءات الأخرى لتاريخه، وفي الطريقة التي تكونت بها سيرته.
غير أن عدداً من الباحثين يؤخرون وفاة بوذا إلى نحو سنة ٤٠٠ ق.م، فيخالفون التأريخ التقليدي الأقدم، كما يظهر في أعمال ندوة «تأريخ بوذا التاريخي» التي نشرها هاينتس بشرت. وهذا الخلاف يعنينا، لأن قراءتنا لا تقف عند الشخص، وإنما تتناول انتقال سيرته أيضاً. فإذا وجدنا طبقة متأخرة من الرواية، فقد تكون تأريخاً لصاحبها، وقد تكون تأريخاً للوسط الذي أعاد تشكيلها، والتاريخ وحده لا يكفي للفصل بين الاحتمالين.
وأول ما نقف عنده اسم غوتاما (Gautama / गौतम) (گَوْتَما). فلهذا الاسم تفسيره في لغته الهندوآرية، ونحن نقترح، إلى جانب ذلك التفسير، أن نقارنه بصيغة سامية قريبة منه.
فإذا جرّدنا الاسم من حركاته في هذا الرسم، بقيت لنا حروفه الأصلية: غ-ت-م. فلنضعها إلى جانب ق-ث-م في العربية، وننظر كيف تتقارب الحروف الثلاثة في السمع:
فالصوت السنسكريتي (G) يقابل القاف العربيّة (ق) في السَمع، والتاءُ السنسكريتيّة (T) تُقابِل الثاءَ العَرَبيّة (ث) كَذلك، أمّا الميم (M) فتُطابق الميم (م) مُطابقةً تامّة. ونحن نَعرِض هذين التَقابُلين تَقارُباً في السَمع، لا قانوناً صَوتيّاً مَوروثاً، إذ لا قانونَ من هذا النَوع بَين الهِندوآريّة والعَرَبيّة، كما نُنَبِّه بَعد صَفَحات.
و«قُثَم» اسمٌ عربيٌّ مَعروف، حَمله بعض العَرب قَبل الإسلام وبَعده، وأَشهرُ مَن حَمله في الذاكرة الإسلاميّة قُثَم بن العَبّاس بن عَبد المُطّلب (ابن عمّ النبيّ ﷺ، المَدفون في سَمَرقَند بأَرض ما وراء النَهر). والجِذرُ ق-ث-م يَدور في معاجم العَرب على معاني الجَمع والاجتماع والاكتمال، فيُقال «قَثَم له العَطاء» إذا أَكثَره، ويُقال «رجلٌ قَثوم» للجامع للخَير. فإذا انتقلنا إلى المعنى في الجانب الآخر، وجدنا الجِذرَ السنسكريتيّ √gau- يَحمل دلالات النور والفَضل والإشراق («الأَفضل من البَقر»، كما في التَفسير التَقليديّ، أو «المُشرق»). فالجِذران كلاهما يَدوران، في مَجال دلاليّ مُتقارب، على معاني الفَضل والوَفرة والاكتمال.
فحين نقارن غوتاما بقثم، فإنا نقترح أن وراء هذا التقارب اسماً أو وصفاً سامياً انتقل بين الألسنة. ففي «قثم» معاني الجمع والعطاء، وهي تلائم صورة المعلّم الذي تفيض منه الحكمة. أما الاسم في أصله الهندوآري فله تحليله داخل لغته، وقراءتنا البديلة تستمد قوتها مما يصل المقارنة الصوتية بتاريخ انتقال السيرة. ولذلك ننتقل الآن إلى ملامح الحياة والتعليم، فهناك يمكن أن يصير التقارب أكثر من تشابه في السمع.
فالسيرة هي التي تعطي مقارنة الاسم معناها الأوسع، لأن فيها ملامح نستطيع أن نقابلها بخبر المسيح وبيئته السامية:
- الميلاد: تحكي تقاليد بوذية أن مايا رأت رؤيا، وأنها حملت حملاً استثنائياً، ثم ولدت قرب شجرة في لومبيني. ونقارن هذه الصورة بميلاد عيسى ﵇ عند النخلة، مع أن الرؤيا والشجرة ومن حضر حول الأم تختلف بين الخبرين.
- الخروج من القصر: يترك غوتاما حياة الامتياز، ويخرج يطلب المعرفة. ونبونيد أيضاً خرج من العاصمة إلى تيماء، وبقي له سلطانه الملكي. والانتقال في السيرتين واحد في معناه: رجل يترك مركز السلطان طلباً لمهمة أعلى.
- التزكية: يواجه التعليم البوذي التعلق والرغبة، والرسالة القرآنية تجعل تزكية النفس في صميم الفلاح. ونقرأ في ذلك قرابة في المقصد، ونميّز مع ذلك ما بين النصوص من اختلاف في مفهوم النفس والخلاص.
- صورة المعلم: تتسع صورة بوذا في بعض مدارس البوذية حتى تبلغ أبعاداً كونية وتعبدية. لكن هذا لا يساوي ببساطة اعتقاد الماهايانا بإله خالق، ونحن نمنح لغتها من فرصة الفهم ما نمنحه للكلمة والنور في غيرها.
فإذا اجتمعت هذه التوازيات، وانضمت إليها المقارنة بين غ-ت-م وق-ث-م، ترجّح عندنا أن ذاكرة أقدم انتقلت إلى البيئة الهندية. وهنا نبلغ أبعد ما يقترحه الكتاب: أن صورة بوذا تحفظ، في بعض طبقاتها العميقة، خبر عيسى ابن مريم ﵇ نفسه، النبي السامي الموحد، بعد أن حملته الجماعات وصاغته بلسانها. ثم إن صورة بوذا اتسعت في الماهايانا إلى أبعاد كونية وتعبدية، كما تحولت صورة المسيح في التقليد البولسي، ونحن نقارن بين التحولين مع مراعاة ما تعنيه كل مدرسة. والآية ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ تذكّرنا بأن ذكرى النذير التي بلغت الهند قبل نحو ألفين ونصف من السنين ربما حفظت هذا الأصل. فالذي نقارنه هنا هو انتقال اسم الرجل ومعناه وسيرته، ثم ما أضافه كل تقليد إليها.
بوذاسَف ويوذاسَف: نُقطَةٌ صَنَعَت قِدّيساً
ومن أشهر الأمثلة على انتقال السيرة وتغير الاسم قصة «بلوهر وبوذاسف». فهذا كتاب هندي الأصل عرفته العربية في القرن الثاني للهجرة، وذكره ابن النديم في «الفهرست» مع كتب الهند، إلى جانب «كتاب البد». واسم بوذاسف يرجع إلى بوديساتفا السنسكريتية، ومعناها من هو في طريقه إلى اليقظة، وقد وصل عبر الفارسية الوسطى «بوذيسف». ثم تحولت الباء ياءً في النسخ، فصار الاسم يوذاسف. وبهذه الصيغة أورد الشيخ الصدوق ابن بابويه (ت ٣٨١هـ) القصة في «كمال الدين»، بعنوان «قصة بلوهر ويوذاسف»، وجاء في حاشية الطبعة المحققة: «كذا بالياء في جميع النسخ، والمظنون أنه تصحيف، والصواب بوذاسف». ثم مضى الاسم إلى الجرجية «يوداسف»، ثم إلى اليونانية «يوآساف»، ثم إلى اللاتينية «يوسافات». فلما نقّح بارونيوس «كتاب الشهداء الروماني» سنة ١٥٨٣م، دخل برلعام ويوسافات التقويم بوصفهما قديسين في الهند المتاخمة لفارس، وجُعل عيدهما في السابع والعشرين من نوفمبر. وظل الدرس الأوروبي لا يعرف أن وراء هذه القصة سيرة بوذا حتى سنة ١٨٥٩، حين تنبه إلى ذلك لابولاي وليبرشت، ثم حقق دايفيد مارشال لانغ سلسلة انتقالها سنة ١٩٥٧. فهذا رجل تبدلت هويته في أعين القراء، وبقيت مع ذلك مادة واسعة من خبره.
ولنفتح القصة نفسها لنرى ماذا بقي تحت الاسم المتغير. في النشيد الثالث من «بودّها تشاريتا» لأشفاغوشا، يخرج الأمير من عالم القصر المصون، فيرى الشيخوخة، ثم المرض، ثم جنازة ميت. ويسأل سائق عربته عما يرى: أهذا مصير بعض الناس أم مصير الإنسان؟ تتسع أمامه الحقيقة التي حُجبت عنه، ويصير طلب الخلاص أشد عليه من نعيم القصر. (النشيد الثالث، ترجمة كاول.)
ثم نفتح «برلعام ويوآساف». ففي الفصل الثالث يحجب الأب عن ابنه المرض والهرم والموت، ويحيطه بالشبان وبكل ما يسره. وفي الفصل الخامس يخرج الأمير، فيرى رجلاً مقعداً وآخر أعمى، ثم يرى شيخاً واهناً، فيسأل عما ينتهي إليه الشيخ، فيُخبر بالموت. لقد تبدل ترتيب المشاهد وتبدل بعض أشخاصها، لكن حركة القصة بقيت كما هي: قصر يحجب، ثم ألم ينكشف، ثم سؤال لا يجيب عنه الترف. وهنا يأتي برلعام فيملأ هذا الفراغ بتعليم مسيحي، وتنتهي الرحلة بالأمير إلى الإيمان والتعميد والزهد. («برلعام ويوآساف»، الفصول ٣ و٥–٨.)
وأهمية هذا المثال أن الذي انتقل فيه ليس اسماً منفرداً، ولا حكمة قد تخطر لأناس متباعدين، وإنما انتقلت عقدة القصة كلها، وحركة بطلها، وأسئلته، ثم تغير الإطار الذي يجيب عنها. فالقارئ يدخل إلى حياة قديس مسيحي، فيجد فيها مراحل من السيرة التي يعرفها قارئ بوذا. فإذا رأينا هذا الانتقال بأعيننا في النصوص، صار من حقنا أن نسأل عن الطبقات الأقدم، لأن انتقال السيرة هنا واقع مشهود. وهذه الطبقات الأقدم ترجع، في قراءة هذا الكتاب، إلى المنبع العيسوي.
وفي سنة ١٩٦٠ ذكر لانغ تغيراً آخر وقع في طبعة عربية صدرت في بومباي، فقد جعلت «كشمير» موضع موت يوذاسف، بدلاً من «كوشينر»، أي كوشيناغارا، حيث توفي بوذا في التقليد البوذي. وهذا التغير متصل بالدعوى الحديثة أن ضريح «يوز آصف» في سرينجار هو ضريح يسوع الناصري، وهي من الدعاوى التي اعتمد عليها كرستن. ومع هذا التغيير بقي النص العربي يحفظ هيئة موت بوذا: فهو يوصي تلميذه، ثم يضطجع ورأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق. ثم تضيف رواية «كمال الدين» إلى هذا التداخل وجهاً آخر، إذ تضع على لسان يوذاسف مثل الزارع الإنجيلي، بما فيه من بذر تأكله الطير، وبذر يقع على الصخر، وبذر ينبت في الأرض الطيبة. فهذا كتاب شيعي من القرن الرابع الهجري، تتلاقى فيه سيرة بوذا وأمثال عيسى ﵇. وهذه الوقائع كلها تبين لنا الطرق التي تنتقل بها الذاكرة، ونقرؤها مع ما سبق من مادة الخالدي، وعلى ما يراه الكتاب من اتصال الأصل الذي تفرقت صوره.
زرادشت ـ نَجمُ الشَرق
وزرادشت من أكثر شخصيات هذا الباب اختلافاً في تأريخه: فبعض التقاليد يقرّبه من القرن السادس قبل الميلاد، وبعض القراءات اللغوية والتاريخية يجعله أقدم من ذلك بكثير. والخلاف لا يقف عند زمنه، بل يمتد إلى فهم اسمه Zaraθ (ثيتا)uštra، وإلى طبقات النصوص المنسوبة إليه. ونحن نقدم هنا قراءة سامية للاسم والسيرة، ونضعها في حوار مع القراءة الإيرانية التي تربط الجزء الأخير من الاسم بالجمل.
وما نلتفت إليه في هذه المقارنة حقل الإشراق كله: ففي العربية زهر، وفي العبرية والسريانية زرح، ومعهما المشرق والنجم. ومن هذا الحقل نقترح أن نقرأ «نجم الشرق» وصفاً نتتبع به صورة زرادشت في الأخبار المتصلة بالمجوس. وهي قراءة في المعنى نقارن بها الاسم الموروث، فتقف عند الجزء المشابه منه، ولا نمدّها فنجعلها ترجمة لغوية لبقية أجزائه.
وفي قلب تعاليم زرادشت يقوم «أهورا مزدا» (Ahura Mazdā)، الرب الحكيم، مصدر الخير والنور، ويقف في مقابل الخير «أنغرا ماينيو»، وهو قوة الفساد. والوجه الذي نأخذ به يجعل هذه المقابلة اختياراً أخلاقياً في قلب الإنسان، بين الصدق (asha) والكذب (druj)، وبين النور والظلام. ومن هذه الجهة نقابلها بقوله تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس ٧-٨). فإذا فهمنا التعليم على هذا الوجه، رأيناه يتجه إلى التوحيد وإلى المعنى الأخلاقي، وفهمنا قوة الفساد فيه دون أن نجعلها إلهاً نداً للرب الحكيم.
وتتصل أخبار زرادشت بموضوع المسيح من طريق المجوس (Magi)، وهم الكهنة الذين حملوا هذا التقليد. ففي متى ٢: ١-١٢ يأتي المجوس من المشرق يتبعون «نجمه في المشرق»، يطلبون المولود المنتظر. فما المعرفة التي حملتهم على هذه الرحلة؟ من الأبواب التي نقارن بها هذا الخبر انتظار الساوشيانت (Saoshyant)، المنقذ الذي ينتصر بالحق ويجدد العالم في آخر الزمان. فلعل هذا الانتظار هو ما جعلهم يفهمون ظهور النجم، أياً كانت طبيعته، بشارةً بالمولد الذي يطلبونه.
وهذا يعيدنا إلى احتمال أن يكون وراء هذا التقليد أصل سامي أقدم، حملت البيئة الإيرانية تعليمه في صورتها المحلية، وأن يكون انتظار الساوشيانت متصلاً بذاكرة المسيح الموعود. ونقرأ مع ذلك ذكر المجوس في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج ١٧). فالآية تسميهم باسمهم، وتعدّهم جماعة مستقلة بين الجماعات الدينية، ونفهم من ذلك أنهم متصلون بتقليد توحيدي قديم، دخلته التحولات كما دخلت غيره. لذلك نقرأ «نجم الشرق» متصلاً بهذا الميراث، ونترك لسائر الشواهد أن تفصّل الطريق التي بلغ بها خبرُه الجماعات.
خَطُّ المَجوس ـ سَحَرة فِرعَون ومَجوس المَشرق
ولخبر المجوس نظير أقدم منه، هو قصة السحرة الذين آمنوا بموسى. ففي كلتا القصتين جماعة من خارج بني إسرائيل، أهلها أصحاب معرفة دينية وحكمية، تتعرف إلى النبي وتستجيب له. وهذا التشابه في بنية الخبر هو أول ما نقف عنده.
فالسحرة الذين جمعهم فرعون لمواجهة موسى كانوا من أهل المعرفة والطقوس في البيئة المصرية ومن نخبة القصر. ولما ألقى موسى عصاه أدركوا ما شاهدوه وسجدوا: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الشعراء ٤٦-٤٨). ويلفتنا في الخبر أن الاعتراف جاء من أهل الفن الذي استُدعوا للمباراة فيه، قبل أن يستجيب فرعون أو حاشيته.
ولا عجب في ذلك، فالمعرفة تورث التمييز: من عرف أدوات السحر وحدودها كان أقدر من غيره على أن يدرك ما يتجاوزها. لذلك استجاب السحرة، مع أن استجابتهم كانت مخالفة للملك، بكل ما يترتب على ذلك. وقد هددهم فرعون بقوله ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الشعراء ٤٩). فنقرأ في موقفهم أن العالم الصادق قد يقوده صدقه إلى أن يعرف الحق حين يظهر، ولو جاءه على يد رجل من غير قومه، ولو عرّضته الاستجابة للأذى.
أما الأناجيل فتروي أن المجوس جاؤوا من المشرق إلى الطفل، وقدموا له هدايا من الذهب واللبان والمر. ونحن نقرأ هذا الخبر في جملة المواد التي ربما انتقلت من سيرة عيسى ﵇ الأصلية إلى سيرة يسوع، ولذلك لا يكفي موضعه الحالي في إنجيل متى لتعيين زمن نشأته. وما يعنينا أولاً هو الجماعة التي كانت تعرف البشارة، والميراث الذي حملها على الرحلة.
وقد حاولت دراسات مختلفة أن تربط نجم متى بظواهر فلكية وقعت قرب مطلع العصر الميلادي، ومنها اقتران المشتري وزحل سنة ٧ ق.م. وهذه كلها محاولات لتفسير زمن الرواية الإنجيلية كما هي متداولة. أما السؤال الذي يطرحه هذا الكتاب فيسبق ذلك: هل بقيت في الخبر معرفة شرقية بظهور المعلّم، ثم وُصلت بعد ذلك بتقويم لاحق؟ إن المقارنة الفلكية تفتح هذا السؤال، لكن تعيين هوية الطفل والجماعة يقوم على شواهد أخرى.
وهذه الصلة نسميها في كتابنا «خط المجوس»، ونعني بها جماعات من الحكماء والكهنة كانت تحفظ معرفة وانتظاراً، فإذا ظهرت النبوة تعرفت إليها. ونبدأ تتبع هذا الخط بالسحرة الذين آمنوا بموسى، ثم نقابلهم بمجوس المشرق الذين قصدوا الطفل، وبالذين حفظوا النار المقدسة في التقليد الزرادشتي بين العهدين. ونقترح أن وراء هذه الصور المختلفة ميراثاً لا تنتسب جماعاته إلى بني إسرائيل، لكنه متصل بالتوحيد منحاز إليه.
وقد انتقل لفظ maguš إلى اليونانية μάγος (ماگوس)، ثم إلى ألفاظ أوروبية صارت تدل على السحر. واتسعت دلالته في السياقات المختلفة، فكان يطلق تارة على جماعة دينية، وتارة على من يمارس المعرفة والطقوس. وفي تاريخ اللفظ هذا نرى مدخلاً إلى المقارنة بالسحرة الذين آمنوا بموسى. لكن القول بأن جماعة المجوس ورثتهم فعلاً لا نبنيه على تشابه اللقب في الترجمة، وإنما على سلسلة الانتقال.
ونحن نقرأ وراء المجوس أخوية مؤمنة قديمة، ربما ورثت علماً وانتظاراً من زمن موسى. فإذا تكشفت حلقات هذه الصلة، كان فيها ما يفسر حضورهم عند المسيح. غير أنا نميز بين هذا الميراث الذي سبق المسيح، وبين الحركة التي نقترح أنها اتسعت بتعليمه، ومن آثارها طرائق السير والحكمة.
وللنار التي حفظها المجوس في معابدهم نحو ألفي سنة قراءة رمزية نقترحها. فلعلها كانت في أصل معناها تذكاراً للوحي الذي يتلقاه الأنبياء، ثم يحفظ أهل الحكمة عهده في زمن الانتظار. ونحن نقابلها بالنار في خبر موسى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ (طه ٩-١٠). فإذا قرأناها على هذا الوجه، بدت لنا صلة بين نار الطور وبين النار المقدسة التي ظل المجوس يرعونها حتى ظهر النبي الخاتم ﷺ في القرن السابع. وهذا التأويل يصل حلقات متتابعة: نبي يتلقى المعرفة، ثم يحفظها أتباعه، ثم تتجدد ببعثة تالية. وعلى هذا نفهم المجوس حفظةً لميراث الوحي بين البعثات.
ما حفظته روايات الطفولة عن المجوس
في «إنجيل الطفولة العربي» يأتي المجوس استجابة لتنبؤ منسوب إلى زرادشت، يهتدون بالنجم ويحملون هداياهم. ثم تعطيهم مريم قماطاً من قماط الطفل، فيعودون به إلى قومهم. وهنا تمضي القصة إلى ما بعد الموضع الذي يقف عنده خبرهم في متى: فيجتمع بهم ملوكهم ورؤساؤهم، ويوضع القماط في النار، فيخرج منها سليماً، فيحفظونه في خزائنهم. فالرواية تصل معرفة المجوس القديمة بالطفل، بما حملوه معهم إلى بلادهم من بشارة وعلامة. (الفصلان ٧–٨.)
فالنجم والمولود والهدايا موجودة في متى ٢، أما اسم زرادشت، والقماط، واختبار النار، فتأتي بها رواية الطفولة، فتمنح الخبر امتداداً شرقياً أوضح. وهذا الامتداد يعيدنا إلى السؤال عن الجماعة التي حفظته: ماذا كانت تنتظر؟ وكيف ربطت خبر المسيح بميراثها؟ إن الرواية تجعل زرادشت مبشراً سبق المسيح، أما هذا الكتاب فيقرؤهما صورتين من قصة واحدة. ولذلك يهمنا هنا أن نعرف كيف وزعت الذاكرة الأدوار بين المبشر والمبشَّر به، وكيف وصل الخبر إلى قوم يحفظون للنار مكانتها.
أما «رؤيا المجوس» السريانية ففيها جماعة تنتظر النجم، وتحفظ ميراثاً تنسبه إلى شيث عن آدم. وسلسلة النسب هنا غير الصلة الموسوية التي نقترحها، لكن صورة التعليم الذي يُحفظ جيلاً بعد جيل تساعدنا على أن نتعرف إلى من حمل الذاكرة. فلا يعود المجوس زائرين عابرين في مشهد الميلاد، بل يصير السؤال عن ماضيهم جزءاً من السؤال عن المسيح نفسه. (رؤيا المجوس: النص ومخطوطه ودراساته.)
لاوتزو ـ الطاو الذي لا يُسَمَّى
ونصل بعد ذلك إلى الصين، إلى لاوتزو (Laozi)، ولقبه يعني المعلم القديم أو الشيخ الكبير. والأخبار مختلفة في عصره، فبعضها يضعه في القرن السادس قبل الميلاد، وبعضها بعد ذلك، وحول حياته روايات يصعب أن نفصل فيها بين الشخص وصورته اللاحقة. أما النص الذي نُسب إليه وبقي مشهوراً فهو «تاو تي تشينغ» (道德經)، وهو في نحو خمسة آلاف كلمة صينية، لكنه على قصره حمل مادة واسعة من الحكمة، وصار أصلاً لتقليد طويل في فهم الوجود والسلوك.
وفي فاتحته، وهي من نحو أربعة وعشرين قرناً: «الطاو الذي ينطق ليس الطاو الأزلي، والاسم الذي يسمى ليس الاسم الأبدي». فالكلام هنا عن حدود العبارة، وكيف تقصر الألفاظ عن الحقيقة التي يراد التعبير عنها. ونحن نقرأ ذلك من جهة التنزيه، أي أن التعريف البشري لا يستوفي الأصل الأعلى الذي يتحدث عنه النص. ثم نقابل هذا المعنى بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى ١١)، وقوله ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (الأنعام ١٠٣)، فالذي نقارنه هنا أن الحقيقة أوسع من أن يصفها الإنسان أو يحيط بها.
قِراءةٌ سامِيّة: «طاو» من «ضَوء»
والأذن العربية تتوقف عند لفظ «طاو» أو «داو» (Dao / 道 (داو))، لأنه قريب في السمع من «ضوء». ونقرأ في هذا التجاور صلة بين الطريق والنور والهداية، وهي معانٍ حاضرة بقوة في هذا الكتاب، كما نقرأ في اللفظ نفسه أثراً من المنبع السامي الذي حمل المعنى. غير أن النطق الصيني القديم إنما يُعرف بإعادة بنائه بالمقارنة، فينبغي أن يوزن الاقتراح بتلك الصورة القديمة للفظ.
فكيف يمكن أن يقع هذا الانتقال؟ لنقارن الضاد العربية، بما فيها من الإطباق، بصوت /d/ في لسان لا يعرف صورتها نفسها، ثم لننظر في احتمال أن تسقط الهمزة الأخيرة من ض-و-ء، فتقترب الصورة عندئذ من dao. والعربية معروفة بتمييز الضاد، حتى لقبت بلغة الضاد، أما نظائرها في أخواتها السامية فقد تغيرت. ثم إن الألفاظ إذا نُقلت إلى ألسنة أخرى سقط منها أحياناً بعض الأصوات الحلقية. على هذه الوجوه من التقريب الصوتي يقوم الاقتراح.
ثم إن المعنى يسند المقارنة، لأن النور والطريق متصلان: فبالنور يهتدي الإنسان، والطريق في تعليم لاو تسي أوسع من الدرب المحسوس، إذ يشمل انتظام الوجود والسلوك. ونحن نقرأ هذا إلى جانب ما في تراثنا من لغة النور والهداية، فإذا تشابه المجالان كان ذلك هو التقارب الروحي الذي يقصده الكتاب، وقوي به القول بأن اللفظ والمعنى انتقلا معاً.
فالصلة بين «طاو» و«ضوء» نراها طريقاً لغوياً انتقل فيه المعنى، وتشهد له من جهة أخرى المقارنة بين التعليم والسيرة. ذلك أن الذاكرة تنتقل بصوت الكلمة، وتنتقل بترجمة معناها، في وقت واحد.
أما نهاية لاوتزو فتروي الأخبار أنه خرج من البوابة الغربية راكباً ثوراً أخضر، فأعطى حارسها مخطوطه، ثم مضى نحو الغرب فانقطع خبره. فالسيرة تنتهي بهذا الرحيل نهاية مفتوحة. وإذا قرأنا الخبر قراءة رمزية، فقد يكون وراء اتجاهه غرباً ذكرى عودة إلى المنبع السامي الذي نقترحه أصلاً للمعنى واللفظ.
نبونيد في الوثائق البابلية
فإذا فرغنا من هذه السير عدنا إلى نبونيد، آخر ملوك بابل، الذي حكم بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م. فهو الأصل في هذا الكتاب، أما زرادشت ولاوتزو وغوتاما فنقرأ صورهم وجوهاً لما انتقل من خبره إلى ثقافات أخرى. والنقوش المسمارية والحجرية تسمح لنا بأن ندرس شخصيته في سجل ملكي، ثم نصل هذا السجل بالرواية الآرامية التي حفظتها صلاة نبونيد 4Q242. وفي هذه المواد أنه أقام نحو عشر سنوات في تيماء، وأنه مر بمحنة ثم شفي، وأن رجلاً من بني إسرائيل حضره. وعلى اجتماع هذه الأخبار تقوم صلته بعيسى ابن مريم ﵇، الذي يحفظ القرآن صورته النبوية.
ولهذا نفرد لنبونيد الفصل التالي. ندرس فيه سيرته، وأخبار أمه أدد-غوبي وتعلقها بسين، وإقامته في تيماء، والصلاة التي بقيت في قمران باسمه. ثم نجمع ثمانية أوجه نقارن فيها بين خبره وصورة عيسى ﵇، ونبين كيف يصير القرن السادس قبل الميلاد أساساً للتأريخ الذي يقترحه الكتاب. لقد عرضنا كيف انتشرت الصور في الثقافات، وآن لنا أن نعود إلى الوثائق التي نرى فيها خبر صاحبها.
بُنىً مُتَكَرِّرة في السِيَر النَبَوِيّة
وإذا وضعنا هذه السير جنباً إلى جنب، ظهرت لنا عناصر تتكرر فيها: في أخبار الميلاد، والتعليم، والرحيل، وفي موقف الجماعات الدينية. فإذا اجتمعت هذه العناصر احتاجت إلى تفسير يجمعها، وهذا ما تفصّله المقارنة التالية.
ففي رواية مايا ورواية مريم يقترن الميلاد بشجرة: هي شجرة السال في سيرة بوذا، والنخلة في القرآن. وفي الروايتين تجتمع الأم والميلاد والبركة التي تأتي من النبات، فنضع ذلك في جملة ما نقارنه بين السير. لكنا نحفظ لكل رواية تفاصيلها المختلفة، لأن التفاصيل هي التي قد تدلنا على طريق النقل، أو على ما أعيد تشكيله.
وتتكرر في الروايات التي نقارنها صور الانسحاب والخلوة وطلب المعرفة. فغوتاما يخرج، ولاوتسو يرحل، ونبونيد يقيم في تيماء، ولزرادشت أخبار من هذا الباب، ونحن نقرأ ذلك كله بهذا المعنى. لكن هذه الروايات تختلف في زمن تدوينها، وفي الغاية التي يؤديها الانسحاب في كل منها، ثم إن الخلوة لا تعني أن كل وحي وقع بعيداً عن الناس.
ويشترك أصحاب هذه السير أيضاً في أن أصحاب النفوذ الديني خاصموهم. فالبراهمة اعترضوا على تعليم بوذا، وكهنة بابل عادوا نبونيد، بل إن «الرواية الشعرية» (Verse Account of Nabonidus)، وقد أُلّفت بعد سقوط بابل، تصفه باضطراب العقل، ونحن نقرأ هذا الوصف في سياق الهجاء السياسي والديني، لا على أنه تشخيص لمرضه. وفي السيرة المسيحية خاصمه كهنة الهيكل، وفي أخبار زرادشت قاومه مجوس البلاط قبل أن يتبعوه. فهذه الروايات كلها، على اختلاف تفاصيلها، تحفظ صداماً بين التعليم الجديد ومن استقرت لهم سلطة التفسير والطقوس.
أما النهايات فتتباين: فلموت بوذا رواية مفصلة، وللاو تسي خبر رحيله غرباً، ولنبونيد بعد سقوط بابل أخبار مختلفة، والقرآن ينفي قتل عيسى ﵇ وصلبه ويثبت رفعه. فالذي نقارنه هنا هو الطريقة التي حُفظ بها الرحيل وفُسّر، ونترك لكل رواية نهايتها كما روتها.
الفَرضيّة القُصوى ـ صَوتٌ واحد بأَلسِنةٍ مُتعدّدة
وهذه المقارنات تنتهي بنا إلى الرأي الذي يتبناه الكتاب: أن وراء بعض صور «العصر المحوري» أصلاً سامياً عربياً واحداً، انتقلت سيرته وتعاليمه في الجهات المختلفة، فروته كل بيئة بلغتها. فالفرس حفظوه باسم زرادشت، والهنود في صورة غوتاما التي نقارنها بقثم، والصينيون في أخبار لاوتزو، أما الوثائق البابلية فحفظت خبره باسم نبونيد. وبقي في الذاكرة العربية الاسم الذي يثبته القرآن: عيسى ابن مريم ﵇. هكذا يقرأ الكتاب اتصال هذه الصور، وبهذا الاتصال يفهم ما بينها من فروق.
فعند هذا الاقتراح تلتقي التشابهات كلها: شخصية واحدة تروى بأسماء وصور متعددة. وما دمنا قد طرحناه، فإن قيامه بعد ذلك يتوقف على التفاصيل التي تقوي هذه الصلة، وعلى التواريخ وطرق النقل التي يمكن أن تفسر اختلاف الروايات.
- تداخل الأزمنة التي تنسب إليها الشخصيات والروايات، مع اختلاف تأريخها.
- تكرر ملامح من الميلاد والاعتزال والتعليم ومواجهة المؤسسة الدينية.
- الأسماء والألقاب التي تحمل معاني الحكمة والنور والاصطفاء.
- طرق السفر واللغات والجماعات التي يمكن أن تحمل السيرة.
- وحدة الهداية التي يقرأ بها الكتاب هذه المواد على ضوء القرآن.
وللقارئ أن يوازن بين هذا الاقتراح ووجهين آخرين يفسران التقارب. فأمامنا إذن ثلاث قراءات، تبدأ من القول باشتراك هؤلاء في مصدر الهداية، وتنتهي إلى القول بوحدة الشخصية التي رويت أخبارها:
أولها أن تكون هذه الشخصيات مستقلة بعضها عن بعض، تلقت الهداية من مصدر إلهي واحد، فظهرت في تعاليمها معان متقاربة. وهذا الوجه يحفظ لكل شخص استقلاله، ويفسر مع ذلك ما يجتمعون عليه من قصد روحي.
وثانيها أن تكون رسالة سامية قد انتقلت مع التجارة والهجرات وطرق الثقافة، كطريق الحرير وطريق البخور، فتأثر بها معلمون، فحملوا تعليمها إلى بيئاتهم بأسمائهم. وطرق الاتصال المعروفة بين الحضارات تشهد بأن هذا ممكن، وتبين المراحل التي يمكن أن يكون قد مر بها.
وثالثها، وهو الذي نأخذ به، أن تكون الشخصية الأصلية نفسها هي التي رويت بأسماء متعددة. وهذه الشخصية عندنا عيسى ابن مريم ﵇، وقد كان، بحسب التأريخ المقترح هنا، في المجال الممتد بين الجزيرة وشمالها. ثم انتقلت ذاكرته شرقاً وغرباً، فصاغتها الألسنة في صورها المحلية، وبقي اسمه محفوظاً في القرآن.
فالإمبراطورية الأخمينية، وقد اتسعت على مراحل، وصلت الرافدين والأناضول وأجزاء من الشام بأقاليم تقع إلى الشرق، حتى بلغ نفوذ داريوس مجال السند. وهذه الطرق والإدارة تفسر كيف انتقل الناس والأخبار في هذا المجال، وعليها سارت، في قراءة هذا الكتاب، القصة التي نتتبعها من بابل إلى الهند والصين.
وقد ساعد انتشار الآرامية على هذا الاتصال. فمن منتصف القرن الثامن إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد اتسع استعمالها في الإدارة والحياة العامة، عبر الإمبراطوريات الآشورية الحديثة والبابلية الحديثة والأخمينية. ثم أصبحت في عهد داريوس لسان الدواوين في أكثر من عشرين ولاية بين مصر والسند. وبذلك كانت القوافل والرسائل تعبر فضاء واسعاً يجمع كتّابه لسان واحد، يستطيع به كاتب في طيبة أن يتصل بكاتب عند تخوم الهند.
فالطرق والإدارة واللسان تثبت أن الأخبار كان يمكن أن تنتقل في هذا العالم المتصل. فإذا ثبت ذلك بقي أن نسأل: من المسافر؟ ومن المعلّم؟ وما الجماعة؟ أما أن تظهر رواية في بلد بعد ظهورها في آخر، فذلك يدل على الطريق الذي انتقلت فيه، وأما الزمن الذي استغرقه انتقالها فتحدده شواهد أخرى.
وقد حفظت ألواح حصن برسبوليس تفاصيل من هذه الحركة. نشرها ريتشارد هالوك سنة ١٩٦٩، وهي متاحة عن معهد شيكاغو، وفيها أرزاق تُصرف للمسافرين بين سوسة والهند بوثائق مختومة، في السنتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين من حكم داريوس الأول، أي نحو ٥٠٠ ق.م. ففي اللوح ١٥١١ ذكر «ساكساكا الهندي ... يحمل وثيقة مختومة من برناكا؛ ذهبوا إلى سوسة»، وفي خبر آخر ذكر حامل ختم الملك الذي «ذهب إلى الهند» ومعه خمسة سادة وخمسة عشر خادماً، كما يرد فيها صرف الشراب لهنود في طريقهم إلى سوسة. ويصف هالوك محطات للتموين بين كل محطة وأخرى مسيرة يوم، وعلى الألواح حواش آرامية كتبها كتّاب الدواوين. ثم ننتقل إلى تكسيلا، فنجد فيها نقشاً آرامياً على عمود رخامي، أرخه مارشال سنة ١٩١٨ بالقرن الرابع ق.م اعتماداً على هيئة الخط، ثم قُرئ بعد ذلك مرسوماً لأشوكا من نحو ٢٦٠ ق.م، لأن لقب «بريادرشي» ورد فيه. ورأى دوبون-سومير في دراسته سنة ١٩٧٠ أنه يخاطب جماعات بقيت الآرامية لغتها بعد سقوط الإمبراطورية القديمة بجيلين. ومن الأبجدية الآرامية الإمبراطورية نشأ أيضاً الخط الخروشتي، وبه كُتبت مخطوطات غاندهارا البوذية، ومنها شواهد من القرن الأول ق.م. فهذه المواد توثق الطريق واللسان والكتابة، وتذكر رسلاً وموظفين، فهي تثبت أن الانتقال كان ممكناً، لكنها لا تسمي المسافر الإسرائيلي الذي حمل القصة. ومن اللافت، على سبيل المقارنة، أن دعوى كرستن عن يسوع في كشمير تحتاج هي أيضاً إلى افتراض أن إسرائيليين كانوا في الشرق في القرن السادس ق.م، فهي تلتقي بقراءة هذا الكتاب في الحاجة إلى تفسير هذا الحضور القديم، وإن اختلفت عنها في الشخصية والسيرة.
وحين نستشهد بتقارب أسماء مثل غوتاما وقثم، أو داو والضوء، فإنما نستشهد به على ترجمة المعنى والصوت حين ينتقل الاسم من لسان إلى لسان، وهذا غير القوانين الوراثية بين عائلات لغوية متباعدة. وما يزيد هذه الشواهد وزناً أنها تقترن بتفاصيل في السيرة، وبطريق نقل يمكن أن نتتبعه. أما «العصر المحوري» فنستعمله إطاراً نقارن فيه بين تحولات واسعة تتقارب فيه أزمنة الشخصيات.
وهذه القراءة تجمع مسائل يعالجها تصور العصر المحوري عادةً متفرقة:
فهي تجيب في وقت واحد عن ثلاثة أسئلة: لماذا تتشابه بعض تفاصيل السير؟ وكيف تتبدل الأسماء والمعاني حين تنتقل؟ وأي الطرق أو الجماعات حملت الرواية؟ وجواب الكتاب عنها جميعاً أن صاحب القصة واحد. وقوة هذا الجواب فيما يفسره من التفاصيل، لا في أن نضع الأسماء في قائمة متقاربة.
والآيات تقرر أن الرسالات مصدرها واحد، وأن الأمم التي بلغتها الهداية متعددة. وهذا هو الأصل الذي ننطلق منه في المقارنة، والأنبياء فيه أشخاص متعددون. أما اقتراحنا فأضيق من ذلك: أن بعض الأسماء التي ندرسها قد تكون صوراً ثقافية للمسيح نفسه، في داخل تاريخ أوسع من الأنبياء والرسالات.
ثم إن المعلم الذي نتحدث عنه يحضر أيضاً في روايات تجعل له معرفة تتسع للجسد والعقل والكون. ففي الفصلين ٥١–٥٢ من «إنجيل الطفولة العربي» نراه يناقش مسائل الفلك والطب والنفس، ثم يطلب فيلسوف أن يتتلمذ له. وقيمة هذه الصورة أنها تصل الشفاء بالتعليم، وتعطينا، حين نقارن المسيح بالحكمة والفلسفة، مادة نصية محددة. (النص، ٥١–٥٢.)
فنحن نقرأ المسيح على هذا الوجه معلّماً يفتح للإنسان أبواب المعرفة، ويهذّب استعماله لها. ولذلك نفهم معجزات شفائه متصلة بما فُتح له من علم ورحمة. والروايات التي بين أيدينا تصف ما كان لهذا العلم من أثر في الشفاء، وعليها نبني فهمنا لهذه الصورة الجامعة للمعلم.
أما إحياء الموتى، فمعجزة شفاء أعطاها الله لعيسى ﵇، كما قال على لسانه: ﴿وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران ٤٩). ونقرأ بعض أخبارها على أقرب معانيها: إنسان توقف قلبه، ثم أُنقذ بما فُتح للمسيح من علم، فعاد إلى الحياة. وقد يصف بعضها إنساناً بلغ المرض الذي يُفضي إلى الموت يقيناً، فشفاه الله على يد عيسى ﵇. وهذا مثال يقرّب إلى الذهن كيف يقع الشفاء في الجسد، ويصله مع ذلك بالإذن الإلهي. فالطب اليوم يميز بين توقف القلب، وهو حال قد تنجح معها محاولات الإنعاش، وبين الموت الذي لا رجعة فيه، وفي هذا التمييز نقرأ وجه الخبر. على أن عطية الشفاء تبقى أوسع من أي وسيلة نعرفها اليوم. (للتفريق الطبي: جمعية القلب الأمريكية، إسعاف توقف القلب.)
وكلا المعنيين إحياء في لسان القرآن نفسه. فالملك الذي حاجّ إبراهيم ﵇ في ربه، وهو النمرود في كتب التفسير، قال: ﴿أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ﴾ (البقرة ٢٥٨). وقد روى الطبري في تفسيره عن قتادة ومجاهد والربيع أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستبقى الآخر، ونقل ابن كثير عن قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي أنهما رجلان استحقا القتل، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فسمّى العفو عمن حُكم عليه بالموت إحياءً. وفي سورة المائدة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾ (المائدة ٣٢)، وروى الطبري عن مجاهد أن إحياءها أن ينجيها صاحبها من غرق أو حرق أو هلكة، واختار الطبري نفسه أن يكون إحياؤها ترك قتلها. فاللسان الذي نزل به القرآن يسمّي استنقاذ النفس من موت أشرفت عليه إحياءً، وبهذا اللسان نقرأ أخبار المسيح: الله هو المحيي، وعيسى ﵇ يُجري الشفاء بإذنه في جسد بلغ حافة الموت، فيرجع صاحبه إلى أهله حياً.
وقد انتهينا في هذا الفصل إلى أن نقرأ بوذا ولاوتزو وزرادشت صوراً ثقافية محتملة لشخصية واحدة، هي عيسى ابن مريم ﵇، وسيعرض الفصل التالي مطابقته بنبونيد. فالأسماء قد تتغير، والبيئة المحلية قد تدخل في تفاصيل السيرة ورموزها، أما أصل التعليم والخبر فيبقى متصلاً. وهذا ما نعنيه بوحدة الشخصية، ونحن نبني بيانها على ما بين أيدينا من وثائق عن الرجل في المجال البابلي والعربي.
الفصل ٥ ـ نبونيد هو عيسى ـ ذاكِرَتانِ لِشَخصِيّةٍ واحِدة
نقرأ في هذا الفصل نبونيد وعيسى ابن مريم ﵇ على أنهما ذاكرتان لشخصية واحدة. سنبدأ بالملك كما تحفظه النقوش، ثم نضع خبره إلى جانب الأسرة والرسالة اللتين يحفظهما القرآن، وإلى جانب الروايات التي دارت حول مرضه وشفائه. وعيسى ﵇ في هذا الفهم مختار من الله، غير أنه مرّ بتجربة سلوك وابتلاء، فازداد بها معرفة بمولاه. أما الرجل من بني إسرائيل الذي يظهر في صلاة نبونيد، فنقترح أنه يحيى، معلّمه في هذا الطريق؛ فالمريض في الوثيقة هو نبونيد نفسه، والذي حضر شفاءه رجل آخر.
حكم نبونيد بابل من سنة ٥٥٦ إلى سنة ٥٣٩ ق.م، وكان آخر ملوكها قبل أن تصير إلى حكم الفرس. ولم يصل إلينا عنه من القدماء، عند هيرودوت ومن جاء بعده من الإغريق والرومان، إلا إشارات قليلة لا تفي بما تحفظه الوثائق من أخباره الواسعة. ثم جاءت الاكتشافات الحديثة، ولا سيما في القرن العشرين، فأخرجت نصوصاً مسمارية ورسائل ملكية، وسيرةَ أمه منقوشة. فظهر من هذه المادة رجل ثبت على مواقف دينية، ودخل من أجلها في صراع مع سلطة كهنوتية راسخة. ومن هذه المادة نبدأ في قراءة شخصيته من جديد.
صلاة نبونيد: وثيقة 4Q242
تحفظ «صلاة نبونيد» (4Q242) شذرات آرامية من خبر ملك أصابه المرض سبع سنين وهو في تيماء، ثم حضره رجل من بني إسرائيل من جماعة المنفيين. فإذا قرأنا النص كما رمّمه المحققون، وجدنا فيه المغفرة والشفاء معاً، ووجدنا الملك يؤمر بأن يكتب تسبيحه. وهذا يذكّرنا بما في مرقس ٢، حيث تقترن المغفرة بالشفاء، وعلى هذا الأساس نقرأ العلاقة بين تجربة الملك والصورة النبوية. غير أن النص عمل أدبي كُتب بعد عصر نبونيد وحُفظ في قمران، فتاريخ كتابته غير تاريخ الحدث الذي يرويه. وسنعرض في الملحق الأول ما بقي من النص، وما أضافه الترميم، وكيف نقرؤه قراءة أدبية، كلّاً في موضعه.
ولا بد هنا من ضبط الأزمنة، لأن للخبر أكثر من تاريخ. فالملك عاش في القرن السادس ق.م، أما رواية الصلاة فصيغت بعده في زمن يختلف الدارسون في تعيينه. ثم نُسخت الشذرات التي بقيت لنا في القرن الأول ق.م، كما يدل عليه تأريخ الخط، وظلت في الكهف الرابع حتى أخرجتها اكتشافات قمران إلى البحث الحديث، فنشرها ميليك سنة ١٩٥٦. فكل تاريخ من هذه التواريخ يخص مرحلة من حياة الخبر.
حزقيا: مرضُ الملك وسؤالُ بابل
ولصلاة نبونيد سابقة في الأسفار العبرية نفسها، هي خبر حزقيا ملك يهوذا في القرن الثامن ق.م، كما يرويه الملوك الثاني ٢٠: ١–١١ وإشعياء ٣٨–٣٩ وأخبار الأيام الثاني ٣٢: ٢٤–٣١. يبدأ الخبر بقوله: «في تلك الأيام مرض حزقيا للموت»، ثم جاءه إشعياء النبي يأمره أن يوصي بيته، فوجّه الملك وجهه إلى الحائط، وصلّى، وبكى بكاءً عظيماً. ولم يخرج النبي إلى المدينة الوسطى حتى رجع إليه بالجواب: «قد سمعت صلاتك. قد رأيت دموعك. هأنذا أشفيك» (الملوك الثاني ٢٠: ٥). فطلب الملك علامة، فدعا إشعياء الرب «فأرجع الظل بالدرجات التي نزل بها بدرجات آحاز عشر درجات إلى الوراء» (٢٠: ١١). ثم يحفظ سفر إشعياء نصاً بلسان الملك نفسه، عنوانه «كتابة لحزقيا ملك يهوذا إذ مرض وشفي من مرضه» (إشعياء ٣٨: ٩)، يقول فيه لربه: «فإنك طرحت وراء ظهرك كل خطاياي» (٣٨: ١٧).
فلما شُفي الملك دخلت بابل الخبر. «في ذلك الزمان أرسل مرودخ بلادان بن بلادان ملك بابل رسائل وهدية إلى حزقيا، لأنه سمع أنه مرض ثم صح» (إشعياء ٣٩: ١). ويذكر سفر الأخبار ما جاء له الوفد، فهم «رؤساء بابل الذين أرسلوا إليه ليسألوا عن الأعجوبة التي كانت في الأرض» (أخبار الأيام الثاني ٣٢: ٣١). والأعجوبة في العبرية מוֹפֵת (موفِت)، وهو اللفظ نفسه الذي يصف به السفر علامة الشفاء في ٣٢: ٢٤. ثم أرى حزقيا الرسلَ خزائنه من الفضة والذهب، فأنذره إشعياء بأن ما ذخره آباؤه سيُحمل إلى بابل، وأن من بنيه من يؤخذ «فيكونون خصيانا في قصر ملك بابل» (الملوك الثاني ٢٠: ١٨). فينتهي الخبر برجال من بني يهوذا في قصر ملك بابل. أما صلاة نبونيد ففيها رجل من بني يهوذا، من الجلاء كما يقول ترميم السطر، يقف أمام ملك بابل نفسه.
فلنضع الخبرين أحدهما إلى جانب الآخر. في كليهما ملك يمرض، فيشرف على الموت أو تطول عليه العلة، فيصلي، ثم يحضره رجل من يهوذا يحمل إليه كلمة الإله: هو إشعياء النبي في الخبر الأول، والگازر في الثاني. وفي كليهما تقترن العافية بمحو الخطايا، ثم يُكتب الخبر بلسان الملك بعد شفائه: «كتابة لحزقيا» في إشعياء، و«أخبر واكتب» في الصلاة. بل إن العلة في الخبرين تحمل اسماً واحداً، فـ«الدبل» الذي وُضع عليه قرص التين (الملوك الثاني ٢٠: ٧) اسمه في العبرية הַשְּׁחִין (هَشِّحين)، وقرح نبونيد في الآرامية שחנא (شَحنا)، والجذر فيهما واحد: ش-ح-ن. غير أن الأدوار تتبادل بين الخبرين، فالملك في الأول يهودي يأتيه بلاط بابل يسأله عن أعجوبته، والملك في الثاني هو ملك بابل نفسه، يتلقى إعلان المغفرة من رجل يهودي. ويقول النص العبري في برء حزقيا וַיֶּחִי (وَيِّحي)، أي «فحيي»، ويجعل علامة البرء أن يصعد الملك إلى بيت الرب «في اليوم الثالث» (٢٠: ٥، ٨).
وتبقى في علامة الظل مسألة فلكية نتركها مفتوحة. فالظل على المزولة الأفقية ذات المقياس القائم يرجع رجوعاً طبيعياً إذا زاد ميل الشمس على عرض الموضع، أي في المواضع الواقعة بين خط الاستواء ومدار السرطان، كما برهن الرياضي البرتغالي بيدرو نونيش (Pedro Nunes) سنة ١٥٣٧. ففي مكة يقع هذا كل صيف نحو سبعة أسابيع، ويعود الظل يوم الانقلاب فيقطع من جديد قوساً يقارب خمس عشرة درجة، أما في عرض القدس فلا يقع على المزولة الأفقية. وقد نبّه الدكتور محمد مصطفى منصور إلى هذه الظاهرة في خبر حزقيا (The Mecca Bible، ٢٠٢٣، ص ١٧٤–١٧٦). على أن للمسألة وجهاً آخر، فلفظ «الدرجات» في العبرية מַעֲלוֹת (مَعَلوت) يدل على الدرج أيضاً، والظل على السطح المائل قد يرجع في عروض أعلى من المدار، كما برهن كلافيوس (Clavius) سنة ١٥٨٦؛ ثم إن النص يسمي ما وقع «علامة من قبل الرب» (٢٠: ٩). لذلك نعرض الملاحظة سؤالاً عن جغرافيا الخبر، والحكم فيه لما يجتمع من القرائن.
خبر الملك بين اسمين
فإذا وضعنا الصلاة إلى جانب دانيال ٤، اقتربنا أكثر من موضوع هذا الكتاب، ورأينا قصة واحدة تُروى مرتين. تحكي الصلاة أن نبونيد، ملك بابل، أصابه قرح خبيث وهو في تيماء، فلبث فيه سبع سنين، حتى جاءه رجل من بني إسرائيل، فغُفرت له خطيئته، وعادت إليه عافيته، فسبّح الله. ويحكي سفر دانيال أن نبوخذنصر رأى حلماً فسّره له دانيال، ثم طُرد من بين الناس، فسكن مع حيوان البرّ وأكل العشب كالثيران «سبعة أزمنة»، حتى رجع إليه عقله وملكه فمجّد العلي. تغيّر اسم الملك، وتغيّرت علّته، وبقي الخبر في جوهره واحداً: ملك من ملوك بابل تطول محنته، ثم يُردّ إليه ما فقد.
ولهذا قارن عدد من الدارسين بين الخبرين، ومنهم بوليو في بحثه، وناقشوا احتمال أن تكون ذاكرة نبونيد قائمة خلف قصة نبوخذنصر. ثم جاء تاكوما سوغي بتفسير لكيفية افتراق الخبر: فقد قابل المرض الجلدي، وخروج الملك كالحمار الوحشي، بصيغ لعن بابلية تُنسب إلى سين، واقترح أن خبر المحنة تفرّع في طريقين، احتفظ أحدهما بالمرض، واحتفظ الآخر بالحياة الوحشية. فالعلاقة التي يبحثها سوغي أوسع من أن تكون نقلاً حرفياً للصلاة إلى سفر دانيال. ويسمي سوغي سين في عنوان بحثه «إله القمر» على عادة الدارسين، ونقرؤه نحن اسماً للعلي، والقمر علامته. (سوغي، «نبونيد ولعنة إله القمر»، ٢٠١٨، ص ١–١٢.)
والحلقة التي تصل الاسمين يحفظها سفر دانيال نفسه. ففي الإصحاح الخامس ملك اسمه بيلشاصر، בֵּלְשַׁאצַּר (بيلشاصّر)، يقيم وليمته في بابل في الليلة التي تسقط فيها، والسفر يسمي أباه نبوخذنصر مرة بعد مرة: «آنية الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذنصر أبوه من الهيكل الذي في أورشليم» (دانيال ٥: ٢)، و«فالله العلي أعطى أباك نبوخذنصر ملكوتا وعظمة وجلالا وبهاء» (٥: ١٨)، ثم يخاطبه دانيال: «وأنت يا بيلشاصر ابنه لم تضع قلبك» (٥: ٢٢). أما بيلشاصر في الوثائق البابلية فهو بِل-شَرّا-أُصُر (Bēl-šarra-uṣur)، الابن البكر لنبونيد. وتقول حولية نبونيد في السنة السابعة من حكمه إن الملك في تيماء، وإن ابن الملك وكبراءه وجيشه في أكّد. وتذكر الرواية المنظومة أن الملك عهد بالجيش إلى ابنه البكر، وأسلم إليه الملك، ثم مضى في سفره الطويل إلى تيماء.
فمن هو هذا الأب الذي ينسب إليه السفر بيلشاصر؟ نقرؤه نبونيدَ في النسب، ونبوخذنصرَ في الاسم. فقد حمل الاسم الأشهر في ذاكرة بابل خبرَ الملك الذي غاب عنها، فصار ما يرويه الإصحاح الرابع عن محنة «نبوخذنصر» خبراً عن الأب الحقيقي لبيلشاصر. وفي الإصحاح الخامس تفصيل صغير بقيت فيه سنوات تيماء: فبيلشاصر يعد من يقرأ الكتابة على الحائط بأنه «يتسلط ثالثا في المملكة» (٥: ٧، ١٦، ٢٩). ولماذا الثالث؟ لأن الأول هو الملك الغائب في تيماء، والثاني ابنه القائم مقامه في العاصمة، فالمرتبة الثالثة هي أعلى ما يملك أن يهبه رجل ينوب في بابل عن أبيه. ويقرن سفر باروخ الاسمين صراحة، كما في الترجمة العربية للأسفار القانونية الثانية: «وصلوا من أجل حياة نبوكدنصر ملك بابل وحياة بلشصر ابنه» (باروخ ١: ١١).
والإصحاح الرابع نفسه رسالة ملكية يكتبها صاحبها بلسانه، تبدأ هكذا: «من نبوخذنصر الملك إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها» (دانيال ٤: ١)، ثم يقول الملك: «الآيات والعجائب التي صنعها معي الله العلي، حسن عندي أن أخبر بها» (٤: ٢). وهذا بعينه ما أُمر به الملك في الصلاة، في حروف باقية من سطرها الخامس تقع خارج أقواس الترميم: «أخبر واكتب». فهو في الخبرين ملك يحدّث الناس بما صنع الله معه، ويكتب شهادته بنفسه. وما يسميه السفر «سبعة أزمنة»، שִׁבְעָה עִדָּנִין (شِبعا عِدّانين)، جعلته الترجمة اليونانية السبعينية «سبع سنين» في موضعين منه (٤: ١٦، ٣٢ في ترقيم فاندايك)، وهي السنون السبع التي قضاها ملك الصلاة في تيماء.
ويختم الملك خبره بالتسبيح: «وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد، الذي سلطانه سلطان أبدي» (٤: ٣٤)، وفي الآرامية חַי עָלְמָא (حَي عالما). فالملك الخارج من محنته يحمد العلي باسم الحياة، ونقرأ في هذا الوصف المعنى الذي قرأناه في اسم عيسى ﵇ في الفصل السابع: الحي المحيي.
في هذا المثال نرى كيف يمكن أن يبقى جزء من الخبر ويغيب اسم صاحبه، بل كيف يتبدل الحكم عليه أيضاً. فالصورة التي يرسمها خصم الملك، أو التي يعيد بها واعظ تفسير ماضيه، تصير هي الأخرى جزءاً من تاريخ الذاكرة. لذلك نقرأ حكاية المحنة إلى جانب نقوش نبونيد وما قاله عن نفسه، ونفهم ابتلاءه مرحلة في مسيره إلى الله، كما عرف الأنبياء امتحاناً تظهر بعده مهمتهم. والذي يعنينا في هذا الانتقال كله أن الاسم حين تغيّر لم يمحُ كل ما يقود الباحث إلى صاحب السيرة الأقدم.
وقد قارن أندريه دوبون-سومير (Dupont-Sommer) بين صلاة نبونيد 4Q242 ومرقس ٢، لأن المغفرة تتصل بالشفاء في كليهما. لكن علينا أن نفرق بين زمن الشاهد وزمن القصة: فمرقس يروي خبر يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، أما الصلاة فتروي خبر نبونيد في تيماء في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كُتب نصها بعد ذلك. وفي قصة الصلاة رجل من بني إسرائيل ضاع اسمه فيما ضاع من النص، وهو الرجل الذي سنعيّن فيما يلي هويته ودوره في التجربة.
والإطار الذي يقترحه الكتاب لزكريا ومريم وعيسى ﵇ يوجّه السؤال إلى يحيى. فإذا أمكن أن نصل هذا البيت بالبيئة البابلية التي عاش فيها نبونيد، صار من المفيد أن نقابل الرجل الذي في الصلاة بيحيى، وهو صاحب التعليم والتطهير في الذاكرة المندائية. وتشدّ هذه المقابلةَ أمورٌ ثلاثة: معنى الحياة في اسمه وفي جذره ح-ي-ي، وصلته بالماء والتعميد، واقتران المغفرة بالشفاء في الخبر. ونقرأ كذلك انفراده بالاسم في «لم نجعل له من قبل سمياً» متصلاً بانفراده بالوظيفة التي بقيت له في الذاكرة. على هذه الوجوه نقترح أن الرجل هو يحيى، وسيأتي تفصيل النص وشواهده الأرشيفية في الملحق الأول.
التعميد وظهور الروح
ولخبر التعميد تفاصيل يحسن أن تُقرأ معاً. يروي مرقس ١: ٩–١١ أن يسوع جاء إلى يوحنا فنزل في الماء، فلما خرج منه ظهر الروح وجاء الخطاب من السماء. ويحتفظ متى ٣: ١٣–١٧ بالمشهد نفسه، ويزيد عليه محاورة يتردد فيها يوحنا في أن يعمّده. أما لوقا ٣: ٢١–٢٢ فيصل نزول الروح بالصلاة. وفي يوحنا ١: ٢٩–٣٤ يصير بقاء الروح عليه علامة يعرف بها المعمدان من الذي يعلن أمره للناس. فالمشهد في رواياته كلها لقاء يجمع رجلين، يتطهر فيه أحدهما على يد الآخر، ثم ينكشف مقامه.
ويحفظ يوستينوس، في «الحوار مع تريفون» ٨٨، صورة أخرى للخبر: فعند دخول الماء اتقدت نار في الأردن، ثم نزل الروح، وجاء كلام من السماء بعبارة المزمور عن البنوة. ثم يفسر يوستينوس الواقعة بأنها إظهار لأمر المسيح أمام الناس، ويؤكد أنه كان ذا قوة قبلها. فهذه الزيادة، وهذا التفسير، يدلان على أن معنى الواقعة نفسها شغل القدماء: أكانت ابتداءً للمقام، أم ظهوراً له أمام من يشهد؟ (الحوار، الفصل ٨٨.)
ونحن نقرأ الواقعة ظهوراً للمختار بعد أن أتمّ تجربته في السلوك. فعيسى ﵇ مختار من أول أمره، لكنه مع ذلك كان له معلم، ومرّ بامتحان، ونما في المعرفة. ونصل نهاية المحنة في صلاة نبونيد بهذا اللقاء الذي حفظت الأناجيل صورته في التعميد. صحيح أن مقاطع التعميد التي ذكرناها لا تذكر ليسوع مرضاً سابقاً، وأن الباقي من الصلاة لا يذكر ماء التعميد، لكن المقارنة تجمع وجوهاً تفرقت من تجربة أقدم: فخبر الملك حفظ المحنة والشفاء، والخبر الإنجيلي حفظ المعلم والتطهير وظهور الروح. ولهذا نرى في المرشد الذي ضاع اسمه يحيى.
ثمانية خيوط يَصعب ردُّها إلى الصدفة
وقبل أن نعقد المقارنة نقف عند المصادر غير المسيحية التي تذكر يسوع. أشهرها خبر تاكيتوس في Annals 15:44، وقد كتبه نحو ١١٦م، ويقبل معظم الباحثين أصالته، وإن ظلوا يبحثون من أين استقى معلوماته، وما صلتها بما كان يعتقده مسيحيو عصره. ومنها إشارتان عند يوسيفوس فلافيوس، أشهرهما «Testimonium Flavianum» في Antiquities 18:63-64، ويرجح كثيرون أن لها أصلاً دخلته زيادات مسيحية. وما بقي من الأدب اليهودي والروماني في القرن الأول قليل إذا قيس بالمكانة العالمية التي صارت إليها هذه الشخصية. وهذا التفاوت يدعونا إلى أن نطلب للذاكرة المسيحية ماضياً أوسع، مع أن الصمت وحده لا يعيّن رجلاً آخر ولا زمناً آخر.
ونجمع المقارنة بين نبونيد وعيسى ﵇ في ثمانية أوجه. فقيمة الحجة عندنا في اتصال هذه الأوجه، وفيما يفسّره كل وجه منها إذا اجتمع مع البقية. وهي:
- الملك والسلوك: كان ملكاً يجمع الحكم والعناية بالمعابد، ونقرأ حركته الدينية قراءة نبوية.
- الابتلاء والشفاء: تحفظ صلاة نبونيد خبر مرضه وتوجهه إلى الله وحضور معلّم من بني إسرائيل عنده؛ ونقرأ فيها سلوك المختار حتى يتم ظهوره.
- الأم المتعبدة: تحفظ مسلة أدد غوبي تدينها، وعنايتها بابنها، واختياره للمهمة؛ ونقابل ذلك بصورة مريم واصطفائها.
- تيماء: أقام الملك طويلاً خارج بابل، فصار شمال الجزيرة جزءاً من سيرته الموثقة.
- استرجاع التراث: بحث عن أسس المعابد وآثار السابقين، فيفتح ذلك باب المقارنة بصورة الوارث لميراث الأنبياء.
- خصومة المؤسسة: أخبار خصومه تقتضي أن ننظر فيما صنعه الهجاء السياسي والديني بصورته.
- دلالة الاسم: نستعيد في اسم نبونيد معاني النداء والتمجيد، ونقابلها بألقاب الاختيار والرفع.
- تركيب الذاكرة: نقترح أن السجل الملكي والرواية الدينية حفظ كل منهما جانباً من رجل واحد، وتفصّل بقية الفصل هذا الجمع.
أدد-غوبّي وسين
وأم نبونيد، أدد غوبي، هي مدخلنا إلى فهم البيت الذي خرج منه. فمسلتها تروي حياة طويلة قضتها في خدمة سين، أي في خدمة العلي الأعلى الذي تسميه النقوش بهذا الاسم، متعلقة بمقدساته، وتذكر أنها بلغت مئة وأربع سنين. ونحن نرى في عنايتها الدينية ووصيتها لابنها جزءاً مما تكوّنت به مهمته، ونتتبع فيهما صورة الأم التي يسميها القرآن مريم.
ترتبط سيرة أدد-غوبي بحران وبخدمة بيت العلي فيها، وهو الذي تسميه نقوشها سين، وفيها يُفسَّر ملك ابنها وإعماره ذلك البيت بأن العلي اختاره له. ومن أخبارها حلم يُربط فيه نبونيد بمهمة البناء، ونرجع في ذلك إلى نقش أدد-غوبّي المنشور في ORACC. ونرى في هذا الاختيار لغة الاصطفاء والتكليف نفسها التي تحفظها قصة مريم، أما البشارة بالمولد فتبقى آية يرويها النص القرآني في موضعه.
وصل نبونيد إلى الملك بعد سقوط لاباشي-مردوخ، في انتقال سياسي ما تزال ملابساته موضع بحث، ثم صاغت نقوشه شرعيته بلغة الاختيار الإلهي. وهذا التفسير الديني لا ينفي أنه كان هناك صراع على الحكم، كما أن وقوع الصراع لا يستوعب كل ما فهمه الرجل من مهمته. ونحن نقرأ تعظيمه سين توجهاً إلى العلي، على حين حفظت نصوص خصومه عنه صورة مضادة. لذلك نضع الصورتين متقابلتين، ونتذكر أن الهجاء لا يصلح تشخيصاً طبياً لحال الملك.
وتقوم المقارنة بين أدد-غوبّي ومريم على ثلاثة أمور: أن كلتيهما أم، وأن كلتيهما مكرّسة للعبادة، وأن ابن كل منهما اختير لمهمة. والخبر البابلي يُروى على غير صيغة البشارة في القرآن، فالنقش لا يذكر ميلاداً عذرياً، ولا ينقل تفاصيل المحراب كلها. ومع ذلك نقرأ أدد-غوبّي ومريم ذاكرتين لأم واحدة، ونبين ما تضيئه هذه المطابقة وما يبقى فيها من اختلاف، ونترك لكل مصدر ألفاظه.
فمَن مريم؟
ومن سؤال الابن ننتقل إلى الأم. فإذا كان نبونيد هو عيسى ﵇، فأين مريم في أخباره؟ الجواب عندنا في أدد-غوبي، أمه التي حفظت حران اسمها وسيرتها، فنحن نقترح أن القرآن حفظ صورتها باسم مريم. وهذه المطابقة امتداد للقراءة نفسها التي تصل الخبر الملكي بالخبر النبوي، تقوم على ما تتفق فيه الصورتان، وتبين ما تختلفان فيه.
وتنسب السيرة الحجرية إلى أدد-غوبّي عمراً مديداً يقارب مئة وأربع سنين، وتصف إخلاصها الديني ومكانة ابنها. على أن هذا العمر كله ليس مدة موثقة قضتها متصلة في العمل بمعبد واحد، كما أن وصفها الشائع بالكاهنة غير الألقاب التي يصرح بها النقش. فهي عندنا امرأة كرّست نفسها للمعرفة والعبادة، وهذه هي الصورة التي نقابلها بمريم.
وتحكي أدد غوبي في مسلتها أنها تعلقت بالمقدسات منذ طفولتها، وأنها زهدت، وسألت أن يُحفظ ابنها، ثم تروي كيف اصطُفي للملك وأعاد بناء المعبد. والابن في كلامها «ابني الوحيد، ثمرة بطني»، تسميه، وتدعو له، وتشهد تكليفه. وهذا هو الوجه الذي نعتمده في مقابلتها بما في قصة مريم من لغة الاختيار والتسمية. (النص Q005471، مسلة أدد غوبي.)
في الصورتين امرأة مكرّسة، تحوطها عناية إلهية، ولها ابن صاحب مهمة تدعو له بالحفظ. غير أن هذه المعاني تتوزع في القرآن بين امرأة عمران ومريم، وتجتمع في المسلة في سيرة أدد غوبي وحدها. فالذاكرة البابلية جمعت في امرأة واحدة ما فصّله القرآن بين امرأتين: فنذر امرأة عمران يقابل تكريس أدد غوبي منذ صباها، واصطفاء مريم يقابل أمومتها للابن المختار، ويبقى لكل نص ترتيبه لأشخاصه.
ومَصدَرُ هذه القِراءة النَصُّ المَنشور: مِسَلّة أَدّا-غوبّي (نبونيد ٢٠٠١، النَصّ Q005471) في مَشروع RIBo التابِع لـ ORACC، تَحقيق Weiershäuser وNovotny ضِمن RINBE 2، عن تَحقيق Schaudig في AOAT 256، بتَرخيصٍ حُرٍّ مَفتوح. ونَذكُر هذا لأنّ ما يُبنى عليه في هذا الفَصل يَنبَغي أن يَكون في مُتَناوَل القارئ يُراجِعه بنَفسِه.
وقد وصلت إلينا سيرة الأم في نسختين. وجد الأولى هنري پونيون سنة ١٩٠٦ في إسكي حران ونشرها سنة ١٩٠٧، ووجد د. س. رايس الثانية سنة ١٩٥٦، وقد استُعملت درجةً في المدخل الشمالي للجامع الكبير في حران، ووجد معها مسلّتي نبونيد في المدخلين الشرقي والغربي. ثم نشر غاد النصوص سنة ١٩٥٨ في «Anatolian Studies». فالحجارة التي حملت ذكر الأم والابن لم تبرح حران، ثم دخلت في بناء مسجدها.
ومريم في هذه المطابقة هي الأم. أما ما في بيت نبونيد من نذر ومحراب وخدمة مقدسة، فنفهم به البيئة التي نقترح أنها عاشت فيها. بعض ذلك يتصل بها مباشرة، وبعضه يتصل بامرأة أخرى من البيت، وسيأتي خبر ابنة نبونيد مثالاً على أن هذا التقليد استمر في الأسرة.
وما نبني عليه مطابقة الأم هو بنية الخبر: امرأة مكرسة للعبادة، وابن تصوّر الرواية اصطفاءه وتعده بالمهمة. أما الاسمان «أدد-غوبي» و«مريم» فلا نطلب بينهما اشتقاقاً لغوياً تقوم عليه المطابقة. فنحن نقرأ الصورتين كما نقرأ صورتي نبونيد وعيسى ﵇، ونأخذ ما تقوله كل رواية في موضعه.
أما نسب نبونيد فنقرؤه بلفظه كما ورد. ففي النقش Q005448، السطرين ١–٢ يقدم الملك نفسه، ثم يُنسب إلى «نبو-بلاسّو-إقبي»، وترد فيه علامة DUMU التي يترجمها المحققون «ابن». ويصف النقش أحدهما بالأمير الكامل، ويختلف المحققون في صاحب الوصف: أهو الأب أم الملك نفسه؟ ويتكرر هذا الاسم في نقوش الملك. فالمطابقة مع الميلاد القرآني تتعلق بطبيعة هذه النسبة المكتوبة ومن صاحبها، لا بمجرد أن الأرشيف سكت عن الأب.
وأما أمه أدد-غوبّي فتروي سيرتها في مسلّة حرّان، وتذكر ابنها مرة بعد مرة: «ابني الوحيد، ثمرة بطني»، ولا تذكر له أباً. ويقول نبونيد في نقش من حرّان: «أنا نبونيد، الابن الوحيد الذي ليس له أحد»، ويذكر في نقش آخر أن مصيره قُدِّر «في رحم أمه». واسم «نبو-بلاسّو-إقبي» جملة معناها «نبو قضى حياته»، ونبو عند البابليين إله الكتابة والكلمة. نقرأ هذه النصوص إلى جانب البشارة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ﴾، وتبقى الولادة آية من الله.
وللقارئ أن يزن هذا الاقتراح بما تقدّم من الشواهد. فإلى جانب تعيين الأم شواهد أخرى: أن نبونيد أقام في تيماء، وأن الرواية تذكر مرضه سبع سنين ثم شفاءه، وأنه عظّم سين، وأن رجلاً من بني إسرائيل حضره في 4Q242؛ ولكل خبر من هذه مصدره الملكي أو الأدبي الذي عرّفنا به. ثم تضيف أدد-غوبي إلى ذلك سيرة أم متعبدة لا تذكر لابنها أباً، وهي من أوثق ما وقفنا عليه عن نساء هذا الوسط في ذلك القرن. فمنها يبدأ الجواب عن سؤال مريم وبيئتها.
إنّيجالدي-نَنّا: البِنتُ المَوهوبةُ للمِحراب
وفي بيت نبونيد امرأة أخرى هي ابنته إنيجالدي ننا، التي تولت منصب الإنتو في أور. وإنما نذكرها لنفهم كيف كانت الخدمة الدينية تجري في هذه الأسرة، ولنتتبع الألقاب التي يكتسبها من يتولى المنصب. أما مريم في المطابقة التي نقترحها فهي أدد غوبي، أم الملك، والابنة شاهد على أن التقليد استمر في البيت نفسه.
ويربط سجل تنصيب الابنة اختيارها بخسوف للقمر، فقُرئ الخسوف يومئذ علامة من سين، أي من العلي الذي علامته القمر، يطلب بها كاهنته. وكان منصب الإنتو قد انقطع زمناً طويلاً، فبحث نبونيد في الألواح القديمة حتى استخرج منها ما يبين لباس الكاهنة وتجهيزها ومراسمها. فاجتمع في دخولها الوظيفة المقدسة أمران: علامة من السماء، وتقليد قديم حفظته آثار الماضي فأعاده أبوها.
واسم إنيجالدي-ننا نفسه يحمل معنى هذه الوظيفة. فرسمه EN.NÍG.AL.DI. d NANNA مركّب من EN، وهو اسم منصب الإنتو، وNÍG.AL.DI بمعنى المطلوبة، وd NANNA، وهو الاسم السومري لسين في أور، ويسميه الدارسون إله القمر، ونقرؤه نحن اسماً آخر للعلي الذي علامته القمر. فيُقرأ اللقب «الإنتو التي يطلبها ننا». وقد منحها أبوها هذا اللقب عند التنصيب، أما اسمها الذي وُلدت به فلا نعرفه من هذا السجل. فالاسم هنا يعرّف بصاحبته، ويصف في الوقت نفسه المهمة التي اختيرت لها.
وهذا المثال يتصل اتصالاً مباشراً بما عرضناه في الفصل الثاني. فالسجل البابلي نفسه يبين أن الاسم قد يحفظ منصب صاحبه، وما كان يُعتقد في اختياره له. فنحن نعرف من لقب هذه المرأة وظيفتها الدينية، وإن غاب عنا اسمها السابق. وعلى هذا النحو نقارن الأسماء القرآنية التي نقرأ فيها صفات أصحابها ورسالاتهم.
وإذا قارنّا ما في الروايات من نذر ومحراب، ظهرت لنا عناصر من البيئة الدينية المشتركة نجملها في الجدول الآتي:
| العنصر | في بيت نبونيد | وجه المقارنة |
|---|---|---|
| الخدمة الدينية | تدين الأم وتولي الابنة منصباً في أور | وجود نساء مكرسات للعبادة في الأسرة |
| الاختيار للمهمة | تفسير العلامة السماوية واستعادة مراسم التنصيب | صلة التكريس بفهم الإرادة الإلهية |
| الاسم والوظيفة | لقب إنيجالدي ننا الديني | إمكان اجتماع الاسم والوصف والمنصب |
ففي هذا البيت ثلاثة أجيال اتصلت كلها بالخدمة الدينية: الأم، ثم الملك، ثم ابنته. وهذا يسمح لنا أن نقرأ السيرة في وسط عائلي له ميراثه ومهامه. لكن مطابقة الأم بمريم تبقى مستقلة عن المقارنة بخبر الابنة، حتى لا تختلط الأنساب ونحن ننتقل بين الشواهد.
الهجرة إلى تيماء
غادر نبونيد بابل وأقام في تيماء نحو عشر سنين، وظل مع ذلك ملكاً، وظلت إدارته موصولة بالعاصمة. ونحن نقرأ ابتعاده عن مركز الحكم مجالاً لمحنته وسلوكه، ولا نجد فيه ما يثبت أنه تنازل عن العرش أو ترك شؤون الدولة كلها.
وآثار تيماء تدل على عمران سبق نبونيد واستمر بعده، ولكل بناء فيها تاريخه الخاص. أما نقوشه فتوثق حضوره في شمال الجزيرة، ومنها النقش المعروف في الحائط، وفيها نرى ملكاً يحكم في الواحات ويبني ويتعبد. فالنقوش حفظت اسم الملك، والقرآن حفظ اسم النبي، والقراءة التي نقترحها تضع أحدهما إلى جانب الآخر لتستعيد ما أخفته لغة الخصومة.
نبونيد: ماذا يعني الاسم
وقبل أن نحلل اسم الملك، يحسن أن نبين كيف نقرأ الأسماء الإلهية في بابل. فالمراجع تصف «نبو» (Nabû) بأنه إله الكتابة والحكمة في مجمع الآلهة البابلي، أو البانثيون. وهذا التصنيف متأثر بالنموذج اليوناني والروماني، وتكثير الآلهة فيه وهمٌ صنعه المترجمون حين نقلوا ألقاب العلي ومراتب من دونه بلفظ واحد. فالنصوص السامية والمصرية تصف وظائف ومراتب، وأصحاب هذه الأسماء فيها رموز أو قوى مأمورة تشبه الملائكة في تصور الموحدين، والأمر فوقها كلها للعلي. لذلك نسأل: ماذا كان يعني الاسم لأصحابه؟ وما مرتبة المسمى تحت أمر العلي في عقيدتهم؟ ولا نفترض سلفاً أن نبو يؤدي المعنى نفسه الذي يؤديه هرمس في التصنيف الإغريقي. وسنستعمل فيما يلي الألقاب المعروفة في المراجع، ونقرؤها على هذا الأساس.
والصيغة الأكدية لاسم الملك هي Nabû-naʾid. وجزؤها الأول نبو (Nabû)، وهو الاسم المعروف في المراجع بإله الكتابة والحكمة. ونحن نقابله بالجذر السامي ن-ب-ء وما يتصل به من معاني النداء والإعلان والإنباء والبشارة، وبما يحفظه القاموس الآشوري لجامعة Chicago من استعمالات nabû. ويدخل في المقارنة كذلك لفظ nāḇî (נָבִיא) (ناڤي)، وهو النبي بالعبرية، وما في العربية من النبي والنبوة والإنباء والتنبؤ. أما الجزء الثاني naʾid، نائد، فيتصل بالفعل الأكدي na'ādu، الذي يدور على التمجيد والرفعة. فهذه المادة اللغوية هي التي تسمح لنا أن ننظر في صلة الاسم بمعاني النداء والإعلاء، ثم نبين الفرق بين ترجمته المألوفة وقراءتنا له.
والمعتاد أن يُترجم الاسم الأكدي «نبو ممجَّد» أو «نبو ممدوح». ونقرأ نحن، إلى جانب هذه الترجمة المباشرة، معنى المنبئ المرفوع في اجتماع نبو ونائد، على القراءة العروبية. و«نبو» تدخل في أسماء ملوك آخرين، منها نبو-أبلا-أصور، «يا نبو احمِ الوارث»؛ فهذه البادئة تكتسب معناها في كل اسم مما يجتمع حولها في سيرة صاحبه، وفي سيرة نبونيد يجتمع حولها النداء والإنباء والرفع.
سين هو العليّ: توحيدُ بني إسرائيل بلسانٍ بابليّ
يحمل سين في النقوش ألقاباً تتصل بالنور والحكمة والسيادة، وهذه الألقاب تدعونا إلى أن نقرأ الرموز الدينية من داخل معناها، فنعبر من صورة الجرم السماوي إلى من يدل عليه. والنقوش تذكر إلى جانبه أسماء أخرى تترجمها الكتب آلهة، وطقوساً تقترن بأسمائها. فنعرض هذه المادة كما هي، ثم نقرأ وراءها عبادة العلي الأعلى: فالأسماء الأخرى قوى عليا تعمل بأمره، وتكثير الآلهة وهمٌ من المترجمين، صنعته الكلمة الواحدة التي نقلوا بها ألقاب السيادة ومراتب المأمورين معاً.
وفي صلاة نبونيد، كما يقرؤها المحققون، دعوة إلى تمجيد «الإله العلي»، في مواضع مرممة تظهر أقواسها في الملحق الأول. فنبدأ من هذه القراءة لنتتبع لغة العلو، ثم نقابلها بألقاب سين في نقوش الملك، فنقرأ سين اسماً يدل على العلي بلسان النقوش، والقمر علامته في السماء.
ويوصف المرشد في الصلاة بالآرامية yhwdy، والمعتاد أن يُنقل «يهودي». غير أن الوصف قد يدل على الانتماء إلى يهوذا أو إلى جماعتها، قبل أن تكتمل الصورة المؤسسية اللاحقة التي نسميها اليهودية بوصفها حركة. لذلك نبقي اللفظ في الترجمة، ولا نحمّله كل أحكام القرون التالية. أما أن دوره كان دور الموحِّد، وأنه عرف عيسى ﵇، فذلك من المقارنة التي يبنيها الكتاب.
وفي خبر ملكي صادق مثال قديم لرجل جمع الملك والوظيفة الدينية. فهو «ملك شاليم»، «وكان كاهنا لله العلي»، وقد بارك إبراهيم بقوله: «مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض، ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك» (تكوين ١٤: ١٨-٢٠). وهذا المثال أقدم من الشريعة الموسوية، فنضعه إلى جانب صورة نبونيد، الملك المتعبد للعلي الذي أقام في تيماء. ثم ننظر في اسم شاليم، وهو في العربية من مادة س-ل-م، وفي صلته بمعنى التسليم لله، ونستحضر قوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (الحج: ٧٨). فدين العلي في قراءتنا متصل، من إبراهيم وملكي صادق إلى عيسى-نبونيد ثم محمد ﷺ، وإن تعددت الألسنة التي عبّرت عنه.
وتتسع المقارنة حين ننتقل إلى النقوش المكرسة لـ«الإله الأعلى»، Theos Hypsistos، وقد درسها ستيفن ميتشل في شرق المتوسط وما جاوره. فهذه النقوش تدل على أن تعظيم «الأعلى» كان لغة دينية واسعة، تكلم بها أناس من بيئات مختلفة. ونحن نرى هذا الوصف خيطاً واحداً يمتد في لغة التعظيم: فهو إلى جانب سين في نقوش نبونيد، وهو العلي في صلاة قمران، والأعلى في القرآن. أما أن هذه الجماعات كلها متصلة برسالة واحدة فذلك ما يقترحه الكتاب، وأما النقوش فتعطينا المواضع التي استُعمل فيها اللقب والسياقات التي عُظّم فيها. ويبقى النداء القرآني ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى: ١) مركز هذه المقارنة لفظاً ومعنى.
«إلاها عِلايا» ـ الوَثيقةُ تُسَمّي إلهَه بلَفظِ العُلُوّ
ترد صيغة «إلاها علايا» في النص كما أعاد المحققون بناءه، ولقب العلي يدل في اللسان الآرامي على الارتفاع والسيادة. لكن الصيغة تصلنا في نص متقطع، فعلى القارئ أن يقرأها مع الأقواس التي تفصل ما بقي من النص عما اقترحه التحقيق.
وما يعطي المقارنة قيمتها أن مضمون التسبيح يجتمع بلغة العلو في المصادر التي نقرؤها كلها. فنحن نقرأ اللفظ المرمم مع النقوش ومع خبر الصلاة، ونرى فيها جميعاً التعظيم متجهاً إلى العلي.
ونقوش حران تمنح سين ألقاب السيادة على الآلهة، والآلهة فيها القوى العليا التي تعمل بأمره. فإذا وضعنا إلى جانبها ما في الصلاة من تعظيم للإله، رأينا وراء اختلاف الأسماء أصلاً واحداً في معنى العلو، ورأينا الرواية القمرانية موصولة بذاكرة بابلية عن الملك.
والقمر في قراءتنا علامة العلي، يُشار به إليه لأنه سبحانه العلي، والقمر يُرى عالياً فوق الناس فيذكّرهم بمن هو أعلى منه. ونقرؤه كذلك رمزاً للقدر والحساب، ونوراً مستمداً من غيره، ونستحضر ما بيّنه القرآن من منازله ووظيفته في معرفة السنين. والوثائق البابلية تجعله في العبادة والتقويم معاً، فالمعبد كان أوسع من مرصد فلكي، والعبادة فيه لمن تدل عليه العلامة، والجرم نفسه آية مسخّرة. ولعل المقطع نفسه باقٍ في القرآن موضعاً للعلو والكلام: في ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: ٢)، الجبل الذي كلّم الله عنده موسى ﵇، وفي ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: ١٣٠)، خاتمة خبر إلياس ﵇ الذي دعا قومه إلى ترك بعل وعبادة أحسن الخالقين.
إيهولهول: بيتُ الهلال، وطريقُ سِين إلى يثرب
وكان بيت العلي في حران، الذي تسميه النقوش معبد سين ورممه نبونيد، يسمى «إيخلخل» (é-ḫúl-ḫúl)، ومعناه السومري المعروف «بيت الفرح». وفي العربية مادة ه-ل-ل، وهي تجمع الابتهاج والاستبشار، والهلال، والتهليل. فنقابل الفرح في اسم المعبد بفرح الناس برؤية الهلال، علامة العلي في السماء، ثم بذكرهم الله عند استقباله. والسومرية لغة غير العربية في أصلها، فالمقارنة هنا صوتية ودلالية، نستعين بها على قراءة العلامة. ولهذا نسمي المعبد في تأويلنا «بيت الهلال والتهليل»: يُرى الهلال عالياً فيُذكر به العلي، ويرتفع الصوت بالتهليل، «لا إله إلا الله». ثم ننظر كيف بقيت الصلة بين الهلال والتقويم والعبادة في حياة المسلمين، فقد ورثوا تقويماً قمرياً وألفاظه، والمعبود عندهم هو الأعلى الذي يدل عليه الهلال، واسم الله قائم بنفسه، غير مأخوذ من الهلال. ومن قال من المبشرين إن إله الإسلام إله القمر فاته هذا المعنى كله: فالقمر علامة الأعلى، والعبادة لمن تدل عليه العلامة.
ويرتفع سين في نقوش نبونيد إلى أعلى منزلة، ومن هذه المنزلة ننطلق إلى قراءة تعظيمه قراءة توحيدية. فحين تصفه النقوش بالسيادة على ما تترجمه الكتب «الآلهة الأخرى»، نقرأ في ذلك سيادة الآمر على المأمورين، كما ستبينه مسلة حران فيما يلي. فالألقاب ألقاب العلي، والمأمورون قوى عليا تعمل بأمره. ونبني هذا الفهم على النصوص والطقوس والرموز مجتمعة، وعلى ما كان يقصده أصحابها.
وتذكر مسلة حران المحطات التي نزلها نبونيد في رحلته، والمدة التي أقامها في شمال الجزيرة: «على الطريق إلى تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، حتى يثرب؛ عشر سنين تنقلت بينها». والملك يردّ هذه الحركة، بلغته الدينية، إلى توجيه سين. وأسماء المواضع هذه تعطينا أساساً وثائقياً للمجال الذي ندرسه، يمتد من بابل وحران إلى تيماء والحجاز، حتى يثرب التي ستُعرف بعد ذلك بمدينة النبي ﷺ. ومما يلفت النظر أن تيماء وددان، أي العلا، وفدك وخيبر ويثرب، صارت هي أيضاً مواطن لجماعات من بني إسرائيل عشيّة البعثة. وسنفصّل أخبار هذه المحطات في الفصل التالي، لننظر في الصلة بين الطريق المنقوش وما حفظته الذاكرة الدينية عنها.
«شِيار» الجاهليّ و«السبت» الساميّ ـ شَبَكةُ اليَوم السابع
وللتقويم شاهد آخر في أسماء أيام الأسبوع. ونحن نقرؤها في شبكة من المصطلحات السامية التي تصف دورات الزمن وأيام التوقف، وإن اختلفت وظائفها وأصولها، كما يظهر في الأمثلة الآتية:
- في الأكدية يدل šapattu، في استعمال معروف، على منتصف الشهر، أي يوم البدر، ولا يدل ببساطة على السبت الأسبوعي.
- في العبرية «شَبّات» يوم يُكفّ فيه عن العمل في دورة أسبوعية، وصلته التاريخية بالمصطلح البابلي ما تزال موضع نظر عند الدارسين، وتقارب الصوت وحده لا يكفي لإثباتها.
- في العربية السبت من مادة س-ب-ت، ومعناها في المعاجم الانقطاع والراحة، وليس من الجذر المضاعف «سبّ».
- و«شيار» اسم تذكره المعاجم لهذا اليوم في تسمية عربية قديمة، أما أصله وصلته بالعدد سبعة فيحتاجان إلى شاهد لغوي مستقل.
ومن الشواهد العربية على «شيار» بيتان يُنسبان إلى النابغة الذبياني، المتوفى نحو ٦٠٤م: «أؤمل أن أعيش وأن يومي / بأول أو بأهون أو جبار ـ أو التالي دبار فإن أفته / فمؤنس أو عروبة أو شيار». والأسماء فيهما على ترتيب أيام الأسبوع: الأول هو الأحد، والأهون الإثنين، وجبار الثلاثاء، ودبار الأربعاء، ومؤنس الخميس، وعروبة الجمعة، وشيار السبت. وقد ناقش الدارسون ثبوت البيتين بصيغتهما الكاملة، لكن «شيار» محفوظ أيضاً في المادة المعجمية، فالتسمية القديمة ثابتة بهذا وذاك معاً.
والذي نخرج به من هذا أن تقويم الجزيرة متصل بذاكرة الألسنة السامية، وإن اختلفت الأسماء واختلف استعمالها. فالسبت حين يُذكر في البيئة العربية وفي القرآن يدخل في تاريخ تقويمي وديني أوسع، تلتقي فيه ألفاظ الراحة والتوقف بما حفظته التوراة، وبما يقارَن به من مواد بابلية. في هذا المجال المشترك نقرأ الصلة، ونحفظ ما ميّزناه من قبل بين السبت الأسبوعي وموعد البدر.
المِسَلّةُ نفسُها تَقول أكثَر: نُزولٌ لم يُكتَب، وجُندٌ مَأمورون، ودَعوةُ «ابني»
ونعود إلى مسلة حران، ففيها، إلى جانب خط الرحلة، ثلاثة مواضع يتصل معناها بموضوع هذا الكتاب. وسنعرض ما يقوله كل موضع منها، ثم نبين كيف نقرؤه:
أولها أن النقش يصف فعل سين العظيم بأنه «لم يعرفه أحد»، وأنه «لم ينزل منذ الأيام البعيدة إلى الأرض»، فلم يره أهل الأرض، ولم يُكتب على لوح فيُودع للأبد. ثم يأتي الخطاب: «وقد نزلت من السماء في زمن نبونيد». فنقرأ في هذا الوصف أن النزول اقترن بظهور معرفة لم تكن مدونة، ولهذا نقارن لغة النقش بما سنبسطه في الفصل الرابع والعشرين، حين نفهم النزول حركة في المعرفة. والعبارات هنا عبارات سجل الملك نفسه، أما وصلها بتأويل النزول فهو قراءتنا لها.
وثانيها ما يقوله النقش عن علاقة سين بسائر المسميات الإلهية. فهو يذكر شمش وعشتار وأدد ونرگال، ثم يجعلهم جميعاً ينفذون أمره، ويصف شمش بأنه يتم أمر ننار، «الأب الذي خلقه»، ويذكر أن الأنوناكي يرتعدون أمام سين. فأمامنا سلطة عليا، ومخلوقون مأمورون ينفذون أمرها، وهي بنية نقابلها بوصف الملائكة في القرآن: عباد مكرمون يعملون بأمر الله (الأنبياء ٢٦-٢٧)، ولا يعصونه فيما أمرهم (التحريم ٦). ونتذكر أيضاً، ونحن نقرأ أسماء مثل عشتار، ما يرويه القرآن من عبادة الملائكة (سبأ ٤٠)، ومن أنهم جعلوا الملائكة، وهم عباد الرحمن، إناثاً (الزخرف ١٩). فهذه الأسماء قوى مأمورة، والتحقيق الأكدي يسميها آلهة لأن النقش يطلق عليها اللفظ الذي يطلقه على العلي، وتكثير الآلهة وهمٌ صنعته الترجمة من هذا اللفظ الواحد. ونحن نقرأ مراتبها قراءة توحيدية تجعل الأمر كله للعلي، والقرابين التي قُدّمت في هذا النظام قُدّمت له، لأنه الآمر الذي تعمل هذه القوى بأمره. وبهاتين الآيتين نفهم ما كان حول الملك من عبادات فاسدة، في كهنوت مردوخ ببابل وفي العبادات الشعبية، أما عبادة الملك نفسه فكانت للعلي.
وثالثها صيغة البنوة في خطاب الملك لمن يأتي بعده: «أياً كنت ممن يسميه سين ملكاً ثم يدعوك: ابني». فالبنوة هنا متصلة بالدعوة إلى الملك والاصطفاء له، وهي في نقش من القرن السادس قبل الميلاد، أي في الزمن الذي يقترحه الكتاب لعيسى ﵇. وقد افتتح نبونيد كلامه بصيغة تقرّب هذا المعنى: «أنا نبونيد، ابن وحيد لا أحد له، لم يكن الملك في قلبي؛ فدعاني سين ملكاً». والذي يهمنا من ذلك في مقارنة لغة التكليف أن الدعوة والبنوة اجتمعتا في كلام واحد.
فهذه الصيغ تبين أن لفظ الابن كان يحمل في اللغة الملكية الدينية معنى الاختيار والتكليف. فإذا انتقل اللفظ إلى لسان آخر، ودخل في مصطلحات فلسفية جديدة، أمكن أن يتحول إلى قول في الطبيعة والجوهر. وهذا التحول في مقام اللفظ هو ما نتتبعه في تاريخ العقيدة، ونستعين عليه بمسلة حران، وهي شاهد أقدم من نيقية بنحو تسعة قرون، ثم نعود إلى الفتنة المتصلة بالبنوة في فصل سورة الكهف. ولا تقول هذه المقارنة إن العبارة انتقلت من هذا النقش بعينه إلى نص إنجيلي، فليس بين أيدينا سند لذلك.
ومَصدَرُ الثَلاثة نَصٌّ واحد: مِسَلّة حرّان H2 (نبونيد ٤٧، النَصّ Q005444) في مَشروع RIBo التابِع لـ ORACC، تَحقيق Weiershäuser وNovotny ضِمن RINBE 2، عن تَحقيق Schaudig في AOAT 256، بتَرخيصٍ حُرٍّ مَفتوح.
نبونيد الحافِر: ما وَجَدَه تَحتَ سِبّار، ولِماذا يَعنينا
وكان نبونيد إذا رمّم معبداً قديماً بحث عن أسسه الأولى، وهذا من أبرز ما عُرف من أفعاله. وتسجل أسطوانته التي اكتُشفت في سبار أنه عثر على نقوش نارام سين وشغركتي شورياش، وتقدّر المدد التي تفصل بينهم وبينه. فهو ملك يتوجه إلى الماضي ليستعيد بناءه ويحيي ذكر أصحابه. وهذا من صميم صورة المسيح كما يقرؤها الكتاب: وارث لتراث سابق، يطلب أن يستعيده ويحيي معناه. (أسطوانة نبونيد، المتحف البريطاني، 1882,0714.1025.)
واسم نرام-سين معناه «محبوب سين». وفي نقوشه، ومنها نقش بستكي، ما يدل على أنه مُنح مكانة إلهية في أكد، وأن العلامة الإلهية كانت تُكتب مع اسمه. ونعيد هنا السؤال عن معنى تلك المكانة: أكانت ادعاءً منه أنه مستقل عن الإله، أم كانت تكريساً له وتمثيلاً للسلطان المقدس؟ يأخذ الكتاب بالوجه الثاني، لأن اسمه نفسه يعلنه محبوب سين، ولأن أهل مدينته، في نقش بستكي، طلبوا من آلهة البلاد أن يجعلوه إله مدينتهم. فالمكانة مُنحت له من فوقه، ولم يدّعها لنفسه، والعلامة الإلهية مع اسمه علامة تكريس وتمثيل. وكذلك تعبير الحثيين عن موت الملك بأنه «صار إلهاً»، نقرؤه بلفظه في نصه، ونفهمه في سياقه انتقالاً إلى جوار الإله، على نحو قولنا «صار إلى الله».
وقد حفظت ذاكرة الرافدين لنرام-سين صوراً متباينة: فهو ملك في نقوشه، وهو شخصية أدبية في «لعنة أكد» وفي أدب كوثا. وفي هذا مثال على أن الرواية اللاحقة تعيد تشكيل سيرة الملك. لكن إدخال نقش أدد-غوبّي تحت التسمية العامة لأدب النُّرُو لا يجعله تلقائياً قصة متخيلة من النوع نفسه، لأن الحكم على أي خبر يقوم على نوعه الأدبي، وزمن نصه، ووظيفته.
عيسى والأثر الموروث
وفي كتاب «التيجان في ملوك حمير» رواية عن تابوت تتوارث الجماعة حفظه، ثم تذكر أنه وصل إلى عيسى ﵇ من كعب بن لؤي. وهذا الخبر يجعل عيسى ﵇ متلقياً لميراث سابق، وهي وظيفة تستحق الانتباه. وفي «الإكليل» خبر موازٍ عن إخراج التابوت وحفظه، أما العبارة التي تسمي عيسى ﵇ وكعباً فنرجع فيها هنا إلى «التيجان». (التيجان، ص٢١٧ في الطبعة المعروضة.)
فإذا وضعنا هذا الخبر إلى جانب بحث نبونيد عن آثار السابقين، ظهر سؤال أوسع من التشابه في المرض والشفاء: هل تحفظ الروايات ذكرى رجل استعاد تراث الأنبياء وجدّد العهد به؟ ويبقى أن نقابل أسماء من حملوا الأثر، وتسلسل الخبر، بما تسميه النقوش. فالخبر لا يقول إن التابوت هو وديعة نارام سين، والأسطوانة لا تسمي موسى ولا هارون؛ والذي يجمع المادتين بوضوح أن كلتيهما تحكي استرجاع ما خلّفه السابقون.
تقدير الأزمنة في نقش الملك
والتأريخ المعتمد اليوم يجعل حكم نارام-سين نحو ٢٢٥٤ـ٢٢١٨ ق.م، وحكم نبونيد بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، فبينهما نحو سبعة عشر قرناً، أما نبونيد فقدّر المسافة باثنين وثلاثين قرناً. وهذا الفرق يدعونا إلى أن نفصل بين خبر العثور على الأثر والحساب الذي أُلحق به، فننظر في كل منهما وحده.
فكيف كان القدماء يحسبون الأزمنة، ومن أين أخذ الملك تقديره؟ هذا ما يثيره الفرق بين الرقمين. والترجيح بين التاريخين يرجع إلى سلاسل الملوك والوثائق التي بُني عليها كل تقدير.
فأن يكون الملك قد رأى الأثر أمر، وأن يكون قد أصاب في حساب الزمن الذي مضى عليه أمر آخر؛ وقد يصح وصف الاكتشاف ويكون تقدير عمره محل خلاف. ولهذا نقابل التسلسل الذي تقترحه الرواية بالوثائق، ويبقى كل منهما قابلاً للمراجعة.
وقد تتضخم المدد لأن الحاسب يضع سلالات متعاصرة بعضها بعد بعض، أو لأنه يأخذ أرقاماً موروثة، أو لأنه يريد أن يعظّم قدم المعبد. هذه كلها احتمالات تساعد على فهم الحساب، أما الجزم بأن أحدها هو السبب في هذا النقش فيتوقف على قائمته ومصادره.
خيط زكريا: التثليث الزمني
يقترح الكتاب أن زكريا الذي في القرآن هو صاحب السفر المعروف باسمه، ويقرأ مريم في النسب الهاروني. وهذه المطابقة من بناء هذا الكتاب، ولم يجمع عليها المفسرون. وافتتاحية سفر زكريا تؤرخ رؤاه بالسنة الثانية لداريوس، أي نحو ٥٢٠ ق.م، فالنص إذن متأخر عن نهاية حكم نبونيد سنة ٥٣٩ ق.م، لكن هذا التاريخ لا يدل على متى بدأت حياة صاحبه.
وافتتاحيات الأسفار تساعدنا على ترتيب الأخبار في الزمن. فسفر زكريا يبدأ بنسبة صاحبه إلى برخيا بن عدّو، ويؤرخ كلامه بالسنة الثانية لداريوس (١: ١)، وعزرا يختصر النسبة إلى عدّو (٥: ١)، ونحميا يذكر عدّو وزكريا بين البيوت الكهنوتية (١٢: ٤، ١٦). فبين نهاية حكم نبونيد سنة ٥٣٩ وبدء الرؤى المؤرخة سنة ٥٢٠ تسع عشرة سنة، أما كفالة أمه فترجع بنا إلى جيل أقدم من بداية ملكه. لذلك نقرأ تاريخ الأسرة على طبقاته: زمن الأم، ثم زمن الكفالة، ثم زمن الرؤى، ونسأل في كل طبقة عمن تتحدث. وهذا أوضح من أن نحمل حياة زكريا كلها على تاريخ أول رؤيا سُجلت باسمه.
الأكيتو: صَفعةُ الكاهنِ و﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾
وكلما ذكرت حوليات نبونيد غيابه عن بابل، ذكرت معه أن عيد الأكيتو لم يُقم. وهي تصف تعطله بلفظ baṭil، ونحن نقارنه بالعربية «باطل» وبجذر ب-ط-ل. لكن الخبر أهم من اللفظ، لأنه يدل على أن إقامة الشعيرة كانت مرتبطة بحضور الملك.
ففي مراسم الأكيتو كان الملك يجدد كل عام صلته بالمقدس وشرعيته. ينزع عنه كاهن مردوخ الأكبر شارات الحكم: الصولجان والخاتم والهراوة والتاج، ثم يصفعه ويجره من أذنيه حتى يجثو أمام الإله. فيعلن الملك أنه بريء من الذنب، وأنه لم يهمل معبوده ولم يخرّب بابل، ثم تُرد إليه الشارات ويُصفع مرة ثانية، فإذا دمعت عيناه عُدّت دموعه علامة على الرضا. ومن هذه المراسم نعرف مقدار ما كان للكهنوت من دور في تثبيت الملك كل عام.
فلما غاب نبونيد نحو عشر سنوات تعطل هذا التجديد، وبقي هو ملكاً مع ذلك. فقد كان قادراً على أن يدير سلطانه من خارج بابل، على حين تنقطع الشعيرة التي يتوسط فيها الكهنة لتثبيته. ونقرأ اختياره الإقامة بعيداً عن بابل بالمهمة التي رأى أنه خرج من أجلها، وبما يدل عليه ذلك من ترتيب السلطات في نظره.
ونضع إلى جانب هذه العلاقة خبر بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٦). فالقوم يطلبون الملك من النبي، ثم يأتيهم جوابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (البقرة: ٢٤٧)، فيعترضون، فيبين لهم لماذا اختير. وفي هذا الخبر أيضاً يستمد المنصب السياسي سنده من جهة مقدسة، ويكون النبي هو الذي يعلن صاحبه.
وهذه المقارنة تفسر لنا وجهاً من صراع نبونيد مع كهنة مردوخ. فالخلاف يتصل بالعقيدة، ويتصل كذلك بسؤال آخر: من يملك أن يمنح الشرعية ويفسر الإرادة المقدسة؟ لذلك نقرأ هجاء الملك على أنه صادر عن خصومة بين أصحاب المنصبين، ونزن مصالح الرواة قبل أن نأخذ أوصافهم خبراً عن صحته العقلية.
الملك والنبي
وقد يسأل القارئ: كيف يجتمع الملك والنبوة في رجل واحد؟ والجواب في أخبار داود وسليمان ﵉، فكلاهما جمع الحكم والوحي. فالتاج والرسالة يجتمعان في التصور السامي القديم، ولكل منهما عمله في حياة صاحبه. وعلى هذا النحو نقرأ نبونيد، فنجمع صفته الدينية إلى سلطانه السياسي.
وفي جيل نبونيد نفسه وضع سفر إشعياء، في إصحاحات يؤرخها الدارسون بأواخر السبي البابلي، لقب المسيح على ملك من غير بني إسرائيل: «هكذا يقول الرب لمسيحه، لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما» (إشعياء ٤٥: ١)، وفي العبرية לִמְשִׁיחוֹ (لِمْشيحو)، «لمسيحه». وقبلها يسميه «راعي» (٤٤: ٢٨)، وبعدها يقول له: «دعوتك باسمك. لقبتك وأنت لست تعرفني» (٤٥: ٤). ولفظ «لقبتك» في العبرية אֲכַנְּךָ (أَخَنّيخا)، من الجذر الذي منه الكنية في العربية.
فالمسيح في لسان القرن السادس قبل الميلاد صفة ووظيفة يضعها الله على ملك يختاره لأمر يريده، والاسم الذي يسميه الله به كنية ولقب يصفان صاحبهما، وهذه هي القاعدة التي قرأنا بها أسماء الأنبياء في الفصل الثاني. وباللسان نفسه نقرأ في بابل، في القرن ذاته، ملكاً نبياً ممسوحاً. لكن كورش هو الذي أنهى ملك نبونيد، فلا نأخذ من النص إلا معنى اللقب.
وهنا لا بد أن نسأل: من كتب أخبار نبونيد، ولأي غرض كتبها؟ فالرجل قاوم مؤسسة كهنوتية ذات سلطان، فحفظ عنه أدب خصومه صورة رجل مضطرب يعادي الآلهة. أما نحن فنقرأ أفعاله حركة إصلاح تتجه إلى تعظيم العلي، ونضع السجل الذي يفسر فيه مهمته إلى جانب السجل الذي يهجوه، فنتتبع من هذه المقابلة ما صنعته السلطة بصورته التي وصلت إلى الأجيال التالية.
نبونيد وتيماء: الطبقةُ الأولى من الشُّبهة
وعلى المطابقة التي نقترحها تكون خصومة كهنة بابل أول طبقة من طبقات الالتباس حول عيسى ﵇ نفسه. فنبونيد أقام في تيماء نحو عقد، وظل يفسر مهمته تفسيراً دينياً، لكنه ظهر في أخبار خصومه ملكاً هارباً من واجبه مضطرب الرأي. ونحن نقرأ وراء هذا الوصف صراعاً مع مصلح عظّم الإله العلي فوق مردوخ، فتباعدت صورة الرجل في الذاكرة عن المعنى الذي حمله عمله.
ثم نرى بعد قرون طبقة أخرى من التحول: فقد انتقلت أخبار هذا المعلّم إلى سيرة يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، واجتمعت الصورتان تحت لقب المسيح، ثم فسّرهما اللاهوت البولسي والنيقي بصورة الابن المتجسد. فالرواية البابلية شوّهت الرجل، والرواية اللاحقة ألّهته، وكلتاهما على اختلافهما أبعدت القارئ عن الأصل: النبي الموحد الذي حفظ القرآن اسمه ومعنى رسالته.
انتقلت السيرة من تيماء إلى الجماعات التي روت أخبار المسيح، وتحولت صورتها في الطريق. و«المسيح» و«المسيخ» عنوانان لهذا الفرق، أما ما حملها من موضع إلى موضع فالرحلة والتعليم والرواية، ثم سلطة العقيدة. وقد بقيت آثار نبونيد، والذي احتجب في رأينا هو أن يُعرف نبياً وملكاً من سيرة عيسى ﵇.
سِتُّ بَراهين على الإطار الزَمنيّ المُقتَرَح (القَرن السادس ق.م)
ونجمع الآن ما يتصل بالتأريخ في ستة أبواب. فدعوى أن عيسى ﵇ عاش قبل التأريخ المألوف بنحو ستة قرون تحتاج إلى أن يرى القارئ مصادرها وكيف تتصل، وأن يعرف ما يؤديه كل شاهد في بنائها:
(١) زكريا: في السفر وفي القرآن بيت كهنوتي ورسالة، مع الفجوة الزمنية التي شرحناها. فهذه المطابقة شاهد يُضم إلى سائر الشواهد، ولا تقوم وحدها دليلاً.
(٢) صلاة نبونيد 4Q242: تحفظ شذراتها الآرامية، من كهف قمران الرابع، قصة الملك الذي مرض في تيماء، فحضره رجل من بني إسرائيل من جماعة المنفيين، واقترنت المغفرة بشفائه. والقصة تُنسب إلى عصر نبونيد في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كانت المخطوطة متأخرة عنه، فهي تجمع لنا الزمن والمكان والبيئة الدينية التي نقترحها لعيسى ﵇. أما الأدوار فنعيّنها هكذا: عيسى ﵇ هو الملك الذي شُفي، والرجل الذي لم يُذكر اسمه هو يحيى. والشفاء والمغفرة هما موضوع المقارنة بالوظيفة الدينية في تقاليد المسيح، مع حفظ التمييز بين الشخصين.
(٣) ومن الشواهد اللغوية النقش الصفائي الذي درس الجلاد والمناصر صيغته ʿsy في سياق اسم المسيح قبل الإسلام. وهو يشهد بأن الاسم كان متداولاً في شمال الجزيرة قبل الإسلام، في مجال تتصل طرقه بتيماء. ونحن نقرأ هذه الصيغة مع ما قدمناه من وصل الاسم بالعيش والحياة، وبالعيس والبياض. وموضع النقش من الحجة أنه يشهد للصيغة وتداولها، ولا يشهد للتأريخ.
(٤) الفترة من الرسل: يذكر القرآن أن الرسول جاء بعد فترة، ونحن نقرأ ذلك مع ما نقترحه من طول المسافة بين عيسى ﵇ والبعثة الخاتمة. واللفظ يصف الانقطاع ولا يحدد عدد السنين، فهو يضيء المرحلة، أما مدتها فتتعين بسائر الشواهد. وسنعود في الفصل الرابع والعشرين إلى الفرق بين انقطاع حضور الرسالة وبقاء آثار تعليمها.
ونرى أن تعليم المسيح بقي طوال هذه المسافة في جماعات وطرائق، وأن بعض سيره انتقل إلى ألسنة أخرى، وبعضه امتزج بسيرة يسوع. فالعالم في زمن الانقطاع لم يخل من المؤمنين ولا من الحكمة، وإنما احتجب الأصل، وتفرقت الطرق إلى معرفته. ثم جاءت الرسالة الخاتمة لتصحح الصلة بالله، وتردّ كمال الإنسان إلى الهداية والأخلاق.
(٥) البيئة: النخلة، والمحراب، والأسرة الدينية، وأسماء الأشخاص، كلها تشير إلى الفضاء السامي الممتد بين الرافدين وشمال الجزيرة والشام. لكن النخيل معروف خارج الحجاز أيضاً، لذلك نعيّن الجغرافيا باجتماع الأخبار والنقوش، وفي قلبها حضور نبونيد في تيماء.
(٦) الكهولة: يعد القرآن مريم في البشارة بأن ابنها يكلم الناس في حالين، فيقول: ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ (آل عمران ٤٦)، ثم يذكّر عيسى ﵇ بها في تعداد نعمه عليه: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا﴾ (المائدة ١١٠). والكهل في المعاجم رجل جاوز الشباب ولم يدخل في الشيخوخة. يفتتح ابن منظور المادة في «لسان العرب» بقوله: «الكهل: الرجل إذا وخطه الشيب ورأيت له بجالة»، ويحده الجوهري في «الصحاح» بأنه «الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب»، وابن الأثير بأنه «من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين»، ويمد غيرهما الحد إلى الخمسين. وقال النحاس، فيما نقله القرطبي: «وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين». فالآيتان تعدان بعمر يخالط فيه الشيب رأس عيسى ﵇، ويكلم الناس فيه بعد أن تكتمل سنه، وقد جاء الوعد بالكهولة مقروناً بالمهد في بشارة واحدة.
وأوقعت الرواية المفسرين في صعوبة عند هذا الوعد. فقد استقر عندهم أن عيسى ﵇ رُفع شاباً، وكتب البغوي أنه رُفع «وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة»، وطرح الرازي السؤال صريحاً في «مفاتيح الغيب»: «نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثا وثلاثين سنة وستة أشهر، وعلى هذا التقدير: فهو ما بلغ الكهولة». وأجاب بوجهين: أن يتسع معنى الكهل لمن كان بين الثلاثين والأربعين، أو أن يتأخر الوعد إلى آخر الزمان، وهو قول الحسين بن الفضل البجلي (ت ٢٨٢ هـ) كما ينقله: «أن المراد بقوله وكهلا أن يكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويكلم الناس، ويقتل الدجال». وأورده البغوي مختصراً: «وكهلا: بعد نزوله من السماء»، وروى الطبري قبلهما عن ابن زيد: «قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهل». ونقرأ في هذا الحل أثراً من اجتماع الرجلين في سيرة واحدة: عمرٌ قصير جاء من خبر يسوع، ووصفٌ قرآني بالكهولة يحمل سيرة رجل عاش طويلاً. فلما ضاق العمر المنقول عن الوصف، نقل المفسرون الوصف إلى زمن لم يأت بعد.
والأناجيل نفسها تجعل يسوع على عتبة الكهولة حين بدأ: «ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة» (لوقا ٣: ٢٣)، ثم تجعل خدمته قصيرة، لا يذكر فيها يوحنا أكثر من ثلاثة أعياد فصح (يوحنا ٢: ١٣، ٦: ٤، ١١: ٥٥). أما نبونيد فعاش كهولته كلها متكلماً في الناس قبل أن يملك. تقول أمه أدد-غوبّي في مسلتها إنها أدخلت ابنها في خدمة نبوخذنصر ونرجليسار، وإنه خدمهما ليلاً ونهاراً، وقد عاشت هي مئة وأربع سنين. ويقرر بوليو في «The Reign of Nabonidus, King of Babylon» (١٩٨٩) أنه لم يولد بعد نحو سنة ٦١٥ ق.م، وربما وُلد قبلها؛ فقد ملك سنة ٥٥٦ ق.م وهو في نحو الستين أو فوقها، وأقام في تيماء بعد الستين، وبقي على العرش حتى أخذ كورش بابل سنة ٥٣٩ ق.م. فالرجل الذي نقرأ فيه عيسى ﵇ بلغ الكهولة وتكلم فيها، خادماً للملوك ثم ملكاً صاحب دعوة، فيصدق عليه ﴿وَكَهْلًۭا﴾ على ظاهره. وقد نبّه محمد مصطفى منصور إلى أن هذا اللفظ لا يستقيم مع عمر ينتهي في الثالثة والثلاثين.
من هذه الخيوط مجتمعة تتكون قراءة الكتاب للقرن السادس قبل الميلاد. فسجل نبونيد يحدد زمن الملك الذي نقترح أنه عيسى ﵇، وسائر المواد تضيء أسرته وبيئته وما بقي منه في الذاكرة. ولكل خيط وظيفته، والافتراض الزمني نفسه نعرضه على كل ما نجمعه ونقارنه به، فلا يكون شاهداً على نفسه.
وقد أفدنا من محمد مصطفى منصور في الوصول إلى أخبار وأسماء وقراءات، منها خبر التابوت الذي تقدم. واهتمامه بعيسى ﵇ الأقدم يلتقي بسؤالنا، فيوسّع مجال المقارنة، لكنه لا يجعل تأريخه هو تأريخ نبونيد. فنحن نرد كل خبر إلى مصدره، ونقرؤه في البناء الذي تفرضه مادته.
المرساة الزمنية: إعلان صريح لإطار هذا الكتاب
يقوم هذا الكتاب على إطار من الزمان والمكان: زمانه القرن السادس قبل الميلاد، ومكانه بابل وحران وتيماء والواحات المتصلة بها. في هذا الإطار نطابق عيسى ﵇ بنبونيد، ومريم بأمه، ثم نتتبع الأخبار التي تفرقت بعد ذلك في تقاليد لاحقة. ولا يلزم من هذا أن كل جماعة عبرت الواحات كانت في صحبة الملك نفسه، فالذي نقصده هو الحلقات التي انتقلت بها الذاكرة بين هذه المواضع.
حين نقول «عيسى» في هذا الكتاب فالمقصود النبي الملك الذي نقرأ خبره في سجل نبونيد، وحين نقول «يسوع» فالمقصود الرجل الصالح اللاحق الذي نُسبت إليه أخبار من تلك السيرة. وبين هذا الرجل واللاهوت الذي تشكّل باسمه مسافة يحققها الكتاب. وعلى هذا التمييز ندخل تيماء، المكان الذي يمكن أن يجتمع فيه الاسم والأثر والخبر في مشهد واحد.
ونعود في ختام الفصل إلى الطبقات الثلاث التي ميزناها في المقدمة: بنو إسرائيل، والشريعة الموحاة، واليهودية بوصفها حركة تاريخية. فحين نضع عيسى ﵇ في أفق القرنين السادس والخامس ق.م، نضعه في ميراث الشعب وشريعته، قبل أن تتبلور الحركة التي ربطناها بالعصر الحشموني بأكثر من ثلاثة قرون. فيبقى انتسابه إلى بني إسرائيل محفوظاً، ونقرأ زمنه بحسب الإطار الذي نقترحه. وفي الملحق التاسع نعرض الشواهد الأثرية التي نستفيد منها في التمييز بين تاريخ الميراث وتاريخ مؤسساته المتأخرة.
الفصل ٦ ـ تيماء: الواحةُ التي تعرف أكثر ممّا تقول
يرد اسم تيماء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر إشعياء، في نداء يتوجه به النبي إلى أهل الواحة: «يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا». والخبر منسوب إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو يصور أناساً أخرجتهم الحرب من ديارهم، ثم يطلب لهم في تيماء الماء والطعام. فلماذا اختار النص هذه الواحة لمثل هذا النداء؟ نقرأ في اختياره دليلاً على مكانتها في طرق البرية، وعلى أن الناس كانوا يعرفونها ملاذاً يُلجأ إليه ومقصداً يُقصد. ثم إن في قوله «وافوا» معنى المبادرة، فأهل تيماء مدعوون إلى أن يخرجوا للقاء الهارب ويعينوه؛ فالواحة في النص جزء من حياة الناس وصلات بعضهم ببعض، إلى جانب ما لها من شأن في التجارة.
ويحسن أن نقرأ هذا النداء في وحيه كاملاً (إشعياء ٢١: ١١–١٧)، لأن الأسماء فيه تتتابع على ترتيب له معنى. يبدأ الوحي بدومة: «وحي من جهة دومة: صرخ إليّ صارخ من سعير: يا حارس، ما من الليل؟»، ثم ينتقل إلى «وحي من جهة بلاد العرب: في الوعر في بلاد العرب تبيتين، يا قوافل الددانيين»، ثم يأتي نداء أهل «أرض تيماء» الذي قدمناه، ويُختم الوحي بقيدار: «في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار». فدومة، وهي «أدوماتو» في حوليات آشور ودومة الجندل اليوم، ثم ددان، ثم تيماء، ثم قيدار، وهي قبائل البادية الممتدة بين هذه المواضع، أسماء يجمعها وحي واحد، وتتتابع فيه على طريق واحد. وهذه هي ديار نبونيد بعينها. فمسلة حران تبدأ قائمة المواضع التي أقام فيها بتيماء وددان، وحولية نبونيد (ABC 7) تذكر أن جيشه نزل في سنته الثالثة، سنة ٥٥٣ ق.م، على أرض في سطر مخروم أكمل المحققون اسمها فقرؤوه «أدوم»، و«سعير» التي يصرخ منها صارخ دومة هي اسم جبال أدوم في العهد القديم. ويجمع إرميا هذه الواحات نفسها في خبر كأس الغضب: «وددان وتيماء وبوز، وكل مقصوصي الشعر مستديراً» (إرميا ٢٥: ٢٣). وقد استشهد منصور بهذا الإصحاح، أما نحن فنقرؤه في سجل الملك.
والإصحاح نفسه يُفتتح برؤيا سقوط بابل: «اصعدي يا عيلام. حاصري يا مادي» (إشعياء ٢١: ٢)، ثم يقول: «سقطت، سقطت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض» (إشعياء ٢١: ٩). وفي عيلام كانت أنشان، المملكة الأولى لكورش، أما ماداي فضمها كورش إلى ملكه حين أسلم جندُ أستياغ ملكَهم إليه، كما تروي حولية نبونيد، وبهذين الجيشين أخذ بابل من نبونيد سنة ٥٣٩ ق.م. فالإصحاح يضع العاصمة الساقطة وواحات العرب في رؤى متتابعة، وهذان هما طرفا عهد نبونيد: بابل التي سقطت في آخر ملكه، والواحات التي أقام فيها عشر سنين. لذلك نقرأ في هذا التجاور ذاكرة نبوية حفظت عهده في بابل وفي تيماء معاً، ثم جمعته في سفر يُنسب إلى زمن أقدم منه.
ثم نقابل اسم تيماء بمادة ت-ي-م في العربية، ومنها التتيم والمتيم وتيم الله، وهي مادة تدور على معاني التذلل والانقياد والتعبد. فنقرأ الاسم وصفاً لموضع يُنقطع فيه للعبادة، وهذه دلالة تنسجم مع صورة الواحة في البرية، ومع ما تدل عليه أخبارها ونقوشها من حياة دينية.
خطّ جغرافي واحد
ولنضع تيماء الآن في خريطتها الأوسع. فالوثائق تذكر نبونيد ملكاً لبابل أقام في تيماء، وصلاة نبونيد 4Q242، المحفوظة في قمران، تروي خبر رجل من بني إسرائيل اتصل بمحنته وشفائه. وإلى الشمال تقع حران، بما حفظته جماعتها الصابئية من تراث سامي، وفي حرة الشام وحوران وُجد النقش الصفائي الذي قُرئ فيه ʿsy. وهذه المواضع كلها تتصل بطرق تمتد من العراق عبر بادية الشام إلى الحجاز، كان يسلكها التجار والرعاة والمتعبدون. وعلى هذه الطرق نقرأ ما قد يصل أخبار المعلّم السائح، التي عرضناها في الفصل الرابع، بسجل نبونيد.
وقد طرح ج. ر. س. ميد (G.R.S. Mead) سؤال التأريخ سنة ١٩٠٣م في كتاب سماه «هل عاش يسوع سنة ١٠٠ قبل الميلاد؟» (Did Jesus Live 100 B.C.?)، واستعان فيه بنصوص غنوصية ومسيحية مبكرة. ولم يلق عمله قبولاً واسعاً في الدراسات السائدة، وناقش الدارسون مصادره وأدواته والنتائج التي استخرجها منها. وإنما نذكره هنا لأنه من الباحثين الذين أعادوا سؤال زمن المسيح ومكانه إلى النقاش. أما إطار هذا الكتاب فيقوم على المقارنة التي نجريها نحن، ويبقى عمل ميد فصلاً من تاريخ السؤال.
نبوخذنصر في الجزيرة
وقبل نبونيد بزمن تحدثنا الأخبار عن حضور بابلي في الجزيرة. فالطبري يروي في «تاريخ الرسل والملوك» أن نبوخذنصر الثاني شنّ حملات على تيماء وددان ومواضع أخرى، وابن الكلبي يحفظ في «الأصنام» أخباراً تتصل بهذا الحضور. ويذكر إرميا ٢٥: ٢٣-٢٤ «وددان وتيماء وبوز، وكل مقصوصي الشعر مستديرا، وكل ملوك العرب، وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية» في سياق كأس الغضب الذي يرتبط بنبوخذنصر. ونحن نقرأ هذه المواد مع خبر حملته سنة ٥٩٩/٥٩٨ ق.م، أي قبل إقامة نبونيد بنحو نصف قرن. فلما اختار نبونيد تيماء كان اختياره حلقة في صلات أقدم بين بابل والجزيرة، إذ سبق مقامَه فيها نشاط عسكري وإداري في الواحات.
الممر الثلاثي: تيماء-خيبر-يثرب
تصل طرق شمال الجزيرة تيماء بخيبر ويثرب، والملك نفسه يسمّي هذه المحطات في مسلة حران: تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب، ويقول إنه تنقل بينها عشر سنين. وفي هذه الواحات بعينها عرف العرب جماعات من بني إسرائيل في عشيّة البعثة، حتى إن خمساً من محطاته الست صارت مواطن لهم. لذلك نقرأ هذا الشريط الجغرافي طريقاً واحداً حمل المعرفة من بابل إلى يثرب، على أن لكل موضع فيه شواهده وحقبته.
ولهذا الحضور سند في المراجع نفسها. فموسوعة بريتانيكا تذكر أن نبونيد نظّم في تيماء إقليماً عربياً استعان فيه بجند مرتزقة من أهل يهوذا (Jewish mercenaries). وتذكر «دائرة المعارف اليهودية» (Encyclopaedia Judaica، مادة Tayma) أن نقشه الذي يخبر فيه ببناء بيته في تيماء أثار القول بأن بعض المنفيين من أهل يهوذا في بابل استقروا معه هناك، ثم جاءت صلاة نبونيد، التي وُجدت مع مخطوطات قمران، فأيّدت هذا القول. ونحن نقرأ الجماعات التي سكنت الواحات حتى البعثة امتداداً لمن صحب الملك إليها، وقد بقيت معها البيئة التي حملت الذاكرة: الواحة، والطريق، والجماعات المتعبدة، وما يصلها ببلاد الرافدين. وفي هذه البيئة نتتبع انتقال خبر المسيح. أما أول ترجمة عربية للكتاب المقدس فلم يصلنا منها مخطوط مؤرخ يُنسب إلى تيماء.
ثم إن رموز النور وألقاب الإله في تيماء وفي النقوش الصفائية تفتح باباً واسعاً لمقارنتها بلغة القرآن. ويضاف إليها ما نعرفه من جماعات تفرغت للمعرفة والعبادة، كالثيرابيوتاي الذين وصفهم فيلون في مصر، واسمهم يجمع معنى الخدمة ومعنى المعالجة بحسب الاشتقاق الذي يناقشه. ففي هذه الجماعات نرى طريقاً جمع تزكية النفس إلى المعرفة والشفاء، وهو الطريق نفسه الذي نقرؤه في صحبة يحيى لعيسى ﵇ في خبر تيماء. والصلة بين الأمرين صلة طريق ومنهج، لا انتساب إلى جماعة بعينها.
واسم يثرب يستحق أن نقرأه في صوره القديمة، ومنها صورته في نقوش نبونيد، وهي من أقدم ما وصلنا من ذكر المدينة. فالصوت الأول من الاسم يُنقل في اللغات نقلاً مختلفاً، وفي هذا الاختلاف مادة للمقارنة تساعدنا على فهم الأسماء وهي تنتقل من لسان إلى لسان. وبمثل هذه المقارنة نقرأ الصلة بين أسماء الإيسيين والعيسويين في سياقها الديني واللغوي معاً. ثم يأتي اسم يثرب، المدينة التي بلغها الملك ثم صارت مدينة النبي ﷺ، قرينةً ترافق هذه الصلة وتقويها، على أن كل تبدّل صوتي فيه يوزن بشواهده.
بنات النجار ونشيد البدر: يثرب تستقبل الداعي
ويثرب في نقش نبونيد آخر محطات رحلته العربية: «حتى يثرب؛ عشر سنين تنقلت بينها». فالمدينة عرفت الملك الذي نقرأ فيه عيسى ﵇ قبل أن تعرف النبي ﷺ بنحو اثني عشر قرناً. ثم عاد الملك إلى بابل، وبقيت دعوته في الواحات التي أقام فيها. وتذكر الموسوعة البريطانية أنه نظّم ولايته العربية بمعونة جند مأجورين من اليهود، فاتصلت الواحات من تيماء إلى يثرب بجماعات من بني إسرائيل حملت ذلك العهد. وعلى هذه الذاكرة نقرأ مشهد الاستقبال في الهجرة.
روى ابن ماجه (١٨٩٩) عن أنس أن النبي ﷺ مرّ ببعض المدينة، فإذا هو بجوارٍ من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن: «نحن جوار من بني النجار، يا حبذا محمد من جار»، وصحّحه العراقي. فبنات النجار جماعة لها نشيد تستقبل به من يقدم عليها. وبنو النجار هم أخوال عبد المطلب جد النبي ﷺ، وفي أرضهم بركت ناقته، وعند رجل منهم، هو أبو أيوب الأنصاري، نزل.
ويحفظ الخبر نشيداً ثانياً: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع». رواه البيهقي في «دلائل النبوة» عن ابن عائشة، وإسناده معضل عند العراقي وابن حجر. وذكر ابن القيم في «زاد المعاد» أن ثنيات الوداع من ناحية الشام، فالنشيد إذن يستقبل قادماً من الشمال، من جهة تيماء وبابل، وهي جهة رحلة نبونيد نفسها. ثم إن البدر قمر، والقمر علامة العلي الذي عبده نبونيد باسم سين، ورمّم له بيته «إيخلخل» في حران، وقد قرأنا اسم المعبد من قبل بيت الهلال والتهليل. فالنشيد يحيّي القادم بعلامة العلي في السماء. أما عبارة «ما دعا لله داع» فتجعل الفرح يتجدد مع كل داعٍ يأتي، لذلك نقرأ النشيد ذاكرةً أقدم عند أهل الاستقبال، تجددت حين جاءهم النبي ﷺ داعياً إلى الله.
واسم القبيلة نفسه يحمل إشارة. فالنجار في العربية لفظ آرامي الأصل، وهو في السريانية ܢܓܪܐ (نغّارا)، وبهذا اللفظ تصف الأناجيل يسوع: «أليس هذا هو النجار؟» (مرقس ٦: ٣)، و«أليس هذا ابن النجار؟» (متى ١٣: ٥٥). وفي التلمود يُدعى العالِم الذي يحل المسألة العسيرة «نجاراً ابن نجار» (عبوداه زاراه ٥٠ب). أما جد القبيلة، تيم اللات بن ثعلبة، فسُمّي النجار، فيما نقل ابن عبد البر عن ابن سيرين، لأنه «اختتن بقدوم»، والقدوم آلة النجار، وبها اختتن إبراهيم ﵇ في حديث البخاري (٣٣٥٦) ومسلم (٢٣٧٠). فنحن نقرأ «بني النجار» أهلَ المعلم وأتباعه، أي جماعة تسمّت باسم صاحب طريقها، كما تسمّت «جمعية يسوع» باسمه عند اليسوعيين بعد ذلك بقرون.
وتعرف المسيحية السريانية القديمة جماعة على هذه الصورة، هي «بنات العهد» ܒܢܬ ܩܝܡܐ (بنات قياما): نساء نذرن العفة والفقر وخدمة الكنيسة، وكنّ جوقات تنشد الترانيم، وينسب التقليد تنظيم جوقاتهن إلى أفرام السرياني في القرن الرابع. وعلى مثالها في الإنشاد نقرأ جواري بني النجار: بنات طريق من بيوت قومهن، ينشدن لقدوم الداعي المبشَّر به. وبنو النجار من الخزرج، والأوس والخزرج هم الأنصار الذين نصروا الدعوة، وسنقرأ في الفصل السابع وظيفتهم على مثال وظيفة الحواريين أنصار الله. ومن هذه الجماعات المتعبدة، التي لكل منها طريقتها الخاصة في العبادة، ننطلق في الفصل الثامن عشر لنقرأها حلقات أسبق في الخط الذي سارت عليه الطرق الصوفية بعدها، خط الخُلَّص من أتباع الأنبياء.
وادي النخلة
﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾: النخلة في المشهد القرآني شجرة تمسك مريم بجذعها، ويأتيها منها الرطب. والاسم فيها معرّف، فمن يبحث عن مواضع تحمل اسم النخلة يلتفت إلى هذا التعريف، ويسأل السؤال الجغرافي الذي نجيب عنه بوادي نخلة.
ووادي نخلة من المواضع المعروفة بين مكة والطائف، ولوروده في الأخبار وزن في المقارنة. لكن النخيل لا يختص بالحجاز، فهو حاضر أيضاً في العراق والشام وفي واحات أخرى. وقد بلغ نبونيد يثرب كما ينص نقشه في حرّان، ومكة تقع جنوبها على الطريق نفسه، فبلوغه إياها قريب. ثم إن القرآن يذكر جذع النخلة معرّفاً: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾، كأنها نخلة يعرفها السامعون، ووادي نخلة على طريق العراق من مكة. لذلك نقرأ في الوادي طبقة حجازية من قصة المولد، إلى جانب الخبر الذي كُتب في العراق. وهذا وجه نقدّمه، وقد يكون غيره، والوجهان كلاهما مقبول في قراءة هذا الكتاب.
ويقرّب حديث الإسراء صورة عيسى ﵇ من هذا الوادي نفسه. روى مسلم في «صحيحه» (كتاب الإيمان، باب الإسراء، رقم ١٦٧) عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «عرض علي الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم»، يعني نفسه. فالأنبياء الثلاثة يوصفون في الحديث بوجوه من أهل الجزيرة: موسى ﵇ برجال أزد شنوءة، وهم حي من اليمن، وإبراهيم ﵇ بالنبي ﷺ نفسه، وعيسى ﵇ برجل من ثقيف. وقد استشهد منصور بهذا الحديث.
وعروة بن مسعود الثقفي من كبراء الطائف، وهو، فيما رواه الطبري عن قتادة وابن زيد، الرجلُ العظيم من أهل الطائف في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف ٣١). أسلم بعد أن انصرف النبي ﷺ عن الطائف، ثم رجع إلى قومه يدعوهم، فرموه بالنبل فقتلوه. وذكر ابن عبد البر في «الاستيعاب» أنه «كان يشبه بالمسيح عليه السلام في صورته». ووادي نخلة يقع بين مكة والطائف، وفيه قام النبي ﷺ يصلي من الليل وهو عائد من الطائف، كما قدمنا من سيرة ابن إسحاق. فالرجل الذي وصف به النبي ﷺ عيسى ﵇ من أهل الطريق الذي نقرأ فيه الطبقة الحجازية من قصة المولد، ونحن نرى في هذا الوصف النبوي أن عيسى ﵇ كان في هيئته وملامحه رجلاً من رجال الجزيرة.
ورأى سليمان مراد، في دراسته عن أصل خبر النخلة (Oriens Christianus ٨٦، ٢٠٠٢)، أن أسطورة ولادة أبولو عند جذع نخلة في ديلوس أصلٌ لخبر النخلة في إنجيل متى المنحول وفي القرآن معاً. لكن القرآن يذكر «جذع النخلة» معرّفاً، ويذكر معه السريّ والرطب والانتباذ إلى مكان قصيّ، فهو يشير إلى موضع تعرفه ذاكرة السامعين. لذلك نقرأ فيه ذاكرة مكان له في الجزيرة اسم ووادٍ وطريق، لا رمزاً أدبياً منقولاً.
وفي المصادر الإسلامية أخبار تلتقي عند هذا المجال. ونحن نقرأ كل خبر منها بسنده وسياقه، وننتفع بما تتقاطع فيه تفاصيلها، دون أن نفترض أن الروايات مستقلة لمجرد أن الكتب التي حملتها مختلفة الأسماء.
وأول هذه الأخبار ما يرويه ابن الكلبي (ت 204 هـ) في «الأصنام». فهو يجعل حرم العزى في بطن نخلة، ويصف فيه ثلاث سمرات، أي شجرات أكاسيا، ارتبطت في الرواية بالشيطانة التي عبدتها قريش وكنانة وأهل مكة. ويحدد الموضع بقوله: «وكانت العزى بواد من نخلة الشآمية يقال له حراض، بإزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة.» ثم يروي أن النبي ﷺ أرسل خالد بن الوليد ليقطع السمرات ويهدم البيت. والرواية تعرّفنا بمكانة الوادي الدينية عند قريش، وبما اجتمع فيه قبل الإسلام من حج وذبح وأخبار مقدسة.
والخبر الثاني في سيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ). فهو يذكر أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف وقف ببطن نخلة يصلي من الليل، فسمع قراءته نفر من الجن، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين. يقول: «حتى إذا كان ببطن نخلة قام يصلي من الليل، فمر به نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له». ويقابل أصلَ هذا الحدث قولُه تعالى «وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا» (الأحقاف: ٢٩). فنخلة في السيرة موضع تُتلقى فيه الرسالة، وهي في الأخبار الأخرى موضع له مكانة أقدم، فإذا جمعنا المادتين قرأنا فيهما ذاكرة روحية استمرت في هذا الوادي.
ولفظ «شرقياً» يحدد جهة بالنسبة إلى موضع أهل مريم، لكنه لا يسمّي ذلك الموضع. فأي موضع يُقترح، في حران أو العراق أو شمال الجزيرة، نضعه على خريطته ونزنه بما يفسره من الخبر؛ لأن الجهة قرينة ترافق المكان، وليست اسماً يقوم مقامه.
فأخبار النخلة والواحات والرحلة تلتقي في رسم بيئة قريبة من الجغرافيا التي يعرضها هذا الكتاب. لكنها تتناول أحداثاً مختلفة، فيُقرأ كل خبر منها في حدثه، ولا تُعدّ ثلاث شهادات على موضع الميلاد نفسه. وفائدتها أنها تفتح أفق القصة على ما وراء الموضع الذي اعتاد الناس أن يحصروها فيه.
الرَبوةُ ذاتُ القَرارِ والمَعين: الآيةُ تَصِفُ الواحة
ويصف القرآن الموضع الذي آوى الله إليه عيسى ﵇ وأمه بقوله ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون ٥٠). والربوة أرض مرتفعة، والقرار موضع يُستقر فيه، والمعين الماء الظاهر الجاري. وقد جمع ابن كثير أقوالاً في تعيينها: فرُوي عن ابن عباس وعبد الله بن سلام والحسن أنها دمشق وغوطتها، وعن أبي هريرة أنها الرملة، وعن الضحاك وقتادة أنها بيت المقدس، ورجّح ابن كثير هذا الأخير. وكل هذه تعيينات لمكان وصفته الآية ولم تسمّه، وهي تتعلق بخبر إيواء الأم والابن، لا بتحديد موضع المولد. ثم جاءت الجماعة الأحمدية في العصر الحديث فحملت الوصف على كشمير، ونقل كرستن هذا الرأي. فلما اختلفت التعيينات هذا الاختلاف، تبيّن أن الآية تصف المكان بصفاته: أرض مرتفعة، واستقرار، وماء ظاهر. وهذه صفة الواحة في البرية، ولذلك نقرأ الربوة في مجال الواحات التي أقام فيها نبونيد عشر سنين.
ومريم في قراءة هذا الكتاب هي أم نبونيد، فتنتظم جغرافيا الأم والابن في سيرة واحدة: حران موطن الأم، وفيها بيت العلي الذي خدمته، وتسميه النقوش معبد سين، وتيماء والواحات مقام الابن عشر سنين. وعلى هذا الطريق نقرأ مشاهد الميلاد والإيواء، فنضع كل مشهد في موضعه منه، حتى يستقيم تسلسل الرحلة.
المهد وبداية الكلام
ويتصل بذلك قوله تعالى ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: ٢٤). وقد اختلف المفسرون في المنادي: أهو عيسى ﵇ وهو تحت أمه، أم جبريل يناديها من سفح الوادي؟ وإلى جانب هذين الوجهين قراءة لهجية شمالية تصل العبارة بالبيئة التي حفظتها النقوش النبطية، ويوزن معناها بما يسنده في اللسان وبترتيب القصة.
أما القراءة التي تجعل «من تحتها» اسماً لمكان، أو تجعل «المهد» لفظاً نبطياً بمعنى آخر، فتحتاج إلى نص لغوي يؤيدها قبل أن يُبنى عليها. والمشهد العربي يبقى مفهوماً في دلالته المباشرة: خطاب يطمئن مريم وهي في ضعفها، ثم كلام الطفل الذي يرد عنها التهمة.
ومن وجوه القراءة اللهجية أن يُفهم «من تحتها» بمعنى من بطنها، فيكون النداء في أثناء المخاض. ويُقرأ معه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، والسري في العربية النهر الصغير، ويأتي أيضاً وصفاً للرجل الشريف الكريم، فيقترح هذا الوجه أن المراد الولد الشريف الذي في حملها. ونذكر هذا الوجه هنا لما يجمعه من معاني الباطن والاكتنان والشرف، مع أننا نميّزه من ترتيب الخبر الصريح في النص.
والقرآن لا يقول إن عيسى ﵇ تكلم قبل ولادته، فذكر المهد إنما يأتي في سياق الإشارة إليه بعد أن أتت به قومها. وعند هذا الحد نقف في عرض المشهد. أما ما يدل عليه الكلام فهو اختيار إلهي ظاهر منذ البداية، قبل الملك والرحلة والابتلاء.
فهذه الجغرافيا كلها مجال واحد، يبدأ من أخبار الأسرة والملك، ثم يمتد إلى الواحات التي ثبت حضور نبونيد فيها. أما أن يُعيَّن كل مشهد قرآني بمدينة بعينها، فذلك يتبع القرائن بقدر ما تسمح به، ويبقى الطريق مفتوحاً لما قد يُكتشف من جديد.
فدك: الحلقة المفقودة
وتقع فدك، وهي Padakku في النقل الأكدي، بين تيماء ويثرب، على نحو مئة وثمانين كيلومتراً جنوب تيماء، ومئة وأربعين شمال المدينة. وقد نشر هاوسليتر وشاوديغ نقش الحائط سنة ٢٠١٦م، ثم عادت هيئة التراث السعودية فعرّفت به سنة ٢٠٢١م. وهذا النقش يضيف شاهداً مباشراً على أن نبونيد كان حاضراً في المجال الذي يضم تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب، خلال مقامه العربي الذي امتد نحو عقد، بين 553 و543 قبل الميلاد.
ثم دخلت فدك أخبار صدر الإسلام، فهي مما حصل عليه النبي ﷺ من غير قتال، ثم وقع فيها الخلاف المشهور في حق فاطمة وأهل البيت، وفي طريقة التصرف في ريعها، وتختلف الروايات والقراءات الفقهية في الهبة والإرث والفيء. والذي يعنينا من ذلك أن الواحة نفسها بقيت في قلب التاريخ الديني والسياسي، ولسنا هنا لنحسم ذلك الخلاف بعبارة عابرة.
ففدك تظهر أولاً في قائمة الواحات التي اتصلت بنشاط نبونيد، ثم تظهر في تاريخ جماعات الجزيرة، وفي أخبار الفيء في العهد النبوي. وهذه محطات متباعدة في الزمن، لكنها تجعل الواحة موضعاً نقرأ فيه استمرار السكان والمعرفة. ومع ذلك لا نختزل حكم الفيء في ملك شخصي عادي، فله في المصادر أحكامه، ووجوه صرفه، وخلافه المعروف.
الحفريات: ما أخرجته الأرض
وقد أخرجت أعمال البعثة السعودية الألمانية في تيماء نقوشاً وشواهد مادية تدل على إقامة نبونيد ونشاطه في الواحة. وتجمع منشورات المشروع، ومنها المجلد الثاني من دراسات تيماء، المادة المسمارية مع سياقات العثور عليها. ويضاف إلى ذلك نقش الملك في الحائط، وهو موقع آخر ينبغي أن يُميَّز من حفريات تيماء. وهذه الشواهد تعرض ملكاً يحكم ويبني ويتعبد، فلا يصح أن يُختزل عقده العربي في صورة الجنون التي اشتهرت في رواية أدبية لاحقة، كما لا يصح أن تُنسب كل مباني الواحة إلى عهده.
4Q242: المفصل الذي يربط كل شيء
تروي «صلاة نبونيد» أن الملك مرض في تيماء سبع سنين، وتذكر رجلاً من بني يهوذا كان له دور في فهم التجربة الدينية. وقد وصلتنا الصلاة شظايا، ويختلف المحققون في ترميم بعض مواضعها، واسم الرجل ساقط مما بقي منها. ونحن نقرأ دوره أثراً من قصة يحيى مع عيسى ﵇، ونقرأ المحنة والشفاء وجهاً من سلوك النبي الملك إلى مولاه. وفي الأناجيل يظهر يحيى معلماً ومُعمِّداً، ويقترن تعميد عيسى ﵇ بظهور الروح، فإذا وضعنا الخبرين معاً وجدنا فيهما ملامح تجربة واحدة: معلماً من بني إسرائيل، وتطهيراً، ثم تمام حال.
وعلى هذه القراءة لم يكن نبونيد ملكاً كافراً ثم صار نبياً بعد المرض، وإنما كان مختاراً، ثم سلك طريق المعرفة والابتلاء على يد معلم، كما أن اختيار إبراهيم لم يمنع أن يتم الكلمات التي ابتلاه بها ربه. فالشفاء هنا تمام مرحلة من التربية، ومن ذاق الرحمة صار سبباً في أن تصل إلى غيره، علماً وطباً وهدياً.
ولماذا يَذهَب مَلِكُ بابلَ إلى صَحراء؟ سابِقةٌ آشوريّةٌ بقَرنَين
ويبقى سؤال الإقامة نفسها: ما الذي حمل ملك بابل على أن يقيم عشر سنوات في واحات بعيدة عن عاصمته؟ لقد جعل خصومه هذا الغياب موضع طعن فيه. ولكي نفهم اختياره، ينبغي أن نعرف تاريخ صلة بلاد الرافدين بهذه الواحات قبل عهده.
وتحفظ الحوليات الآشورية شواهد ترجع بهذه الصلة نحو قرنين إلى الوراء. ومنها:
- مَلِكاتُ العَرَب في الحَوليّات مُعتَرَفٌ بهِنَّ ويُتَعامَلُ معهنَّ دُوَلاً: زَبيبةُ في القَرن الثامن، ثمّ شَمسي، ثمّ يَتيعُ، ثمّ تِئلحونو كاهِنةُ أدومّاتو.
- سِنّحاريبُ يَغزو أدومّاتو (دومةَ الجَندَل) بَين سَنَتَي ٦٩١ و٦٨٩ ق.م، فيَهزِم المَلِكةَ تِئلحونو وحَزائيل، ويَسبي آلهةَ العَرَب إلى بابل.
- ثمّ يَرُدُّها أسرحدّونُ ابنُه مَنقوشةً بيَدِه ـ عَتَرسَمين، وعَتَرقُرُمى، ونُخَي، ورُلدايو ـ ويُنَصِّب على العَرَب تَبوعةَ، وهي امرأةٌ رُبِّيَت في قَصر سِنّحاريب، مَلِكةً عليهم.
فالجزيرة تظهر في هذه الأخبار مجالاً فيه ممالك وكاهنات ومعابد، وبلاد الرافدين تتعامل معه منذ القرن الثامن قبل الميلاد: تحاربه حيناً، وتعاهده حيناً، وتعيد إليه معبوداته، وتنصّب عليه الحكام. وفي هذا التاريخ المتصل من السياسة والصلات الدينية نضع إقامة نبونيد في تيماء، ثم نقرأ ما أضافه هو إليه.
وهذه السابقة تفسر شيئاً من مقام الملك هناك. فسنحاريب وأسرحدون قد دخلا في أخبار الواحات وملكات العرب، فلما انتقل نبونيد إليها سار على طرق وسياسات عرفتها الدولة الرافدية من قبل. أما اختياره الشخصي لتيماء، فنقرأ فيه السياسة والدين والسلوك معاً.
(المَصدَر: الحَوليّاتُ الآشوريّة كما تُنشَر في الطَبَعات المُحَقَّقة لنُقوش سِنّحاريبَ وأسرحدّون؛ وأسماءُ آلهةِ العَرَب المَردودة مَذكورةٌ في نَصِّ أسرحدّون بعَينِه.)
خط التوحيد
وهذه الواحات، في قراءة هذا الكتاب، طريق من الطرق التي انتقلت عليها ذاكرةٌ تحفظها الصلاة وأخبار بني إسرائيل. يبدأ الطريق بملك أقام فيها إقامة يوثقها نقشه، وبرواية دينية عن محنته وشفائه، وينتهي بجماعات من بني إسرائيل سكنت المحطات نفسها حتى البعثة. وبين الطرفين حلقات نتتبعها بشواهدها، أما الطريق نفسه فثابت في النقش.
وتتصل هذه المقارنة بما عرضناه عن الإيسيين (Essaioi) وعن الجماعات التي نقرؤها إلى جانب وثائق قمران. فقد رأينا أن اسمهم يتصل بالشفاء، وعرضنا قراءتنا لمادة ع-س-ا في اسم عيسى ﵇، وكيف بقيت العين الحلقية في العربية والآرامية وسقطت في النقل اليوناني. ثم إن المغفرة والشفاء يجتمعان في 4Q242 كما يجتمعان في مرقس ٢: ٥–١١، حيث يسبق التطهرُ الروحي تمامَ الشفاء الجسدي. فالصلاة تحفظ القصة في زمن أقدم من الزمن الذي تنسب إليه الأناجيل فعل يسوع، وإن كان تاريخ كتابة النصوص غير تاريخ أحداثها. وفي هذه العناصر كلها نقرأ طريقاً انتقل عليه التعليم والخبر.
فتيماء إذن هي الموضع الذي التقت فيه سيرة الملك بذاكرة الشفاء. وقد حفظ هذا اللقاء طرفاً من قصة عيسى ﵇ ويحيى الأصلية، وسنتتبع بعد ذلك كيف انتقل أثرها في الجماعات التي جاءت بعدها. أما الرجل الذي سقط اسمه من الشظية فنقرؤه يحيى، ومعنى التجربة عندنا أن المختار يترقى في المعرفة والصبر على يد معلمه.
ومن المكان ننتقل إلى الاسم: بأي ألفاظ حفظت الجماعات ذكر صاحب الرسالة، وكيف تغيرت الأسماء حين عبرت من لسان إلى آخر؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.
طريقُ الواحات: من تيماء إلى يثرب
يسرد نقش حران، الذي نشره C. J. Gadd في «The Harran Inscriptions of Nabonidus» ثم نُشر في الطبعات الأحدث للنقوش الملكية، أسماء تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب، في سياق خبر إقامة الملك في بلاد العرب. ولهذه القائمة وزن لا تبلغه المشابهة اللفظية وحدها، لأنها تصل سجل بابل بواحات معروفة، والملك يقول فيها بلسانه إنه تنقل بينها عشر سنين. ويجب أن نفرّق هنا بين تاريخ العثور على النقش وتاريخ نشره أو إعادة الإعلان عنه، فلكل منهما موضعه.
ويضاف إلى مسلة حران أن اسم الملك ورد في نقوش العربية الشمالية القديمة بصيغة «nbnd mlk bbl»، أي نبونيد ملك بابل، كما وثّق هاني هياجنة (Hani Hayajneh) في PSAS 31 سنة ٢٠٠١. فهذه كتابة محلية حفظت الاسم والصفة، ووصلت سجل الملك بأرض الواحات نفسها، ونحن نقرؤها مع نقوشه الأخرى حين نتتبع نشاطه الديني والسياسي في هذا المجال.
وهنا نعود إلى ما عرضناه في الفصل الخامس. فخيبر وفدك ويثرب ظهرت فيما بعد مواطن لجماعات من بني إسرائيل، عرفها العرب في عشيّة البعثة، وجاور النبي ﷺ بعضها وحاوره. ونقترح أن هذه الواحات، وهي داخلة في مجال حركة نبونيد، قد حملت ميراثاً توحيدياً اتصل عبر الأزمنة. فتكون الطريق من حران إلى يثرب طريقاً لتاريخ ديني أيضاً، يبدأ بتعظيم سين، الذي نقرؤه تعظيماً للعلي، وينتهي بانتظار الهداية وظهور الرسالة في المدينة. والمحطات ثابتة في الشواهد، أما قراءتنا فتتبع المعنى الذي استمر بينها.
الفصل ٧ ـ التشابهات اللفظيّة الساميّة: حين تحمل الكلمة ذاكرة الحضارة
تشترك العربية والآرامية والعبرية والأكدية والسريانية في نظام واسع من الجذور الثلاثية. فالجذر ك-ت-ب تخرج منه كتب وكتاب وكاتب ومكتوب ومكتبة وكُتّاب، والجذر ق-ت-ل تخرج منه قتل وقتيل ومقتل وقتال. وقد نجد الجذر الواحد في أكثر من لسان، وقد تغيّر بعض أصواته وأبنيته. وهذا النظام نافع لنا في هذا الكتاب، لأنه يسمح لنا أن نتتبع المعنى إلى ما وراء الصورة التي انتهى إليها اللفظ في لغة بعينها.
وسنستعمل هذه المقارنة في أسماء الأشخاص والجماعات، وفي ألفاظ العبادة. نبدأ في كل لفظ بصوته ومعناه، ثم نسأل عن الميراث الذي حمله. ذلك أن الألفاظ قد تحتفظ بشيء من تاريخ الجماعات التي استعملتها، فتصل من أخبارها ما فرّقته الروايات.
عيسى وعائشة وحواء: الحياة جذرٌ يعبر الأسماء
ونعود أولاً إلى المقارنة التي اقترحناها في الفصل الثاني بين اسم عيسى ﵇ وحقل ع-ي-ش. واسم عائشة يقرّب هذا المعنى إلى القارئ العربي، فهو من العيش، أي الحياة وما يتصل بها من حركة وفعل. ونحن نقرأ السين في اسم عيسى ﵇ مقابلة للشين في العيش، على ما جرت به المقابلات السامية، إذ تتقارب الصيغ وتختلف أصواتها، كما تتجاور الشمس في العربية وشمشو في الأكدية وشمش في العبرية. فالحياة إذن وجه من وجوه قراءتنا لاسم عيسى ﵇، يقوم إلى جانب معنى البياض والصفاء في العيس الذي بدأ به الفصل الثاني، وتشاركه فيه أسماء أخرى.
فعائشة في العربية هي التي تعيش، والاسم وصفٌ قبل أن يصير علامة على امرأة بعينها. وعلى الوجه الذي قدمناه نقرأ اسم عيسى ﵇ بمعنى الحي المحيي. وهذا ما نعنيه بالأسماء الوصفية: يَعرف الناس صاحب الاسم، وتبقى في تسميته مع ذلك دلالة تتصل بحياته، أو بالدعاء له، أو بالمهمة التي يؤديها. وعلى هذا النهج نفسه نقرأ أسماء النصوص السامية القديمة.
فمعنى الحياة يحضر في اسمين: اسم النبي الذي يحيي بإذن الله، واسم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، القريبة من النبي الخاتم ﷺ. وهذه ملاحظة في باب الأسماء ومعانيها، نضعها مع ما يتكرر في اللسان السامي من صلة الحياة بالهداية.
ونجد هذا المجال أقدم من ذلك في اسم حواء، חַוָּה (حَوّاه) (Ḥawwāh)، فهو متصل بجذر ح-ي-ا الدال على الحياة، وقد فسّره خبر التكوين نفسه: «سماها حواء لأنها أم كل حي» (تكوين ٣: ٢٠). وقبل هذه التسمية ترد في الخبر كلمة אִשָּׁה (إيشّاه) (ishah)، أي المرأة بالعبرية، وهي كلمة يسمع فيها القارئ العربي قرباً من اسم عائشة. لكن القرب في السمع شيء والاشتقاق شيء آخر؛ فعائشة من ع-ي-ش، وإيشاه من أصل آخر. أما دلالة الحياة في خبر حواء فصريحة، لأن السيرة نفسها تفسر بها اسمها.
فهذه أسماء ثلاثة: حواء أم الأحياء، وعيسى ﵇ الذي يحيي الموتى بإذن ربه، وعائشة أم المؤمنين، يجمعها مجال دلالي واحد تتجاور فيه ح-ي-ا العبرية، وح-ي-ي وع-ي-ش العربيتان. ونحن نقرأ في اجتماعها وجهاً من صلة النبوة بالحياة وبإحيائها، ويبقى لكل اسم منها جذره وتاريخه.
الشَرقُ يَقولُ «عيسى»: قَناتانِ لا تَختَلِطان
لم تتكون أسماء الأناجيل في فراغ يوناني، فقد نقلت الأناجيل أسماء سامية مرّت بلغات وطرائق في الكتابة مختلفة، وما الصيغة اليونانية لاسم يسوع إلا حلقة في هذا الانتقال. أما «عيسى» فيختلف عنها، واختلافه يدل على طريق مستقل حفظ الاسم في المشرق، وهو الطريق الذي نتتبعه في الشواهد التالية.
وقد سلك اسم المسيح إلى المشرق الأقصى طريقين يفرّق بينهما الصوت. أما الأول فسرياني حملته كنيسة المشرق، والاسم فيه «إيشوع» والعين في آخره: فمسلة شيان (٧٨١م) تكتب المسيح 彌施訶 (ميشيخه)، نقلاً لـ«مشيحا» السريانية، و«سوترا سماع المسيح» تكتب اسمه 移鼠 (يِشو)، ويقول مسيحيو كيرالا السريان «إيشو» إلى اليوم. وأما الثاني فقرآني حملته الفارسية والأردية إلى الهند، والاسم فيه «عيسى» والعين في أوله: ففي «بهافيشيا پورانا» يرد Īśā-masīha، أي عيسى المسيح، في مقطع يرجّح الباحثون أنه كُتب في القرن التاسع عشر، وسمّاه نوتوفيتش Issa سنة ١٨٩٤، ولاحظ ماكس مولر في السنة نفسها شبهه بالاسم العربي «عيسى المسيح» وأثر الإسلام في تلك البلاد. فحيث كان الطريق إسلامياً وصلت الصيغة القرآنية، وحيث كانت الكنيسة وصلت الصيغة السريانية.
ومن الشواهد القريبة إلينا المندائية الكلاسيكية، لسان الناصورائيين في جنوب الرافدين. فهي تكتب اسم يسوع ࡏࡔࡅ (إيشو)، أي ع-ش-و، وتنطقه «إيشو»، فتضع العين في صدر الاسم، كما في معجم ماكوخ للمندائية (١٩٦٥، ص٦٤٩). وموضع العين هنا غير موضعها في «يشوع» السريانية و«يسوع» العربية، وهو أقرب إلى ترتيب الاسم القرآني. ويرد الاسم «يشو» في شذرات تورفان المانوية عند هننغ، وقد سقطت منه العين الأخيرة. وينقل آرثر جيفري في «المفردات الأجنبية في القرآن» (١٩٣٨) عن مينغانا ذكر دير يسمى «العيسانية» في جنوب الشام منذ سنة ٥٧١م. فإذا ضممنا هذه المواد إلى النقش الصفائي ʿsy الذي عرضناه في الفصل الثاني، اتسع النظر في الصيغة العربية، ولم يعد مقصوراً على تفسيرها بأنها تحويل ليشوع جرى لمشاكلة موسى.
نصارى وأنصار: من أطلق الاسم؟
ونبدأ في هذا التقاطع من معنى النصرة في العربية، وهو الدعم والحماية والوقوف مع الدعوة. أما الجذر נצר (ن-تس-ر) في العبرية فيحمل معنى الحفظ والحراسة، وهو قريب من النصرة في بعض وجوهه، وإن لم يكن ترجمة مطابقة لكل ما يشتق من الجذر العربي. ولقب النصارى تلتقي فيه ذاكرة الجماعة بهذه المعاني كلها: النصرة والحفظ والتكريس. وأوضح موضع تظهر فيه هذه المقارنة جواب الحواريين في القرآن.
وفي سورة الصف يرد السؤال والجواب بلفظ النصرة نفسه: يقول عيسى ﵇ للحواريين «من أنصاري إلى الله»، فيقولون «نحن أنصار الله» (الصف ١٤). ثم نعرف من السيرة أن الأوس والخزرج في يثرب سُمّوا الأنصار، لأنهم آووا النبي ﷺ ونصروا دعوته. فالمعنى واحد في وصف الجماعتين، وإن اختلف الزمن واختلف صاحب الرسالة.
وهذا ما يدعونا إلى أن نعيد النظر في اسم النصارى. فالتفسير الشائع يربطه بالناصرة، البلدة التي سكنها صاحب السيرة الإنجيلية، أما نحن فنقرأ معنى النصرة أصلاً في التسمية، إلى جانب معنى النذر الذي نعرضه في الفصل الثامن. وشاهدنا أن القرآن يورد «إنا نصارى» قولاً تقوله جماعة، ثم يزن أعمال أصحاب هذا الاسم ومواقفهم بمعناه. فالاسم في بدايته كان وصفاً لأنصار المسيح المتمسكين بتوحيده، ثم اتسع حتى شمل المؤسسات التي تغيّر تعليمها.
ويتصل بهذا لقب الحواريين. فالمعاجم العربية ترده إلى جذر ح-و-ر، وهو جذر يدور على البياض والنقاء والرجوع، ومنه أُخذ معنى صفاء النية والخلوص في المعونة. والقرآن يسمي أصحاب عيسى ﵇ حواريين، ثم يورد جوابهم «نحن أنصار الله»، فإذا الجماعة الواحدة تحمل الصفتين معاً: تخلص لصاحب الرسالة، وتنصر ما جاء به. على أن للقب وجهاً آخر، فقد تكون فيه صلة بمكان أيضاً.
فإذا أخذنا لفظ «الحواريون» جمعنا فيه بين اسم الجماعة وصفاتها وبين مواضع يحتمل أنها حفظت تراثها، مثل حوران وحران والحيرة. فقد يجتمع في لقب واحد انتساب إلى مكان ومعنى ديني معاً. غير أن تعيين الموضع يحتاج إلى شاهد يربط الجماعة به، ولا يكفي فيه أن تتشابه الحروف.
وحوران وحران والحيرة مواضع متمايزة، لكنها تقع على طريق واحد سلكته الذاكرة في انتقالها. والشواهد تحتمل ثلاثة أوجه: فإما أن يكون لقب الحواريين قد حفظ أثراً من إحدى هذه البيئات، وإما أن تكون الصلة وصفية، وإما أن يجتمع الأمران. ونحن نقرأ فيه اجتماع الصفة والموطن، على ما نعرضه في الفصل الثاني عشر.
ونرى في هذا أن الإسلام الذي جاء به عيسى ﵇ استمر في الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ. فالحواريون كانوا أنصاراً في عملهم، والأنصار قاموا في جماعتهم مقام الحواريين في المعونة والوفاء. وآية الصف التي بدأت بحوار عيسى ﵇ وأصحابه يختمها القرآن بقوله «فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين» (الصف 14). فالرسالة التي ينصرها المؤمنون واحدة على تعاقب الأنبياء، وهم يتصلون بمعناها مهما طال الزمن بين جماعة وأخرى.
كافّة وكيفا: الصخرة والشمول
ومن الألفاظ التي نقارنها «كافة»، كما في ادخلوا في السلم كافة (البقرة 208). والعربية تردها إلى جذر ك-ف-ف، وهو يدور على الجمع والإحاطة والكف، ومنه يكف وكفة وكاف وكافة. وهي في الآية تدل على الشمول في الدخول في السلم، وهذا المعنى نضعه في المقارنة التالية إلى جوار معنيي الثبات والاجتماع.
والكلمة الآراميّة كيفا (Kepha / Cephas) معناها الصخرة، وفيها معنى الثبات والقوّة الراسخة التي لا تزول. وهو لقبٌ أطلقه عيسى ﵇ على شمعون، ثم تحوّل في الترجمة اليونانيّة إلى بطرس (Petros = صخرة). ولبطرس، أو كيفا، أهمّيّة تاريخيّة خاصّة، لأنّه في الذاكرة الأبيونيّة وفي أدب كليمنت المنحول من أقرب الحواريّين إلى الرسالة التوحيديّة الأصيلة التي جاء بها عيسى ﵇، ولأنّ هذا الأدب يَرسم بينه وبين بولس فجوةً عقديّة عميقة؛ فالأبيونيّون والكليمنتيّات يَعُدّون بولس دخيلاً على الحركة الأصليّة حوّل معناها. وهذه قراءةٌ أبيونيّة-كليمنتيّة، غير القراءة الكنسيّة المسكونيّة، ويَستحضرها هذا الكتابُ لأنّها صوتٌ مبكّر مَطموس يَستحقّ أن يُسمَع، لا لأنّها حُكمٌ تاريخيّ نهائيّ على شخص بولس.
فاللفظان يقومان على هيكل واحد من الكاف والفاء: في ك-ف-ف معنى الجمع والاحتواء، وفي كيفا معنى الثبات، فإذا التقيا خرج منهما معنى الجماعة القائمة على أساس ثابت. وعلى هذا نفهم لقب الحواري وموقعه في الجماعة، وإليه تتصل صورة بطرس في الروايات الأبيونية التي تحفظ، كما تقدم، اعتراضاً على بولس وسلطته.
ثم ننظر في البيئة العراقية التي نشأت فيها الكوفة سنة 17 هجرية / 638 ميلادية، على مقربة من الحيرة، يفصل بينهما نحو ثلاثة كيلومترات في التقدير المذكور هنا. وكانت الحيرة عاصمة اللخميين، ومركزاً من مراكز المسيحية السريانية والأديرة التي نعرضها في الفصل التاسع، وكانت أرض السواد قد عرفت الآرامية والسريانية قبل الإسلام بقرون. فلما جاء الجيل التالي صارت الكوفة مركزاً لعلوم القرآن واللغة والنحو والفقه. وفي اتصال البيئتين نقرأ كيف انتقلت الألفاظ والمعرفة من إحداهما إلى الأخرى.
وقد اختلف أهل اللغة في اسم الكوفة: فقال بعضهم إنها الكثيب المستدير، وقال آخرون إنها التلة التي أُقيم عليها المسجد، وقيل سُمّيت بذلك لتكوّف الناس فيها، أي اجتماعهم. واقتُرح أيضاً أن الاسم متصل بالآرامية كيفا، أي الصخرة. ونحن نقرأ الاسم على هذا الوجه الأخير، لأنه يجمع ما قبله: فالهيكل واحد، والمعنى جماعة اجتمعت على أساس ثابت، والمدينة مدينة قراءة وعلم نشأت بجوار مركز آرامي مسيحي قديم، فانتقلت المعرفة بين أجيال تعاقبت على الأرض نفسها.
وهكذا تلتقي حروف واحدة في ثلاثة ألفاظ. فـ«كيفا» هي الصخرة التي قال المسيح إنه يبني عليها جماعته، وهي في الإنجيل السرياني اسم لبطرس وللصخرة معاً (متى ١٦: ١٨). و«الكوفة» قال اللغويون إنها سُمّيت لتكوّف الناس فيها، أي اجتماعهم. و«الكافّة» في العربية الجماعة، وفي القرآن ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ﴾ (سبأ: ٢٨). والحركات بين الكاف والفاء تتبدّل من لهجة إلى لهجة ومن زمن إلى زمن، لكن الهيكل يبقى ويبقى معه معناه: جماعة تقوم على أساس ثابت. فنحن نرى في هذه الألفاظ الثلاثة خيطاً يصل جماعة المسيح بالرسالة التي جاءت للناس كافة، وقد قامت الكوفة بجوار الحيرة التي حفظت المسيحية الآرامية.
بيت لحم ولَخْم: اسمان لمسارين
وننتقل إلى اسمين يتصل أحدهما بالرواية الإنجيلية والآخر بالمسيحية العربية. أولهما بيت لحم، المدينة المعروفة في فلسطين، ويُفسر اسمها العبري ببيت الخبز أو الطعام. وقد ارتبطت في الرواية الكنسية بميلاد يسوع، فصار الاسم من أشهر علامات السيرة.
والثاني لخم، القبيلة العربية التي أقام ملوكها دولة الحيرة، وعُرفوا باللخميين (Lakhmids). ونحن نقارن ل-خ-م بل-ح-م على قراءتنا في الفصل الأول لأصل عربي أم، وعلى ما قدمناه من أن الحاء والخاء تلتقيان في الرسم العبري وتتمايزان في العربية. فمادة لخم في العربية فيها معنى التوغل والاشتباك، ومادة لحم في العبرية فيها معنى الخبز. وقد يكون وراء الصيغتين أصلان متمايزان حفظت العربية الفرق بينهما، وقد يكون وراءهما أصل واحد تفرعت دلالته في الألسنة، وما قدمناه عن العربية وأخواتها يحتمل الوجهين كليهما.
والذي يهمنا من هذه المقارنة أنها تجمع اسم موضع الميلاد في الرواية الفلسطينية إلى اسم القبيلة التي كان لها أثر كبير في المسيحية العربية. فهل يقف التقارب بينهما عند اللفظ، أم يتصل بتاريخ خبر انتقل بين مجالين مسيحيين؟ وننظر في هذا السؤال من جهة صلته بالحيرة وبالذاكرة السامية، ومن جهة ما يضيفه التاريخ إلى المقارنة اللغوية.
نبونيد ونبو: النبي الذي رفعه الإله
اسم الملك Nabû-nāʾid جملة اسمية، تترجمها المراجع «نبو ممجَّد». ونحن نقرأ فيه، كما قدمنا في الفصل الثاني، معنى المنبئ المرفوع: فنبو يقابل مادة ن-ب-ء، وهي مادة النبأ والإعلان، ونائد من التمجيد والرفعة. ثم إن صلاة قمران تطلب تمجيد الله، فيلتقي هذا الطلب بمعنى الاسم، ويجتمع في اسم الملك وفي خبره معاً معنى النبوة والرفعة.
على أن نبو نفسه كان جزءاً من الحياة الدينية الرسمية في بابل، فلا يصح أن نصوّره خارج المؤسسة في مواجهة مردوخ. وإنما يتميز نبونيد بالمكانة العليا التي منحها سين في نقوشه، وبما رافق سياسته من صراع على السلطة وعلى المرجعية الدينية. فالذي نقرؤه هو ملك أعاد ترتيب مركز الدين، فأثار معارضة تركت أثرها في الأخبار التي كُتبت عنه. ثم انتهى ملكه حين دخل كورش بابل سنة ٥٣٩ ق.م، وهذا حدث ينبغي أن نميزه من الأحكام العقدية التي صاغها خصومه.
والدراسات الأكدية تقرأ صيغة Nabû-naʾid بمعنى تعظيم نابو أو تمجيده. أما نحن فنقرأ وراء الصورة التي وصلتنا نطقاً ودلالة أقرب إلى اللسان العربي القديم، هي «النبي المعظّم». وهذه قراءة عروبية للاسم نضعها إلى جانب ترجمته الأكدية المعروفة.
أبيون والمساكين: الفقر كفضيلة عقدية وكنيسة الفقراء المنسية
وكلمة أبيون في العبرية، אביון (إِڤيون)، معناها الفقير المحتاج، ومنها ننتقل إلى معنى المسكين في العربية، من س-ك-ن. والذي يجمع الاسمين في قراءتنا هو ما قد يصحب الفقر من انكسار وافتقار إلى الله، ومن ترك للكبر وللتعلق بما في اليد. فالفقر حاجة مادية، وهو إلى جانبها موقف روحي يتخذه الإنسان من نفسه ومن مولاه، وهذا الجانب الروحي هو الذي يمتد في تراث الأنبياء وجماعاتهم.
ونرى في اسم الأبيونيين تعبيراً عن هذا الاختيار الديني للفقر. فهم الجماعات التي حفظت المسيح بشراً نبياً، ورفضت تأليهه، وربطت الوفاء بتعليمه بالتخلي عن التعلق بالثروة والسلطان. ونحن نصل جذور هذه الصورة بكنيسة أورشليم التي قادها يعقوب البار (James the Just)، المعروف بقرابته من صاحب السيرة المسيحية، وبما يسمى كنيسة الفقراء (Church of the Poor). ففي أعمال 4: 32 نقرأ: «وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة، ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً»، وفي أعمال 2: 45: «والممتلكات والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج». ويحفظ هيغيسيبوس، فيما نقله عنه يوسابيوس في تاريخ الكنيسة 2: 23، صورة يعقوب وقد خشنت ركبتاه كركبتي الجمل من طول الصلاة. وقد قُتل يعقوب سنة 62 ميلادية في الصراع مع كهنة أورشليم. فهذه الأخبار تحفظ صورة من التقشف والخدمة والتعبد، نقرؤها في أصل الجماعة وميراثها.
ورسائل بولس نفسها تشهد بمكان الفقراء في جماعة أورشليم. فقد جمع لهم المعونات من جماعات الأمم، كما في 1 كورنثوس 16: 1، و2 كورنثوس 8: 1-4، ورومية 15: 25-26، وتذكر أخباره صلة كنائس كورنثوس ورومية وفيلبي ومكدونية بهذه المعونة. ولما روى لقاءه بيعقوب وصفا، أي بطرس، ويوحنا، وكيف وافقوا على رسالته إلى الأمم، قال: «غير أن نذكر الفقراء، وهذا عينه كنت اعتنيت أن أفعله» (غلاطية 2: 10). فهذا الطلب يدل عندنا على أن الفقر ورعاية المحتاجين كانا في مركز هوية الجماعة، وقد بقي ذلك ظاهراً في رسائل بولس، على ما بينه وبين الجماعة من خلافات يتناولها الكتاب.
ولهذه الممارسة أصل في التعليم الذي تحفظه الأناجيل. فلوقا يورد «طوبى للمساكين فإن لهم ملكوت الله» (٦: ٢٠)، ومتى يورد «طوبى للمساكين بالروح» (٥: ٣). ورأى باحثون في المصدر Q أن صيغة لوقا أقرب إلى الأصل الآرامي أو السرياني، وأن إضافة «بالروح» وسّعت التلقي فتجاوزت به المعنى الاجتماعي المباشر. ومهما يكن من أمر الصيغتين، فنحن نقرأ الذاكرة الأبيونية متمسكة بالفقر عملاً وبشارة معاً. ويؤكد هذا الجانب قول لوقا «ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم» (6: 24)، وخبر الشاب الغني الذي قيل له «اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، ثم تعال اتبعني» (مرقس 10: 21)، فلما انصرف حزيناً جاء التعليق: «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!» (مرقس 10: 23). فهذه الأقوال تجعل علاقة الإنسان بالمال جزءاً من سلوكه الديني نفسه، ونحن نرى أن الأبيونيين حفظوا هذا الوجه من التعليم وعاشوا به.
ثم اتسع الفرق بين صورة جماعة أورشليم الفقيرة وصورة الكنيسة التي اتصلت بالبلاط الإمبراطوري. فلما انتقل مركز النفوذ إلى روما، ومضى الزمن من يعقوب إلى قسطنطين، تراكمت عند رجال الكنيسة الثروة والضياع والقصور والخدم، وبقي في الإنجيل القول «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (متى 8: 20). وقد عاد الاعتراض فتجدد من داخل المسيحية. ففي القرن الثاني عشر دعا بطرس فالدو (Peter Waldo) وأتباعه الفالدنسيون إلى بيع المال وإلى الفقر الإنجيلي، فحُكم عليهم بالهرطقة وطوردوا في الألب. وفي مطلع الثالث عشر ترك فرنسيس الأسيزي (Francis of Assisi) ميراث أبيه التاجر، وعاش مع الفقراء والمرضى، ثم وجدت حركته موضعاً في النظام الرهباني بموافقة إنوكنتيوس الثالث. فلما جاء الرابع عشر اشتد الخلاف مع الفرنسيسكان الروحانيين حول القول إن المسيح وحوارييه لم يملكوا شيئاً، حتى أصدر يوحنا الثاني والعشرون سنة 1323 المرسوم Cum inter nonnullos يرفض فيه هذا التعليم. ونحن نرى في هذه الحركات عودة متكررة إلى صورة الفقر الأولى، ونرى ما قوبلت به يتفاوت بين القمع والاحتواء.
وهذا التاريخ يضعنا أمام سؤال الوفاء لصورة المسيح في التعليم والممارسة: أي الصورتين أقرب إليه، جماعة تعيش الفقر كما فهمته من الإنجيل، أم مؤسسة اتصلت بالغنى والسلطان؟ ونحن نقرأ في عودة فالدو وفرنسيس والروحانيين إلى الفقر دليلاً على أن هذا السؤال بقي في ضمير المسيحية نفسها. ولهذا كانت للأبيونيين قيمتهم في كتابنا، فنحن نراهم من أقرب الجماعات إلى أصل التعليم، والمؤسسة التي غلبت هذا التعليم هي التي وصمتهم بعد ذلك بالهرطقة. ونريد أن ينظر القارئ المسيحي هو أيضاً في هذا الميراث، وفيما تقوله حياة الجماعات عن معنى الرسالة التي تنتسب إليها.
ويمتد هذا السؤال إلى عصرنا. ففي سنة ١٩٧١ نشر الكاهن البيروفي غوستافو غوتييريث «لاهوت التحرير»، وقال إن الإنجيل يُفهم من جهة الفقراء. واغتيل رئيس الأساقفة أوسكار روميرو في السلفادور يوم ٢٤ آذار ١٩٨٠ وهو يقيم القداس، بعد أن وقف مع الفلاحين المضطهدين. وقال البابا فرنسيس في ١٦ آذار ٢٠١٣، بعد أيام من انتخابه: «آه، كم أودّ كنيسة فقيرة وللفقراء!». فالسؤال الذي حمله فقراء أورشليم الأوائل ما زال حياً في ضمير المسيحية نفسها.
ويعود هذا المعنى في الإسلام. فقد روى الترمذي (٢٣٥٢) وابن ماجه (٤١٢٦) دعاء «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين»، واختلف المحدّثون في درجته: فقال الترمذي «غريب»، وصحّح الحاكم والألباني الدعاء نفسه. وكان أهل الصفة، وهم من فقراء المهاجرين، يأوون إلى صفة المسجد النبوي، فكانوا في قلب الجماعة. فالفقر هنا مقام في القلب، وليس عوزاً يُطلب.
فإذا تكلم أهل السلوك عن الفقر فقد يعنون به الافتقار إلى الله، وهذا يجتمع مع امتلاك المال ومع ولاية الحكم. ولذلك لا يقف لقب «الفقراء» تلقائياً في مقابل الملك، وليس كل لقب نسكي وصفاً لحالة اقتصادية. وإنما المقصود صورة الإنسان الذي لا يرى لنفسه استقلالاً عن مولاه.
الحمد والبشارة: معنى الاسم
ونصل الآن إلى معنى الحمد في الاسم والبشارة، وهو من أوثق مباحث هذا الفصل صلةً بموضوع الكتاب.
والأقوال تصلنا عبر نصوص يونانية وسريانية وغيرها، ولهذا كانت للمقارنة السامية هنا قيمتها: فهي ترد العبارة إلى اللسان الذي قيلت فيه، وتبين ما كان اللفظ يحمله من معنى قبل أن يُترجم.
فالقرآن يذكر على لسان عيسى ﵇ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (الصف 6). وهذه العبارة تدفعنا إلى سؤالين: ما المعنى الذي حملته البشارة في لسانها الأول؟ وما الألفاظ الآرامية أو السريانية التي يمكن أن نقارنها بأحمد؟
وحين نقارن ألفاظ الحمد والرغبة والمحبة في العربية والعبرية والآرامية، نقرأ كل جذر في سياق العبارة التي ورد فيها. فالجذر חמד (ح-م-د) في العبرية يدور على الرغبة والاشتهاء والشيء النفيس، أي على ما تتعلق به النفوس وتحمده، كما في «مشتهى كل الأمم» (حجي ٢: ٧). ومن هذا الحقل نقرأ اسم «أحمد» صفةً لمن تتجه إليه الرغبة ويجتمع عليه الحمد.
أما «أحمد» في قراءة هذا الكتاب فاسم يحمل صفة: هو الذي تجتمع فيه معاني الحمد والكمال، ويتمم ما جاء قبله. ونحن نبني هذا الفهم على معنى البشارة وعلى الدور الذي تشير إليه، ولو لم يحتفظ كل نص منقول بلفظ عربي مطابق.
وقد حفظ ابن إسحاق في السيرة نص يوحنا عن المعزي كما بلغه بالسريانية، وفيه لفظ «المنحمنا»، ففسّره بمحمد ﷺ، وذكر أنه بالرومية البرقليطس. وبيّن ألفرد غيوم أن هذا النص مأخوذ من الترجمة السريانية الفلسطينية للأناجيل (Al-Andalus 15، 1950). فالبشارة إذن قُرئت بمعنى الحمد في أقدم كتب السيرة. والكتاب يصل البارقليط بمعنى الحمد، مستنداً إلى معنى البشارة وإلى هذا التلقي المبكر، مع أن المخطوطات اليونانية المحفوظة تكتب «البارقليط» بمعنى المعين أو المعزي.
معجمٌ ليتورجيٌّ ساميٌّ مُشترَك: وحدةُ اللسان النبويّ لا اقتراضٌ كَنَسيّ
وإلى جانب هذه التَشابهات في الأسماء طبقةٌ أخرى من التَطابقات يَحسُن أن نُنبّه عليها، هي المعجم الليتورجيّ-التَوحيديّ المُشترَك بين القرآن الكريم والسريانيّة الكَنَسيّة المُبَكِّرة. فقد لاحظت الدراسات السامِيّة المقارنة منذ زمن جذوراً مشتركة بين اللسانين (صلاة/ܨܠܘܬܐ (صْلوتا)، صَوم/ܨܘܡܐ (صَوما)، زكاة/ܙܟܘܬܐ (زَخوتا)، قرآن/ܩܪܝܢܐ (قِريانا) بمعنى القراءة الليتورجيّة)، وتَتعدّد المُحاذيات وراءها في مصطلحاتٍ قُرآنيّة جوهريّة:
وحين نقارن السريانية بالعربية نقرأ «سورة» مع «شورا» السريانية، ومعناها في السريانية السور والحائط. والطبري يجعل السورة منزلة من منازل الارتفاع، ويرى أن منه سور المدينة، سُمّي بذلك لارتفاعه على ما يحويه. فالمقارنة إذا اتسعت دلّتنا على العلاقة، متى حددنا اللفظ والجملة التي ورد فيها.
ونحن نقرأ هذا المعجم راجعاً إلى أصل واحد، هو التراث النبوي السامي. فالفرقان والسكينة والرحمن والكلمة والصلاة والصوم والزكاة ألفاظ تتصل بحياة أمم توارثت العبادة، من إبراهيم وموسى وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ﵈ إلى محمد ﷺ. وقد حملتها الكنائس في جملة ما ورثته، لكن معناها أقدم من الصياغة الإمبراطورية التي تكونت بعد بولس ونيقية. فالتشابه بين اللسانين قرابة في ميراث النبوة، ولذلك نفرّق بين تاريخ المفردة وتاريخ المذهب الذي استعملها.
فإذا ورد الفرقان والسكينة والرحمن في القرآن فهمنا ذلك استعادةً لمعجم التوحيد في اللسان العربي. فقد حملت الجماعات المسيحية المبكرة هذا الميراث، ثم تفرقت به المدارس التي عُرفت بالنساطرة والموارنة واليعاقبة والأبيونيين، وحفظ المندائيون في تقليدهم ألفاظهم القريبة منه. وبقي المعجم مشتركاً على اختلاف التصورات اللاهوتية، حتى جاء القرآن فأعاد وضعه في معنى التوحيد الخالص. فالذي نقارنه إذن هو اللفظ، وما جرى لدلالته خلال هذا التاريخ.
والقرآن يقرر أن أصل الرسالة مستمر، في قوله ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ (الشورى ١٣). فإذا كانت الرسالة واحدة صارت الألفاظ المتقاربة شواهد على ميراث نبوي مشترك، ونحن نقرأ الإسلام عودةً إلى المنبع الذي حفظت المسيحية الأولى جوانب منه. وقد تركت الصياغات البولسية والنيقية أثرها في معاني الكلمات، ونرى في القرآن ما يعيد وصلها بأصلها التوحيدي.
إشارة: خيط التأليه التدريجي
والألفاظ التي عرضناها، من الحواريين والأنصار إلى كيفا والكفاء، والحميد والأحمد، تقودنا إلى سؤال: كيف تحولت العقيدة وبقيت لغة الميراث؟ ونحن نرى أن التأليه تكوّن على مراحل، بدأت برسائل بولس، ثم مرّت بطبقات الروايات الإنجيلية، حتى اكتسب صيغة رسمية في نيقية. وسنفصّل ذلك في الفصل الحادي عشر، حين نقابل بولس بمرقس ومتى ولوقا ويوحنا، ليرى القارئ كيف تتصل المقارنة اللفظية بتاريخ الصورة الدينية.
الأبيونيون والحرانيون: قانون البقاء تحت الضغط
وحين تضيق المؤسسة الغالبة بتعليم موروث، قد يحفظ هذا التعليم بقاءه في جماعات صغيرة. فتتغير أسماء أهله، وتتبدل مواضع إقامتهم وطرق تعبيرهم، ثم يظهر المعنى في سياق جديد. وفي خبر الأبيونيين وخبر الحرانيين مثالان على ذلك.
فأما الأبيونيون فتذكر المصادر عنهم أنهم آمنوا بالمسيح نبياً بشراً من بني إسرائيل، وتمسكوا بالشريعة، ورفضوا سلطة بولس ورسائله. ثم أُدخلوا منذ القرن الثاني في تصنيفات الهرطقة، فاستُبعدوا وواجهوا تنظيماً مضاداً، وانحسرت أخبارهم مع اتجاه جماعات إلى الأردن وجزيرة العرب. ونحن نقف عند ما بقي من معانيهم في البيئة التي سبقت الإسلام وفي مصادره المبكرة، وهو بشرية عيسى ﵇، ولزوم الشريعة، والاعتراض على ما تغير من الرسالة. فبهذا التشابه نتتبع الذاكرة حين يغيب أصحابها عن السجل الرسمي.
وأما الحرانيون، ورثة جانب من الحكمة الكلدية والبابلية، فتروي الأخبار أنهم واجهوا سؤال هويتهم الدينية في عهد المأمون، نحو عام 830 ميلادية، فانتسبوا إلى اسم الصابئة المذكور في القرآن، واتخذوا منه وضعاً يحفظون به تقليدهم. فالرواية تدل على أن الاسم كان له أثر في بقاء الجماعة وفي مكانها القانوني. ومن هذا الوسط خرج ثابت بن قرة، الذي شارك في نقل الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية، وأسهم في حفظ الرياضيات والفلك والطب وفي تطوير درسها في العصر العباسي.
ففي الحالتين وجد ميراث ديني أو فكري سبيلاً إلى البقاء تحت ضغط السلطة. فنحن نرى في التعليم الأبيوني بقية من الحق الذي يقرره القرآن عن المسيح، حفظتها الجماعة حتى جاء القرآن فأظهرها، ونرى في انتساب الحرانيين إلى الصابئة طريقاً سلكوه لحماية جماعتهم. والآلية مختلفة في الحالتين: هنا معنى يستمر، وهناك اسم يُتخذ. لكن السؤال الذي يجمعهما واحد: كيف تحافظ الجماعات على ما تعدّه جوهر تراثها؟
الخلاصة: الألفاظ ليست صدفة
فإذا تشابه لفظان من لسانين وزنّا بينهما ثلاثة أوجه: أن يكون لهما أصل مشترك، أو أن يكون اللفظ قد انتقل من لغة إلى أخرى، أو أن يكون التشابه مصادفة في الصوت. والذي يعيّن الوجه ثلاثة أمور: انتظام المقابلة، ومعنى الكلمة، وتاريخ استعمالها؛ فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في مقارنة واحدة بعدت عنها المصادفة. والاقتراض نفسه يدلنا على صلات بين الجماعات، كما يدلنا الأصل المشترك على قدم الميراث. وحين نجمع المقارنات التي عرضناها نقرأ فيها تياراً توحيدياً سامياً امتد في ألسنة متعددة، وترك في ألفاظها آثاراً نتتبع بها ما تقارب من تعاليمها وما افترق.
وننظر في الفصل التالي في الأحرف الأربعة INRI التي على الصليب: نبدأ بمعناها المعروف في اللاتينية وبالنص الذي ترد إليه، ثم ننتقل إلى الأسماء والألقاب التي تتضمنها، وإلى صلتها بسؤال الهوية في الكتاب.
التَوراةُ: نورُ «و-ر-ي» ومِيراثُ «و-ر-ث»
وإذا طُبِّق قانونُ هذا الفصلِ على اسمِ الكِتابِ الأوّلِ نفسِه، بانَ فيه ما لم يَبِن. فالعِبريّةُ تَكتُبُ التَوراة תּוֹרָה (تُوراه)، ويَرُدُّها المُعجَمُ العِبريُّ المُعتَمَدُ إلى الجِذر י-ר-ה (ي-ر-ه)، ومَعناه الرَميُ والإصابة، ثمّ صارَ في صيغةِ الهِفعيل הוֹרָה (هُوراه) بمَعنى «عَلَّمَ ودَلَّ»؛ فالتَوراةُ على هذا «التَعليم».
وقد وصل باحثون معاصرون، منهم الدكتور محمد مصطفى منصور، «التوراة» بـ«التراث»، والتوراة نفسها تقرن بين الاسمين في قولها: תּוֹרָה צִוָּה־לָנוּ מֹשֶׁה מוֹרָשָׁה קְהִלַּת יַעֲקֹב (توراه صِوّاه لانو موشيه، موراشاه قهِلّات يعقوب)، أي «أوصانا موسى بتوراة، ميراثاً لجماعة يعقوب» (التثنية ٣٣: ٤). فالتراث من و-ر-ث، ويقابله في العبرية י-ר-שׁ، ي-ر-ش، بمعنى ورث، ومنه יְרֻשָּׁה (يِروشّاه)، يرشاه، أي الميراث، ومنه أيضاً «موراشاه» في الآية نفسها. غير أننا نقدّم في اسم תּוֹרָה (توراه) معنى «ورى»، وهو قول جمهور أهل العربية: فهو من وارى الشيء إذا ستره، ومن ورى الزند إذا أخرج ناره. فالتوراة على هذا نور كان مستوراً ثم ظهر، ﴿فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ﴾، وهي في الوقت نفسه ميراث الجماعة التي حملتها.
والمقارنة مع العربية هي التي تفتح لنا هذا الوجه، بالجذر و-ر-ي، ومنه إيراء النار وإيقادها. فتبادل الواو والياء في مطالع الجذور السامية معروف، ومن أمثلته «ولد» والعبرية יָלַד (يالَد). وعن طريق هذا التبادل يتصل حقل الإيراء والإضاءة باسم التوراة، إلى جانب تفسيره المعجمي بالتعليم والإرشاد. والمعنيان متقاربان، لأن التعليم إراءة للطريق. ويشهد القرآن لهذا الحقل حين يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (الواقعة: ٧١).
فنحن نقرأ التوراة على هذا الوجه نوراً يوقد ويهدي، ويضيء للإنسان سبيله، وهو ما يوافق وصف القرآن: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٤). وهكذا تلتقي في قراءتنا المقارنة اللسانية والدلالة القرآنية، فيحمل الاسم الواحد معنيين معاً: التعليم والإنارة.
عائلةُ الرجوع: ع-و-د، هـ-و-د، ح-و-ر
وفي العربية ثلاثة جذور تدور على معاني الرجوع: ع-و-د، وهـ-و-د، وح-و-ر. والواو باقية في وسطها، وإنما يتغير الحرف الأول أو الأخير. وهذا الجوار في المعنى يدعونا إلى أن نفكر في العودة والهداية والتوبة معاً، من غير أن نجعل الجذور الثلاثة اشتقاقاً واحداً.
وهذه الجذور تتصل بمفاتيح الكتاب. فالعودة التي في عنوانه من ع-و-د، و«الذين هادوا» من هـ-و-د، أي رجعوا وتابوا، كما في ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦)، والحواريون يتصلون في أحد الوجوه بح-و-ر، ومنه ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤). ثم نضع هذا المجال في مقابل معنى القطع والبتر في ج-ز-ر، وقد مر بنا. فتجتمع في قراءتنا صورتان: صورة التفرق عن الأصل، وصورة الرجوع إليه. والعودة على هذا أن تُستأنف الصلة بالهداية التي حفظتها الرسالات، وهذا هو الوجه الجامع الذي نرى فيه الوحي الخاتم داعياً الإنسان إلى الرجوع.
الفصل ٨ ـ INRI: الحقيقة المكتوبة على الصليب
لافِتةُ الاتّهام وشَهادةُ المُوَحِّدين
يروي إنجيل يوحنا أن عنواناً كُتب فوق الصليب بلغات ثلاث، ثم عبّر عنه التقليد اللاتيني بعد ذلك باختصار INRI. فالذي بين أيدينا خبر يرويه إنجيل، وصورة دينية لها تاريخ؛ أما الخشبة الأصلية والعبارة التي كُتبت عليها فلا نملك منهما شيئاً نفحصه مستقلاً عن هذا الخبر.
قد تبقى صورة الرجل على حالها، ويتغير ما يفهمه الناس منها. وذلك ما نقرؤه في صورة المصلوب: اجتمع فيها اللقب والدم والصليب حتى صارت لغة دينية كاملة، ثم حملت هذه اللغة معاني جاوزت حياة صاحبها، فصار المؤمن يخاطب ربه من خلالها.
والصورة التي ألفها الفن المسيحي معروفة: رجل معلق على الصليب، فوق رأسه عنوان ملكي، ومن حوله مؤمنون. ومن هذه الصورة نبدأ، لأن القرون تناقلتها وعاش الناس معها، وإن كانت تفاصيل الصلبان المتأخرة لا ترجع كلها إلى عصر واحد.
أما أن صاحب الرسالة ملك فأمر مسلَّم، فعيسى ﵇ عندنا نبي وملك. والذي نعترض عليه أن يتحول شخص الرجل وصورته إلى موضوع للإيمان، فيُحجب بهما معنى رسالته، ثم يُفرض هذا الإيمان على الناس.
وهنا يحضرنا الحديث: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتبا كان أو غير كاتب» (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). ونحن نقرؤه على أساس الفرق بين أن يعرف المرء الحروف، وأن يعرف العقيدة التي تحملها الصورة. فالمؤمن، على هذا الفهم، قد يجهل اللاتينية ويعرف مع ذلك أين الخلل: يرى رجلاً من البشر، ثم يجد أن الألوهية قد أضيفت إليه. ومن قوله «كاتبا كان أو غير كاتب» ندخل إلى هذه القراءة القلبية.
اللافتة في سياقها الرومانيّ
وحروف INRI أوائل الكلمات اللاتينية Iesus Nazarenus Rex Iudaeorum، ومعناها «يسوع الناصري ملك اليهود». هذا ما يقوله النص. فإذا وصلنا العلامة بوصف الدجال، كما نقترح، فإنما نقارن الصورة والعنوان بتلك العلامة في الوظيفة التي يؤديانها، ولا نترجم هذه الحروف إلى كلمة «كافر».
ثم جاء قسطنطين، فدخلت المسيحية النيقاوية بعده في صميم الدولة الرومانية، وصارت صورة المصلوب حاضرة فوق المذابح وفي البيوت. وما أعجب ما انتهى إليه الأمر! فالرجل الذي أدانته السلطة الرومانية صار محور الإيمان الذي ترعاه سلطة رومانية. وبقي العنوان الملكي فوق الصورة، يقرؤه المؤمن الجديد بعين عقيدته، ويرى فيه الموحد شاهداً على أن الرجل الذي أُلّه من بعده كان بشراً.
الحروف الأربعة: ماذا يحمل كل حرف
وفي INRI أربعة أحرف: I الأولى من Iesus، أي «يسوع»؛ وN من Nazarenus، أي «الناصري»؛ وR من Rex، أي «الملك»؛ وI الأخيرة من Iudaeorum، أي «اليهود». ووراء كل كلمة منها موضوع يتناوله الكتاب: فالأولى اسم الرجل، والثانية لقبه وما يعنيه، والثالثة ملكيته، والرابعة القوم الذين نُسب إليهم. لقد اعتاد الناس أن يروا العبارة علامة واحدة فوق الصليب، فحق لها أن تُقرأ كلمة كلمة.
شَهادةُ القَلب: قِراءَةٌ إيمانيّة لِلافِتة الصَليب
وعلامة الكفر، في القراءة التي نقدمها، أمر يتصل بالعقيدة التي تحملها الصورة: أتفتح للناظر طريقه إلى الله، أم تحجبه عنه؟ ولهذا نقارنها بالعلامة التي جاءت في أخبار الدجال. فالذي يصل بينهما عندنا هو المعنى، ولا نبحث في الاختصار اللاتيني عن حروف عربية مستترة.
وحين نفصل معنى الحروف عن دلالة الصورة، يصبح سؤالنا أوضح: ماذا يرى المؤمن في صورة ورثها، وأي عقيدة يتعرف إليها من خلالها؟
حديث الدجال: «مكتوب بين عينيه كافر»
جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال: «مكتوب بين عينيه كافر»، رواه البخاري في كتاب الفتن برقم 7131، ورواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم 2933. وزاد في رواية أخرى عند مسلم: «يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب». ثم فسّرها في رواية ثالثة بقوله: «ثم تهجّاها: ك ف ر».
وأهم ما في الحديث عندنا قوله «يقرؤه كل مؤمن، كاتبا كان أو غير كاتب»؛ لأن القراءة هنا يقيسها الإيمان، فيستوي فيها من يعرف الحرف ومن يجهله. فالمؤمن يعرف الفتنة قبل أن يقرأ العلامة المكتوبة، ثم يأتي ما يراه بعينه موافقاً لما أدركه بعقيدته.
ثم إن العنوان في خبر الصليب يقع فوق الرأس، والعلامة في روايات الدجال تقع بين العينين. فكلتاهما في أعلى الصورة، يراها كل من نظر، وكلتاهما علامة يُعرف بها موضع الفتنة.
ولا يعني هذا أن يسوع الناصري نفسه دجال. فنحن نراه رجلاً صالحاً، حُمّلت صورته من بعده بناءً عقدياً لم يصنع هو جميع عناصره. والذي ننقده هو ما رُكّب على اسمه، ومن الإنصاف أن نفصل بين الرجل والمصير الذي صار إليه تراثه.
ملك اليهود: لقب الدجال المعكوس
أما Rex فمعناها «الملك». ولما كنا نقرأ سيرة عيسى ﵇ في سيرة نبونيد الملك، فإن الملكية في ذاتها لا ننكرها. إنما ننظر فيما أضيف إلى الصورة من مقام إلهي، وفي اللقب كيف انتقل من خبر يُروى عن رجل إلى جزء من الإيمان الذي تقرر فيه.
وقد جرى هذا التحول، كما يراه الكتاب، في رومة. وهذا تعيين من الكتاب لا يُنسب إلى الحديث، لأن روايات الحديث تتجه إلى المشرق. فلما تبنت الإمبراطورية العقيدة النيقاوية، صار يسوع في إيمانها إلها ومخلصا وملكا للكون، فإذا الرجل الذي صلبته السلطة الرومانية يُعبد في ظلها بعد ثلاثة قرون. ولذلك اختلف معنى Rex بين مشهد المحاكمة في القرن الأول ومشهد العبادة في القرن الرابع: بقي لقب الملك كما هو، لكنه انتقل من الاستهزاء برجل محكوم عليه إلى تعظيم صورة تتبناها الدولة.
الصورة والتحذير من الفتنة
فالصورة إذن باب ندخل منه إلى تاريخ العقيدة. قد تحفظ ألماً بشرياً صادقاً، ثم تأتي أزمنة لاحقة فتقرأ هذا الألم بلغة الفداء والتجسد. وهذا الانتقال ينبغي أن يُتتبع في مواضعه واحداً واحداً، لأن من صنعوا الصور أو نظروا إليها لم يقصدوا كلهم معنى واحداً.
وفي هذا الانتقال نفهم لماذا جاء التحذير من الفتنة: فصورة المعلم قد تنتهي إلى أن تحجب تعليمه، حين تصير هي نفسها موضوع الإيمان. وتبقى عبارة اللافتة «يسوع الناصري ملك اليهود» شاهدة على أنه بشر، ثم يضيف إليها الناظر حكمه على العقيدة التي حملتها الصورة. هذا ما نقارن به أخبار الدجال، أما الرجل نفسه فنبقيه بمعزل عن البناء الذي أقيم على اسمه.
على أن الكنائس التي اختلفت في طبيعة المسيح لم تنقسم قسمة بسيطة إلى مؤلِّهة وموحِّدة؛ فقد أقر كثير منها بألوهيته، ثم اشتد خلافها في الكيفية التي اتحد بها اللاهوت والناسوت. لذلك نقرأ كل جماعة في ألفاظها هي، فيظهر لنا أين حفظت أثراً أقدم، وأين دخلت في البناء الذي ينتقده الكتاب.
ولنتصور مؤمناً يقف أمام صورة ألفها منذ طفولته، ثم يسأل نفسه: ما الذي تعنيه؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى حادثة استثنائية، فقد يبدأ البحث من أشد الأشياء ألفة، حين يرى فيه صاحبه لأول مرة فرقاً بين ما تدل عليه الصورة وما تعلم أن يعتقده فيها.
فالفكرة قد تستمد سلطانها من الصورة المقدسة التي تحملها، ومن طول الألفة التي تجعل السؤال عنها عسيراً، وهذا ما يفسر شدة التحذير من فتنة الدجال. وذلك ما جرى، في قراءتنا، لصورة المسيح: كانت وسيلة إلى الهداية، ثم صارت حجاباً دونها.
ويبقى يسوع الناصري في هذه القراءة شخصاً تاريخياً غير عيسى ﵇ الذي نقرأ سيرته في نبونيد. وإنما اختلطت الأخبار والصفات والهوية، فالمطلوب أن نصحح هذا الاختلاط، لا أن نتهم الرجل بأنه احتال على من جاء بعده.
الناصري: المنذور والناصر
والحرف N يرمز إلى Nazarenus، وهو اللقب الذي حمله يسوع في الأناجيل وفي عنوان الصليب، وبه يتصل السؤال عن اسم النصرانية. والتفسير الكنسي المألوف يرده إلى الناصرة في الجليل، لكن هذا التفسير نوقش من جهتين: من جهة تاريخ الموضع، ومن جهة الصيغة اللغوية للاسم، ولكل جهة منهما مادتها وأسئلتها.
ونحن نقرأ في «الناصري» معنيين تجمعهما حروفه، لا يغني أحدهما عن الآخر. فهو أولاً المنذور، لأنه من بيت قالت فيه امرأة عمران ﴿إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا﴾ (آل عمران: ٣٥)؛ ومن جذر النذر نفسه يأتي النذير الذي يُنذر قومه، والمنذور لله في العبرية נָזִיר (نازير). وهو ثانياً الناصر، كما في السؤال ﴿مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الذي أجاب عنه الحواريون ﴿نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: ٥٢)؛ ومن هذا الجذر جاء اسم النصارى واسم الناصرة، وفي العبرية נָצַר (ناصَر) بمعنى حفظ. ولسنا نزعم أننا نحيط بسر الاسم كله، وحسبنا أن نضع أيدينا على إشارات قريبة يتصل بعضها ببعض، لعل القارئ يجد فيها ما يضيء بصيرته.
ومتى نفسه يجعل اللقب نبوءة، فيقول: «وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء: إنه سيدعى ناصريا» (متى ٢: ٢٣). ولن يجد القارئ في أسفار الأنبياء آية بهذا اللفظ، فالإنجيلي إذن ينسب إلى «الأنبياء» جميعاً معنى يجده في كلامهم، لا عبارة بعينها. وقد رد الشراح قوله في الأغلب إلى موضعين: أولهما خبر شمشون: «لأن الصبي يكون نذيرا لله من البطن» (القضاة ١٣: ٥)، والكلمة في العبرية נְזִיר (نْزير)؛ والثاني نبوءة الغصن: «ويخرج قضيب من جذع يسى، وينبت غصن من أصوله» (إشعياء ١١: ١)، والغصن فيها נֵצֶר (نيصِر)، من جذر ن-ص-ر.
فإذا نظرنا في الموضعين اللذين يفسَّر بهما قول متى، وجدناهما معنيي اللقب كما نقرؤهما: المنذور من البطن، والناصر من جذر الحفظ والنصرة. أما البلدة فهي في الآية مكان سكن فيه، وأما اللقب فمنسوب إلى كلام الأنبياء.
الناصرة والناصري: المكان واللقب
وقد ذهب الباحث الأمريكي René Salm، في كتابه «أسطورة الناصرة» (The Myth of Nazareth: The Invented Town of Jesus، الصادر عام 2008، وتكملته NazarethGate: Quack Archeology, Holy Hoaxes, and the Invented Town of Jesus، الصادرة عام 2015)، إلى أن الموقع الذي يُعرف اليوم باسم الناصرة لم يكن مأهولاً في القرن الأول الميلادي، واحتجّ لذلك بالآثار. فقد راجع تقارير الحفريات المنشورة، ونظر في الفخار الذي يمكن تأريخه، وفي العملات، وفي أنماط المقابر (وأغلبها من الطراز القوسي kokh ومن الطراز الصخري الروماني المتأخر)، وفي البقايا المعمارية، فرأى أنها تدل كلها على استيطان يبدأ في أواخر القرن الأول أو أوائل الثاني، لا قبل ذلك. فلو صحّ ما انتهى إليه، لما أمكن أن يعني لقب «الناصري» «من الناصرة»، إذ لا يُنسب رجل إلى مدينة لم تكن قائمة في زمنه.
غير أن هذا التمييز لا يصح أن يُبنى على القول بأن الناصرة لم تكن موجودة في العصر الروماني المبكر. فقد نشرت ياردينا ألكسندر دراسة أثرية عن تاريخ الاستيطان في الناصرة تعرض فيها شواهد من أواخر العصر الهلنستي والعصر الروماني المبكر. والسؤال عن دلالة «الناصري» وعن انتقال اللقب يبقى قائماً مع هذه المادة الأثرية، فلا حاجة بنا إلى إنكارها.
وأمام هذه المادة تتعدد القراءات الممكنة. فقد تكون الناصرة قرية مغمورة لم ترَ المصادر ما يدعو إلى ذكرها. وقد يكون اسمها الأصلي غير «الناصرة»، ثم وُلد هذا الاسم من تصحيف لاحق. وقد يكون لقب «الناصري» في أصله نسبة دينية إلى وظيفة، لا نسبة إلى مكان، ثم أُسبلت عليها المدينة بعد ذلك.
المشكلة اللسانية: Nazōraios وليس Nazarēnos
أما المشكلة الثانية فأعمق من الأولى، وقد نبّه إليها عدد من الباحثين في لسانيات العهد الجديد، منهم Matthew Black في دراسته الكلاسيكية An Aramaic Approach to the Gospels and Acts (الطبعة الثالثة، 1967)، ومنهم George Howard في أبحاثه عن الخلفيات السامية للأناجيل. وخلاصتها أن الأناجيل اليونانية تصف يسوع بصيغتين مختلفتين: الأولى Ναζωραῖος (نازورايُوس) (Nazōraios)، وهي الأشيع، والثانية Ναζαρηνός (نازارينوس) (Nazarēnos)، وهي أقل ظهوراً. ولو كان اللقب نسبة إلى مدينة اسمها Ναζαρέτ (نازارِت) (Nazareth)، لكان المنتظر أن تُشتق منه صيغة «Nazarēnos» على القياس المعتاد في الصرف اليوناني حين يُنسب إلى المدن، كما يقولون Damaskēnos من Damaskos، وAntiokhēnos من Antiokheia. فكيف غلبت على الأناجيل الصيغة الأخرى؟
فالصيغة Nazōraios تعيدنا إلى السؤال عن أصل اللقب، وعن صلته بالنصرة والنذر والجماعة الدينية. وقد درس الباحثون صلتها بالناصرة، وصلتها بألفاظ سامية قريبة منها، ومنها «نازير»، أي المنذور أو المكرس. ونحن نقرأ في هذه الصيغة ذاكرة دينية للقب أوسع من النسبة إلى البلدة، وتبقى الناصرة مع ذلك موضعاً قائماً.
وفي هذا النقاش شهادة لإبيفانيوس السلاميسي Epiphanius of Salamis، في كتابه Panarion الذي ألفه في القرن الرابع الميلادي. فقد ذكر طائفة سماها «الناصاريين» Νασαραῖοι (ناسارايُوي) (Nasaraioi)، وقال إنها وُجدت قبل ميلاد يسوع، ووصفها جماعةً دينية لا أهلَ بلدة. فإذا قرأنا هذه الشهادة إلى جانب ما ناقشه Black من جهة اللسان، ترجح عندنا أن لقب «الناصري» كان يعني الانتساب إلى تقليد ديني سبق يسوع واستمر بعده.
ويُعَضِّد هذا أنّ العهدَ الجديد نفسَه يَستعمل «الناصريّ» اسماً لجماعةٍ، لا لفردٍ من بَلدة. ففي أعمال الرسل (٢٤: ٥) يُتَّهم بولس بأنّه «زعيمُ شيعة الناصريّين» (hairesis tōn Nazōraiōn)، وهذه تسميةُ فِرقةٍ كما يُنتظَر أن تُسمّى نِحلةٌ نذريّة، وليست نسبةً لأهل قريةٍ واحدة. ثمّ يَعضُده شاهدٌ صوتيّ: فاسمُ البلدة العبريّ «ناصرَت» (נצרת) (ناتسرَت) فيه صادٌ، وكان حقُّه أن يُكتب باليونانيّة بالسين (Nasar-)، غير أنّ الأناجيل تُثبت الزاي (Ναζ (ناز)-)، ومعها ألفٌ مقصورةٌ (-ω (أوميگا)-) لا أصلَ لها في «الناصرة». وهذه المُفارَقات بعينها يَحلّها ردُّ اللفظ إلى «نازير». ولا نَتجاهل الرأيَ المُخالف، فقد دافع هـ. هـ. شايدر (H. H. Schaeder) في «معجم العهد الجديد اللاهوتيّ» لكِتِّل (TDNT، IV: 874 وما بعدها) عن صحّة النسبة إلى الناصرة، واحتجّ لها بلهجة أهل الجليل. لكنّ المعنى النذريّ-«الحارس» بقي مستقلّاً في «ناصوريي» (Nāṣorāyē)، وهو لقبُ كهنة المندائيّين إلى اليوم، وهذا يدلّ على أنّ «الناصريّ» كان وصفاً دينيّاً قبل أن يُنسَب إلى قريةٍ جليليّة.
وهذه المسألة نجدها كذلك عند باحثين يخالفوننا في سائر البناء. فمارك لدزبارسكي، محقق النصوص المندائية، بحث اللقب في مقدمة «الليتورجيا المندائية» (١٩٢٠)، وانتهى من الجهة المندائية إلى أنه لا يُشتق من الناصرة. ثم أعاد هولغر كرستن الحجة نفسها في كتابه (ص٩٣ـ٩٤ من طبعة ١٩٨٦)، واستشهد لها بمعجم باور لليونانية الإنجيلية، مع أن بناءه يخالف بناء هذا الكتاب. والذي يهمنا من التقائنا بهم مسألة واحدة محددة: أنهم يجدون صعوبة في وصل اللقب بالبلدة. وسنتتبع في الفصل العاشر أثر هذا الفهم في صلة يسوع بالجماعة التي حمل اسمها.
فإذا تحدث القرآن عن «النصارى»، فهو يقصد أهل النذر والنصرة، كما في قوله تعالى في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ (الصف: 14). فهي نسبة إلى وظيفة في الدين، وليست نسبة إلى مكان.
النازير في قراءة الكتاب
فإذا قبلنا أن «Nazarenus» تعني في أصلها «المنذور المكرَّس لله»، وجدنا للقب أصلاً قديماً في التوراة. فقد كان النذر الديني، الذي يسميه التقليد العبري «النازير»، مؤسسةً عريقة ضاربة الجذور في التراث التوراتي، أفرد لها سفر العدد أحكاماً كاملة محددة الشروط والآداب، تمتد من الآية الأولى إلى الحادية والعشرين من الفصل ٦: تبيّن كيف يُعقد النذر، وما يمتنع عنه الناذر، وكيف يخرج منه، وما عليه من فدية إذا نقضه. وأكثر ما يتكرر في هذه المؤسسة أن يُنذر الطفل وهو في بطن أمه قبل أن يولد. هكذا كان شمشون في سفر القضاة 13:5، إذ يقول الملاك لامرأة مانوح: «فها إنك تحبلين وتلدين ابنا، ولا يعل موسى رأسه، لأن الصبي يكون نذيرا لله من البطن»، والموسى آلة الحلق. وهكذا كان صموئيل في 1صموئيل 1:11، فقد نذرته حنة لله قبل أن تحمل به.
والنمط نفسه نجده في القرآن الكريم، في قوله تعالى على لسان امرأة عمران حين حملت بمريم: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: 35). فقد نذرت امرأة عمران مريمَ لله وهي في بطنها قبل أن تلدها. وكلمة «محرَّراً» تعني المكرَّس المفصول لخدمة الله وحده، وهذا بعينه المعنى الحرفي الدقيق لكلمة «نازير» في أعماق اللغة العبرية. فمريم إذن نازيرة بنص القرآن، وابنها الذي ولدته يرث هذا الميثاق العائلي الذي عقدته أمها قبل أن تحمل بها.
ولما كنا نضع عيسى ابن مريم ﵇ في القرن السادس قبل الميلاد، فإن هذا النذر العائلي يزداد عندنا وزناً: أمه منذورة لله، وجدته هي التي عقدت النذر قبل أن تلدها. فلقب «نازير» يليق بهذا البيت، ونحن نقرأ في «الناصري» امتداداً لهذا المعنى الديني، ولا نحتاج في قراءتنا إلى أن نربطه ببلدة بعينها.
وفي الإصحاح السادس من سفر العدد يجد القارئ أحكام النذير: يمتنع عن الخمر ما دام في نذره، ويترك شعره فلا يحلقه، ويبتعد عن الميت. وقد كانت هذه الأحكام نواة امتدت في جماعات نسكية جاءت بعد ذلك، فجعلت التكريس طريقاً للحياة كلها. وهناك تلتقي أسماء النذر والنصرة والناصري في معنى واحد، هو الانقطاع لله ونصرة دينه.
وعند هذا المعنى نقترح صلة بين اسم عيسى ﵇ واسم العيسيين والإيسيين، وهي الجماعات التي نذرت نفسها لله. فإذا صحت هذه الصلة، ظهرت سيرة عيسى ﵇ حلقة في تقليد نذري طويل: نرى سوابقه في شمشون وصموئيل وحناء، ونرى مريم في قلبه، ثم نتتبع امتداده إلى جماعة قمران على ضفاف البحر الميت. ومن خلال هذه الجماعات نتتبع كيف انتقل الاسم والخبر معاً.
ما بقي من الاسم وما تغير في معناه
فالناصرة إذن موضع قائم، أما «الناصري» فلقب ديني دلالته أوسع من البلدة، إذ يجمع المنذور والناصر. وقد بقيت في هذا اللقب ذاكرة الجماعة التي حفظت النذر والنصرة، وبقي الموضع قائماً إلى جانبها.
وننتهي في هذا الفصل إلى أمر أساسي: قد يبقى الاسم وتبقى الصورة، ويتغير ما يُحمل عليهما من خبر وعقيدة. ثم ننتقل بعده إلى الجماعات التي حملت الأسماء والكتب من بلد إلى بلد، ففي مسارها، كما نقرؤه، يتبين كيف اجتمعت سيرة عيسى ﵇ القديمة بحياة يسوع اللاحقة.
لقد بقيت اللافتة، وتغيرت العيون التي تقرؤها. ففي خبر المحاكمة كانت تحمل معنى الاتهام والاستهزاء، ثم دخلت في صورة دينية يبجلها الناس. أما الموحد فيقرأ فيها أن الرجل بشر، ثم يسأل: كيف حملت صورة هذا البشر معنى الألوهية؟ فالحروف أمام الجميع واحدة، والخلاف كله في المعنى الذي يراه الناظر.
هذه هي الحقيقة التي نقرؤها على الصليب. فالحروف INRI تعلن «يسوع الناصري ملك اليهود»، أي رجلاً ولقبه وقومه، ثم يجد المؤمن أمامه عقيدة تجاوز كل ما تعلنه العبارة. والمسافة بين هذين المعنيين هي المسافة بين رسالة عيسى ﵇ وما صيغ بعد ذلك باسم المسيح، ولهذه المسافة اتخذنا المقابلة الأدبية بين «المسيح» و«المسيخ».
فإذا فهمنا الأمر على هذا الوجه، كان التحذير من الدجال متعلقاً أيضاً بتاريخ عاشه الناس، لا بمستقبل ينتظرونه وحده. فقد كانت الصورة والعلامة أمام أعينهم، وجاء الوحي المحمدي يرد أبصارهم إلى معنى الإيمان الذي تقاس به الصور. تلك هي الصلة التي نقترحها بين الذاكرة المسيحية والتحذير الإسلامي من الفتنة.
الفصل ٩ ـ الجغرافيا المسيحيّة العربيّة: جزيرة التوحيد، لا الوثنيّة وحدها
من نظر إلى جزيرة العرب قبل الإسلام فلم يرَ فيها إلا الوثنية، غابت عنه مساحة واسعة من تاريخها. فالنقوش، وما بقي من أخبار الممالك والقبائل، تدل على أن تياراً توحيدياً قوياً كان يجري فيها، وأن لها مؤسسات دينية مستقرة، وأنها كانت موصولة بالعراق والشام والحبشة. فإذا تتبعنا هذه المادة رأينا البيئة التي ظهرت فيها الدعوة المحمدية على نحو أكمل.
مملكة حِمْيَر والانقلاب الديني الموثق
وأوضح ما يكون هذا التحول في مملكة حمير. فقد بيّن كريستيان جوليان روبان (Christian Julien Robin)، من المعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، أن النقوش الوثنية اختفت منها نحو سنة 380م، وأن صيغاً توحيدية حلت محلها، منها «رب السماء والأرض، إله إسرائيل». ولهذه الشهادة وزنها في ألفاظها وفي مصدرها معاً، لأن الذي أصدرها مملكة قوية في جنوب الجزيرة، غيّرت لغة خطابها الرسمي قبل الإسلام بأكثر من مئتي سنة. فالتوحيد هنا دخل في سياسة الدولة، وبقي منقوشاً في الحجر الذي خلفته، فهو أرسخ من أن يُعد اعتقاداً هامشياً.
الغساسنة: حضارة مسيحية عربية كاملة
فإذا انتقلنا إلى أطراف الجزيرة الشمالية لقينا الغساسنة (Ghassanids)، وهم اتحاد قبلي عربي خرج من جنوب الجزيرة إلى بلاد الشام في القرن الثالث الميلادي، فاستقر في حوران والجولان وشرق الأردن. حملوا معهم صلاتهم العربية، ثم دخلوا في النظام البيزنطي حلفاء رسميين، أو «فويديراتي»، وتولوا حماية حدوده الشرقية. فعاشوا عرباً في حياتهم، ومسيحيين في مؤسساتهم، وكانت لهم داخل الإمبراطورية مكانة عسكرية.
وقد اختار الغساسنة مذهب الطبيعة الواحدة المتحدة (Miaphysite)، وهو مذهب يفهم طبيعة المسيح على أن الإلهي فيه اتحد بالبشري، فخالفوا بذلك المذهب الخلقيدوني الرسمي، ودفعوا ثمن هذا الاختيار في علاقتهم بالقسطنطينية. ففي عهد الحارث بن جبلة (Arethas، 529–569م)، زمنَ يوستينيان، عُيّن يعقوب البرادعي (Jacob Baradaeus) برعاية الملك أسقفاً متجولاً لأتباع هذا المذهب في المشرق. فأعاد يعقوب تنظيم الكنيسة، ورسم لها رجالها، حتى صارت تُسمى باسمه «اليعقوبية»، وهي المعروفة اليوم بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية. فكان لرعاية هؤلاء العرب أثر مباشر في بقاء هذه الكنيسة واستمرار مؤسساتها.
لكن هذا الخلاف ينبغي أن يُفهم بلغة أصحابه. فأنصار الطبيعة المتحدة وأنصار خلقيدونية كانوا جميعاً يقرون بألوهية المسيح، وإنما اختلفوا في الطريقة التي يعبّرون بها عن اتحاد اللاهوت بالناسوت؛ فلا نجعل المذهب الأول هو توحيد الأبيونيين نفسه. ومع ذلك نقرأ في لغته الروحية، وفي مقاومته للصيغة التي فرضتها الإمبراطورية، ما قد يحفظ ذاكرة شرقية أقدم. وهنا تقع المقارنة التي تعنينا، أما نصيب كل كنيسة من ذلك التراث فيُعرف من ألفاظها ومعانيها.
ومن أراد أن يرى ازدهار هذا العالم المسيحي العربي فلينظر إلى الرصافة، أو سرجيوبوليس، في بادية الشام. ففي مجمعها الكنسي، الذي يمتد عشرات الأمتار، تقوم بازليكا القديس سرجيوس، وتقوم إلى جانبها كاتدرائية الغساسنة المعروفة بـBuilding A، بأروقتها الثلاثة وحنيتها، وبما بقي من زخرفها الفسيفسائي وحجارتها البيضاء المنحوتة. وقد عُثر في الموقع على نقوش يونانية وسريانية تذكر ملوكاً غسانيين. ودرس إيرفان شاهد (Irfan Shahîd، ١٩٢٦–٢٠١٦)، من جامعة جورجتاون، دور العرب في هذا التاريخ، أولاً في «Rome and the Arabs» (١٩٨٤)، ثم في مجلدات «Byzantium and the Arabs» التي خصّ بها القرون الرابع والخامس والسادس، فأظهر أنهم شاركوا في سياسة بيزنطة الدينية والعسكرية والثقافية. ثم جاء غلين بورسوك (Glen Bowersock)، في «The Throne of Adulis» (2013)، فرسم الشبكة التي امتدت عبر البحر الأحمر بين الحبشة والجزيرة وساحل الشام. ففي هذه الطرق كانت التجارة تصحبها حركة دينية وثقافية، وكانت الأخبار والكتب تنتقل مع الناس.
التنوخيون: أول المسيحيين العرب المنظمين وثورة الملكة ماوية
وفي القبائل التنوخية نرى وجهاً آخر من وجوه المسيحية العربية المنظمة. فقد امتد نفوذ هذه القبائل في العراق والشام، وكان لها أساقفة، وعرفت حياة الجماعة الكنسية، وأقامت صلواتها على ترتيبها الليتورجي. فما يصلنا من أخبارها إنما هو أخبار مجتمع له مؤسساته الدينية، لا أفراد أخذوا اعتقاداً عابراً.
ومن أشهر أخبارها ثورة الملكة ماوية التنوخية (Queen Mavia / Māwiyya) سنة 378م. فقد رفضت الملكة العربية أن يُفرض على قبائلها أسقف آريوسي، وطلبت أسقفاً يتبع إيمان نيقية. فلما تعذر الاتفاق تحولت الخصومة إلى حرب، فاجتاحت جيوشها فلسطين وسيناء حتى بلغت حدود مصر. وهكذا صار اختيار أسقف واحد مسألة تمس علاقة القبائل بالإمبراطورية، حتى اضطرت القسطنطينية إلى أن تفاوض.
وقد روى خبرَ هذا الصراع، وما انتهى إليه من تسوية، سقراط القسطنطيني وسوزومين وثيودوريت. ففي آخر الأمر كُرّس الراهب موسى، وهو ابن البادية الذي تسميه المصادر Moses the Saracen، أسقفاً للعرب، وقُبل ما اختارته ماوية. وما يعنينا من هذا الخبر أن العرب المسيحيين كان لهم رأي في عقيدتهم وفيمن يتولى أمرها، وكانت لهم القدرة على أن يدافعوا عن رأيهم هذا في وجه السلطة الإمبراطورية. فقد كانوا شركاء في صنع إيمانهم، وكان هذا الإيمان جزءاً من حياتهم السياسية والاجتماعية.
وفي هذه الحادثة إشارةٌ لها دلالتها. فاسم الملكة «ماوية» يتّصل في اللغة وفي عادة التسمية باسمٍ سيصير بعد ذلك من أشهر الأسماء في التاريخ الإسلاميّ المبكّر: «معاوية»، الخليفة الأمويّ الأوّل الذي حكم من دمشق. فبين «ماوية» ملكة العرب المسيحيّين في القرن الرابع و«معاوية» خليفة العرب المسلمين بعدها تقاربٌ في الهَيكل الصامِت، وكلاهما اسمٌ عَرَبيٌّ أَصيلٌ من فَضاءٍ تَسمَويٍّ واحد، وإن اختَلَف جِذراهما: فماويةُ من م-و-ه/م-و-ي (من الماء والمِرآة)، ومُعاويةُ من ع-و-ي (من عَوى)، والعَينُ فيها أَصليّةٌ لا زائدة. ويَجمَعُهما بعدُ أنّ أرضَهما متّصلةٌ ووَظيفتَهما متّصلة: ملكةٌ تحمي اختيارَ قومها الدينيّ، وخليفةٌ يحكم من الشام نفسها.
فإذا نظرنا إلى دمشق في عهد معاوية رأينا هذه البيئة مستمرة. فالبيت الأموي المكي كان على صلة بالشام في التجارة والدين قبل الإسلام، ثم صارت دمشق عاصمة الملك، وهي على مقربة من الجابية، حاضرة الغساسنة. وقد استبقى معاوية في ديوانه كتاباً ومستشارين من مسيحيي الشام السريان، وظلت طرائق من الإدارة البيزنطية معمولاً بها حتى عُربت الدواوين في عهد عبد الملك. فالمجتمعات العربية المسيحية لم تختف بمجيء الإسلام، وإنما دخلت طوائف منها في الجماعة الجديدة، وحملت إليها أسماءها وخبراتها وطرائق تنظيمها. ولهذا نتخذ من المقابلة بين ماوية ومعاوية مدخلاً إلى ما اتصل بين العهدين من جغرافيا ومؤسسات.
الحيرة: مدينة مسيحية عربية حقيقية
وفي جنوب العراق كانت الحيرة، حاضرة اللخميين، وقد بقيت قروناً مركزاً للسياسة والدين. وتذكر أخبارها نحو أربعين ديراً، وهو عدد يكفي لنتصور مدينة دخلت الأديرة في نسيجها الاجتماعي والثقافي. فإذا انتقل الحديث من ملوك الحيرة إلى سكانها وحياتهم اليومية، فينبغي أن نذكر أن هذه الأديرة كانت قائمة بينهم.
ويُذكر في الحيرة اسم «العباد». فإذا قرأناه فإنما نقرأ اسماً لهوية دينية واجتماعية نشأت في بيئة مسيحية عربية، ولا نفترض أن أفراد هذه الجماعة كانوا جميعاً على عقيدة واحدة. فالاسم يحمل معنى التعبد، أما مؤسسات أصحابه، وتعليمهم، وصلتهم بالكنيسة، فتُطلب في تفصيل المصادر.
ومن أسماء الجماعات ننتقل إلى اسم «بني هاشم»، وهو البيت القرشي الذي ينتمي إليه النبي ﷺ. والموروث يفسر الاسم بخبر هاشم بن عبد مناف، الذي هشم الثريد في عام المجاعة. ونحن نطرح إلى جانب هذا الخبر قراءة أخرى تقوم على المقارنة بين الألسن السامية.
ففي هذه المقارنة نقرأ «هاشم» على جزأين: «ها»، ونقابل بها أداة التعريف، و«شم/اسم»، من المادة السامية ش–م. وأقرب ما يقابله في العبرية اللفظ הַשֵּׁם (هَشّيم) (Ha-Shem)، أي «الاسم». وهو لفظ له مكانته في تقليد كهنة بني إسرائيل، لأنهم يذكرون به الاسم الإلهي تعظيماً له، من غير أن ينطقوه صريحاً؛ أما النطق به فيرتبط في تقليد الهيكل بالكاهن الأعظم، حين يدخل قدس الأقداس مرة في السنة. وعلى هذا المعنى نصل اسم البيت بالميراث النبوي الذي امتد من هارون إلى زكريا ويحيى وعيسى ﵈.
فعلى هذا التأويل يكون «بنو هاشم» «بني الاسم»، أي بيتاً يحمل ذكر الميراث الكهنوتي النبوي القديم. ونحن نرد هذا الميراث إلى خط إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، ونفصله عن المؤسسة الحبرية التلمودية المتأخرة التي عرضنا نشأتها بعد القرن الثاني ق.م. وتتضح المقارنة إذا نظرنا في وظائف خدمة البيت بمكة: فالسقاية لسقي الحجيج الماء، والرفادة لإطعامهم، والحجابة لحراسة الباب، والسدانة لخدمة البيت وصيانته. وكانت هذه الوظائف موزعة على بطون قريش، ونحن نرى بينها وبين وظائف اللاويين في الهيكل شبهاً في بنية الخدمة الدينية.
ففي سفر أخبار الأيام الأول ٩: ٢٦ـ٢٧ أن رؤساء البوابين من اللاويين كانوا على مخادع بيت الله وخزائنه، يبيتون حوله يحرسونه، «وعليهم المفتاح» הַמַּפְתֵּחַ (هَمَّفْتيَح) يفتحونه صباحاً بعد صباح. وهذه بعينها وظيفة الحجابة في مكة: أن يحفظ صاحبها مفتاح البيت ويفتحه، وهي باقية في بني شيبة إلى اليوم. فبيت الاسم في مكة يحفظ من بنية الخدمة ما حفظه بيت الاسم في التوراة.
ولهذا نجمع بين «العباد» في الحيرة و«بني هاشم/بني الاسم» في مكة، فكلا الاسمين، في قراءتنا، ينسب أصحابه إلى خدمة الله وحفظ الميراث النبوي. ويسند هذا التأويلَ، مع التشابه في اللفظ، أمورٌ أخرى: حرمة البيت، ووظائف خدمته، وانتساب أهله إلى إبراهيم، ثم نزول الوحي الخاتم في ذلك البيت القرشي. فإذا اجتمعت هذه الأمور حملت التأويل، ووضعت التشابه اللفظي في سياقه من تاريخ الدين الواحد.
والاسم الإلهي معظَّم في مصادر أخرى أيضاً. ففي تقاليد الهيكل الثاني يحاط الاسم بحرمة خاصة، فيشار إليه بـ«ها-شم»؛ والنص البابلي يصف سين بأنه «إله لا يستطيع أحد تفسير اسمه»؛ وفي صلاة نبونيد (4Q242) يدعو الشافي الإسرائيلي الملك إلى أن «يرفع اسم الإله العلي». فإذا قرأنا هذه الصيغ معاً وجدنا المعنى نفسه يتكرر في هذه البيئات كلها: أن الاسم يُنزَّه ويُرفع. وعلى هذا المعنى نبني الصلة التي نقترحها بين سين والعلي و«بني الاسم».
ومن أشهر أديرة الحيرة دير هند الكبرى، الذي بنته هند بنت الحارث، زوج المنذر بن ماء السماء. وقد نقلت الأخبار نص تأسيسه: «بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، ملكة بنت أملاك، أمة المسيح، وأم عبده المنذر ملك العرب». فالعبارة تتكلم بلغة الملك ولغة الخدمة الدينية معاً: الملكة «أمة المسيح»، وابنها الملك «عبده». وهذه لغة ينبغي أن تُفهم في تقليدها الروحي، إلى جانب العقيدة الكنسية التي عاش أصحابها فيها. وقد شهدت الأرض لهذه الأخبار: ففي سنة 1934م نقبت بعثة جامعة أكسفورد في الحيرة، فعثرت على كنيستين من الطوب اللبن ترجعان إلى القرنين الخامس والسادس، وعلى صلبان ورسوم جدارية وأختام ونقوش سريانية، فالتقى ما روته الأخبار عن أديرة الحيرة بما بقي في أرضها من آثار.
وبقيت المملكة اللخمية حتى قبيل الإسلام. وكان آخر ملوكها، النعمان بن المنذر الثالث (نحو 580–602م)، قد اعتنق المسيحية النسطورية وبنى كنائس، ثم أُعدم بأمر كسرى الثاني. وبنهاية ملكه اتصلت الأحداث التي أفضت إلى معركة ذي قار، وتؤرَّخ بنحو 609م، حين انتصر العرب على الفرس. وتنقل المصادر الإسلامية عن النبي ﷺ قوله فيها: «هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم، وبي نصروا». فهذه الحادثة تُرينا كيف اشتبكت السياسة الفارسية والعربية بالحياة الدينية في المنطقة.
وعلى هذه الخلفية نفهم الفرضية التي قدمها فريد دونر (Fred Donner)، من جامعة شيكاغو، في كتابه «Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam» (٢٠١٠). فهو يرى أن الحركة الإسلامية المبكرة كانت حركة مؤمنين أوسع، دخل فيها يهود ومسيحيون قبلوا التوحيد، ثم استقرت حدود الجماعة بعد ذلك على صورتها اللاحقة. ونحن نلاحظ في اللسان القرآني أن مشتقات أ–م–ن، كالإيمان والمؤمنين وآمنوا، أكثر من مشتقات «أسلم». وهذا يوافق المكانة التي يعطيها دونر لاسم «المؤمنين» في الحركة الأولى، ويوافق تصوره أن التسمية الأخص، «المسلمين»، تبلورت شيئاً فشيئاً. فهو إطار يساعدنا على أن نفهم صلة الدعوة المحمدية بالبيئات التي سبقتها.
ويزيد جان ريتسو (Jan Retsö) هذه الصورة وضوحاً بما بحثه في أثر الانتساب الديني في تعريف الجماعات العربية القديمة. فتماسك هذه الجماعات لا يفسره النسب وحده، لأن روابط الدين والحضارة شاركته في بناء هويتها. وإذا كان الأمر كذلك، فالجزيرة مجتمع تتداخل فيه صلات الاعتقاد والقبيلة والسياسة، حتى يصعب أن يُفهم واحد منها بمعزل عن الآخرَين.
ولهذا الانقسامِ السياسيِّ بين الحيرة وغسّان وجهٌ عقديٌّ سنُفرد له الفصلَ السابعَ عشر. فقد كان اللخميّون، أهلُ الحيرة، على مذهب كنيسة المشرق «النسطوريّ» في رعاية فارسَ الساسانيّة، وكان الغساسنةُ في الشام على المذهب المونوفيزيّ في رعاية الروم البيزنطيّين. فكان ذلك نظامَ وكالةٍ مزدوجاً طَبَع الصدعَ الإمبراطوريَّ الكبيرَ على وجه العرب المسيحيّين أنفسِهم. أمّا كنيسةُ المشرق، وقد كانت الحيرةُ من أكبر كراسيها بمؤسّستها وأديرتها ومدارسها، فلها في ذلك الفصل تفصيلُها المستقلّ.
الحيرة والكوفة: انتقال السكان والمؤسسات
فكيف انتقلت هذه الحياة إلى العصر الإسلامي؟ تجيبنا عن ذلك صلة الحيرة بالكوفة. فقد أسس سعد بن أبي وقاص الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة (638م)، بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لتكون مصراً للجند في العراق. وكانت الحيرة قريبة منها، وترد في تقدير المسافة بينهما أرقام تبدأ من نحو ثلاثة كيلومترات، أو ما يقارب الفرسخ، بحسب الموضع الذي يقاس منه. وانتقل مسيحيون من الحيرة إلى المدينة الجديدة، فدخل كتّابها وأهل العلم فيها في نسيج الكوفة، وبقيت أديرة تخدم من سكنها من المسيحيين. فالذي يعنينا هو هذا الاتصال القريب في السكان والمؤسسات: فقد نشأت الكوفة الجديدة إلى جوار حاضرة دينية أقدم منها، وورثت شيئاً من حياتها.
وقد عرضنا في فصل التشابهات السامية صلة «كوفة» بالآرامية «كيفا»، أي الصخرة. ففي نص البشيطا السرياني لمتى ١٦: ١٨ تتكرر الكلمة نفسها (ܟܐܦܐ (كيفا) ... ܟܐܦܐ) (كيفا)، في الموضع الذي يفرق فيه النص اليوناني بين Πέτρος (پِتروس) وπέτρα (پِترا): «أنت صخرة (كيفا) وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي». ونحن نقرأ هذا الصدى اللفظي إلى جانب ما عرفناه من صلة الحيرة بالكوفة، وما انتقل بينهما من سكان، ومن آثار أربعين ديرا. ثم نضيف إليه معنى العموم في ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ﴾، لأن «كافة» مبنية على هيكل «كيفا/كفا» نفسه، أي الكاف والفاء. فإذا اجتمعت المقارنة اللغوية والصلة الجغرافية وتاريخ الانتقال الديني، رأيناها تلتقي في صورة واحدة.
لوحة عيسى ومريم في الكعبة
ويحفظ الأزرقي في «أخبار مكة» رواية عن صورة عيسى ﵇ ومريم في الكعبة يوم الفتح. يذكر فيها أن النبي ﷺ أمر بمحو الصور، ثم وضع يديه على صورة عيسى ﵇ مع أمه وقال: «امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي». وقد اختُلف في صحة هذه الرواية، لكنها بقيت في أخبار مكة، وبقاؤها يجعلها شاهداً على ما حفظته الذاكرة الدينية عن البيت، وعلى الصور التي نُسبت إليه قبل الإسلام.
فالرواية تضع صورة عيسى ﵇ ومريم في الكعبة قبل الفتح، وهذا يدعونا إلى أن نسأل: من الذي حملها إليها؟ وأي تقليد عظّمها في هذا الموضع؟ ونحن نفهم ذلك في إطار الصلات التي كانت بين أتباع المسيح في الهلال الخصيب وفي الجزيرة، وقد امتد تبجيلهم له إلى الأماكن المقدسة فيها. ولهذا يهمنا الخبر في هذا الكتاب، لأنه يضع ذاكرة عيسى ﵇ داخل الحياة الدينية العربية، وفي أخص مواضعها، بدلاً من أن يحصرها في البلاد التي اشتهرت فيما بعد بأنها بلاده.
الحِجاز عند ابن إسحاق، والعَذراء في البَتراء
وإلى جانب الصورة المعلّقة على الجدار نجد في أقدم كتب السيرة شهادةً مكتوبة. فحين ساق ابن إسحاق (ت. ١٥١ هـ) خبر رسل النبيّ ﷺ إلى الملوك، استحضر لها سابقةً، هي بعثةُ الحواريّين والأتباع الذين وجّههم عيسى ﵇ إلى الأمم، وعدّدهم موضعاً موضعاً: بطرس ومعه بولس إلى رومية، وفيلبّس إلى أرض قرطاجنّة وهي إفريقية، ويُحنَّس إلى أفسوس (أفسس) قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أورشليم وهي إيلياء قرية بيت المقدس. ثمّ قال في واحدٍ منهم: «وَابْنُ ثَلْمَاءَ إلَى الْأَعْرَابِيَّةِ، وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ». والنصُّ في السيرة النبويّة لابن هشام، في باب خروج رسل رسول الله ﷺ إلى الملوك، ص ٦٠٨ من طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٩٥٥.
و«ابنُ ثَلْماء» هو برثلماوس؛ فالاسم اليونانيّ Βαρθολομαῖος (بارثولومايُوس) إنّما هو «بَر تُلماي» الآراميّ، أي ابن تُلماي، وقد نقلت العربيّةُ هنا الكنيةَ الساميّة على أصلها ولم تُعرّب اللفظ اليونانيّ. ويلتقي التقليدُ الكنسيّ بهذا الخبر من وجهٍ آخر: فأوسابيوس القيصريّ يذكر في تاريخ الكنيسة (الكتاب الخامس، الفصل العاشر) أنّ بنطينوس بلغ «الهند» فوجد عند أهلها إنجيل متّى بالعبرانيّة، تركه لهم برثلماوس. وقد حمل بعضُ الدارسين «هند» أوسابيوس على أطراف الجزيرة العربيّة، وحملها بعضُهم على الحبشة، فيلتقي التقليدان في جهة الجزيرة وما يجاورها. وابن إسحاق يسوق قائمته بغير إسناد، والأرجح أنّها بلغته عن إخباريّين من أهل الكتاب. وهنا تكمن قيمتها: فالذاكرة الإسلاميّة الأولى، في أقدم نصوصها المبسوطة، وضعت الحجاز صراحةً بين مواضع الدعوة العيسويّة، ونقلت ذلك خبراً مألوفاً لا يحتاج إلى شرح.
أمّا الشاهدُ الثاني فيأتي من الجهة المقابلة، ومن قلم خصمٍ لا حليف. فقد عرض إبيفانيوس السلاميسيّ Epiphanius of Salamis (نحو ٣١٥ ـ ٤٠٣م)، في كتابه «Panarion»، وفي القسم الذي وجّهه إلى «الألوجي»، لطقوسٍ وثنيّة تُقام ليلة عيد الظهور. فذكر أنّهم في البتراء، وهي عنده حاضرة العربيّة التي يسمّيها الكتابُ أدوم، يُرتّلون للعذراء باللسان العربيّ، ويسمّونها باسمٍ نقله هو باليونانيّة «Chaamou» (وفي روايةٍ أخرى «Chaabou») وفسّره بـ«الفتاة» و«العذراء»، ويسمّون المولود منها «Dusares» وفسّره بـ«وحيد الربّ»؛ وذكر أنّ مثل ذلك يجري في مدينة إلوسة في تلك الليلة عينها. والموضع من كتابه: Panarion 51.22.11.
وكان إبيفانيوس يكتب خصماً في جدل ديني، يريد أن يُظهر هذه الطقوس محاكاةً وثنية لميلاد المسيح، ولذلك ننظر في خبره وفي الغرض الذي ساقه من أجله معاً. أما اسم العذراء، الذي نقله بصورتين مختلفتين، فما زال الدارسون يختلفون فيه، حتى قرأه بعضهم لفظاً يدل على الحجر المكعب. وأما «ذو الشرى» فمعروف في النقوش النبطية بصيغة dwšrʾ، في البتراء وفي الحجر (مدائن صالح)، وقد ذكره ابن الكلبي في «كتاب الأصنام». وإلوسة هي حلوصة المعروفة في النقب. فالخبر، بعد هذا كله، له أرض معروفة وأسماء معروفة، وفيه وصف كتبه رجل من القرن الرابع لترتيل عربي يتعلق بعذراء وولدها في مدينتين عربيتين.
وهنا يُلامس الخبرُ سؤالاً قرآنيّاً. ففي سورة المائدة يُسأل عيسى ﵇ عن قومٍ اتّخذوه هو وأمَّه إلهين من دون الله (الآية ١١٦). والسؤالُ يبدو في ظاهره غريباً عن اللاهوت الكنسيّ الرسميّ، فمجامعُ الكنيسة ما جعلت مريمَ عليها السلام إلهاً قطّ، وإن رفعتها في أفسس سنة ٤٣١م إلى «والدة الإله». لكنّ الآية تصف عبادةً قائمةً في قوم، وهذا شأنٌ غير شأن المجامع. وشهادةُ إبيفانيوس تُرينا أنّه كان في الجوار العربيّ، قبل البعثة بثلاثة قرون، عذراءُ يُهتف لها بالعربيّة، وولدٌ يُدعى «وحيد الربّ». والوحيُ في قراءة هذا الكتاب منبعٌ لا فرع، والخبرُ هنا شاهدٌ على المحيط الذي نزل فيه الخطاب؛ وغايةُ ما يفيده أنّ الصورة التي تنفيها الآية، أمٌّ وولدٌ يُعبدان معاً بلسانٍ عربيّ، كان لها في الجزيرة وأطرافها وجودٌ مشهود.
حران ملتقى الطرق
وتعود بنا هذه الطرق كلها إلى حران، وهي اليوم في جنوب تركيا، على مقربة من الحدود السورية. ففي تاريخ هذه المدينة اجتمع ما تفرق في مدن أخرى: إليها يصل خبر إبراهيم، وفيها عُبد العلي باسم سين، وبها ارتبطت أسرة نبونيد، ثم عاش فيها الصابئة ونُقلت فيها العلوم. ولهذا يتكرر اسمها في هذا الكتاب.
يروي سفر التكوين أن تارح خرج بأسرته من أور، ثم يقول: «فأتوا إلى حران وأقاموا هناك» (١١: ٣١). وفي حران مات تارح، ومنها مضى إبراهيم ﵇ في رحلته نحو الأرض المقدسة. فهي في هذه الرواية بلد أقامت فيه الأسرة، ثم استأنفت منه رحلتها، ولم تكن اسماً يُذكر عابراً في الطريق.
وحران مرتبطة كذلك بأسرة نبونيد؛ ففيها كانت أمه في خدمة سين، أي في خدمة العلي الذي تسميه النقوش بهذا الاسم، وإليها صرف همّه حين أراد أن يعيد بناء بيته «إيخولخول». ثم عُرفت المدينة قروناً بأنها مركز الصابئة الحرانيين، الذين حفظوا علم الفلك والرياضيات والطب، وفلسفة كوكبية متصلة بالأفلاطونية المحدثة. ففي حران التقت الحكمة الكلدية البابلية بالتراث اليوناني، وظل أهلها يشتغلون بهما وإن تغيرت الدول من حولهم. ومن أبنائها ثابت بن قرة (836–901م)، الذي نقل إلى العربية أعمالاً لأرخميدس وأبولونيوس وإقليدس وبطليموس. فهذه الصلة العلمية وجه آخر من وجوه استمرار التراث الشرقي.
وفي هذا الكتاب ثلاثة مواضع تتباعد على الخريطة وتتجاور في الحديث: الحيرة في العراق، وحران في أعالي الجزيرة، وحوران في جنوب الشام. فهي عندنا محطات على طريق واحد، سار فيه الناس وحُفظت فيه الأخبار، وبها يتصل لقب الحواريين ومعناه.
تناخ وتنوخ: اسمٌ واحد للاتّحاد
يُكتب «التناخ» (תנ"ך) (تَناخ) اختصاراً لأسماء أقسام الكتاب الثلاثة، وهي التوراة والأنبياء والكتب، لكنه يُنطق اسماً تاماً، فإذا سمعته سمعت حروف «تنوخ»، لأن الكاف الأخيرة في العبرية رخوة تُلفظ خاءً. وتنوخ قبائل تحالفت «على التنوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر»، فجمعها اسم واحد؛ والتناخ كذلك ثلاث مجموعات جمعها اسم واحد. فكلا الاسمين اسم لاتحاد.
والجذر الذي في «تنوّخ» و«أناخ» هو الجذر السامي نفسه الذي تقول به التوراة וַתָּנַח הַתֵּבָה (وتّانَح هتّيڤاه)، «واستقرّ الفلك» (التكوين ٨: ٤)، وبه تأمر أن يوضع المنّ וְהַנַּח אֹתוֹ לִפְנֵי יְהוָה לְמִשְׁמֶרֶת לְדֹרֹתֵיכֶם (وهَنَّح أوتو لِفني يهوه لِمِشمِرِت لدوروتيخِم)، «أمام الرب محفوظاً لأجيالكم» (الخروج ١٦: ٣٣)، ثم يضعه هارون «أمام الشهادة» (١٦: ٣٤). فالجذر يدل على المقام، وعلى الوديعة التي تُحفظ. ويذكر معجم بن يهودا أن الجذر في الأكدية naḫu، وأنه في العربية «ناخ» بمعنى أبرك الجمل.
وقد نشأ هذا الاختصار في علم اليهود في القرون الوسطى، وكانت أكبر مدارس هذا العلم في المشرق بفومبديثا وسورا. أما فومبديثا فهي الأنبار، كما كتب الرحالة بنيامين التطيلي في القرن الثاني عشر، وأما سورا فعلى نحو ستة كيلومترات من الحيرة. والأنبار والحيرة كلتاهما دار تنوخ: «ونزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة» (الطبري عن ابن الكلبي). فعلماء التناخ عاشوا قروناً في مدينتي تنوخ، بين أهل الخط العربي الذي انتشر من الأنبار إلى الحيرة. وهكذا التقى اسم الكتاب الجامع واسم القبائل المتحدة في أرض واحدة، بصوت واحد ومعنى واحد.
أما الاتحاد التنوخي نفسه فقد نشأ في شرق الجزيرة العربية في القرن الثاني الميلادي، ثم انتقلت جماعاته إلى الحيرة، ومنها امتدت إلى الشام في العهد البيزنطي. وقد رأينا في خبر ماوية كيف اتصل انتسابهم المسيحي بدفاعهم عن حقهم في أن يختاروا لدينهم بأنفسهم. وفي هذا المسار، من الجزيرة إلى العراق ثم إلى الشام، نضع الاسم ونقرؤه.
الحائط وفدك: النقش البابليّ والجسر المفقود
وقد بقي في الأرض شاهد مادي على امتداد نفوذ نبونيد، هو نقش الحائط في إقليم حائل بشمال الجزيرة. فقد أعلنت هيئة التراث السعودية أنها عثرت عليه في واجهة بازلتية سوداء، وعليه اسم الملك وصورته، ووُصف بأنه أطول نقش مسماري عُثر عليه في المملكة. والحائط هي فدك، الواحة التي تقع على نحو مئة وأربعين كيلومتراً شمال المدينة المنورة، على الممر الذي يصل تيماء بخيبر ويثرب. وتحفظ المصادر الإسلامية أخبار جالية يهودية سكنتها وعُرفت بالحرف والعلوم. وفي تيماء كذلك نقش آرامي مؤرخ بسنة ٢٠٣م، يذكر أصحاب أسماء يهودية تولوا مناصب محلية. فالممر الواحد حفظ أثر الملك البابلي، ثم حفظ أخبار الجماعات التي سكنته بعده.
ثم عادت فدك إلى صلب التاريخ الإسلامي، حين اختلفت فيها فاطمة الزهراء وأبو بكر بعد وفاة النبي ﷺ. وما يعنينا هنا، إلى جانب ما كُتب في ملكيتها، أن هذه الواحة ظلت حاضرة في التاريخ عصراً بعد عصر: حملت أثر نبونيد، وعاشت فيها جماعات يهودية قروناً، ثم ارتبط اسمها بالنبي وابنته في روايات فدك وحقها فيها. فإذا نظرنا في هذه الطبقات المتعاقبة رأينا كيف تتصل فدك بخريطة الدين التي نرسمها، من بابل إلى شمال الجزيرة ثم إلى البيئة المحمدية.
الرواية الشيعية: عيسى ومريم على ضفاف الفرات
وفي الرواية الشيعية صورة أخرى تضع عيسى ﵇ ومريم في العراق. فالمجلسي ينقل في «بحار الأنوار» خبراً عن موسى بن جعفر الكاظم (٧٤٥–٧٩٩م)، يجعل مخاض مريم قرب الفرات، بين النخيل والكروم، ويصل «السري» في قوله تعالى «قد جعل ربك تحتك سريا» بفرع من فروع النهر. وهذه صورة تلائم بيئة جنوب العراق، وتختلف عن بيت لحم الجبلية التي ترتفع نحو ٧٧٥ متراً ولا يجري فيها نهر. لذلك نهتم بالخبر، ونهتم بما يصحبه في الذاكرة الشيعية من صلة عيسى ﵇ بالعراق، وصلة عودته به. ونحن نقرؤه بقية من ذاكرة رافدية لشخصيته، ظلت حاضرة إلى جانب الجغرافيا الفلسطينية التي غلبت على رواية سيرته.
فإذا جمعنا هذا كله، آثار نبونيد في تيماء والحائط، وخبر الشافي الإسرائيلي في 4Q242، وأخبار الجماعات في خيبر ويثرب، ثم روايات الفرات، وأديرة الحيرة، وحركة التنوخيين، وثورة ماوية، رأينا خريطة أوسع لذاكرة المسيح. فيها طريق حجازي يمتد من تيماء إلى يثرب ومكة، وطريق عراقي يمتد من بابل إلى الحيرة والكوفة، وحران تصل بين عناصر من تاريخ الطريقين. وفي قلب القراءة التي نقترحها يقف نبونيد، بسيرته وآثاره، وبما كان له من حضور في شمال الجزيرة. فهذه المواضع هي المرشحة لأن يُحفظ فيها الخبر وينتقل منها، إلى جانب ما نُقل في أورشليم وعنها.
صورة أوسع للجزيرة
فإذا انتهينا من هذه الجولة، رأينا الجزيرة أرضاً يجادل فيها الناس في الدين، ويتبادلون الأخبار والكتب، وتعيش فيها الوثنية إلى جانب تقاليد التوحيد، وتتصل جماعاتها بالمراكز المسيحية واليهودية من حولها. وفي هذا المحيط نفهم ظهور الإسلام امتداداً لحركة دينية طويلة، وتصحيحاً لمسارها. فالدعوة المحمدية خرجت إلى أناس لهم معرفة، ولهم موروث، وبينهم اختلاف، فخاطبت ذلك كله وهي تعيد بيان الدين الواحد.
الأطروحة الجامعة: طبقة أبيونية لا بولسية في المسيحية العربية
عرفت البيئات العربية كنائس لها لاهوت متطور ومؤسسات واضحة، وعرفت إلى جانبها طبقة أقدم ظلت تحفظ بشرية المسيح ونبوته، وهي التي تسميها كتب الآباء باسم الأبيونيين، وقد اتجهت جماعاتها إلى الأردن وجزيرة العرب. والذي يعنينا من هذه الطبقة لسانها، وما تصوّرت به النبوة، وذاكرتها المحلية التي بقيت قريبة من أخبار المسيح الأولى.
وفي هذا الإطار نفهم الدعوة المحمدية امتداداً للدين الواحد، وتصحيحاً لما دخل على معرفته بالله والإنسان. وهذا لا يقتضي أن نجعل كل جماعة سبقتها موافقة لها في كل تفصيل، فالدعوة قد تكمل ما قبلها، وتنقده في الوقت نفسه، وتحيي ما غاب منه.
الرجلان والصورة العقدية
يَقوم هذا الكتاب كلُّه على تمييزٍ صريحٍ بين ثلاث صورٍ لا نَخلط بينها:
- عيسى ابن مريم ﵇: النبي الملك الذي نطابقه بنبونيد، ونضع سيرته في القرن السادس قبل الميلاد.
- يسوع الناصري: رجل صالح لاحق، نراه وارثاً لتراث المسيح، وربما معلماً في إحدى جماعاته. وما ادعاه لنفسه لا تميزه المصادر عن طبقات الرواية.
- الصورة المؤلَّهة: البناء العقدي الذي تشكل حول اسم يسوع وحجب في قراءتنا حقيقة عيسى ﵇. هذا هو موضع نقد الدجل، لا اتهام الرجل بالتعمد والكذب.
والخريطة التي نرسمها ذات مستويين متصلين: الأول جغرافيا الحياة التي عاشها نبونيد، وتشهد لها النقوش، والثاني جغرافيا الأخبار وهي تنتقل مع الجماعات التي حملتها. فصاحب الرسالة أقام بنفسه عشر سنين في واحات الحجاز، من تيماء وددان وفدك وخيبر إلى يديع ويثرب، كما تشهد بذلك مسلته في حران، ثم حملت الجماعات أثره إلى ما وراء هذه الواحات.
الجزيرةُ: الأرضُ المقطوعة، والقلبُ لا المنفى
يقول ابن فارس في «مقاييس اللغة»: «الجيم والزاء والراء أصل واحد، وهو القطع... وسميت الجزيرة لانقطاعها». فالقطع هو المعنى الذي تجتمع عليه المادة كلها، سواء أحاط البحر بالأرض فقطعها، أم انفصلت عما حولها بوجه آخر. ونحن نقرأ هذا الجذر بمنهج «الجذور» الذي نعتمده، وهو منهج يرى العربية والعبرية والآرامية السريانية أطواراً متصلة، ويرى العربية أحفظها للأصل. وعلى هذا المنهج نقارن بين ما استُعملت فيه المادة في سفر اللاويين وبين اسم الجزيرة الفراتية.
فهذا الجَذرُ بعَينِه يُسمّي ثلاثةَ أشياءَ يَلتقي فيها معنى القَطع. أوّلُها المَوضِعُ الذي يُرسَلُ إليه كَبشُ الخطيئة في يوم الكَفّارة، وهو «أرضُ الجَزَرة» (eretz gezerah، لاويّين ١٦:٢٢)، أيْ «أرضٌ مَقطوعة»، يُحمَلُ إليها الإثمُ فتُقطَعُ به الخطيئةُ عن الجَماعة. وثانيها صَيحةُ المَسبيّين: «نِجزَرنا» (nigzarnū، حزقيال ٣٧:١١)، أيْ «انقُطِعنا» وانبَتَرنا عن أرضِنا ورَجائنا. وثالثُها «الجَزيرة» نفسُها، أعالي بِلادِ ما بين النهرَين، واسمُها من السُريانيّة Gazartā، أيْ «الجزيرةُ» التي قَطَعَها دِجلةُ والفُراتُ وأحاطا بها، فصارت كالطافِيَةِ بين ماءَين. وقد جَمَعَ إدوارد ليبينسكي أطرافَ هذا المعنى الواحد في دِراستِه «الجَذر GZR في الساميّة» (Aula Orientalis ١٧/١٨، ١٩٩٩-٢٠٠٠)، فذَكَرَ القَطعَ والذَبحَ وقَطعَ العَهد، ثُمّ ذَكَرَ ما هو عندنا الشاهدُ الحاسِم: «تَخطيطَ الأراضي وتَحديدَها بمياه الفَيَضان». فالقَطعُ يكونُ بالسِكّين ويكونُ بالنهر، والمادّةُ الواحدةُ تَصِفُهما معاً.
وحران من مدن هذه الجزيرة؛ فياقوت الحموي يضعها في «معجم البلدان» في «جزيرة أقور»، قصبة ديار مضر. فإذا اتصلت الجغرافيا باللغة على هذا النحو، اقترحنا أن نقرأ «أرض الجزرة» في سفر اللاويين على أنها بلاد ما بين النهرين، فتعود الأرض التي نقرؤها في خبر المنفى إلى موضع الأصل، كما فصلناه في الملحق الحادي عشر. ومعنى القطع هو الذي يسمح لنا بهذه النقلة في النظر: فالأرض قد تنقطع بما يحيط بها من نهرين، فيكون اسمها وصفاً للموطن نفسه، قبل أن يحمل في الرواية معنى البعد عنه.
الفصل ١٠ ـ الانتظار وانتقال هوية المسيح
حين تصبح الذكرى انتظاراً
قد يبقى أثر النبي بين الناس زمناً طويلاً، وتغيب عنهم معرفة صاحب هذا الأثر. وهذا، في قراءة هذا الكتاب، ما وقع لعيسى ﵇: بقيت حكمته، وبقيت ذكراه، وبقي اسم المسيح، أما أخبار حياته فتفرقت بين ألسنة وجماعات شتى. فلما جاء الانتظار بعد ذلك كان بحثاً عن معنى عرفه أصحابه ثم حُجب عنهم، ولم يكن سببه أن عيسى ﵇ عجز عن إقامة ملك، فهو عندنا النبي الملك الذي نقرأ سيرته في سجل نبونيد.
موجة المدّعين في التاريخ اليهودي
وقد تتابعت بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني بعده حركات دينية وسياسية، حمل أصحابها آمال التحرير وتجديد الجماعة. ومع أن مقاصدهم اختلفت وتجاربهم تباينت، فإن أخبارهم تدلنا على مقدار ما كان يشغل الناس يومئذ من انتظار الخلاص.
فالمكابيون ثاروا في القرن الثاني قبل الميلاد على الحكم السلوقي اليوناني، وعلى ما فرضه على الحياة الدينية اليهودية، ونجحوا في الحرب والسياسة نجاحاً جعل الناس يرون فيهم أملاً للتحرير. لكنهم حين أقاموا حكمهم لم تنته أسئلة النبوة والخلاص، فظل الناس ينتظرون بعد الثورة.
ثم ظهر ثيوداس نحو سنة أربع وأربعين للميلاد، يدعو الناس بصفته نبياً، ويعد أتباعه بأن يشق لهم الأردن كما صنع يشوع بن نون. فاجتمع إليه أناس يحملون رجاء دينياً وسياسياً معاً، حتى قضت القوات الرومانية على حركته وقتلته. وفي خبره نرى صورة النجاة القديمة تعود من جديد، فتمنح حركة معاصرة معناها.
وكان يهوذا الجليلي قد دعا قبله، في مطلع القرن سنة ٦م، إلى مقاومة الضريبة الرومانية، وعدّ الخضوع لها منافياً لسلطان الله، الملك الوحيد. واتصلت حركته بتاريخ الزيلوتيين، أو الغيورين، وهم قوم جمعوا في نهجهم بين الاعتقاد الديني والمقاومة المسلحة. وبقي لهذا الموقف أثره فيمن جاء بعده من الحركات.
ثم قاد شمعون بار كوخبا الثورة نحو سنة 132م. ولقبه الآرامي يعني «النجم»، ورأت فيه بعض الأوساط الدينية المسيح المنتظر. فقاتل الرومان بضع سنين، ثم انتهت الثورة بمقتله وهزيمتها، وبقي أثرها في الذاكرة اليهودية. وفي هذا المثال يقترن الرجاء المسيحاني بقيادة سياسية وعسكرية اقتراناً صريحاً.
فهذه الحركات تتنوع آمالها الدينية والسياسية في عالم مضطرب: بعضها يدعو إلى الإصلاح، وبعضها يقاوم حكماً أجنبياً، وغيرها يترقب المسيح. ولا نستطيع أن نرد أصحابها جميعاً إلى نية واحدة، ولا أن نعدّ استجابة الناس لهم دليلاً على أنهم خدعوهم. وإنما نذكر هذا كله لنرى كيف يحمّل الناس الرجل الصالح آمالاً أكبر من قصته الخاصة.
يسوع الناصري في سياق الحركات المتلاحقة
وفي هذا الجو نضع يسوع الناصري. نراه رجلاً صالحاً من تيارات ورثت ذكر المسيح وتعليمه، وربما صار معلماً في إحداها. أما الألقاب التي أطلقها عليه أتباعه أو خصومه فلا يلزم منها أنه تعمد أن ينتحل هوية عيسى ﵇. وأما خبر محاكمته، والعنوان الملكي الذي كُتب على صليبه، فيضعان جانباً من سيرته في بيئة الحكم الروماني، ونرجح أن هذا الجانب من حياة يسوع، لا من حياة نبونيد.
فماذا جرى بعد المحاكمة والصلب؟ نقرأ ذلك على وجهين: إما أن يكون يسوع قد عُذّب حتى أُغمي عليه ثم قام من إغمائه، وإما أن يكون الله قد أحياه. وعلى أي الوجهين نفهم كيف نشأ خبر القيامة في الرواية اللاحقة، وكيف وصل الأمر إلى بولس. والذي يظهر بوضوح في رسائل بولس أنه جعل الموت والقيامة مركزاً يفسَّر به الخلاص، وأن بين الواقعة والعقيدة التي بُنيت عليها مسافة.
وفي العهد الجديد نفسه نصوص تحفظ هذا الوجه. تقول الرسالة إلى العبرانيين عن يسوع: «الذي، في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه» (العبرانيين ٥: ٧). دعا أن يُنجّى من الموت، والرسالة تقرر أن دعاءه استُجيب. ويروي مرقس أن الوالي نفسه استغرب سرعة موته: «فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعا» (مرقس ١٥: ٤٤)، فسأل قائد المئة، ولما عرف منه «وهب الجسد ليوسف» (١٥: ٤٥)، فصار الجسد إلى رجل من أتباعه بعد ساعات على الصليب.
ثم إن لوقا يصف الذي ظهر لتلاميذه بأنه رجل من لحم وعظام، يقول لهم: «انظروا يدي ورجلي: إني أنا هو! جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي» (لوقا ٢٤: ٣٩)، ثم يطلب طعاماً «فناولوه جزءا من سمك مشوي، وشيئا من شهد عسل. فأخذ وأكل قدامهم» (٢٤: ٤٢-٤٣). وفي أعمال الرسل: «الذين أراهم أيضا نفسه حيا ببراهين كثيرة، بعد ما تألم» (أعمال ١: ٣). فالذي تصفه هذه النصوص حيّ بعد ألم، وجسده يحمل آثار الجراح، يجوع ويأكل. وهذه صورة رجل نجا من الصليب، إما لأنه أفاق من إغمائه، وإما لأن الله أحياه استجابة لدعائه كما تقول الرسالة إلى العبرانيين. ثم جاء البناء اللاحق فجعل هذه الحياة بعد الألم قيامة من الموت.
ولا نحتاج، لكي نفهم هذا التحول، إلى أن نفترض أن بولس خطط لاستغلال حزن الناس. فقد يكون المرء صادقاً في تجربته، ثم يفسرها داخل بناء يغير معنى التراث الذي تلقاه. وهذا البناء نقرؤه في رسائله، فنرى فيها ما أضافه إلى صورة المسيح، وما نقله من تعاليمه إلى المركز.
كيف ينتقل اللقب وتلتحق به الأخبار
فاللقب «المسيح» وصف تحمله ذاكرة دينية، وهو أوسع من أن يكون اسماً شخصياً مقصوراً على صاحبه. فإذا عُرف رجل لاحق بهذا اللقب، أمكن أن تنجذب إليه أخبار صاحبه الأقدم، ولا سيما إذا عاش في جماعة تتبع طريق ذلك الأقدم وتروي سيرته. وهذا هو المسار الذي نقترحه لاختلاط عيسى ﵇ بيسوع: رُويت سيرة المعلم وحُفظت، وتمثّلها أتباعه، ثم امتزجت الصورتان في الذاكرة، ثم استقرت الصورة المركبة استقراراً رسمياً. وليس بين أيدينا سجل يحدد لحظة واحدة وقع فيها ذلك كله، ولا نسب مستقل يثبت أن السيرتين كلتيهما كانت فيهما أم اسمها مريم، فقد يكون الاسم نفسه مما انتقل مع الخبر.
والأناجيل نفسها تحفظ هذه الطريقة في زمن يسوع. فحين اشتهر اسمه قال هيرودس: «إن يوحنا المعمدان قام من الأموات ولذلك تعمل به القوات» (مرقس ٦: ١٤)، وقال آخرون: «إنه إيليا»، وآخرون: «إنه نبي أو كأحد الأنبياء» (٦: ١٥). وعند لوقا قول أصرح: «إن نبيا من القدماء قام» (لوقا ٩: ٨). ولما سأل تلاميذه عما يقوله الناس فيه أجابوا: «قوم: يوحنا المعمدان، وآخرون: إيليا، وآخرون: إرميا أو واحد من الأنبياء» (متى ١٦: ١٤).
فقد كان الناس في القرن الأول يحملون على الرجل الحاضر اسم نبي سابق وأعماله، ويسمون ذلك قياماً من الأموات، كأن النبي القديم «قام» في رجل جديد. وعلى هذا النحو نقرأ التحاق أخبار عيسى ﵇ بيسوع. فعبارة «قام من الأموات» تُطلق في هذه الآيات على انتقال الشخصية وأخبارها إلى رجل لاحق، فلخبر القيامة الذي جاء في الرواية اللاحقة سابقة في لغة الإنجيل نفسه.
ما يعين على التمييز بين السيرتين
ونقول في يسوع قولاً صريحاً: نراه رجلاً عاش في فلسطين الرومانية، دعا في قومه، وحمل أثراً من طريق المسيح. وإليه ننسب، على سبيل الترجيح، أخبار المحاكمة والصلب. أما ما بعد الصليب فنقرؤه على وجهين، كما قدمنا: أن يكون أُغمي عليه تحت التعذيب ثم قام من إغمائه، أو أن يكون الله أحياه. وحين نجعله تلميذاً لعيسى ﵇ فإنما نعني أنه ورث طريقه وتعليمه عبر الأجيال، فبينهما قرون لا يلتقي فيها شخص بشخص.
فكيف نميز بين الرجلين؟ ننظر في البيئة التي تفترضها الأخبار: من الذين تخاطبهم، وأي الفرق تعرف، وما المسائل التي تجعلها موضع خصومة. فهذا طريق آخر إلى زمن الخبر، نضيفه إلى ما عندنا من الأسماء والأماكن والوثائق.
والكتاب يفرق بين تراث بني إسرائيل الأقدم، وبين اليهودية حين تشكلت حركةً لها مؤسساتها وحدود تُعرف بها هويتها. ويستفيد في ذلك من بحث يوناتان أدلر في الزمن الذي ظهرت فيه الشواهد على ممارسة أحكام التوراة على نطاق واسع. وأدلر لا يقول إن أصول الدين جميعها نشأت فجأة في القرن الثاني قبل الميلاد، لكن بحثه يتيح لنا أن نسأل سؤالاً أدق: متى صارت الشريعة نظاماً اجتماعياً تشهد له الآثار؟
وانظُر الآن في الصورتَين:
ففي الصورة القرآنية لعيسى ﵇ لا يُسمّى الفريسيون والصدوقيون، ولا تُفصّل جدالات السبت والعشور على النحو الذي نجده في الأناجيل. أما الصورة الإنجيلية فتشغل فيها هذه الخلافات حيزاً واضحاً، إلى جانب الشفاء والتعليم والأمثال. وهذا اختلاف في ملامح السيرة كما تعرضها كل صورة، ونراه من المواضع التي تُقرأ فيها طبقات مختلفة من الرواية، ولا نعده وصفاً لكل ما فعله أحد الرجلين في حياته.
ووراء هذا الاختلاف نرى اختلافاً في زمن الأخبار وفي أصحابها. ويشهد لذلك ما مر بنا من الأسماء والأمكنة والنقوش، فالأخبار القرآنية تعيد بناء بيئة أقدم بناءً متماسكاً، ولذلك يدل الاختلاف على أكثر من مجرد سكوت.
ويستطيع القارئ أن يجرب هذه المقارنة بنفسه، فيسأل عن كل مشهد: هل يحتاج إلى سلطة رومانية وفرق يهودية متأخرة، أم يستقيم في بيئة النبوة والكهانة الأقدم؟ بهذا السؤال يبدأ فرز الطبقات. وهو منهج في القراءة يزن كل خبر في الأناجيل بشواهده قبل أن يحكم عليه.
ولهذا نصل هذه المقارنة بوثائق الفصلين الخامس والسادس، لأن الدلالة تنشأ حين تجتمع ملامح الخبر بشواهده من النقوش والوثائق.
التِلميذُ الّذي رَوى سيرةَ مُعَلِّمِه: يَسوعُ تابِعاً لعيسى
بقي أن نفسر كيف صارت السيرتان سيرة واحدة. نحن نرى يسوع قد نشأ في جماعة حفظت خبر عيسى ﵇، فسلك طريقه، واقتدى به في التعليم والشفاء، وروى سيرته. ثم حملت الذاكرة بعض أخبار المعلم على وارثه، لما بينهما من شبه في القول والعمل. وهذا وجه من وجوه قراءتنا لـ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾، التي نفصلها في الفصل التاسع عشر: تبدأ الصلة بالتلمذة وحفظ التراث، ثم يضعف شيئاً فشيئاً التمييز بين الراوي ومن يروي عنه.
ولهذا السؤال شاهد في أسماء الجماعات: الناصريون، والناصورائيون، والإيسيون، وغيرها. فهذه الأسماء يجمعها معنى النذر والحفظ والنصرة، وإن تمايزت مصادرها. لذلك نقرأ صفات كل جماعة، ونتتبع مسارها وممارستها، ثم نتبين ما يصلها بطريق عيسى ﵇.
وتحفظ المدونة الإسلامية اللاحقة أقوالاً وحكماً تنسبها إلى عيسى ﵇، منها أن الدنيا جسر يُعبر عليه. ونحن نقرؤها جزءاً من تاريخ ذاكرته الروحية، لا وثائق معاصرة له. فقد تبقى حكمة المعلم محفوظة في تقليد، بينما تنتقل بعض أخباره إلى شخصية أخرى في تقليد ثان. وهذا يفتح باباً للمقارنة بين الألفاظ والسياقات، دون أن نسوّي بين تاريخ تدوين القول وتاريخ صاحبه.
ثمّ إنّ التَقليدَ المَسيحيَّ نَفسَه يَحفَظُ ذاكِرةَ رَجُلٍ مُضاعَف. ففي «أَعمالِ توما»، وهي نَصٌّ سُريانيٌّ أُلِّفَ في الرُها قَبلَ سَنةِ ٢٤٠م، يُدعى الرَسولُ «يَهوذا توما»، وتوما في الآراميّةِ التَوأَم؛ ويُخاطِبُه النَصُّ (الفَصل ٣٩): «يا تَوأَمَ المَسيح، رَسولَ العَليّ»؛ وفي مَشهَدِ غُرفةِ العُرس (الفَصل ١١) يَرفَعُ العَريسُ السِترَ فيَرى الرَبَّ يُكَلِّمُ العَروسَ «في هَيئةِ يَهوذا توما» الّذي خَرَجَ لِلتَوّ، فيَقولُ له: أَلَم تَخرُج؟ فيُجيبُه: «لَستُ يَهوذا توما، أَنا أَخوه». فأَقدَمُ مَسيحيّةٍ سُريانيّةٍ تَحمِلُ في نَصِّها مَن يُشبِهُ المُعَلِّمَ ويُلتَبَسُ به ويُسَمّى أَخاه. وقِراءةُ هذا الكِتابِ لِلمَشهَد: هذه ذاكِرةُ التَلمَذةِ نَفسِها؛ الّذي يُشبِهُ هو الّذي يَتبَع.
ويقول يوحنا المعمدان في الإنجيل عن الذي يأتي بعده: «كان قبلي» (يوحنا ١: ٣٠). وفي العبارة معنيان معاً: أنه سبقه في الميلاد، وأنه سبقه في المرتبة، على نحو ما تُقرأ لغة النور السابق في التراث الصوفي. وهذا يلتقي بما حفظه الأبيونيون من أن المسيح أقدم من يسوع، وأنه يأتي بأسماء وصور شتى، كما سنعرضه في الفصل الثاني عشر.
وفي بعض النصوص المندائية أوصاف قاسية ليسوع. ونحن نعرضها على أنها صوت أصحابها، ثم نسأل: ماذا قد تحفظ من اعتراض على انتقال الهوية والصفة؟ فالرجل عندنا صالح، وموضع الدجل هو البناء الذي أقيم على اسمه. ولذلك نأخذ من ذاكرة الخصومة المندائية ما يفيد، ونحفظ الفرق بينها وبين تفسيرنا.
طرق مختلفة لحفظ الذاكرة
وتتسع خريطة الانتظار وحفظ التراث فتتجاوز يهود فلسطين. فهناك الإيسيون الذين اعتزلوا إلى البرية، ونعرض لهم هنا وفي الفصل السادس. وهناك الأبيونيون الذين عارضوا بولس وحفظوا للمسيح صورة بشرية، ولهم الفصل الثاني عشر. وهناك المندائيون الذين يحضر يحيى في تقليدهم، ولهم الفصل الرابع عشر. ثم الحرانيون، ونقرأ فيهم ورثة للتوحيد البابلي المتصل بخط نبونيد، كانوا ينتظرون من يتلقى تراثهم. ثم يهود الواحات في تيماء وخيبر ويثرب، وما كان عندهم من أخبار النبي الموعود، وقد عرضنا ذلك في الفصلين السادس والتاسع. ولكل جماعة من هؤلاء لغتها فيما تحفظ وما تنتظر.
ففي هذه الجماعات نقرأ أخباراً ومعاني لم تستوعبها الصورة البولسية والنيقاوية وحدها. وقد حفظت كل جماعة منها شيئاً غير ما حفظته الأخرى، فكان لا بد أن نقرأ كل واحدة قراءة مستقلة قبل أن نصل بينها، ولهذا أفردنا لها مواضع في الكتاب. ومن هذه المواضع مجتمعة تتكون عندنا صورة التراث الذي استمر خارج المذهب الغالب، وقد تفاوتت طرقه في مواجهة التحولات الدينية.
معنى جديد للانتظار
فإذا وضعنا عيسى ابن مريم ﵇ في القرن السادس قبل الميلاد، كما نفعل في هذا الكتاب، أمكننا أن نقرأ الانتظار اللاحق بحثاً عن امتداد لتراث قديم. فالقرون تمر، وتفاصيل السيرة تتفرق، ويبقى اسم المسيح وما تعلق به من رجاء. حتى إذا ظهر رجل لاحق رأى فيه الناس تحقيقاً لما ينتظرون، وحمّلوه من ذكر المعلم الأول أكثر مما تحمله قصته الخاصة. هكذا جاء الانتظار من الذكرى، ثم فتح الانتظار الطريق لانتقال الهوية.
أما رسائل بولس فتجيب عن الانتظار جواباً مختلفاً، إذ تجعل المسيح ومصيره محور خلاص الأمم. ثم تأتي القراءة القرآنية فترد مركز العلاقة إلى عبادة الله: ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾. والسؤال الذي يشغل هذا الكتاب هو: كيف انتقل التراث بين هاتين الصورتين، وما الذي بقي تحت البناء اللاحق من أخبار النور الأول ومعلمه وحملة طريقه؟
المسيحان في قمران: نبيّ معلّم ونبيّ مشرّع
ونصوص الانتظار تحفظ للمنتظر صوراً متعددة: فهو مرة مسيح يتصل بهارون، ومرة مسيح يتصل بداود، ومرة نبي مثل موسى. وقد اجتمعت هذه المعاني بصيغ مختلفة في تراث الأنبياء، ثم نجد في وثائق قمران تعبيراً عن انتظار مسيحين. وهذه المادة تستحق أن تُقرأ بتفصيلها، لأنها توسع صورة اعتدنا أن نحصرها في منتظر واحد.
وسنجمع هنا النصوص التي تفتح سؤال تعدد المنتظرين، ثم نقارنها بالعلاقة بين عيسى ﵇ ويحيى، أو بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ. وغايتنا أن نفهم الأشخاص وما بينهم من صلات. فالنبوة والملك والسلوك قد تجتمع في شخص واحد، ولذلك لا نفترض من البداية قسمة تجعل أحد النبيين للروح والآخر للحكم.
عقيدة المسيحَين في قمران
في «قانون الجماعة» (1QS 9:11) إشارة إلى النبي وإلى مسيحي هارون وإسرائيل. أما وثيقة دمشق فترد فيها صيغ أخرى، منها المفرد «مسيح هارون وإسرائيل». ولهذا التنوع شأن، لأنه يدلنا على أن بين أيدينا مجموعة من النصوص والتوقعات، وليس سيرة مفصلة لشخصين اتفق جميع الكتّاب على اسميهما وتسلسل ظهورهما.
ووصف «هارون» يحمل الصلة بالكهنوت وبالنسب الهاروني. ويرى الكتاب في ذلك مناسبةً لمقارنته بعيسى ابن مريم ﵇، فهو من البيت الذي خوطبت فيه مريم بقوله «يا أخت هارون». وصاحب هذا النسب يجوز أن يجتمع له الملك والحكم، لأن اجتماع النبوة والملك في عيسى ﵇ أصل من أصول قراءتنا.
أما «إسرائيل» والانتظار الداودي فيتصلان بصورة من يقود الجماعة ويجددها. ونحن نقرأ كل نص بلفظه: فبعضها يصرح بداود أو بغصنه، وبعضها يتحدث عن أمير الجماعة أو عن مفسر الشريعة. ثم نضع صورة القائد المنتظر في أفق الوعد الإبراهيمي، وهو أفق يتسع لها، ونُبقي النسب الداودي صريحاً حيث تذكره النصوص.
وقد عرض جون كولينز في «The Scepter and the Star» ما في هذه التوقعات المسيحانية من تنوع. وفي المادة نفسها يظهر «معلم البر»، وله موضعه الخاص في ذاكرة الجماعة. فإذا قارنا صورة المعلم بصورة الكاهن وصورة النبي، تتبعنا ما نُسب إلى كل لقب، فظهر لنا أين تلتقي وأين تفترق.
وفي وثيقة «الفلوريليجيوم» (4Q174) مقابلة أخرى بين «غصن داود» و«مفسر الشريعة»، ونحن نصلها بصورة زكريا: «كاهن على عرشه، ومشورة سلام بين الاثنين». ويذكر «تفسير سفر التكوين» (4Q252) «مسيح البر، غصن داود»، وذلك حين يفسر «لا يزول قضيب من يهوذا» (تكوين ٤٩:١٠). فصورة القيادة الملكية حاضرة إذن إلى جانب صورة المعلم والكاهن. ثم نرجع إلى اختلاف الصيغة بين الجمع في «قانون الجماعة» (1QS 9:11)، حيث يقول «مسيحي هارون وإسرائيل»، وبين ما يحتمل أن يكون مفرداً في «وثيقة دمشق» (CD). فالوثائق تحتمل شخصاً جامعاً كما تحتمل شخصين، فلا يصح أن نقرأها كلها كأنها صيغة واحدة.
النصوص التي تفتح المقارنة
يسهل تتبع هذه المقارنة إذا وضعنا كل شاهد إلى جانب السؤال الذي يفتحه:
| الشاهد | ما يلفت النظر فيه | وجه المقارنة |
|---|---|---|
| 1QS 9:11 | النبي ومسيحا هارون وإسرائيل | العلاقة بين النبوة والكهنوت وقيادة الجماعة |
| وثيقة دمشق | صيغ منها مسيح هارون وإسرائيل بالمفرد | هل تجمع الوظائف في شخص أم تشير إلى انتظار متنوع؟ |
| 4Q174 | غصن داود ومفسر الشريعة | صلة الشخصيتين وتوقيت ظهورهما في تصور الكاتب |
| 4Q252 | المسيح وغصن داود | الدلالة الخاصة للانتظار الداودي |
قراءة الجدول
وهذه النصوص تسمح لنا بقراءتين: أن نرى فيها ذكرى عيسى ﵇ ويحيى، أي النبي الملك ومعلمه، أو أن نرى فيها انتظار عيسى ﵇ والنبي الخاتم في مرحلتين. ولفظ النصوص لا يعيّن المقصود، فالذي يرجح إحدى القراءتين هو أن تكون أوفى في تفسير ما توصف به العلاقة بين الشخصيات.
وعلى أي القراءتين نفهم التتابع بين النبيين تتابعاً في الهداية، تُستكمل به المعرفة والأخلاق، وإن اختلفت الظروف التاريخية. أما ملك عيسى ﵇ فأصل في قراءة هذا الكتاب، ولذلك لا نجعل مجيء محمد ﷺ تعويضاً عن عجز سابق عن إقامة الحكم.
ما يبقى من السؤال
وقيمة قمران أنها تحفظ لنا انتظار النبي والمسيح متنوعاً، قبل أن تستقر الصورة الكنسية اللاحقة. ومنها نأخذ شاهداً على أن ذاكرة الانتظار عرفت أسماء ووظائف متعددة، وهذا يوافق ما نقرؤه من صلة عيسى ﵇ ويحيى والنبي الخاتم ﷺ.
آل عمران في بيئةٍ قمرانيّة-إسينيّة: تقاطعاتٌ سياقيّة
ونختم هذه الجولة بمقارنة الصورة التي ترسمها سورتا آل عمران ومريم بممارسات الجماعات التي حفظت قمران أخبارها. وسنبدأ بالموضوعات، ويبقى «عمران» في أثناء ذلك اسماً للأسرة القرآنية ولأبي مريم، كما في التفسير المعروف. فنسأل أولاً: ما الذي يجمع الصورتين من نذر وخدمة وطهارة وتعليم؟ ثم ننظر بعد ذلك في أي اقتراح لغوي للاسم.
إذا جمعنا عناصر القصة القرآنية ظهرت أمامنا هذه الموضوعات المتقاربة:
- نذرت امرأة عمران ما في بطنها، فوضعت الأسرة بهذا النذر في بيئة تكريس وخدمة دينية، وصارت مريم منذورة لله من البطن على نمط النازير، كما قدمنا في الفصل الثامن.
- وفي المحراب، وكفالة زكريا، والانتساب الهاروني، ما يرسم صلة بمؤسسة دينية وبيت كهنوتي.
- وفي القصة معاني الاعتزال والصمت والطهارة، ولها نظائر في جماعات البرية، وإن كان ذلك لا يعني أن كل صمت فيها طقس قمراني مسمى.
- والتطهر بالماء يفتح باب المقارنة بين جماعات متعددة، على أن نميز المصبتا المندائية من مصطلحات قمران وممارساتها.
- والاصطفاء يجمع الأسرة على معنى رسالي، يمكن أن يستمر أثره في أتباع يأتون بعدها.
وفي المشهد لفظان ينقلاننا من وصف التعبد إلى صورة بناء ديني تنتظم فيه الخدمة، هما المحراب والكفالة.
فأما المحراب فصورته أوسع من كوة يُصلّى فيها. فالقرآن يقول في عمل الجن لسليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ (سبأ ١٣)، فيذكر المحاريب بين ما يصنعونه من منشآت. ونقوش جنوب الجزيرة تعرف mḥrb، أي «محرب»، اسماً لبناء في الحرم، وتعرف إلى جانبه mḥrm، أي «محرم»، اسماً للحرم نفسه، ومنه الاسم المعروف «محرم بلقيس». وهذا الاستعمال المعماري المقدس يساعدنا على أن نتصور الموضع الذي عاشت فيه مريم، ودخل عليها فيه زكريا.
وعلى هذه القراءة نرى مريم ربيبة حرم له بناؤه وخدمته، ونفهم أن زكريا كان يدخل عليها بحكم صلته بهذه المؤسسة الدينية. فهناك مكان قائم، وهناك من يتولون أمره.
﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾: فالاقتراع في هذا المشهد يوحي بأن للكفالة مكانة خاصة بين أهل تلك البيئة. ويمكن أن نقارنه بالطرق التي كانت تُوزّع بها مسؤوليات المقدسات، وإن كان المشهد بذاته لا يعيّن وظيفة مكية بعينها. والذي يعنينا هنا أن الأسرة والخدمة الدينية تجتمعان في مشهد واحد.
ويتصل اجتماع المحراب والكفالة بما قلناه عن الأسماء والوظائف في هذه البيئة: فحيث يكون حرم مبني تكون له خدمة ومسؤوليات، وقد يحمل الاسم ذكر المنصب كما يحمل ذكر صاحبه.
فهذه العناصر ترسم بيئة دينية تصلح لأن نقارنها بما حفظته جماعات قمران. لكن أسرة عيسى ﵇ تسبق تلك الجماعات بقرون في تأريخ الكتاب، فالصلة المحتملة بينهما أن تراث الأسرة استمر في تلك الجماعات، ولسنا نقول إن الأسرة كانت عضواً في تنظيم جاء بعدها، حتى لا تختلط الأزمنة.
قمران وعمران: تقارب الاسمين
يتقارب «قمران» و«عمران» في جرس اللفظ وفي هيكله، ويزداد هذا التقارب دلالة حين نضمه إلى صورة البيت الكهنوتي الذي نُسبت إليه مريم بقوله «يا أخت هارون».
لكننا نزن هذه المقابلة الصوتية بالصور المؤرخة للاسم، وبالشواهد التي تبين كيف نطقه أهل اللسان الواحد وكيف نقله غيرهم، ونزنها كذلك بما يجتمع مع الاسم من خبر وصفة.
فالصلة بين «قمران» و«عمران» اقتراح لا تشهد له صيغة قديمة وسيطة نعرفها، ولا خبر يصل الجماعة بالبيت نفسه. ولهذا نضع التشابه اللفظي إلى جانب المقارنة التاريخية والروحية، ولكل منهما مادته الخاصة.
أما المقارنة الروحية والتاريخية بين الاسمين فتقوم على مادة مشهودة: على النذر، والكهنوت، والطهارة، وحفظ الكتاب، وانتظار أن تتجدد الهداية. وهذه أمور يمكن أن ندرسها في النصوص مباشرة.
فيبقى اسم الأسرة القرآنية في موضعه من القصة، وتساعدنا وثائق قمران على أن نتتبع ورثة تراثها، فيجتمع فيها الاسم والخبر على معنى واحد.
هكذا تتحرك الذاكرة: تبدأ من البيت الذي خرج منه عيسى ﵇، ثم تنتقل إلى الجماعات التي حفظت خبره، ثم إلى البيئات التي أعادت تفسيره. وفي هذه المرحلة يظهر بولس، فينقل مركز الرسالة إلى بناء عقدي كان له أثر بالغ فيما جاء بعده.
الفصل ١١ ـ بولس: الرجل الذي لم يلتقِ المسيح وصنع المسيحيّة
يقول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: «وأعرّفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشّرت به أنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان ولا عُلّمته، بل بإعلان يسوع المسيح» (غلاطية ١: ١١ـ١٢). ثم يحكي ما فعل بعد ذلك: «للوقت لم أستشر لحماً ودماً، ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً إلى دمشق» (١: ١٦ـ١٧). فالرجل يشهد بنفسه أن إنجيله لم يأته ممن صحبوا يسوع؛ وعلى هذه الشهادة يقوم عنوان هذا الفصل.
نشأ شاول، الذي عُرف بعد ذلك ببولس، في طرسوس بكيليكيا، حيث يلتقي عالمان: الشريعة اليهودية والثقافة اليونانية. والأخبار تقدمه يهودياً بالمولد، فريسياً بالتربية، يحمل الجنسية الرومانية. ويروي سفر أعمال الرسل أنه حضر رجم استفانوس، وأنه كان يحفظ ثياب الراجمين. ثم صار هذا الرجل، الذي شارك في اضطهاد الدعوة، من أوسع مبشريها أثراً.
ويروي سفر الأعمال خبر تحوله على طريق دمشق في أكثر من موضع، وتحدثنا رسائله عن الكشف الذي تلقاه، وعن دعوته إلى التبشير. ولأن التجربة الروحية لها مكان معتبر في هذا الكتاب، نبدأ بما أحدثته في صاحبها، ثم ننظر في التفسير الذي أقامه عليها. فنحن لا نعرف أن بولس لقي يسوع قبل الصلب، لكنه لقي بعد ذلك بطرس ويعقوب وغيرهما، كما تخبر رسائله. وهذا الفرق بين أن يتتلمذ الرجل مباشرة وأن يتصل بالجماعة فيما بعد هو مفتاح لفهم مصدر سلطته فيها.
ويعطي جيمس تابور في «Paul and Jesus» دور بولس وزناً تأسيسياً في الصورة التي صارت إليها المسيحية، ويبرز ما بينه وبين يعقوب والجماعة الأولى من اختلاف. وهناك قراءات أشد نقداً، منها قراءة هايم ماكوبي في «The Mythmaker»، وقراءات أخرى تعارض تفسير نشأة التعبد بيسوع بمجرد استعارة وثنية. ولسنا ملزمين بأن نتبنى كل تفصيل في أي منها حتى نرى حجم التحول في نصوص بولس نفسها: فقد تغير مكان المسيح في الدعاء، وتغير تفسير موته، وموقع الشريعة، وانفتحت الجماعة على الأمم.
وفي غلاطية ١: ١٧–١٨ يذكر أنه ذهب إلى بلاد العرب، ثم عاد إلى دمشق، ثم صعد إلى أورشليم بعد ثلاث سنين. وهذه الرحلة تلفت النظر بعد ما عرضناه من الحياة الدينية في شمال الجزيرة، فلعلها أتاحت له أن يتصل بمن يحفظون خبراً أقدم عن المسيح. والرسالة لا تفصّل غرض الرحلة ولا مدتها، فنستخلص صلتها بتلك البيئات من القرائن التي تحيط بها.
كيف قرأ الباحثون تجربة بولس
ويتضح موضع الخلاف أكثر إذا قرأنا أيضاً تفسير الباحثين الذين يقتربون من فهم بولس من داخله. فأعمال N. T. Wright وLarry Hurtado وJames D. G. Dunn تناقش تجربته، وعلاقته بالجماعة الأولى وبالشريعة، وأهم ما نفيده منها يجتمع في النقاط التالية.
أولها ما أحدثته التجربة في حياته. فقد تحول من مضطهد إلى مبشر، واحتمل السجن والجلد في سبيل الدعوة، وهذا عند المدافعين عنه يرجح أنه صادق فيما اختبر. وفي كورنثوس الأولى، الإصحاح ١٥، يسرد أسماء من ظهر لهم يسوع بعد قيامته: بطرس، والإثنا عشر، وخمسمئة أخ معاً، ويعقوب، ثم يقول: «وآخر الكل - كأنه للسقط - ظهر لي أنا». فهو يجعل تجربته آخر السلسلة، ويميزها من تجارب الذين سبقوه.
وثانيها أن رسائله قديمة. فأقدمها يؤرخ بنحو ٥٠م، أما إنجيل مرقس فيؤرخ بنحو ٧٠م، فالرسائل أسبق في التدوين من الأناجيل المحفوظة. ولهذا تكون شهادة بولس قريبة العهد بالجماعة الأولى، وإن لم يلق يسوع في حياته. وينبه الباحثون هنا إلى أن صلة كتبة الأناجيل أنفسهم بالمشاهدة المباشرة مسألة خلافية، فلا يكفي هذا الاعتراض وحده لنسقط رسائل بولس ونقبل سائر الروايات المنقولة.
وثالثها اتصاله بالأعمدة. فهو يقول إنه أقام عند بطرس خمسة عشر يوماً بعد ثلاث سنوات (غلاطية ١: ١٨)، ثم عاد بعد أربع عشرة سنة ومعه برنابا وتيتس، فعرض إنجيله على يعقوب وكيفا ويوحنا، فأعطوه «يمين الشركة» (غلاطية ٢: ٩)، وأوصوه بأن يذكر «الفقراء». والمدافعون يقرؤون هذا الاتفاق توزيعاً للعمل بين الأمم واليهود، ودليلاً على أن بين الطرفين قدراً من الاعتراف المتبادل، وإن بقي بينهم خلاف.
ورابعها فهم موقفه من الشريعة. فهؤلاء يفرقون بين أن يُعفى الداخلون من الأمم من أحكام الختان والطعام والسبت بصورتها اليهودية، وبين أن تسقط القيمة الأخلاقية للشريعة. ففي رومية ٧ يقول: «الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة». وهم يرون أنه جعل الشريعة تكشف الخطيئة، وجعل المسيح يتمم مقصدها، ثم يصلون ذلك بقول يسوع في متى ٥: ١٧ عن التتميم.
ويرى لاري هورتادو أن التعبد بيسوع، كما يظهر في رسائل بولس، يمتد إلى جماعات يهودية مؤمنة سبقت نشاطه، وأنه لا يفسَّر بمجرد استيراد من ديانات الأسرار. وهذا اعتراض له وزنه على من يقول إن بولس ابتكر عناصر التصور كلها وحده، لكنه لا يلغي دوره في صياغتها، ولا في نشرها داخل جماعات واسعة. ويجد القارئ عرضه المباشر في «Jesus-Devotion and Historical Questions».
موضع اعتراضنا
فلهذه القراءة ما تستند إليه من حياة بولس ورسائله، ونحن نأخذ ذلك في حسابنا. لكننا نعيد السؤال إلى موضعه من هذا الكتاب: ماذا صنعت هذه التجربة بالتراث الذي وصل إليه، وكيف تغير مركز الرسالة في تبشيره؟
فالمصادر تدل على أن بين بولس والأعمدة اتصالاً واختلافاً، وتدل على صيغ تلقاها، وعلى عمل واسع قام به بين الأمم. والذي يعنينا هو ما فعله بهذه المادة: فقد صاغ بناء جعل المسيح محور الدعاء والخلاص، وغيّر حدود الدخول إلى الجماعة وصلتها بالشريعة، وكان الخلاف على المائدة والختان من صميم هذه الحدود. وهذا التحول يظهر في رسائله وعمله، ونستطيع أن نتتبعه، وعليه يقوم نقدنا لمشروعه. أما نياته الباطنة فلا ندعي أننا نعرفها، ولا نجعل كل تقليد إنجيلي صادراً عنه.
ولهذا نرى بولس من أبرز صانعي المسيحية الجديدة. فقد جمع مرويات ومعاني كانت متداولة، ثم أعاد ترتيبها في تصور امتلك قدرة واسعة على الانتشار. والذي يهم في دوره هو ما صنعه في البناء والنشر، وهذا أوضح من سؤالنا عمن سبق إلى كل عنصر بمفرده، لأن المشروع الذي صاغه هو الذي ترك هذا الأثر فيما جاء بعده.
ولنرجع إلى الرحلة العربية التي ذكرناها. فهنغل وشفيمر، في «بولس بين دمشق وأنطاكية» (١٩٩٧)، يربطان «بلاد العرب» في غلاطية ١: ١٧ بمملكة الأنباط في زمن الحارث الرابع، ويقارنان ذلك بذكر «والي الحارث الملك» في دمشق (٢ كورنثوس ١١: ٣٢). وهذا التعيين الجغرافي يحدد لنا بيئة الرحلة. أما غرضها فيُقرأ عادة على أنه نشاط تبشيري مبكر، ونحن نقترح احتمالاً آخر: أن يكون قد لقي هناك تراثاً توحيدياً أقدم. فالرحلة نعرفها من كلامه، أما ما تلقاه فيها فقد سكتت عنه رسائله.
وقد قرأ الدكتور محمد مصطفى منصور الرحلة على هذا الوجه أيضاً، فرأى فيها ذهاباً إلى من يحفظون خبر المسيح، وطلباً للمعرفة قبل أن يستقر التبشير. ونحن نأخذ بما لفت إليه النظر من هذا الاحتمال، ونقرؤه مع أخبار الرحلة ومع البيئة التي عرضناها.
بولس ضد الحواريين
والفرق بين بولس ومن عرفوا يسوع في حياته يطرح سؤالاً عن مصدر السلطة في الجماعة. فبولس يدافع عن رسوليته بما تلقاه من إعلان، ولا يجعل التلمذة الأرضية وحدها مصدرها. وتُظهر غلاطية ٢ خلافه العلني مع بطرس، أما أعمال ١٥ فيعرض اتفاقاً على ما يُطلب من الداخلين من الأمم. ويعقوب في هذا الفصل لا يقول بفرض الشريعة كلها عليهم، لذلك نقارن الصورتين كما هما، ثم ننظر فيما حفظته التقاليد الأخرى من الخلاف.
وفي «التعارفات» المنسوبة إلى إكليمندس، في الكتاب الأول، مشهد يهجم فيه على يعقوب عدو له، فيطرحه عن درج الهيكل. ويرى باحثون أن هذا العدو هو بولس، ويشهد لهم أن النص نفسه يجعله بعد ذلك يتوجه إلى دمشق بكتب من رئيس الكهنة ليقبض على المؤمنين، كما في خبر شاول في أعمال الرسل. فالرواية تحفظ ذاكرة الصراع بين الجماعة الأولى والاتجاه البولسي، وإن كانت قد وصلت إلينا في تحريرات أدبية متأخرة.
وفي الأدب الكليمنتي أيضاً تصور «النبي الحق»، وفكرة أن الهداية تستمر عبر الأنبياء. ونحن نصل هذا المعنى بفكرة وحدة النور وتتابع الرسالات، ونقارن صورة من يعارض النبي بما نعرفه، مثلاً، عن السامري في مقابل موسى. وهذه المقابلة الأخيرة من عملنا نحن، نضع بها الموروثين أمام سؤال واحد عن الهداية وما يعترضها.
افتتاح مرقس وإعادة قراءة النبوءة
يبدأ مرقس إنجيله بنص يجمع ألفاظاً قريبة من خروج ٢٣: ٢٠ وملاخي ٣: ١، ثم من إشعياء ٤٠: ٣، ويضعها في سياق يحيى ويسوع. فهو يعيد قراءة النبوءات بالقصة التي يرويها، فيصير طريق الرب الذي تذكره طريقاً تظهر فيه الشخصية الإنجيلية. وأهمية ذلك في المقام الذي يمنحه ليسوع. والأمر أوسع من أن يكون تغيراً في ضمير، فهو يبين لنا الطريقة التي بُني بها المعنى الجديد.
وكانت في رسائل بولس معان عالية عن المسيح قبل أن تدوَّن الأناجيل، بحسب التأريخ الغالب عند الباحثين. ولذلك يبدأ التأليه التدريجي من رسائل بولس نفسها، ثم يتطور في طبقات الأناجيل حتى يبلغ صيغته العليا عند يوحنا، وتتجاور فيه على طول الطريق صور متعددة. والألقاب نفسها، الرب وابن الله والمخلص، كانت تتحرك في أكثر من مجال: فلها استعمالات كتابية ودينية، ولها صلات بلغة عبادة القياصرة. فإذا قارنا بين هذه المجالات فهمنا ما كان المخاطبون يسمعونه في هذه الألقاب حين وصلت إليهم.
ويرى روبرت برايس أن كثيراً من القصص الإنجيلية يمكن أن يُفهم على أنه إعادة كتابة لمواد أقدم، ويجعل هايام مكّوبي في The Mythmaker لبولس دوراً تأسيسياً في الصياغة المسيحية الجديدة. ونحن نفيد من قوة السؤال الذي يطرحانه، لكننا نفصل بين آرائهما في المصادر وفي بولس وبين الوقائع التي تنطق بها الرسائل نفسها. فنقدنا للتحول قائم وإن لم نقبل جميع فرضياتهما عن ديانات الأسرار أو عن هوية بولس.
وفي How Jesus Became God يتتبع بارت إرمان كيف فهم الأتباع مكانة يسوع، فيجد عند بولس الاعتقاد بوجوده السابق وتجسده، بل ربما وجده في مادة تلقاها. فهذا التصور حاضر منذ وقت مبكر، ثم تتغير صياغته، وتتغير علاقته بالمؤسسة الدينية وبالإلزام. وعند هذا التغير يقع جانب أساسي من سؤالنا.
ويميز إيرمان بين تصور يبدأ بإنسان يُرفع، وآخر يبدأ بكائن سابق يظهر في صورة إنسان، ويضع بولس في الثاني. وقد شرح ذلك في «Incarnation Christology, Angels, and Paul». وهذه التفرقة تساعدنا على أن نقرأ الرسائل من داخل لغتها، وألا نختزلها في تبن روحي بسيط.
المادة الأقدم التي دخلت في البناء
وهذه الدراسات تقودنا إلى سؤال: ما الذي دخل في العقيدة اللاحقة من أخبار ومعان أقدم؟ وأصحابها يجيبون إجابات مختلفة، وجوابنا يختلف عن إجاباتهم أيضاً. فنحن نفيد من مناقشاتهم في تعيين الموضع الذي وقع فيه التحول، ثم نبني تفسيرنا على المادة التي جمعناها لهذا الكتاب.
ثم نرجع بهذه المادة إلى الطبقة التي نقترحها في زمن نبونيد، وهنا تبدأ إضافة الكتاب إلى النقاش. فأبحاث إيرمان وهورتادو وماكوبي لا تقرر هوية عيسى ﵇ ونبونيد، والوصل بينها وبين قراءة النقوش والقرآن والمرويات من عملنا نحن. فدراسة تكوّن العقيدة تفتح الطريق إلى هذه الطبقة، والمقارنات التي سبقت تبين حجتنا فيها.
ونستطيع الآن أن نقرأ لغة بولس بأفق أوسع، من رسائله نفسها. ففي كورنثوس الأولى ٨: ٦ يقابل بين الله الآب الذي منه الكل، والرب يسوع الذي به الكل. والفرق بين «منه» و«به» يسمح بأن ننظر في المصدر وفي الوساطة، لكنه يضع يسوع كذلك في علاقة كونية تتجاوز خبر المعلم في حياته الأرضية. وفي فيلبي ٢: ٦–١١ يذكر صورة الله، وإخلاء النفس، والطاعة، ثم يذكر أن الله رفّعه، وأن الركب تسجد له، وأن الاعتراف بربوبيته يكون لمجد الآب. فالخضوع لله وعلو المقام يجتمعان في المقطع الواحد.
ثم يشتد أثر هذا البناء في رومية ١٠: ٩–١٣، حيث يتصل الخلاص بالاعتراف بيسوع والإيمان بقيامته، وتدخل الدعوة باسمه في هذا السياق. وفي هذا النص نرى بوضوح ما فعله بولس بالمعاني التي تلقاها: فقد صارت صورة المسيح مركزاً للإيمان والنجاة، وخرجت من مجال الخبر والتفسير إلى حياة الجماعة ودعائها. ولهذا نعطيه هذا الوزن في صناعة المسيحية الجديدة، لأنه هو الذي رتب هذه العناصر، وربطها بمصير الإنسان، ثم نشرها على هذا الوجه بين الأمم.
وتظهر الثنائية في افتتاح كثير من رسائله، إذ يذكر الله الآب والرب يسوع معاً، ويجاورها في ختام كورنثوس الثانية ١٣: ١٤ ذكر نعمة المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس. وهذه المادة تبين كيف كانت اللغة تتحرك قبل أن تصوغ المجامع تعريفاتها التفصيلية. ونحن نقرأ ما صنعه بولس من داخل هذه الحركة، ونسأل: كيف تغيرت معاني البنوة والوساطة والتعبد في البناء الذي صارت له الغلبة؟ (١ كورنثوس ٨؛ فيلبي ٢؛ رومية ١٠؛ ٢ كورنثوس ١٣.)
وقد يكون وراء جانب من هذه اللغة تصور لحقيقة أولى، أو لكلمة ونور سبقا الظهور البشري. فإذا أنصفنا كلام الصوفي عن النور المحمدي، وجب أن ننصف النص المسيحي حين يتكلم عن الكلمة. والسؤال في الحالين واحد: هل المقصود حقيقة مستمدة من الله دالة عليه، أم ذات تُمنح استقلالاً ومشاركة في الألوهية؟ ثم نسأل بعد ذلك: كيف انتقل التعبير من شرح مقام الهداية إلى حصر ذلك المقام في فرد، حتى صار الإيمان بشخصه شرطاً للنجاة؟ هنا يضع الكتاب موضع التحول الذي يريد نقده، ولا يحكم على كل تعبير عن النور بأنه شرك لمجرد أن لغته ارتفعت.
ما بقي تحت الطبقة البولسية
فماذا يبقى من صورة المعلم إذا قرأناها خارج البناء البولسي؟ إن أخبار الأبيونيين تحفظ صورة مسيح بشري، ملتزم بشريعة موسى، تتصدر تعليمه عبادة الله والطهارة والأخلاق. ولهذه الصورة وجوه نقارنها بتعاليم الإيسيين في قمران، ثم بالدعوة القرآنية: «وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم» (المائدة: 72). فهذه العبارة مركزها عبادة الله، وهو رب المعلم ورب الذين يخاطبهم. وهذا المركز هو ما نتتبعه في التيارات التي حفظت للمسيح صورة أخرى.
فقد كان لبولس إذن أثر كبير في إعادة تشكيل الرسالة: جعل مصير يسوع محوراً للخلاص، وبدّل علاقة الجماعة بالشريعة، ومهّد لقراءات حصرت النور في شخص مؤله. ونحن نفهم هذا الأثر من رسائله، بما فيها من ذكر المسيح والروح، وبما يفرقها كذلك عن الصيغ المجمعية التي جاءت بعدها. وننتقل بعد هذا إلى الجماعات التي قاومت جوانب من هذا التحول، فحفظت وجهاً آخر للذاكرة المسيحية.
الفصل ١٢ ـ الأبيونيّون: الفقراء الذين عرفوا المسيح الحقيقيّ
«أبيونيم» في العبرية هم الفقراء، ونحن نقرأ في هذا الاسم معنى الافتقار والزهد، إلى جانب الحال الاجتماعية التي عاشها أصحابه. وقد وصفت المصادر الكنسية جماعات يهودية مسيحية تتمسك بالشريعة، وتعترض على بولس، وتأبى أن يُرفع يسوع فوق بشريته، فحفظت لنا بذلك وجهاً من المسيحية بقي خارج الصيغة التي غلبت. فإذا أردنا أن نتتبع صلة هذه الجماعات بكنيسة يعقوب وبالهجرة إلى بيلا، وجب أن نميز بين الأخبار؛ لأن يوسابيوس يروي أن جماعة أورشليم خرجت إلى بيلا، لكنه لا يسمي الخارجين جميعاً أبيونيين.
وتختلف الأخبار في وصف معتقدهم. فبعضها ينسب إلى فئة منهم القول بأن يسوع وُلد من أبوين، وبعضها يذكر فئة أخرى تقبل الميلاد العذري. لكن جانباً معتبراً من هذه الأخبار يلتقي على ثلاثة أمور: أنهم رفضوا أن يكون للمسيح وجود إلهي سابق، وتمسكوا بالشريعة، وعارضوا بولس. أما النباتية، ورفض الذبائح، وبعض تفاصيل المعمودية، فإنما تخص مواد بعينها وجماعات بعينها فيما عرضه إبيفانيوس وفي الأدب القريب منه. ونحن نقف عند هذه الفروق لأنها تدل على أن التقليد كان حياً متنوعاً، فلا نختزل قيمته في صورة واحدة.
ويحفظ إبيفانيوس عن بعضهم أن المسيح «يأتي إلى هنا متى شاء، كما جاء في آدم وظهر للآباء لابساً الجسد، والذي جاء إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب هو نفسه جاء في آخر الأيام» (الپاناريون ٣٠: ٣). وفي المواعظ الكليمنتية أن النبي الحق «منذ أول الدهر يبدّل صوره مع أسمائه، ويجري في الدهر حتى يبلغ أوانه» (٣: ٢٠). فقد عرف هؤلاء الفقراء أن المسيح أقدم من يسوع، وأنه يأتي بأسماء وصور شتى.
ما حفظته المصادر عنهم
طريقنا إلى الأبيونيين هو كتب الذين خالفوهم. فإيريناوس وأوريجانوس وإبيفانيوس وجيروم وأوغسطين نقلوا شذرات من معتقداتهم وأناجيلهم وهم يردون عليهم، في كتب يمتد زمنها من القرن الثاني إلى الخامس. أما كتبهم هم فلم يصلنا منها كتاب كامل في صورته الأصلية، نسمع فيه صوتهم من أوله إلى آخره. لذلك تحتاج قراءة هذه المادة إلى أمرين معاً: أن نستخرج ما حفظته تلك الكتب، وأن ننظر كيف أثرت الخصومة في اختيار الخبر وفي طريقة عرضه.
وهؤلاء الشهود لم يكتبوا في زمن واحد ولا في بيئة واحدة. فإيريناوس كتب نحو سنة ١٨٠م، قبل نيقية بمدة طويلة، أما إبيفانيوس فكتب في القرن الرابع، في عالم كانت المجامع قد أعادت فيه رسم حدود الاعتقاد المقبول. فلكل شاهد مسافته من الزمن الذي يصفه، وبيئته الجدلية التي يكتب فيها. ثم إن المصنف المتأخر قد يجمع أخبار جماعات متمايزة تحت اسم واحد، فعلينا أن نرد كل خبر إلى موضعه.
ومع ذلك تبقى لهذه الشهادات قيمتها. فالكاتب حين يعترض على القول ببشرية المسيح أو على التزام الشريعة، يدلنا على أن هذه المسائل كانت حية بين جماعات عصره، أو في المصادر التي نقل عنها. فإذا تتبعنا كيف نقل بعضهم عن بعض، وأين تفترق أخبار النصارى عن أخبار الأبيونيين وعن الكليمنتيات، ارتسمت أمامنا خريطة هذا التيار بفروعه المتنوعة.
فإذا جمعنا هذه المادة كلها رأينا تياراً مسيحياً يهودياً مبكراً، عاش في فلسطين والأردن وسوريا، وتمسك بالشريعة، ورفض أن يؤلَّه يسوع، وأبى أن يخضع لسلطة بولس. أما تفاصيل التعليم والطقوس فنقرؤها في كل مصدر على حدة، وننسبها إلى الجماعة التي يصفها. وهذه الصورة هي التي نعتمد عليها حين نقارن هذا التيار بالإسلام فيما يلي.
أوجه الالتقاء مع الإسلام
يلتقي هذا التيار بالإسلام في أمور كبيرة. فهو يُبقي المسيح في مقام العبد المصطفى، ويعظّم الشريعة والعمل والطهارة، وينقد تفسير الصلب بأنه فداء، وهذا النقد يسير في الاتجاه الذي يحسمه قوله تعالى ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾. ثم تظهر الفروق في تفاصيل التشريع، فعند هذا التيار نباتية ونقد لذبائح الهيكل، وفي الإسلام أحكام للطعام والذبح. فإذا نظرنا إلى الصلة والفرق معاً، فهمنا ما استمر من الاتجاه النبوي، وما تغير فيه.
وقد درس شوبس وباينز وآيزنمان ودو بلوا صلات مختلفة بين المسيحية اليهودية وما جاء بعدها من نصوص وجماعات. وأعمالهم تفتح للمقارنة مواد كثيرة، لكنها لا تنتهي إلى نتيجة واحدة يتفقون عليها في أمر الأبيونيين أو في نشأة الإسلام. فنأخذ منها ما يخص سؤالنا عن استمرار الرسالة، وننسب كل صلة إلى الباحث الذي قال بها.
وتلتقي هذه الصورة من جهة أخرى بما كتبه Geza Vermes، وهو مؤرخ مجري بريطاني، وأستاذ الدراسات اليهودية في أكسفورد، وأحد دارسي مخطوطات البحر الميت. ففي كتابيه «Jesus the Jew» (1973) و«The Religion of Jesus the Jew» (1993) يقدم يسوع رجلاً يهودياً تقياً من طراز «الحسيد» الجليلي، يعظ ويشفي في إطار الشريعة الموسوية، ويفصل بين دعوته وبين المؤسسة التي قامت باسمه من بعده. وهو يقول في ذلك:
يسوع، المبشّر المتحمس بملكوت الله الوشيك، لم يكن ليتصوّر فكرة تأسيس مؤسسة منظمة مقدَّر لها أن تستمر عصوراً.
فيسوع عند فيرمز معلم يهودي ملتزم بالشريعة، وهذه هي الصورة التي حفظتها أخبار الأبيونيين أيضاً. وما يهمنا من هذا الالتقاء أنه ينظر إلى تعليم الرجل وحياته، بعيداً عن صورة مؤسس الكنيسة المؤله التي استقرت فيما بعد.
أما هورتادو فيضع الخلاف على خلفية أخرى. فهو يرى أن التعبد بيسوع بدأ في جماعات يهودية مؤمنة، قبل أن يتسع نشاط بولس بين الأمم. فإذا أخذنا بقراءته، صارت مقاومة الأبيونيين جزءاً من نزاع مبكر نشأ داخل الذاكرة المسيحية نفسها. وهو في هذا يخالف القراءات التي ترى أن هذا التعبد مستعار من البيئة اليونانية، لكن المقارنة بين هذه الآراء جميعاً تفيدنا حين نبحث عن الموضع الذي وقع فيه التحول.
ويدرس غابرييلي بوكاتشيني في كتابه «Beyond the Essene Hypothesis» تنوع التيارات اليهودية في زمن الهيكل الثاني، ويقترح صلات بين التراث الأخنوخي وقمران. وخريطته هذه تساعدنا على أن نتصور الجماعات فروعاً في محيط ديني متحرك، ثم نضيف إليها من عندنا قراءتنا للأصل الأقدم في عيسى ﵇ ونبونيد. فهذا الامتداد قراءتنا نحن، أما دراسة بوكاتشيني فتقف عند المادة الأقرب إلى زمن الجماعات التي تدرسها.
المصادر التي نعرف بها الأبيونيين
وتتضح الصورة أكثر إذا عرفنا زمن كل مصدر وما حفظه. أما غياب كتبهم الكاملة فخسارة كبيرة، وهي جزء من تاريخ أوسع، غلبت فيه تقاليد وتراجعت أخرى، فتوقف الناس عن نسخ نصوصها. على أن ما جرى لكل كتاب بعينه يُعرف من الأخبار التي تخصه.
فأقدم إشارة محفوظة إليهم في الأدب المسيحي تعود إلى إيريناوس أسقف ليون في كتابه «ضد الهرطقات» (Adversus Haereses) الذي ألّفه نحو سنة 180 ميلادية. ويحدّثنا في الفصل السادس والعشرين من بابه الأول عن جماعة تنكر التجسّد وتعتبر المسيح إنساناً كاملاً وُلد من زواج طبيعي بين يوسف ومريم، وتلتزم بالشريعة الموسوية التزاماً تاماً، وتقرأ إنجيل متى وحده دون سائر الأناجيل. ويأتي بعده أوريجانوس السكندري في «ضد كلسس» (Contra Celsum)، المؤلَّف نحو 248م، فيميّز بين صنفين من الأبيونيين بحسب موقفهم من الولادة العذراء: فريق يرى يسوع ابن يوسف ومريم بالطريقة البشرية الطبيعية، وفريق يقبل ولادته من عذراء لكنه يرفض ألوهيته رفضاً قاطعاً. وأوسع الشهادات عند إبيفانيوس السلاميسي Epiphanius of Salamis في كتابه «Panarion» (المؤلَّف بين 374 و377م)، في الباب الثلاثين المخصّص للأبيونيين، حيث حفظ لنا مقتطفات من إنجيلهم الخاص الذي كان يدور بين أيديهم، ويُعرف بـ «إنجيل الأبيونيين» (Gospel of the Ebionites)؛ وبين أيدينا اليوم نحو ثماني شذرات منه منقولةً في كتاب إبيفانيوس نفسه. ومن هذه الشذرات نعلم أن الإنجيل الأبيوني كان يبدأ بمعمودية يسوع لا بولادته، وأن يسوع فيه يقول: «جئت لأُبطل الذبائح، وإن لم تكفّوا عن الذبح فلن يرفع عنكم الغضب». وهذا نصّ صريح في أن المسيح الأبيوني جاء ناقضاً نظام القرابين الهيكلية لا مؤسّساً لها.
وفي الكليمنتيات الزائفة مواد عن يعقوب وبطرس والشريعة، بحث ف. ستانلي جونز وغيره ما وراءها من مصادر مسيحية يهودية. وقد حفظت هذه المواد اعتراض الجماعة الأولى على بولس، كما يدل عليه خبر «العدو» الذي توجه إلى دمشق يحمل كتب رئيس الكهنة، وقد قدمنا ذلك في الفصل الحادي عشر. غير أن الكليمنتيات كُتبت على طبقات، فلا بد أن تُقرأ كل فقرة منها في طبقتها من التحرير.
أما رسالة جيروم ١١٢، الفقرة ١٣، فينبغي أن تُقرأ بوصفها كاملاً. فـ«النصارى» عند جيروم يؤمنون بالمسيح ابن الله، المولود من العذراء، والذي تألم في عهد بيلاطس وقام. فهم في وصفه قوم جمعوا إلى الارتباط بالشريعة إيماناً مسيحياً خاصاً، والرسالة بهذا تبين أن اسم «النصارى» لا يطابق كل ما تنقله مصادر أخرى عن «الأبيونيين»، وليس فيها ما يشهد بأنهم أنكروا الألوهية أو الصلب.
الحواريون: أبيضو الثياب
يدل الجذر ح–و–ر على البياض، ولهذا فُسّر اسم الحواريين ببياض ثيابهم، أو بصفاء خدمتهم ونصرتهم. ويصف يوسيفوس الإيسيين بأنهم يلبسون الأبيض، ويذكر طهارتهم وحياتهم المشتركة. فنحن نقارن بين الجماعتين في صورة أهل السلوك، أما صلة الجماعات بعضها ببعض فمسألة تاريخية أخرى تُبحث وحدها. ثم إن يوسيفوس لا يتحدث عن عقيدة الإيسيين في يسوع، وإنما ننتفع بوصفه في معرفة ملامح حياتهم.
وقد طرحنا من قبل أن اسم الحواريين قد يجمع الصفة والموطن معاً، إذا نظرنا إلى حوران وحران والحيرة. فقد يدل لقب الجماعة على خدمتها، وعلى المكان الذي جاءت منه في الوقت نفسه. وهذا احتمال نختبره في النصوص التي تسمي أهل هذه المواضع وتصف انتقالهم.
وللجذر وجه آخر يقودنا إلى معنى العودة. فابن فارس يجعل للحاء والواو والراء في «مقاييس اللغة» ثلاثة أصول، منها اللون، ومنها الرجوع. فـ«الحور» يكون في البياض، ويكون في الأوبة، كما في ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤)، وكما في «نعوذ بالله من الحور بعد الكور»، أي من الرجوع إلى النقص بعد الكمال. فإذا جمعنا المعنيين في صورة الحواري، كان صافياً، أواباً إلى الله. وبهذين المعنيين نصل الاسم بما قرأناه في «الذين هادوا» في الفصل الثاني، ثم بمعنى «عودة المسيح» الذي يدور عليه هذا الكتاب.
وفي الأكدية يدل «حرانو» على الطريق والرحلة، وأعمال الرسل تسمي الدعوة «الطريق»، والقرآن يكثر من ذكر السبيل والنصرة. ونقارن لفظ الحواريين كذلك بالكلمة الجعزية ḥawārəyā، وهي تدل على الرسول. فهذه الألفاظ تتجاور كلها حول معنى واحد: أن يحمل المرء الرسالة ويسلك طريقها. أما صلاتها في الاشتقاق فلكل لفظ منها تاريخه الخاص، ولذلك نبدأ المقارنة من وظيفتها الدينية، لأنها المدخل الأوضح.
كنيسة المساكين: الخيط من عيسى إلى النبي الخاتم
ونرى الفقر إلى الله خيطاً يصل تعليم عيسى ﵇ بأهل السلوك الذين حفظوه، ثم يصله بمعنى العبودية في الرسالة الخاتمة. وقد حملت هذا المعنى جماعات بأسماء مختلفة، منها «الفقراء»، وهي خط متصل من الخُلَّص يقوم مع كل نبي ويبقى بعده، وإن تفرقت في كتب التاريخ أخبار تسلّمه جيلاً عن جيل. والافتقار إلى الله لا ينافي الملك، فقد يملك الإنسان ويبقى عالماً بأن حوله وقوته من الله. وهذا المعنى هو الذي يلائم قراءتنا لعيسى النبي ﵇ الملك.
الصابئة الحرانيون: الفرع الآخر
عرفت حران جماعة حملت اسم الصابئة، وحفظت تقاليد دينية وفلسفية تميزت بها. ويروي ابن النديم قصة تجعل اتخاذهم هذا الاسم مرتبطاً بتهديد المأمون لهم، ونحن نذكرها خبراً منقولاً، لا محضراً شهد صاحبه الواقعة. وتصف الأخبار ديانتهم بأنها جمعت تعظيم أصل أعلى إلى طقوس كوكبية، وهذه مادة يُرجع في فهمها إلى رموزها. ومن هذه البيئة خرج ثابت بن قرة، المتوفى سنة ٩٠١م، الذي أسهم في نقل الرياضيات والفلك وفي تطويرهما.
وفي حران يعود إلينا سؤال استمرار التراث بإلحاح خاص. فقد مرت بنا هذه المدينة في خبر إبراهيم، ثم في حياة نبونيد وتعظيم سين، ثم في تاريخ الصابئة والفلسفة. فماذا حفظت طقوسها وأخبارها من الدين الأقدم؟ وماذا تغير منه وهو ينتقل من عصر إلى عصر؟ لهذا يهمنا أن تجتمع هذه الطبقات كلها في موضع واحد، ويهمنا ما قد يصلها بالجماعات التي حملت تعليم المسيح.
من هم «الصابئون» في القرآن؟
يقول القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾. والجذر ص–ب–أ يدل في العربية على الخروج من الدين، ونحن نفهم الوصف هنا على أنه لمن خرج من ملة قومه يطلب الله، ونقارنه بالمندائيين والحرانيين وغيرهم ممن ظلوا يطلبون الأصل الأعلى. ثم إن الآية تجعل الحكم معلقاً بشرط بيّن: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا». فالاسم يحكي تاريخ الجماعة، أما الأجر فمعياره الإيمان والعمل؛ فلا ينحصر معنى الآية في انتساب يرثه المرء عن قومه.
مواضع الالتقاء بين الأبيونيين والمسلمين
تفرقت المقارنة السابقة في مسائل عدة: مقام المسيح، والشريعة، والطهارة، وموقف الأبيونيين من بولس. ونحن نجمعها الآن في موضع واحد، ليرى القارئ كيف يتصل بعضها ببعض، وماذا يترتب عليها في فهم هذا التيار.
ويضع الجدول مواضع الالتقاء إلى جانب الفروق التي تؤثر في تفسيرها:
الجدول
| المسألة | ما تنقله المصادر عن الأبيونيين | وجه المقارنة |
|---|---|---|
| مقام المسيح | بشرية المسيح ورفض سابقية إلهية له عند جماعات يصفها أوريجانوس ويوسابيوس | صلة واضحة بصورة العبد الرسول في القرآن |
| الميلاد | اختلاف بين قبول الميلاد العذري ورفضه | لا تُنسب مخالفة القرآن في هذا إلى الجميع |
| الشريعة | تمسك بالختان والسبت وأحكام الطعام | اشتراك في مركزية التكليف، مع اختلاف أحكام الشرائع |
| بولس | رفض لسلطته عند الأبيونيين في أخبار الآباء | شاهد على خلاف مسيحي مبكر؛ القرآن لا يسمّي بولس |
| الصلب والفداء | في إنجيلهم: «جئت لأُبطل الذبائح»، فلا موضع عندهم لموت يُقرأ ذبيحة كفارية | التقاء في رد عقيدة الفداء التي يقوم عليها البناء البولسي |
| الذبائح والطعام | نقد الذبائح والنباتية في مواد معينة | الإسلام يقر الذبح المشروع؛ فليس هذا تطابقاً تشريعياً |
| الطهارة والزهد | حضور الاغتسال والنسك في وصف جماعات متصلة بهذا المجال | مقارنة في تربية الإنسان والعبادة، مع تمييز الطقوس |
قراءة الجدول
يدلنا هذا الجدول على أن اتجاهاً نبوياً متمسكاً بالشريعة بقي حياً داخل المسيحية المبكرة، يلتقي بالإسلام في الأصول، ويفترق عنه في بعض الأحكام. ونحن نرى أن هذه القرابة يفسرها أصل مشترك، ثم جاءت الرسالة الخاتمة فأحيت الهداية، وصححت ما اختلف الناس فيه. وكلما عرفنا أكثر عن الجماعات التي حملت هذا الموروث، والطرق التي سلكها، قويت هذه القراءة.
وعلى هذا النحو نفهم كيف استُقبلت الدعوة الإسلامية في بيئات عرفت قبلها أنبياء وكتباً وطرقاً للتعبد. ففي هذه البيئات من استجاب للتذكير، وفيها من قاومه. ونحن لا نرد انتشار الإسلام كله إلى سبب واحد، لكننا نرفض أن يُصور كلاماً لا جذور له في الذاكرة الدينية لهذه المنطقة.
وقد لفت روبرت إيزنمان وجيمس تابور في أعمالهما إلى المكانة التي كانت ليعقوب ولأهل البيت في قيادة الجماعة الأولى. ونحن نضع هذه المكانة إلى جانب ما يعنيه الإسلام بوراثة العلم والرسالة. غير أن الكليمنتيات تحفظ لبطرس دوراً كبيراً كذلك، فتتداخل أمامنا صور شتى لمن يقود الجماعة ومن هو أهل لقيادتها. فنفهم الوراثة الدينية من هذه المادة كلها، ونترك خلافات كل عصر في سياقها.
وفي كتاب «سلالة يسوع» (٢٠٠٦) يجمع جيمس تابور مادة أثرية وأخباراً عن الأنساب، ليبحث عن مكان الأسرة في الجماعة الأولى التي أحاطت بيسوع. وهو يصور هذه الجماعة مترابطة بالدين وبالقرابة معاً، وهذا ما يهمنا حين نحاول أن نفهم المكانة التي حفظتها أخبار الأبيونيين لتراث بني إسرائيل. ثم نصل نحن هذا المعنى الأسري بما عرفه الإسلام من استمرار البيوت النبوية ووراثة التعليم.
ما يحفظه هذا التيار
يضيف الأبيونيون إلى هذا الكتاب شاهداً على أن المسيحية لم تكن منذ بدايتها قولاً واحداً في المسيح والشريعة، فقد بقي فيها من يدافع عن النبي البشري، ويرفض الطريق الذي سلكه بولس. وفي ذاكرتهم نرى طرفاً من الخيط الذي جاء القرآن ليحييه، وستتبع الفصول التالية هذا الخيط في جماعات أخرى، اختلفت أسماؤها وتجاربها.
الفصل ١٣ ـ مجمع نيقية: لحظة التأليه الرسميّ
اختلف المسيحيون في قرونهم الأولى في مقام المسيح، وفي معنى رسالته، وفي علاقته بالله وبالشريعة، وكانت هذه الخلافات أكثر تشعباً من أن تُختصر في تيارين متجانسين. لكن الذي تغير حين دخلت السلطة الإمبراطورية هو أن الحسم في العقيدة صارت له قوة جديدة. ففي نيقية سنة ٣٢٥م اجتمع الأساقفة بدعوة من قسطنطين، فصارت صياغة الإيمان قضية تمس وحدة الإمبراطورية. ولهذا نرى في تلك اللحظة ثقلاً خاصاً: فالتصور الديني الذي كان موضع مناظرة صار يستند إلى الحكم وإلى الإكراه.
بدأ النزاع الذي قاد إلى نيقية في الإسكندرية، بين آريوس وأسقفه ألكسندر، وكان أثناسيوس يومئذ شماساً مع ألكسندر، ثم صار من أبرز المدافعين عن الاتجاه النيقاوي. كان آريوس يرى أن الابن سابق على العالم، وأن الآب خلقه بإرادته، فهو لا يساويه في الأزلية؛ لكنه لم يكن يراه مجرد إنسان بدأ وجوده بولادته. وهذه نقطة تمس الكتاب كله، لأن بعض ما قاله آريوس في الوساطة والسابقية أقرب إلى تصور العقل الأول مما توحي به ثنائية «إله أو نبي بشري فقط». ومع ذلك لا نسارع إلى جعل عقيدته هي عقيدة الصوفية، وإنما ننظر أولاً أين يضع التعبد، وكيف يرى علاقة الابن بالله، ثم نقارن المعنى بالمعنى. وأقر المجمع أن الابن مساو للآب في الجوهر، فحسم بذلك إحدى هذه المسائل بصيغة ستصير حداً للانتماء الكنسي.
حين صارت الصيغة شأناً إمبراطورياً
جاء الأساقفة إلى نيقية يحملون تصورات مختلفة لمكانة المسيح وعلاقته بالله، وقد رأينا لبعضها سوابق في رسائل بولس. فاختار المجمع صيغة محددة، وأدان ما يناقضها، ثم ظل الصراع على تفسيرها قائماً طوال القرن الرابع. فما الذي يجعل نيقية بهذه الأهمية؟ إنه ربط الاختيار العقدي بسلطان الإمبراطورية، فأعطى واحداً من الأقوال قوة تتجاوز المناظرة.
ومنذ ذلك الحين صار الانتماء إلى الكنيسة يقاس بصيغة، وصارت السلطة الحاكمة قادرة على أن ترفع أصحابها أو مخالفيها وتخفضهم. وقد استمر النقاش بعد سنة ٣٢٥م، لكنه صار يجري والنفي والمصادرة من شروطه. وهذه الصلة بين العقيدة والسلطة هي التي نفسر بها لماذا بقي بعض التراث متداولاً، وخفت صوت بعضه الآخر.
الإمبراطور والأساقفة
اشتهر في التقليد أن عدد المشاركين كان ٣١٨، وإن اختلفت الروايات في ذلك، وكان أكثرهم من المشرق، وحضر معهم مندوبون عن أسقف روما. والذي دعاهم هو قسطنطين، وهو رجل لم يتعمد إلا قرب وفاته سنة ٣٣٧م. فنحن هنا أمام علاقة تتكون بين الإمبراطور والكنيسة: رجل الحكم يجمع رجال الدين، ثم يتدخل في تسوية خلاف يمس وحدة دولته.
ويصف يوسابيوس في «حياة قسطنطين»، الكتاب الثالث، الفصل ١٠ كيف دخل الإمبراطور في ثوب إمبراطوري لامع، ثم جلس على مقعد منخفض بعد أن أشار إليه الأساقفة. فالمشهد في روايته يُظهر هيبة الملك، ويُظهر في الوقت نفسه احترامه للأساقفة. وقد نقرأ فيه مديح الكاتب للإمبراطور، فإذا قابلناه بما نعرفه من أفعاله، من دعوته المجمع، وتدخله في قرارات المجمع وعقوباته، رأينا في هذه الأفعال وزن السلطة في ذلك الاجتماع.
أقر المجمع أن الابن «مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر». وللفظ الجوهر في اليونانية تاريخ في الفلسفة واللاهوت، وقد تنازع الأساقفة في دلالته، وفي صلته بالكتاب. ثم صارت العبارة حداً يُقبل به المرء أو يُرفض، واقترنت بعقوبات نزلت ببعض من امتنعوا عنها. فانتقل النقاش من تفسير يواجه تفسيراً إلى صيغة تملك الدولة وسائل فرضها.
وكانت نيقية بداية مرحلة من التقنين، جاءت بعدها مناقشات القرن الرابع، ثم مجمع القسطنطينية وما تلاه، كما تبين أعمال لويس آيرز وخالد أناطوليوس. ونحن نصل هذا المسار بما رأيناه من قبل عند بولس، حين صاغ مكانة المسيح ونشرها، ونتتبع في الوقت نفسه الفروع والاختلافات التي نشأت في أثناء هذا الانتقال.
وينقل سقراط في «التاريخ الكنسي» (١: ٩) أمراً منسوباً إلى قسطنطين يقضي بإحراق كتب آريوس، ويتوعد من يخفيها. والخبر لا يحصي ما نُفذ من العقوبات، ولا ما فُقد من الكتب، لكنه يرينا نوع الوسائل التي صارت تُستعمل في الخصومة. ثم جاءت عهود تالية نالت فيها اتجاهات معارضة لنيقية حماية الأباطرة، فتبدلت مواقع القوة. وهذا التبدل نفسه شاهد على أن مصير القول صار مرهوناً بموقف البلاط.
معنى «رب» في اللسان والسياق
وقبل أن نتابع المجامع نقف عند عبارة «نؤمن برب واحد يسوع المسيح». فكلمة «رب» تُستعمل في اللسان السامي للسيد من البشر أيضاً. ففي سورة يوسف يطلب يوسف من صاحبه أن يذكره عند ربه (الآية ٤٢)، ويخبر أن أحد الفتيين سيسقي ربه خمراً (٤١)، ويستعمل اللفظ نفسه حين يتحدث عمن أحسن مثواه (٢٣). فاللفظ واسع، والسياق هو الذي يبين المراد منه في كل موضع.
ومثلُ ذلك في اليونانيّة. فلفظُ κύριος (كيريوس) هو الذي وَضعته الترجمةُ السبعينيّة موضعَ الاسم الإلهيّ، وهو في الوقت نفسِه لفظُ المخاطبة العاديّ الذي يُقال للغريب بمعنى «يا سيّد». به خاطبت المرأةُ السامريّةُ يسوعَ عند البئر قبل أن تَعرف من هو، في يوحنّا ٤: ١١، وبه خاطب سجّانُ فيلبّي بولسَ وسيلا، في أعمال الرسل ١٦: ٣٠. فاللفظُ الواحد يَحمل المعنيَين معاً، ولا يَفصل بينهما إلّا السياق.
ولهذا نقرأ «رب» مع سائر الجملة، ونسأل: ماذا تقول الجملة عن العلاقة بالله، وعن الخلق والعبادة؟ فقد يغيب لفظ homoousios، وتبقى دلالة الألوهية قائمة في بقية الكلام، وقد يكون اللقب وصفاً لسيادة بشرية. فإذا نظرنا في السياق على هذا النحو، استطعنا أن ننصف لغة الكلمة والنور، وأن نحدد بدقة أين يقع الخلاف العقدي.
اكتمال البناء والوصف القرآني
جاء الإيمان بالروح القدس في قانون نيقية سنة ٣٢٥م موجزاً، ثم جاءت الصيغة المرتبطة بمجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م ففصّلت وصفه، وجعلته الرب المحيي المنبثق من الآب. فإذا قارنا نص قانون نيقية بهذه الصيغة، رأينا كيف اتسع التحديد العقدي لمعنى ورد أولاً في عبارة قصيرة.
وكان قبل مجمع القسطنطينية مرسوم تسالونيكي سنة ٣٨٠م، أصدره ثيودوسيوس مع شريكيه في الحكم، فجعل الإيمان المقبول هو ما يُرجع فيه إلى أسقفي روما والإسكندرية، وسمّى المخالفين هراطقة. وفي هذا المرسوم تظهر المسألة التي يعالجها هذا الكتاب: فالاختلاف لم يبق شأناً من شؤون التعليم وحده، وصار تصنيفاً قانونياً تمارس الدولة سلطتها بمقتضاه.
وعلى خلفية هذا التاريخ نقرأ تحذير القرآن من الغلو، ومن اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً. فقد كان القرآن يخاطب عالماً تركت فيه المجامع أثرها، وصارت فيه لصيغ الاعتقاد حرمة تحميها المؤسسة. وهنا يرد السؤال الذي يعنينا: كيف يتحول الاعتراض على تفسير بشري إلى اعتراض يُنسب إلى الله نفسه؟ ونحن نفهم تصحيح صورة المسيح على أنه تحرير للإيمان من هذا الخلط بين الوحي وقرار رجال الدين.
المجامع السبعة: كيف تحددت الصيغة الرسمية
وتناولت المجامع بعد نيقية مسائل مختلفة، فبحثت في الروح القدس، وفي وحدة شخص المسيح، ثم في طبيعتيه، ثم في مشيئته، ثم في الصور المقدسة. وهي لم تكن تعيد إنشاء الثالوث في كل مرة، لكنها كانت في كل مرة ترسم حدود القول المقبول، وتحكم على من خالفه بأنه خرج عنه.
ويجمع الجدول التالي أهم هذه المحطات، فيضع موضوع كل خلاف إلى جانب أثر القرار في أصحابه:
الجدول التحليلي للمجامع المسكونية السبعة
| المجمع | السنة الميلادية | موضوع القرار | دلالته في هذا الكتاب |
|---|---|---|---|
| نيقية الأول | ٣٢٥ | علاقة الابن بالآب والمساواة في الجوهر | إدانة آريوس وصيغ معينة في خلق الابن؛ تثبيت صيغة بمساندة الدولة |
| القسطنطينية الأول | ٣٨١ | تأكيد الإيمان النيقاوي وتحديد أوسع لمقام الروح القدس | تضييق مجال الصيغ المخالفة وتوطيد الدعم الإمبراطوري |
| أفسس | ٤٣١ | وحدة شخص المسيح ولقب والدة الإله | إدانة نسطور؛ خلاف في كيفية التعبير عن الاتحاد لا بين إيمان بالألوهية وإنكارها |
| خلقيدونية | ٤٥١ | طبيعتان في شخص واحد بلا اختلاط ولا انفصال | ترسخ انقسام مع رافضي الصيغة؛ وهم لا يعدّون أنفسهم منكري بشرية المسيح |
| القسطنطينية الثاني | ٥٥٣ | إدانة الفصول الثلاثة ضمن نزاع تفسير التراث | محاولة لتحديد القراءة المقبولة للمجامع السابقة ومعالجة الانقسام |
| القسطنطينية الثالث | ٦٨٠–٦٨١ | مشيئتان وفعلان في المسيح | إدانة القول بالمشيئة الواحدة؛ وقع بعد ظهور الإسلام |
| نيقية الثاني | ٧٨٧ | إقرار تكريم الأيقونات مع تمييزه من العبادة في لغة المجمع | خلاف في الصورة وممارستها، مع اشتراك الطرفين في أصول عقدية مسيحية |
وقد خلّفت هذه النزاعات كنائس ما زالت إلى اليوم متمايزة في تقاليدها: الكنائس الخلقيدونية، والكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية، وكنيسة المشرق. ولأهل كل منها عبارتهم في الاتحاد، فغير الخلقيدونيين يتمسكون بإنسانية المسيح، وكنيسة المشرق لا تختصر اعتقادها في القول بشخصين منفصلين. وسنقرأ هذه الصيغ في الفصل السابع عشر كما شرحها أصحابها، ثم نقارنها بالمعاني التي يتتبعها هذا الكتاب.
قراءة النمط
إذا نظرنا إلى هذا المسار مجتمعاً ظهرت ثلاث مسائل:
فأولها أن الحدود العقدية تتراكم: فالتعبير قد يُقبل في مرحلة، ثم يصير بعد النزاع علامة على الانحراف. وهذا يمس قراءة النصوص القديمة نفسها، لأنها تُحاكم من جديد بألفاظ لم تكن قد استقرت عند أصحابها. فلا بد أن ننصف لغة النور والكلمة قبل أن نُسقط عليها حدود المجامع كلها.
والثانية أن السلطة الحاكمة شاركت في تقرير مصير الخلاف. فقد كانت للمتناظرين أسئلة فكرية حقيقية، لكن انتشار الأجوبة تأثر بالحماية والنفي والتعيين في مناصب الكنيسة. فما يستطيع الناس أن يعلّموه وينسخوه ويورثوه لمن بعدهم يتأثر بمن يحمي المعلم والكتاب، ومن يمنعهما.
والثالثة أن الاتجاهات التي هُزمت بقي عندها اعتراض على المذهب الغالب، كرفض مساواة الابن بالآب، أو الاعتراض على عبادة الصورة. ونحن نرى لهذه المقاومة أثراً أوسع مما يتركه لها تاريخ المنتصرين، ونرى فيه بقايا من التوحيد الأقدم. لكننا نقرأ كل جماعة في مجموع اعتقادها، حتى نعرف أين حفظت هذا المعنى، وأين اختلفت عنه.
سلطان الصيغة الدينية
فقد رأينا كيف ضاق المجال على تعبيرات قديمة، وكيف صار للإيمان الرسمي جهاز يحمي حدوده. وهنا يعقد الكتاب الصلة بين تاريخ المجامع وفتنة الدجال: فصورة المسيح خرجت من مجال الهداية والبحث، ودخلت في بناء عقدي ملزم تحرسه الدولة. أما المسيح، والرجل الذي حملت الروايات اسمه، فحقيقة كل منهما أكبر من أن يختصرها هذا البناء.
وسيتابع الملحق الرابع ما يصل هذه المجامع بالنصوص وبالسلطة، وبالذاكرة التي بقيت خارجها. أما الفصول التالية فتقترب بنا من الجماعات والكنائس نفسها، ولكل منها تجربته وتعليمه.
الفصل ١٤ ـ المندائيّون: شهود التوحيد الأحياء وحُرّاس الذاكرة الآراميّة
ما زال الصابئة المندائيون، في العراق وإيران وبلاد المهجر، يحفظون كتباً وطقوساً بالآرامية المندائية. فهم جماعة لم تنقطع حياتها الدينية، ومنها نسمع رواية تأتينا من خارج المدونة الكنسية. وقد فرقت الهجرة أبناءها في البلاد، لكنهم ما زالوا يحفظون لسانهم وطقسهم، ولهذا كان لشهادتهم مكان خاص في هذا الكتاب.
واسمهم مشتق من «مندا» (manda)، أي المعرفة، وهي التي تقابلها في اليونانية كلمة γνῶσις (گنوسيس) (gnōsis). فهم «أهل المعرفة»، والمعرفة عندهم دينية، يجتمع فيها الوحي والتطهر والطقس، وهي أوسع من التأمل المجرد وحده. ويحملون كذلك اسم «الصابئة» الذي ورد في القرآن ثلاث مرات، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾ (المائدة: 69).
كنزا ربا والنصوص الآرامية الحرة
وفي قلب كتبهم يقوم «كنزا ربا»، أي الكنز العظيم، وفيه أخبار عن العالم وعن الهداية وعن مصير النفس. ومادته طبقات بعضها فوق بعض، يرى الباحثون أن لبعضها صلات بالعصور القديمة المتأخرة، وتواريخ هذه الطبقات غير تواريخ النسخ التي بقيت لنا منه. لذلك نقرأ كل خبر فيه في موضعه، ونراعي ما نعرفه من زمن تحريره ومن طريق انتقاله.
نشأ هذا التراث خارج قانون الكتب الذي أقرته الكنيسة، لكنه عاش على صلة بجيرانه، وبالجدل الديني الذي كان يدور حوله. ولأنه مختلف عن المدونة الكنسية، فهو يتيح لنا أن ننظر من زاوية أخرى. ثم إن تاريخ نقله وتحريره يدلنا على ما حفظه، وما أعاد صياغته.
ويحتل يحيى في هذه النصوص، وهي تسميه يهيا يهانا، مكانة بارزة، فهو المعلم وهو المُعمِّد. ومن حوله في العالم المندائي شخصيات نورانية، وأخبار عن الخلاص والمعرفة، لا يصح أن تُختزل في الترتيب المألوف للأنبياء وحده. وأكثر ما يلفت النظر أن يحيى بقي مركز التعليم والطقس في تقليد لم يندمج في الكنيسة.
وهذه المكانة تدعونا إلى مراجعة الصورة التي تجعل عمل المعمدان كله تمهيداً قصيراً لظهور يسوع، فنرى أخبار المعلم والتلميذ من جهة أخرى. ثم نلاحظ أن بعض النصوص المندائية يهاجم يسوع نفسه، على خلاف موقف الأبيونيين. وكلا الموقفين غير موقفنا، فنحن نرى الرجل صالحاً، وننقد البناء العقدي الذي حمل اسمه.
والمصبتا (maṣbuta) من صميم الحياة المندائية، وهي تعميد يتكرر في الماء الجاري. ولأن الطقس يشترط الماء الجاري، فهمنا لماذا ارتبطت الجماعة بالأنهار في جنوب العراق وجنوب غرب إيران؛ فالماء عندهم جزء من الحياة الدينية اليومية، يتجدد به التطهر. ونقارن حضور الماء هذا بما ورد في قصة مريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 24)، والسري في أحد معانيه النهر الصغير. فحين يقترن الخبر المقدس بالماء الجاري، قد نرى فيه أثراً لتقليد سامي يصل الطهارة بالحياة والولادة، وبهذه الصلة نقرأ المشهد القرآني والطقس المندائي معاً.
«مشيحا كدابا» في الذاكرة المندائية
وفي نصوص مندائية تسمية حادة هي «مشيحا كدابا»، أي المسيح الكاذب، ترد في سياق جدل ديني شديد. ونحن نأخذ هذه الحدة كما هي، ونقرؤها جدلاً، فهي لا تصف نية الرجل التاريخي وصفاً محايداً. إنها تخبرنا كيف رأت الجماعة خصمها، وما الذي رفضته من التصور المنسوب إليه.
ففي مواضع من الجنزا يظهر يسوع في جدل عن الكذب والدعوى الدينية، وتقابله النصوص بشخصيات نورانية مثل أنوش عثرا. ومن أراد مراجعة هذه المادة وجدها في الجنزا اليمين، في الكتابين الأول والثاني، وفي ترجمة لدزبارسكي (١٩٢٥). وهي صورة صاغها التقليد المندائي لخصمه، فلا نأخذها شهادة بأن يسوع التاريخي نطق حتماً بكل ما نسبته إليه. أما في قراءتنا فالنقد يقع على الصورة العقدية التي رُكبت على اسمه.
وفي الفصل الثلاثين من «كتاب يحيى المندائي» يلتقي يسوع بيحيى، ويدور اللقاء حول التعميد والصدق والدعوى. وطبعة هيبرل ومكغراث (٢٠٢٠) تتيح لنا أن نتابع ألفاظ الخبر في سياقها. وأهمية هذا الخبر في الخلاف الذي يحفظه حول هوية المسيح ومعنى عماده. أما لفظ «المسيخ» بالخاء في عنوان كتابنا فصياغة عربية لمعنى التشويه الذي يعالجه الكتاب، وتبقى التسمية المندائية على صورتها في نصها.
وقد تكون هذه المشاهد حاملة لذاكرة أقدم، صيغت صياغة جدلية في زمن متأخر، ولهذا نطلب زمنها في ألفاظها وفي قرائنها التاريخية. فحدتها تخبرنا بشدة الخصومة، أما العصر الذي نشأت فيه فتعيّنه مادة أخرى من النص ومن تاريخه.
فنحن نفرق في هذه القراءة بين ثلاثة: يسوع كما نراه، رجلاً صالحاً؛ وصورته كما رسمها الجدل المندائي؛ والمنظومة التي تشكلت باسمه. فإذا فرقنا بينها على هذا النحو، أفدنا من شهادة الرفض، ومما تحفظه من صراع على الذاكرة، وبقي تفسيرنا للرجل بعيداً عن التهم التي صاغتها الخصومة.
وبالإنصاف نفسه نقرأ شخصيات النور المندائية. فـ«عثرا» و«أنوش» نفهمهما من مرتبتهما، ومن صلتهما بالمصدر الأعلى، ومن وظيفتهما في الهداية، كما نفعل حين نقرأ الكلمة في المسيحية والنور المحمدي. ومن هذا الباب نقارن أنوش بصورة المسيح كما يقرؤها هذا الكتاب. أما أن نصله بنبونيد فتلك قراءتنا نحن، لأن الاسم البابلي لا يرد في النص المندائي.
وهنا تظهر صلة هذا كله بعنوان الكتاب. فنحن نقابل في الأدب بين «المسيح» و«المسيخ»، والنصوص المندائية تحفظ عبارة «مشيحا كدابا» حين ترفض صورة المسيح التي تعارضها. والقراءتان تختلفان في بعض ما تقولانه عن الرجل، لكنهما تلتقيان عند سؤال واحد: ما الفرق بين الرسالة الأصلية والصورة التي جرى تعظيمها لاحقاً؟
ونصل بهذا السؤال صوراً من النبوة العبرية. ففي زكريا: «ونظروا إلي الذي طعنوه فناحوا عليه» (וְהִבִּיטוּ אֵלַי אֵת אֲשֶׁר־דָּקָרוּ (وِهِبّيطو إيلاي إيت أَشِر داقارو)، ١٢:١٠)، ثم «اضرب الراعي فتتبدد الغنم» (١٣:٧). والتلمود البابلي، في سوكا 52a، يطبق خبر المطعون على «المسيح بن يوسف» المقتول. ونحن نجمع هذه الصور لأنها تحفظ خبر الممسوح الذي يُطعن أو يُضرب، وما قد يطرأ على خبره من تبدل. والمقارنة هنا من عمل الكتاب، فهو يضع النصوص بعضها إلى جانب بعض، ولا يفترض أن المندائيين عرفوا زكريا أو نقلوا عنه، ولا يجعل هذه الصور مادة يُفسَّر بها أصل الوحي القرآني.
الأصل الجغرافي وخيوط الإيسيين
واختلف الدارسون في أصول الجماعة: فمنهم من يردها إلى بيئات غربية، ومنهم من يردها إلى بلاد الرافدين. فأصحاب التفسير الغربي يبحثون في صلاتها المعمدانية، وأصحاب التفسير الرافدي يقارنونها بتراث العراق. وأي التفسيرين أخذنا، فالمرجع هو النصوص والطقوس والطرق التي انتقل فيها الناس، ومنها نعرف ما يتصل بهوية المسيح، وما يخص تاريخ الجماعة وحدها.
وبين المندائيين وجماعات الطهارة القديمة وجوه نقارن فيها: فالماء عندهم في المركز، ولهم تعليم خاص، ولسانهم آرامي، وهم يميزون بين من في داخل الجماعة ومن هو خارجها. لكن بينهم وبين تلك الجماعات فروقاً مؤثرة أيضاً، منها أن للزواج والأسرة مكانة عند المندائيين، في حين تنزع بعض الجماعات النسكية إلى العزوبة. وهذه الفروق تساعدنا على أن نميز الفروع بعضها من بعض في مجال ديني مشترك، وتبقى القرابة بينها قائمة.
رواية الانتقال إلى بلاد الرافدين
وفي «حران كويثا»، الذي نشرته إثل دراور سنة ١٩٥٣، رواية مندائية تحكي كيف هاجرت الجماعة، ومن حماها، وكيف انتقلت حتى بلغت مواطنها. ونحن نقرؤه أولاً خبراً ترويه الجماعة عن أصولها، ثم نقارن ما فيه بما يمكن تعيينه من الملوك والأمكنة.
تذكر الرواية مواضع غربية، و«حران الداخلية»، وملكاً اسمه أردبان حمى الجماعة، ثم تحكي انتقالها إلى بلاد الرافدين. وقد اختلف الباحثون في تعيين أردبان، وفي تأريخ مراحل الخبر، والاسم وحده لا يكفي لأن نحدد للهجرة سنة بعينها قبل خراب أورشليم.
وما يهمنا من هذا الخبر أن الجماعة انتقلت إلى حماية في الشرق، ومرت في طريقها ببيئات آرامية متعددة. ثم إن عنوان الرواية نفسه يحمل اسم حران، فيضع ذاكرة الجماعة في المجال الذي عرفناه في سيرة نبونيد ومعبد سين، على الطريق الذي يمتد منه إلى جبال الماذيين؛ وإن كان بعض الدارسين قد قرأ الاسم «حوران الداخلية». ولكل موضع من هذه المواضع شأنه في هذا الطريق.
و«حران كويثا» متأخر التدوين، وقد اختلف المختصون في مقدار ما يحفظه من تاريخ، ومقدار ما صيغ فيه ليفسر أصل الجماعة. فنحن نفيد منه أولاً في معرفة الطريقة التي روت بها الجماعة رحلتها، ثم نقابل ما يسميه من ملك وموضع بما يأتينا من خارج الرواية.
شهادات مختلفة في محيط واحد
تلتقي هذه الشهادات في الاعتراض على وجوه من المسيحية الرسمية، ثم تختلف في وصف يسوع. فالأبيوني يقبله معلماً بشرياً، والنص المندائي قد يهاجم الشخصية نفسها، أما القرآن فيثبت مقام عيسى ﵇ وينفي الغلو فيه. ونحن نقرأ هذا الاختلاف أثراً من آثار الصراع على الذاكرة، ونرى أن الفصل بين عيسى ﵇ ويسوع والبناء اللاحق يفسر جانباً منه. وأما بولس فيرد اسمه في مواد الخلاف المسيحي، والقرآن لا يسميه؛ والمقارنة بين هذه المواد كلها من عمل الكتاب، وهي التي تُظهر لنا التحول.
وللمكان نصيبه في هذه المقارنة. فقد عاش المندائيون على أنهار العراق، بين الفرات ودجلة وشط العرب، في الأرض التي حملت الحضارتين السومرية والبابلية. وإلى الشمال منهم تقع حران، وقد مرت بنا أخبارها مع إبراهيم ونبونيد والصابئة. وفي وسط العراق تبرز الحيرة، بتنوخييها وأديرتها، وإلى جوارها الكوفة والنجف، وما اتصل بهما من ذكر الإمام علي، ومن التعليم الشيعي، والانتظار المهدوي. فإذا نظرنا إلى خريطة الرافدين من أعالي الجزيرة إلى البصرة، رأينا عليها طبقات مختلفة من الذاكرة الدينية. وإلى جانب هذا الطريق يمتد الطريق الحجازي، من تيماء إلى فدك وخيبر ويثرب ومكة. وبين الطريقين نرسم المجال الذي انتقلت فيه أخبار التوحيد، وتنوعت فيه جماعاته.
سعة اسم الصابئين
ذُكر الصابئون في القرآن ثلاث مرات، في سياق نقرأه مقربا لهم من أهل الكتاب ومن أهل العمل الصالح، وقد اختلف المفسرون في تعيينهم. فالطبري يذكر في «جامع البيان» أقوالاً تجعلهم بين النصارى والمجوس، وأقوالاً أخرى تصلهم بأهل الكتاب وبقراءة الزبور. و«صبأ» في العربية معناه انتقل من دين إلى دين، ولهذا سمت قريش المسلمين الأوائل «الصباة». ويفرق بعض الدارسين بين صابئة حنفاء كانوا على دين إبراهيم وإدريس، وصابئة دخل في طقوسهم تعظيم الكواكب، ويصلون هذا الفريق الثاني ببعض الحرانيين. أما هذا الكتاب فينظر إلى الاسم من جهة سعته، فهو يتسع لكل من خرج يطلب التوحيد خارج الحدود الطائفية المستقرة. ونحن نرى المندائيين بقية حية من هذا المجال الأوسع، ونرى لهذا المجال صلة محتملة بالحنفاء والإيسيين، وربما بالأبيونيين الأوائل. فالذي يجمع هؤلاء في نظرنا هو طلب الله والعمل الصالح، قبل أن يصير الاسم حداً لجماعة بعينها.
وقيمة المندائيين في هذه الذاكرة الآرامية الحية التي حفظوها خارج الحدود الكنسية. وقد حقق الباحثون كتبهم ودرسوها، ومادتها تدخل هنا في صميم المقارنة بين النقوش والقرآن والأناجيل، ونحن نفهم لغتها الروحية كما نفهم لغة سائر الشهود.
وأكثر ما يهم هذا الكتاب من هذه الذاكرة موضع يحيى فيها. فالمعلم المعمد يحتل فيها مكاناً مركزياً، في حين ترفض بعض نصوصها صورة يسوع. ونحن نفسر ذلك بأن الجماعة وريثة لطريق يحيى، فمن الطبيعي أن تحفظ للمعلم الذي طهر وعمد مقامه البارز. ثم نقارن هذه الذاكرة بخبر الشافي في صلاة نبونيد، وبما نقترحه من أن عيسى ﵇ هو الملك الذي حفظ السجل البابلي اسمه. فهذه المقارنة تعطينا تفسيراً لتصدر يحيى، وللاضطراب الذي وقع حول هوية المسيح؛ أما تسمية الشافي بيحيى، والمطابقة بنبونيد، فقراءة هذا الكتاب. ثم إن الجماعة تعيش في الجغرافيا الرافدية نفسها التي يضع فيها الكتاب أصل الموجة.
الصابئةُ الحرّانيّون: شهودُ الشمال
لحران تاريخ طويل في عبادة سين، يمتد من عناية نبونيد بمعبده «إيخولخول» إلى الجماعات التي سمتها المصادر الإسلامية بالصابئة. وقد تتبعت تامارا غرين هذا الاستمرار في كتابها «The City of the Moon God: Religious Traditions of Harran» (١٩٩٢)، فرأت اسم المدينة يبقى مقترنا بما تسميه إله القمر قرونا بعد سقوط بابل. ونحن نقرأ ما تسميه غرين إله القمر اسماً للعلي، علامته القمر، ففي هذا المكان الواحد نقرأ معرفة بالإله الأعلى ظلت مستمرة من عصر نبونيد إلى القرون الإسلامية.
وفي أخبار الحرانيين حديث عن العلة الأولى، وعن مكانة الكواكب والوسائط، وعن اشتغالهم بالعلوم. فإذا أردنا أن نفهم تقليدهم، قرأنا هذه الجوانب كلها معاً، وسألنا: ما الذي يعنونه بالأصل الأعلى؟ وكيف تصلهم به الرموز والطقوس؟ عندئذ نستطيع أن نعرف موقع التوحيد في تصورهم، وما الذي يفرق هذا التصور عن البيان القرآني.
ونحن نرى وراء هذه الرموز معرفة متوارثة بالإله الأعلى، تتصل بما قرأناه في نقوش نبونيد، حين عظم سين في أفق التوحيد. ونقرأ هذه المعرفة في كلام أصحابها، وفي الطقس نفسه، أما أوصاف من خالفوهم فنقرؤها ونحن نعلم ما فيها من خصومة.
ونحن نضع حران في الشمال والمندائيين في الجنوب على خريطة واحدة للمعرفة والعبادة في الرافدين، لنعرض ما بينهما من صلات أقدم. فالجماعتان يجمعهما المكان، واللسان الآرامي، واسم الصابئين الواسع الذي حملته كل منهما. وفي هذا الاسم كما ورد في القرآن نقرأ سعة ذلك المجال، وكثرة الجماعات التي حفظت كل منها جزءاً منه.
الفصل ١٥ ـ خريطة الجماعات والاعتراض على العقيدة الرسمية
عرفنا الأبيونيين والمندائيين، ولم يكونوا وحدهم. فإذا وسّعنا الخريطة رأينا جماعات أخرى اعترضت على العقيدة الرسمية، كل منها على طريقته: فمنها من رفض أن يُساوى المسيح بالله، ومنها من خالف في فهم التجسد، أو في العبادة، أو في سلطة الكنيسة. ويرى الكتاب في هذه الأصوات بقايا بحث متصل عن الأصل، وإن اختلف ما بقي منه عند كل جماعة.
والجماعات التي نجمعها هنا متباعدة في أزمانها، فرتبناها بحسب ظهورها في المصادر، حتى نرى كيف عادت الأسئلة نفسها في صور مختلفة. وقد تتشابه خبرتان من غير أن ينتقل شيء من إحداهما إلى الأخرى انتقالاً تنظيمياً مباشراً. وأدرجنا معها بعض حالات الاضطهاد، لأنها ترينا كيف عملت السلطة، وبيّنا في كل حالة ما كان يعتقده أصحابها.
الخريطة الشاملة
| الجماعة | المرحلة | المجال | وظيفتها في المقارنة | طريق الاتصال |
|---|---|---|---|---|
| الناصريون | القرون المسيحية الأولى | الشام وفلسطين | التزام بالشريعة مع إيمان مسيحي تختلف تفاصيله في المصادر؛ لا يساوون جميعاً الأبيونيين | وراثة من جماعة أورشليم الأولى |
| الأبيونيون | من القرن الثاني في الشهادات المسماة | فلسطين وشرق الأردن والشام | حفظ بشرية المسيح والشريعة ومعارضة بولس في الأخبار المنقولة عنهم | وراثة من جماعة أورشليم الأولى |
| الإلكسائيون | من القرن الثاني | المشرق | تعميد ووحي وصورة ملائكية للمسيح؛ لا تختزل في نبوة بشرية بسيطة | وراثة معمدانية، ومنها نشأ ماني |
| المندائيون | تراث من العصور القديمة المتأخرة باقٍ | العراق وإيران والمهجر | ذاكرة معمدانية وعالم نوراني ونقد لشخصية يسوع في بعض النصوص | وراثة معمدانية تحفظ يحيى |
| الآريوسيون واتجاهات قريبة | من القرن الرابع | الإمبراطورية وممالك لاحقة | الابن غير مساو للآب في الأزلية، مع مقام سابق للعالم وتعبد مسيحي | قراءة في مدرسة أنطاكية، تلاميذ لوقيانوس |
| بريسيليان وأتباعه | من القرن الرابع | إسبانيا وغالة | حالة نسك ونزاع وقمع؛ لا نعتمدها دليلاً على إنكار ألوهية المسيح | نسك وقراءة للنصوص |
| المسلمون | من القرن السابع في التأريخ المتداول | الجزيرة ثم أقاليم واسعة | عيسى ﵇ عبد الله ورسوله، ونفي الغلو فيه | وحي يعيد الأصل |
| السوسينيون | من القرن السادس عشر | بولندا ومناطق أوروبية | نقد الثالوث وإعادة تفسير نصوص المسيحية | قراءة، ووراثة مكتوبة انتقلت إلى إنجلترا |
| اتجاهات التوحيد المسيحي | من عصر الإصلاح وما بعده | أوروبا ثم مناطق أخرى | اتجاهات متعددة ترفض الثالوث؛ تختلف في مقام يسوع وممارساتها | قراءة للنصوص، ووراثة مكتوبة من السوسينيين |
الخيط الذي لم ينقطع
فإذا نظرنا في هذا التعاقب رأينا أن الاعتراض على تأليه المسيح، أو على الصيغ التي عُبّر بها عنه، لم يكن صوتاً واحداً ارتفع ثم انطفأ. فقد عادت الأسئلة في بيئات متباعدة، ورجع بعض أصحابها إلى النصوص نفسها فقرؤوها على غير ما قرأتها المؤسسة. ويرى الكتاب في ذلك دليلاً على أن الأصل النبوي يمكن أن يُستعاد، لكنه لا يجعل معتقد كل جماعة مطابقاً لمعتقد الأخرى. والطريقان كلاهما ظاهر في عمود «طريق الاتصال» من الجدول: جماعة ورثت ما عندها وراثة موصولة عن جماعة أقدم، وأخرى استعادته بالقراءة والوحي.
جغرافيا تتحدّث عن نفسها
وللمشرق في هذه الخريطة مكان خاص، لأنه حفظ لغات وكتباً وطرقاً حملت ذاكرة الأنبياء. لكنه هو أيضاً الموضع الذي نشأ فيه كثير من اللاهوت الذي صار رسمياً، في الإسكندرية وأنطاكية والكنائس السريانية. فالمعاني والأخبار كانت تتحرك بين مراكز متعددة، فيبقى بعضها خارج المذهب الغالب، ثم يعود إليه السؤال في زمن آخر.
أثر القمع في بقاء التراث
والأمر الذي يتكرر في هذه الأخبار أن الاتهام الديني يقترن بقرار سياسي، ثم يتغير بعد ذلك ما يتداوله الناس من الكتب، وتتغير معه قدرة الجماعات على البقاء. وتختلف شدة ذلك وترتيبه من عصر إلى عصر، فلا بد أن نتابع كل حالة وحدها حتى نعرف الوسائل التي استُعملت فيها، وما تركته في ذاكرة الجماعة التي وقعت عليها.
الإسلام: عودةُ الأصل المطروح
وفي هذا المشرق ظهرت الدعوة المحمدية. كان يحمل تراثاً نبوياً ومسيحياً متنوعاً، وكانت صراعاته قد اشتدت، لكن أسئلته عن الله والإنسان والخلاص بقيت حية. وهذا الرصيد يفسر لنا جانباً من استجابة الناس للقرآن، وهو جانب نراه فيما وصلنا من كتبهم وأفعالهم، وفي تحولات جماعاتهم.
وقد تصوّر فريد دونر، في «Muhammad and the Believers»، الحركة الأولى جماعةً أوسع من الحدود التي استقرت لها فيما بعد. ونحن نستفيد من هذا التصور حين نفكر في الصلات التي جمعت المؤمنين، ثم نضع هذه الصلات في التاريخ الأقدم الذي نقترحه للرسالة. أما المطابقة بين عيسى ﵇ ونبونيد فمن إضافتنا نحن، وأدلتها في المقارنات التي عرضناها في مواضعها.
الذاكرة خارج المذهب الغالب
فإذا جمعنا ما حفظته هذه الجماعات كلها، رأينا أن الذاكرة أوسع من الكتب التي غلب تداولها. فقد استمرت الأسئلة عن النبوة والهداية، وظل الناس يعودون إلى النصوص فيقرؤونها قراءات أخرى. وفي هذا الاستمرار نرى أن المعنى يمكن أن يُستعاد، وإن حجبت حدود المؤسسات جوانب منه.
وفي هذه الخريطة يلتقي طرفا الكتاب: فالفصول الأولى تتبعت صاحب السيرة في أخبار نبونيد، وهذه الخريطة ترينا ما صارت إليه السيرة في الجماعات التي حملت ذكر المسيح. أما حجتنا في الهوية فقد قدمتها المقارنات السابقة، وهذه الأخبار تشرح لنا كيف تفرقت الذاكرة، وكيف بقيت مع ذلك.
الفصل ١٦ ـ الكنيسة الإثيوبيّة التواحدو: شاهدٌ من الجناح الآخر للبحر الأحمر
فإذا عبرنا البحر الأحمر وجدنا الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التواحدو. وقد استقرت هذه الكنيسة مؤسسةً في أكسوم في القرن الرابع، وكانت صلتها بفرومنتيوس وبالإسكندرية، ثم صارت من أقدم الكنائس الأفريقية الباقية، وإن سبقها الحضور المسيحي في مصر. والذي يعنينا منها هنا ما حفظته من كتب وممارسات وذاكرة، لأنه يفتح لنا طريقاً آخر إلى التراث القديم.
وفي هذا التراث خمسة أبواب للمقارنة، يتصل بعضها ببعض أحياناً:
- خبر النجاشي والمهاجرين، وكيف التقى فيه الناس عبر البحر على الإيمان وعلى الإنسانية معاً.
- سفرا إخنوخ واليوبيلات، وقد حفظتهما الجعزية، فصار ممكناً أن نقابل مواضع منهما بالشظايا القديمة.
- ممارسات بقيت حية تتصل بالتقاليد الكتابية الأقدم، مثل السبت والختان.
- تاريخ التواحدو، وصلتها بالإسكندرية، وكيف رفضت الصيغة الخلقيدونية.
- اللسان الجعزي، وهو طريق سامي حُفظت به الأسماء والنصوص.
وفي كل باب من هذه الأبواب ما يضيفه إلى المقارنات السابقة، فنأخذها بابا بابا.
النجاشي ولقاء سورة مريم
وأقرب هذه الصلات إلينا خبر الهجرة إلى الحبشة. فلما اشتد أذى قريش، في السنة الخامسة من البعثة، وهي تؤرخ بنحو ٦١٥م، وجّه النبي ﷺ أصحابه إليها، وقال لهم فيما ينقله ابن إسحاق، كما حفظه ابن هشام: «فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا». فاختار لهم بلداً مسيحياً عُرف ملكه بالعدل، في محيط يتنازع أطرافه الفرس والروم. وكان في هذا الاختيار تقدير لرجل ولبلده، وكان فيه باب من الثقة فُتح بين المؤمنين عبر البحر.
وأرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي، ومعهما الهدايا، يطلبان منه أن يرد المهاجرين. لكن أصحمة بن أبجر أراد أن يسمع من المهاجرين أنفسهم. فقام جعفر بن أبي طالب فقرأ عليه من سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، ومضى حتى بلغ خبر الولادة: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. وتروي الرواية أن النجاشي بكى وبكى أساقفته، ثم تنقل قوله: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة».
لقد عرف النجاشي في هذا المجلس أن للهداية أصلاً مشتركاً. وهذا ما يعنينا من الخبر في هذا الكتاب: أن المؤمن قد يسمع لغة أخرى، فيجد فيها المعنى الذي يعرفه. على أن هذه الاستجابة كانت موقف الملك ومن حضر مجلسه، أما عقيدة الكنيسة الإثيوبية فتاريخها يُقرأ في مصادرها هي.
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى على النجاشي عند وفاته، فحفظت له الرواية الإسلامية منزلة الإيمان. ولا يصح هنا أن نقارن ذلك بترك الصلاة على هرقل، لأن هرقل توفي بعد النبي ﷺ بحسب التسلسل المعروف. فعلاقة كل واحد من الرجلين بالدعوة تُعرف من أخباره هو، ومن موقفه منها.
والذي نأخذه من ذلك المجلس أن التعرف إلى الهداية بدأ فيه بأن يسمع الإنسان ويفهم. فهو مثال حي للطريقة التي نقرأ بها الكلمة والنور: نسأل أولاً عما يقصده المؤمن بلفظه، ثم نعرف أين يكون الاستمداد من الله وأين يكون الغلو. ونبقي للنجاشي شهادته الخاصة به، وقد حفظتها له السيرة، وحفظتها الصلاة عليه.
قوس البحر الأحمر: جغرافيا الموحِّدين
في الفصل التاسع رسمنا الطريق الذي يمر بتيماء وفدك وخيبر ويثرب ومكة، ووصلناه بالشام الغساني واليمن الحميري. فإذا أضفنا إليه أكسوم على الضفة الأفريقية اكتملت صورة المجال الذي يحيط بالبحر الأحمر، واتضح كيف كان يتصل بالجزيرة.
كانت أكسوم مملكة أفريقية لغتها الجعزية، وهي لغة سامية، وكانت صلاتها بجنوب الجزيرة عميقة، تحملها التجارة والهجرة والثقافة. لكن هذا لا يعني أن سكانها جميعاً، أو هوية حضارتها، يرجعون إلى أصل واحد. ثم إن المملكة قامت قبل أن تتحول إلى المسيحية في القرن الرابع، فلا نسمي القرون الأولى من تاريخها كلها حقبة مسيحية.
وتظهر هذه الصلات واضحة في أخبار نجران. ففي عهد يوسف ذي نواس، الملك الحميري اليهودي، نحو سنة ٥٢٣م، اضطُهد نصارى نجران، ثم جاءت حملة كاليب (Kaleb) الأكسومي سنة ٥٢٥م. ويربط كثير من المفسرين بهذه الأخبار ذكر أصحاب الأخدود: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (البروج: ٤–٧). فالآيات تُبرز إيمان الذين اضطُهدوا، والروايات التاريخية تحكي الصراع الذي دار في جنوب الجزيرة، والتدخل العسكري الذي تبعه عبر البحر الأحمر.
على أن سورة البروج لا تسمي نجران ولا كاليب، وإنما جاء الربط بين أصحاب الأخدود وهذه الأخبار من الروايات ومن التفسير. والذي يعنينا أمران: أن القرآن جعل اضطهاد المؤمنين قضية أخلاقية مركزية، وأن تاريخ البحر الأحمر حفظ وقائع تختلط فيها الحماية الدينية بالسياسة والحرب.
وهكذا تتسع البيئة التي قلنا إنها كانت مهيأة بالتوحيد. فأكسوم في طرفها الجنوبي الغربي، والغساسنة في شمالها، وحمير في الجنوب العربي، وتيماء والواحات على طريق آخر من طرقها. وقد ظلت التجارة والهجرة والدين تصل بين هذه الأقاليم قروناً قبل البعثة. فإذا نظرنا إلى الإسلام في هذا المحيط فهمناه عودة إلى أصل مشترك، وبياناً جديداً لهذا الأصل في بلاد عرفت قبله أشكالاً متعددة من ميراث الأنبياء.
الكتب التي حفظتها الجعزية: الكنون ذو الواحد والثمانين سفرا
يعدّ التقليد الإثيوبي كتبه عدّاً موسعاً يبلغ بها واحداً وثمانين كتاباً، ويفصّل في مجموعاتها وفي طرائق ترتيبها. وهذه الكتب لم تُؤلَّف في زمن واحد، ولم تترجم في زمن واحد، ولم يكن استعمالها على درجة واحدة. لذلك نقف عند الكتب التي نستطيع أن نقابلها مقابلة فعلية بشواهد أقدم منها، وأبرزها إخنوخ الأول واليوبيلات. ومن أراد عرض الكنيسة نفسها فلينظر قانون الكتب.
- سفر إخنوخ الأوّل (1 Enoch / መጽሐፈ ሄኖክ) (مَصحافَ هينوك): نصٌّ كاملٌ لا يُوجد إلّا بالجعزيّة، شظاياه الأصليّة بالآراميّة لم تُعرف إلّا بعد اكتشاف قمران سنة ١٩٤٧م، فالجعزيّةُ وحدها حَفظت النصّ الكامل من الضياع.
- سفر اليوبيلات (Jubilees / መጽሐፈ ኩፋሌ) (مَصحافَ كوفالي): إعادةُ روايةٍ لسفرَي التكوين والخروج بمنظورٍ يَهوديٍّ مُلتزمٍ بالشريعة بدقّة، وكان أيضاً من نصوص قمران الأساسيّة (شظاياه في 4Q216-228).
- أسفار مقابيان الإثيوبيّة (Meqabyan I, II, III): ثلاثةُ أسفارٍ تَختلف عن سفرَي المكابيّين اليونانيَّين، تَعكس تقليداً مقاوماً للهيمنة الوثنيّة بإطارٍ يَهوديٍّ مُتمسّك بالشريعة.
- سفر باروخ بفصله السادس: الذي يُعرف عند آخرين بـ«رسالة إرمياء»، وفيها هجاءٌ شديد للوثنيّة وتشبيهاتٌ مكشوفة لِما يُعبَد دون الله.
وحين تستشهد رسالة يهوذا بإخنوخ فهي تشهد بأن جانباً من هذا التراث كان متداولاً في المسيحية المبكرة. أما الكتب الأخرى، ومنها مقابيان الإثيوبية، فلكل منها تاريخ يختلف بحسب تأليفه وترجمته واستعماله. فالقائمة الموسعة اجتمعت من طرق متعددة للحفظ، ولا نعرف كيف وصل نص إلى موضعه فيها حتى ندرس الطريق الذي جاء منه.
وفي سفر إخنوخ صور متعددة للشخصية المختارة، ولعالم السماء، وللحكم. وهي لغة يمكن أن نقارنها بما كانت جماعة قمران تنتظره، وبمعنى النور الأول في هذا الكتاب. لكن «أمثال إخنوخ»، وهي القسم الذي يبرز فيه ابن الإنسان، لم يُعثر على شظايا منها في قمران، فنحن نميزها من الأقسام التي تشهد لها المخطوطات الآرامية هناك، ونترك أمر تأريخها للنقاش الذي يخصها بين الباحثين.
الجسر القمرانيّ-الإثيوبيّ: إخنوخ واليوبيلات بين الكهوف وأكسوم
وشظايا قمران هي التي تسمح لنا بأن نتحقق من هذا الحفظ، لأننا نستطيع أن نقابل نصها بالنص الجعزي. فقد عُثر على شظايا إخنوخ الآرامية بين سنتي ١٩٤٧ و١٩٥٦، ومنها نصوص الكهف الرابع التي رُقّمت بين 4Q201 و4Q212. ثم نشرها J. T. Milik في «The Books of Enoch: Aramaic Fragments of Qumrân Cave 4» (١٩٧٦)، ونظر في أشكال خطها فأرّخها بما بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد. فبين أيدينا إذن مادة قديمة نقارنها بما حفظته الجعزية بعد ذلك.
وكان النص الكامل قد غاب عن التداول في الغرب زمناً طويلاً، بين القرنين الرابع والثامن عشر، حتى حمل James Bruce نسخاً جعزية من إخنوخ من الحبشة إلى أوروبا سنة ١٧٧٣. فلما ظهرت الشظايا الآرامية في قمران صار ممكناً أن تقابَل مواضعها بالنص الإثيوبي، فإذا كثير من البناء والمضمون متفق، مع فروق جاءت من انتقال النص، لأن ترجمته الجعزية وصلت عن طريق اليونانية. وهكذا أظهر الحجر والكهوف قدم مادة ظلت كنيسة أفريقية تقرؤها، في حين غاب جانب كبير منها عن غيرها.
أما «أمثال إخنوخ» (٣٧–٧١)، وفيها تبرز صورة ابن الإنسان السماوي، فأمرها خاص، لأن شظاياها لم يُعثر عليها في قمران، والباحثون في مقترحاتهم يؤرخونها بمطلع العصر الميلادي وما بعده. لذلك حين نقرأ صورة المختار السماوي فيها ونقارنها بالمسيحية المبكرة، نقرؤها مع هذا النقاش في تأريخها، ونفصلها عن تاريخ الأقسام التي وجدت في الكهوف.
والأمر كذلك في اليوبيلات: فبين أيدينا شظايا عبرية من قمران نقابلها بالنص الكامل الذي حفظته الجعزية. فنرى كتاباً انتقل من لسان إلى لسان، وغاب في موضع فبقي في موضع آخر. وهذا وحده لا يرسم طريقاً انتقلت فيه مؤسسة من قمران إلى أكسوم، لكنه يرينا كيف حفظت الترجمة، ومنها الترجمة عبر الوسيط اليوناني، تراثاً كان معرضاً للضياع.
ويتسع ما حفظته الجعزية حتى يشمل تنظيم الزمن الديني نفسه. فنصوص قمران، واليوبيلات، و«الكتاب الفلكي» من إخنوخ، تشترك كلها في تقويم كهنوتي تخطيطي عدد أيامه ثلاثمئة وأربعة وستون يوماً، تنتظم به مواقيت العبادة وخدمات الكهنة، كما نرى في نصوص المشمروت 4Q320–330. وقد بقيت هذه المادة في الجعزية، مع أن التقويم الذي تعمل به الكنيسة الإثيوبية هو التقويم الإسكندري الشمسي. وعمدتنا هنا دراسة James VanderKam (١٩٧٩)، والطبعات النقدية التي وضعها R. H. Charles لإخنوخ واليوبيلات (١٨٩٥–١٩١٢)، وقبلها عمل دلمان (١٨٥١ و١٨٥٩). فهذه الأعمال هيأت مادة المقابلة قبل أن تظهر شظايا قمران بعقود.
والمثال الحبشي صورة لما يعرضه الكتاب في تاريخ الذاكرة: فالخبر قد يبقى في تقليد بعيد عن موضعه الأول، ثم تأتي المكتشفات فتُظهر قدمه والطريق الذي سلكه. هذا ما تضيفه الحبشة إلى حجتنا. أما هوية المسيحين، أو مطابقة عيسى ﵇ بنبونيد، فتقوم على المقارنات التي تخصها في مواضعها من هذا الكتاب.
ويربط عدد من المفسرين بين إدريس وأخنوخ. وهذا ربط جاء من التقليد التفسيري، لأن الآية نفسها لا تذكر اسم أخنوخ. فإذا أخذنا به قارنّا بين صورة النبي ومادة السفر الذي حمل اسمه.
الإرث الأبيونيّ المحفوظ في الممارسة
ولم تبق الكتب وحدها؛ فقد بقيت إلى جانبها ممارسات تحفظ الطابع الذي عرفناه عند الأبيونيين، وهو أن يكون التمسك بالشريعة في قلب الإيمان بالمسيح. وهذه العناصر العبرية في المسيحية الحبشية جمعها إدوارد أولندورف في دراسته «Hebraic-Jewish Elements in Abyssinian (Monophysite) Christianity» (١٩٥٦)، ونحن نقرؤها أثرا باقيا من ميراث الجماعة الأولى التي التزمت بالشريعة:
- السبت يُحفظ إلى جانب الأحد، فتبقى للأيام المقدسة مكانتها التي عرفتها في الذاكرة الكتابية.
- الختان وأحكام الطعام، وإن اختلفت الجماعات في تفسيرها وفي العمل بها.
- الصيام والاغتسال والتهيؤ للعبادة، وهي أمور منتشرة في المسيحيات الشرقية وفي غيرها.
- التابوت في الكنيسة الإثيوبية، وهو في الاستعمال الطقسي لوح مقدس يرمز إلى تابوت العهد، ولا يلزم أن يكون صندوقاً مثله. أما القول بأن التابوت الأصلي محفوظ عندهم في أكسوم فتقليد إيماني، ونعرضه على هذه الصفة.
فهذه الممارسات ترينا طبقات قديمة ما تزال حية داخل مؤسسة طورت لاهوتها هي أيضاً. ونحن نستفيد مما حفظته هذه المؤسسة من التراث، وإن اختلفنا معها في تفسيره. والتابوت خاصة يعيدنا إلى الآثار المقدسة في أخبار نبونيد، فيعود معه السؤال: كيف تحفظ الأشياء والأماكن صلة الجماعة بالأنبياء، وكيف يلتقي الموروث المكتوب بما يتوارثه الناس في طقوسهم؟
التواحدو في القوس المقاوم لخلقيدون
و«التواحدو» لفظ معناه الاتحاد في المسيح، تؤكد به الكنيسة أن لاهوته كامل وناسوته كامل معاً، كما يوضح شرح الكنيسة لعقيدة الاتحاد. فاللفظ يشرح علاقة اللاهوت بالناسوت في إيمان الكنيسة، ولهذا يختلف عن التوحيد الذي ينفي تأليه المسيح.
ومقاومة خلقيدونية لها تاريخ يرتبط بالإسكندرية، وبكنائس شرقية وأفريقية احتفظت بلغاتها ومؤسساتها. لكن خريطة هذا الخلاف لا تنطبق على حدود عرق بعينه، ولا على عائلة لغوية واحدة، فقد عاشت جماعات خلقيدونية وأخرى غير خلقيدونية في أقاليم متجاورة.
ومن لغات هذه الكنائس السريانية والجعزية، وهما ساميتان، والقبطية والأرمنية، وليستا ساميتين. فالذي يجمع هذه اللغات أنها حاضرة في مسيحيات الشرق، أما أصولها اللغوية فمختلفة، ومواقفها غير متطابقة في كل مسألة.
ونقرأ في هذا التنوع عاملاً ساعد على أن تبقى طرق متعددة لحفظ الكتب والطقوس. فاللغة المحلية قد تحمي ذاكرة لا تحميها مؤسسة المركز، وإن كانت لا تعصمها من كل تغير أو تأثير.
فنحن نقرأ التواحدو، إذن، بكل ما تجمعه من نصوص وممارسات وتفسير خاص لمقام المسيح. ونفهم ما تقوله في الاتحاد وفي الكلمة كما فهمنا لغة النور في المواضع السابقة، ثم نعيّن الموضع الذي نختلف فيه عنها. وحين نفهم هذا التراث من داخله تظهر لنا قيمة ما حفظه.
الجعزية ومسار الأسماء
والجعزية تفتح لنا طريقاً آخر إلى دراسة اسم المسيح. وقد مر بنا الجذر العربي م–س–ح، ورأينا أنه متصل بالمسح والتكريس، ثم قابلناه في عنواننا بالجذر م–س–خ مقابلة أدبية، ووقفنا بعد ذلك عند عبارة «مشيحا كدبا» في المندائية. فلننتقل الآن إلى حروف الجعزية، لنرى ما تحفظه من أصوات سامية تاريخية.
ففي الكتابة الجعزية رموز لأصوات سامية تاريخية، منها حرفان يقابلان الحاء والخاء في النقل العلمي. غير أن بعض هذه الأصوات اندمج في النطق اللاحق، فصورة الحرف لا تدل دائماً على الطريقة التي يؤدى بها اليوم:
- ሐ (حَ)، ويُنقل في الدراسات بـ ḥ.
- ኀ (خَ)، ويُنقل في الدراسات بـ ḫ.
وهذه الحروف تفيدنا في تتبع الأسماء وهي تنتقل، إذا قرأناها مع تاريخ نطقها، لأن الخط قد يحتفظ بفرق زال من النطق في زمن لاحق. ومن المراجع التي يُرجع إليها في مقارنة الجعزية بالعربية والعبرية معجم وولف لسلاو المقارن للجعزية (١٩٨٧).
فالجعزية تحفظ أمرين معاً: لقب المسيح مأخوذاً من المادة السامية المتصلة بالمسح، والحاء والخاء حرفين متمايزين في خطها، وإن اندمج نطقهما في الأداء اللاحق. ففيها نرى، في لسان حي، كيف يلتبس الحرفان الحلقيان حتى يصيرا صوتا واحدا. وفي هذا الالتباس صورة لانقلاب المسيح إلى المسيخ، وهو الانقلاب الذي يتتبعه الكتاب.
وهنا يتبين موضع الفائدة من المقارنة على وجه الدقة. فالجعزية تحفظ اسماً ونصاً في لسان آخر، أما المقابلة بين المسيح والمسيخ فصياغة منا، نميز بها الأصل من صورته المشوهة. والتحول العقدي الذي نقصده أوسع من أن يكون تغير حرف أو نقطة.
فلكل لسان عمله: العربية تسمح بأن نقابل بين الجذرين مقابلة بلاغية، والمندائية تحفظ في جدلها وصف الكذب، والجعزية تحفظ الاسم في تقليد كنسي آخر. ونحن نجمع هذه الأعمال المختلفة لنعرف كيف عمل اللفظ في كل بيئة من هذه البيئات.
وإذا قرأنا الألسن على هذا النحو صارت طرقاً إلى تاريخ الذاكرة، وعرفنا أن كل معنى ديني يستمد دلالته من الطريقة التي استعمله بها النص.
ما الذي تشهد له الحبشة؟
وتعود بنا سيرة النجاشي إلى الإنسان نفسه: رجل يسمع، فيتعرف إلى ما سمع، ثم يختار. فانتماء المؤمن إلى كنيسة لا يصف وحده كل ما في قلبه، ولا كل ما يفهمه من ألفاظ عقيدته. وفي هذه المساحة نقرأ التدين، قبل أن تحكمه التصنيفات الصلبة.
والحبشة تقدم لنا أمرين لا ينبغي أن يضيع واحد منهما: نصوصاً قديمة حفظتها، وخبر النجاشي الذي يرينا كيف يمكن أن يتعرف إنسان إلى الرسالة القرآنية. والشاهدان مختلفان في طبيعتهما، لكن كليهما يوسع صورتنا عن استمرار الهداية.
وإذا قارنّا النجاشي بهرقل، فإنما نقارن موقف كل منهما من الدعوة التي بلغته، وعلاقته بها وهو في موضعه من الحكم. أما الصلاة على النجاشي فتحفظ له منزلته الخاصة في السيرة، لكنها وحدها لا تكفي لأن نرتب الكنائس بحسب قربها من عقيدة الكتاب.
وتوسع هذه القراءة الصورة التي يرسمها الكتاب حتى تتجاوز الصراع وحده: فقد تحفظ جماعةٌ كتاباً، ويحفظ شخصٌ معنى، ثم يأتي لقاء جديد فيكشف القرابة بين ما تفرق. وعودة الحقيقة أن نسترجع ما بقي من النور، وأن نميز ما حجبه، من غير أن نمحو ما عاشه الناس.
ومن الحبشة نعود إلى المشرق السرياني والعربي، وفيه عاشت كنائس ومدارس وجماعات أخرى لم تجمعها سلطة واحدة. وهناك سنرى كيف كانت المعرفة تنتقل بين الكتاب والمعبد والمدرسة والطريق.
الفصل ١٧ ـ كنيسةُ المشرق والعالَمُ المسيحيُّ المُتشظّي: من أفسس إلى عشيّة البعثة
مرّت بنا في الفصول السابقة أصوات وجماعات حفظ كل منها جانباً من التراث المسيحي. ونضعها الآن في عالمها الأوسع، فهذه الجماعات عاشت بين كنائس لكل منها مؤسساتها ومدارسها ورعاتها من أهل السياسة، وفي هذا العالم عاش عرب كثيرون وشاركوا في خلافاته. فإذا عرفنا هذا العالم فهمنا كيف انتقلت المعاني القديمة إلى البيئة التي خاطبها القرآن، وكيف حُفظت المعرفة في الوقت الذي كانت العقيدة فيه تتحول.
من الخلاف إلى تعدد الكنائس
رأينا من قبل كيف قنّنت المجامع العقيدة، ونريد الآن أن نرى ما تركته في المؤسسات. فبعض الخلافات باعد بين الكنائس، ثم مضى زمن نظّمت فيه كل كنيسة شأنها، ووجدت من يرعاها من أهل السياسة، حتى استقر التباعد. على أن بعض هذه الكنائس كانت له حياة مؤسسية أقدم من المجمع الذي اقترن اسمه بخلافه.
في سنة ٤٣١ أدان مجمع أفسس نسطور، وكان الجدل يدور حول لقب مريم، وحول الكيفية التي اتحدت بها الألوهية والبشرية في المسيح. ثم استقبلت كنيسة المشرق بعد ذلك تقاليد لاهوتية أنطاكية، وهي التقاليد التي ربطها الخصوم في وصفهم بالنسطورية، غير أن الكنيسة نفسها كانت منظمة قبل نسطور وقبل المجمع. ولهذه الأسبقية شأن كبير، لأنها تفسر لنا استقلال الكنيسة، وصلاتها بالحيرة وفارس، ثم امتدادها نحو الشرق.
ثم جاء مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م فعمّق الانقسام حول الصيغة التي تُشرح بها علاقة اللاهوت بالناسوت. لكن المؤسسات المستقلة لم تولد كلها يوم انعقد المجمع، فكنيسة المشرق كان لها تنظيم أقدم منه، وكنائس أخرى لم تستقر هياكلها إلا بعد عقود من الصراع. ومع الزمن برزت في هذا المجال ثلاث عائلات كبرى:
- الكنائس الخلقيدونية، التي تقر بطبيعتين في شخص واحد.
- الكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية، التي تؤكد وحدة المسيح المتجسد مع كمال لاهوته وناسوته.
- كنيسة المشرق، ذات التقليد السرياني الشرقي، التي تعبر عن اتحاد اللاهوت والناسوت بمصطلحاتها الخاصة.
وكانت هذه العائلات تختلف في صيغها، وكان اختلافها متصلاً بمنافسات السياسة والمؤسسات. وقد حفظت تراثها في لغات عدة، منها السريانية والقبطية والجعزية والأرمنية، إلى جانب اليونانية وغيرها. وهذه اللغات لا يجمعها نسب سامي واحد، وإنما يجمعها هنا أنها كانت أوعية متعددة حملت الذاكرة الدينية.
وهذا التعدد يفسر لنا كيف أمكن أن تبقى في كنيسة أخبار وممارسات لم تعد لها مكانة مركزية في كنيسة أخرى. ونفهم به أيضاً كيف انتقلت الذاكرة: فقد حملتها مدارس وكتبة ورهبان وأسر، وسارت بها طرق السفر، فهي شيء يعيش في حياة الناس، وليست فكرة معلقة خارجها.
كيف نقارن لغة الكنائس؟
ولكي نفهم لغة كنيسة ما، نقرؤها في عبارتها الكاملة، ونسأل: ما الذي تقصده بالكلمة، وبالنور، وبالسابقية؟ وكيف تصف الاتحاد، وكيف تصف العبادة؟ فإذا عرفنا هذه المعاني اتضح موقفها، وظهرت المسافة بينها وبين التصورات الأخرى التي نقارنها بها.
وفي المقارنة نطرح على كل تقليد ثلاثة أسئلة:
- كيف يصف التقليد علاقة المسيح بالله، وهل يقر له ألوهية أزلية أم مرتبة مستمدة؟
- كيف يفهم إنسانيته وصلته بالكلمة السابقة للظهور البشري؟
- ما النصوص والممارسات التي حفظها، وكيف نقلتها مؤسساته؟
وهذه الأسئلة تعرّفنا ما نأخذه من كل تقليد. فقد تحفظ كنيسة نصاً نحتاج إليه، وقد تفتح لغتها الروحية باباً للمقارنة بالحقيقة المحمدية، ثم تفارقنا مع ذلك في فهم مقام المسيح. والتفاصيل وحدها هي التي تبين لنا أين تقع الصلة، وأين يقع الاختلاف.
| التقليد | الصورة العامة | سؤال المقارنة |
|---|---|---|
| الآريوسية | الابن ذو مقام سابق للعالم، لكنه ليس أزلياً مساوياً للآب | صلة التصور بمراتب الوساطة والاستمداد، مع قراءة الممارسة التعبدية |
| كنيسة المشرق | تقر اللاهوت والناسوت واتحادهما، وتستخدم ألفاظاً سريانية لها تاريخها | تمييز حقيقة الكلمة عن الظهور البشري دون اختزال العقيدة في التبني |
| الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية | تؤكد وحدة المسيح المتجسد وكمال لاهوته وناسوته | معنى الاتحاد وكيف فهمته المدرسة من داخل لغتها |
| الخلقيدونية | طبيعتان كاملتان في شخص واحد | صلة الصياغة الفلسفية بالنص وبالسلطة التي أقرتها |
فالجدول يضع أمامنا، في كل صيغة، الشيء الذي نقارنه. فحيث يرد معنى الاستمداد أو التجلي قرأناه، وقرأنا إلى جانبه ما تقرره الكنائس من ألوهية المسيح، لأن عقيدة كل كنيسة تُفهم من الجانبين معاً.
كنيسة المشرق: الناسوت والكلمة
ولكنيسة المشرق حق في قراءة خاصة، فقد حفظت لغة سريانية دقيقة في التمييز وفي الحديث عن الاتحاد. وقد أثّر فيها اسمها الشائع «النسطورية»، فصارت تُتلقى من خلال خصومها. لذلك نرجع أولاً إلى شرحها لنفسها، ثم ننظر فيما يمكن أن تضيفه إلى المقارنة.
فكنيسة المشرق تقر بأن الكلمة أزلي، وبأن اللاهوت والناسوت كاملان متحدان، فهي لا تقصر المسيح على نبوة بشرية، ولا ترفض أصل الثالوث. لكن لألفاظها السريانية دلالتها الخاصة، فلفظ «قنوما» لا يقابل آلياً مفهوم الشخص المنفصل كما يُستعمل اليوم. ونحن نقرأ كيف تميز هذه اللغة بين الظهور البشري وحقيقة الكلمة، وكيف تعبر عن الصلة بينهما، لأن هناك يقع موضع المقارنة الروحية الذي يهمنا.
ونضع هذا الفهم إلى جانب التحذير القرآني من تأليه المسيح وأمه:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (المائدة ١١٦)
والذين يقولون بلقب «والدة الإله» يفسرونه بهوية المولود، وباتحاد اللاهوت والناسوت فيه، ولا يريدون به أن مريم أوجدت اللاهوت الأزلي، أو أنها صارت إلهة. أما هذا الكتاب فينظر فيما أحدثه اللقب في التدين، وفيما اتصل به من غلو. وعلى هذا الوجه نفهم اعتراض نسطور على بعض استعمالات اللقب، وهو اعتراض صدر عن رجل يؤمن بلاهوت الكلمة. فالخلاف يقع أولاً في المعنى، ثم في الأثر الذي يتركه التعبير في حياة المؤمنين.
والذي تضيفه كنيسة المشرق خبرة نصية وروحية أخرى في السؤال نفسه: كيف يُنسب إلى الإنسان ما يتعلق بحقيقة سابقة عليه؟ وسنعود إلى هذا السؤال في الفصل الثامن عشر حين نصل إلى التصوف، فلغة النور والحقيقة هناك قد تساعدنا على أن نفهم النصوص قبل أن نحكم عليها.
كنيسةُ المشرق: مؤسّسةٌ مستقلّةٌ شرقَ روما
قامت كنيسة المشرق في بلاد الرافدين وفي المجال الذي حكمه الساسانيون، بعيداً عن السلطة الكنسية الرومانية، وكانت لها رئاسة تدبر أمرها، وأبرشيات ومدارس وأديرة. ووجود مؤسسة كهذه يكفي ليبين أن تاريخ المسيحية أوسع من قرارات القسطنطينية وروما، وأن المشرق سار في حفظ الكتب وتعليمها على مسار خاص به.
كان كرسي الكنيسة في ساليق–قطيسفون على دجلة، عاصمة الساسانيين التي عُرفت بعد ذلك بالمدائن، ثم انتقل إلى بغداد في العصر العباسي. وكان على رأس تنظيمها الجاثليق (Catholicos). ومن أهم ما مرّ به هذا التنظيم مجمع سنة ٤١٠م: انعقد برئاسة الجاثليق إسحاق، وفي رعاية يزدجرد الأول، وحضره ماروثا الميافارقيني مبعوثاً من الجانب الروماني. فأقر المجتمعون قانون نيقية، ونظموا الأبرشيات والمتروبوليتيات تحت رئاسة جاثليق ساليق–قطيسفون. وقد حُفظت أعمال هذا المجمع، مع أعمال مجامع جاءت بعده، في «المجمع المشرقي» (Synodicon Orientale)، ونشره J.-B. Chabot سنة ١٩٠٢.
وبعد أن نظّم مجمع ٤١٠ الكنيسة، جاء مجمعها سنة ٤٢٤ فأكد أن مرجعية جاثليقها مستقلة عن الغرب. وكان ذلك قبل أفسس وخلقيدونية، وإن لم يكن قبل الخلافات المسيحية الكبرى كلها. فالاستقلال الإداري والسياسي، كما تدل هذه المحطات، له تاريخه الخاص، وهو أوسع من أن يُختزل في عنوان مذهبي واحد.
وامتد هذا التنظيم من الحيرة وميسان إلى جنديسابور في خوزستان، وإلى مرو في خراسان، حتى بلغ ساحل الخليج المعروف ببيت قطرايي (Bēth Qaṭrāyē)، وأخبار أساقفته ترد في سياق المجامع منذ سنة ٤١٠م. وقد مرّ بنا خبر نحو أربعين ديراً في الحيرة، وهو من المادة التي درستها Isabel Toral-Niehoff في «Al-Ḥīra: eine arabische Kulturmetropole»، ووثّق J. M. Fiey جوانب منها في «Assyrie chrétienne». فنحن أمام كنيسة واسعة المجال، عربية في جانب من رعيتها، تجري فيها السريانية والعربية معاً في حياة دينية واحدة.
فهذه كنيسة استقلت بإدارتها، وأقرت مع ذلك بقانون نيقية منذ سنة ٤١٠م. لذلك نقرأ تشديدها على إنسانية المسيح في داخل إيمانها بالكلمة الأزلي، وننظر في الصلة بين الأمرين، ولا نتخذ استقلالها عن الغرب دليلاً على أنها رفضت التأليه.
وقد عاش الذين خاطبهم القرآن في جوار كنائس ومدارس كانت تتداول كلمات مشتركة، ثم جاء الوحي ببيانه يخاطب هذه المعرفة ويصححها. فإذا عرفنا هذه البيئة الواسعة فهمنا اللغة الدينية التي عرفوها، وعرفنا المخاطَبين وصلاتهم، والقرآن مع ذلك لا يصير تابعاً لمدرسة من تلك المدارس.
مدرستا نصيبينَ وجنديسابور: العقلُ السريانيّ
كانت مدارس المشرق تعلّم الكتاب والفلسفة والطب، لكن المراكز لم تأخذ من ذلك كله بنصيب واحد: فنصيبين برزت في اللاهوت والتفسير، وجنديسابور عُرفت بالأطباء والأسر العلمية. ولهذا نرسم صورة التعليم في كل مركز من أخباره هو.
خرّجت نصيبين أجيالاً من الأساقفة والكتبة والمفسرين، ونشأ فيها تعليم يقرأ الكتاب على الطريقة الأنطاكية. وكانت السريانية لغة الدرس والعبادة، وهي لغة وثيقة الصلة بالتراث الآرامي. ومن أراد أن يرى اتساع هذه الحياة العلمية فلينظر في رحلة مار آبا الأول، الذي رأس الكنيسة نحو ٥٤٠–٥٥٢م. كان فارسي الأصل زرادشتياً، فتحول إلى المسيحية، ثم طلب العلم في نصيبين والرها والإسكندرية والقسطنطينية، وعاد بعد ذلك إلى المدائن فأصلح قانون الكنيسة وعالج انقسامها. ففي سيرة رجل واحد تجتمع مراكز عدة، كانت الرحلة في طلب العلم تصل بينها عبر الحدود السياسية.
أما جنديسابور فترد في أخبار الطب، وفي أخبار الأسر التي خدمت الخلفاء العباسيين فيما بعد. وهذه الصلات تدلنا على طريق انتقلت فيه المعرفة، لكن المؤسسة الساسانية نفسها تبقى صورتها أقل وضوحاً مما يتداوله الناس عنها حين يصفونها مستشفى جامعياً وأكاديمية للترجمة. فنحن نعرف عمل الأطباء ونعرف انتقالهم، أما حجم التنظيم القديم فالشواهد المتاحة لا تفصّله.
وكان من أهم طرق المعرفة أن تُنقل من اليونانية إلى السريانية، ثم من السريانية إلى العربية، وكان إلى جانب ذلك من يترجم من اليونانية مباشرة، ومن يقابل بين نسخ بلغات مختلفة. فحركة الترجمة العباسية قامت على تقاليد ومدارس سبقتها وأفادت منها، ثم وسّعت العمل، وغيّرت جمهوره ومقاصده. وعلى هذا الوجه نفهم دور المسيحيين المشارقة في تاريخ العلم.
والذي يهم هذا الكتاب من ذلك كله أن أهل هذا التعليم مضوا في عملهم في القرون الإسلامية. وهذه أمثلة بعينها لأسر وعلماء استمروا في الطب والترجمة والحوار:
- أُسرةُ بَختيشوع: أُسرةٌ من أطبّاء جنديسابورَ النساطرة، انتَقلت بكاملها تقريباً إلى خدمة الخلفاء العبّاسيّين منذ عهد المنصور (نحو ٧٦٥م)، فظَلّت تَخدم البلاط طبيبةً جيلاً بعد جيل وهي على نصرانيّتها. وقد وَثّق Michael Dols هذا الانتقالَ في دراسته عن أصول المشفى الإسلاميّ.
- حُنين بن إسحاق (ت ٨٧٣م تقريباً): النسطوريُّ العباديُّ الحيريُّ الأصل، سيّدُ المترجمين، الذي أَتقن السريانيّةَ واليونانيّةَ والعربيّة، فنَقل جالينوسَ وأبقراطَ وكثيراً من تراث اليونان عبر السريانيّة إلى العربيّة بمنهجٍ نقديٍّ دقيق. فهو الحلقةُ الحيّةُ التي تَصِل عقلَ نصيبينَ وجنديسابورَ بعصر المأمون.
- الجاثليقُ طيمثاوسُ الأوّل (٧٨٠-٨٢٣م): رأسُ كنيسة المشرق في أوج ازدهارها، نَقل كرسيَّه إلى بغدادَ مجاوراً قصرَ الخلافة، وعَقد مناظرةً لاهوتيّةً علنيّةً مع الخليفة المهديّ نحو سنةِ ٧٨٢م، محفوظةً في نصٍّ يُعرف بـ«الأبولوجيا» (نَشره A. Mingana في «Woodbrooke Studies»)، خاطب فيها البطريركُ الخليفةَ على مستوى نِديٍّ مُحترَم.
أما نقدنا فيتجه إلى لحظة أخرى من التاريخ نفسه: ففي سنة ٢١٨هـ أمر المأمون بأن يُمتحن العلماء في صيغة عقدية تبنّاها سلطانه، يريد بها مرجعاً واحداً تستقر عليه الدولة، فكانت المحنة. وأشهر من صبر عليها أحمد بن حنبل، صاحب «الزهد» الذي حفظ لعيسى ﵇ خمسين قولاً. قد يتسع العلم في البلاط، أما العقيدة فإذا فرضتها الدولة صارت امتحاناً للضمائر، كما كانت في نيقية.
وهكذا بقيت هذه البيئة حية بعد أن تغير الحكم، فظلت المدارس تدرّس، والكتّاب يترجمون، ورجال الدين يتحاورون، وإن اختلفت عقائد المشاركين. وعلى هذا الاستمرار، بأشخاصه وأعماله، عبرت المعرفة والذاكرة من عصر إلى عصر.
الحيرة وغسان بين فارس والروم
عرضنا في الفصل التاسع حياة الغساسنة والمناذرة اللخميين، ونريد هنا أن نرى موضع البيتين بين الإمبراطوريتين. فقد ارتبطت الحيرة بالساسانيين، وارتبطت الجابية ببيزنطة، فدخل البيتان العربيان في التنافس بين فارس والروم. وكانت لكل منهما مع هذا الارتباط صلات كنسية مختلفة، فصار العرب مشاركين في نزاع المشرق السياسي والديني.
كانت الحيرة مركزاً عربياً في رعاية الساسانيين السياسية، وكان فيها حضور مسيحي وأديرة، ولها صلات بكنيسة المشرق. لكن ملوك اللخميين لم يكونوا جميعاً على دين واحد في كل العصور. أما الغساسنة على الجانب الآخر فارتبطوا بالروم في السياسة، وبالتقليد غير الخلقيدوني في الدين، فقد يجاور العربي دولة ويحالفها ثم لا يكون على مذهبها.
وخير ما يوضح أثر هذا الدور خبر الحارث بن جبلة، الذي يسميه اليونان أريثاس، وقد حكم نحو ٥٢٩–٥٦٩م، ورفعه يوستينيان إلى رتبة البطريق. ظل هذا الملك الغساني متمسكاً بمذهب الطبيعة المتحدة، وسعى نحو سنة ٥٤٢م في أن يُرسم يعقوب البرادعي (Jacob Baradaeus) أسقفاً متجولاً. فأخذ يعقوب يجوب المشرق، يرسم الأساقفة والكهنة، حتى أعاد تنظيم الكنيسة التي أثقلها الاضطهاد، فاقترنت التسمية «اليعقوبية» باسمه. وقد روى هذا التاريخ يوحنا الأفسسي (John of Ephesus)، وكان معاصراً للأحداث، ودرسه إيرفان شاهد في «Byzantium and the Arabs in the Sixth Century». فنحن هنا أمام رعاية عربية كان لها أثر في بقاء مؤسسة كنسية كاملة.
لقد وضع ملك عربي نفوذه السياسي في خدمة فرع من مسيحية المشرق، يسانده في مواجهة سياسة المركز البيزنطي. فالعرب في هذا الخبر يشاركون في حماية الجماعات وفي رسم علاقاتها، وهم أبعد ما يكونون عن متفرجين على نزاعات بعيدة عنهم.
ففي الحيرة وفي غسان نرى العرب يرعون الكنائس والمدارس، ويشاركون في الجدل. وكان لكل من البيئتين كتبها وطقوسها وصلاتها العلمية، وعقيدتها التي تُقرأ في مصادرها. والاختلاف بين المملكتين أعقد من أن يُرد إلى قسمة بسيطة: نبي بشري هنا، وإله هناك.
وعندئذ تصبح «الأرض المهيأة» حياة دينية نراها ونلمسها: أديرة ومدارس، وطرق تسير فيها الوفود، وقراء يقرؤون بلغات متعددة. وفي حياة كهذه يمكن أن تنتقل أخبار المسيح، وأن تُعاد قراءتها. وهنا يتصل التاريخ المؤسسي بسؤال هذا الكتاب: أين بقي الأصل من وراء هذه التحولات؟
تغلب واستمرار المسيحية العربية
وفي قبيلة تغلب مثال على أن المسيحية العربية استمرت في العصور الإسلامية. وهذا الحضور ثابت، وإن لم يصح أن ننسب بطونها كلها إلى كنيسة واحدة، لأن الروابط المذهبية في الجزيرة الفراتية كانت متنوعة متغيرة.
وتحفظ كتب الخراج ترتيباً يبين موضع تغلب. فقد أنف رجالها أن يؤدوا الجزية باسمها، وفاوضوا على أن يدفعوا صدقة مضاعفة، أي ضعف زكاة المسلمين، ويبقوا على دينهم. وقد سجل أبو يوسف، تلميذ أبي حنيفة، هذا الخبر في «كتاب الخراج»، بين أحكام السياسة المالية. وفي هذا الترتيب نرى كيف تفاعلت الهوية القبلية والانتماء الديني مع نظام الدولة الجديدة.
ومن تغلب خرج الأخطل، غياث بن غوث، فبقي على نصرانيته، وصار مع ذلك من شعراء البلاط الأموي ومادحي خلفائه. وتروي الأخبار أنه دخل على عبد الملك بن مروان وفي عنقه صليبه. فالحضور المسيحي العربي هنا يتجاوز جماعة في أطراف الدولة إلى شاعر يخاطب جمهورها، ويدافع عن سلطانها، من مجلس الخليفة نفسه.
فنحن في الخبرين أمام صورتين من صور البقاء: جماعة تحفظ دينها بترتيب مالي، وشاعر يعيش حياة البلاط وهو على نصرانيته. وبوقائع كهذه استمرت الحياة الاجتماعية والدينية القديمة في داخل العصر الجديد.
فالتحول الديني لم يمحُ المجتمع السابق في لحظة واحدة، وإنما بقيت جماعات منه تفاوض على موضعها، وتحفظ دينها ولسانها. وهكذا انتقلت الذاكرة في عالم متداخل، ولم تكن تلك الجماعات كتلاً منعزلة تبدأ إحداها حين تختفي الأخرى.
حمير ونجران وأكسوم ثم التدخل الفارسي
وإذا اتجهنا إلى الجنوب وجدنا أخبار حمير ونجران وأكسوم تتصل بما جاء بعدها من تدخل الفرس. وقد امتدت هذه التحولات من عشرينيات القرن السادس إلى نحو سبعينياته، وكان التنافس الديني والسياسي فيها يجري مع طرق التجارة في مجال واحد.
ونبدأ بتحول حمير الذي عرضناه من قبل. فقد درس كريستيان جوليان روبان (Christian Julien Robin) وزملاؤه في CNRS النقوش الملكية، فوجدوها تنتقل نحو سنة ٣٨٠م من ذكر الآلهة القديمة إلى دعاء «رب السماء والأرض»، وفي بعضها «إله إسرائيل». وهكذا دخل التوحيد، بصبغته اليهودية، خطاب الدولة قبل الإسلام بأكثر من قرنين. وكان من آخر ملوك حمير المستقلين يوسف أسأر يثأر، المعروف بذي نواس نسبة إلى ذوائبه، وكان على اليهودية، ويؤرَّخ حكمه بنحو ٥١٥–٥٢٥م.
ثم تأتي أخبار اضطهاد نصارى نجران نحو سنة ٥٢٣م، ترويها المصادر السريانية واليونانية، وتسجل النقوش إلى جانبها حملات يوسف أسأر يثأر وقادته. ونحن نجمع هذه المواد، لكننا نميز موضوع كل منها، لأن أعداد القتلى في الحملات مجتمعة لا تخص بالضرورة واقعة نجران وحدها. ثم نضع إلى جانب ذلك كله قراءة المفسرين لأصحاب الأخدود على خلفية هذه الأحداث.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾(البروج ٤-٧)
والآيات تجعل إيمان الضحايا وثباتهم في قلب المشهد. فإذا قرأناها على خبر نجران رأينا ذاكرة المؤمنين الذين سبقوا البعثة حاضرة في الخطاب القرآني. أما مذاهب أولئك القوم بالتفصيل فتُطلب في مادتها التاريخية، خارج هذا الوصف العام.
وفي سنة ٥٢٥م عبر جيش أكسوم البحر الأحمر بدعم بيزنطي، يقوده كاليب، ويسمى أيضاً إيلا أصبحا، وهو ملك غير النجاشي أصحمة بن أبجر صاحب خبر المهاجرين. ويروي پروكوپيوس في «الحروب» (I.20) أن ملك حمير هُزم وقُتل، وأن سميفع أشوع (Esimiphaios) نُصّب مكانه، أما رواية ابن إسحاق والطبري فتحفظ خبر ذي نواس حين اقتحم البحر بفرسه. فانتهى الحكم اليهودي المستقل، وقام مكانه حكم مسيحي تابع لأكسوم. وهنا تظهر الصلة بين التدخل الإثيوبي ونصارى نجران الذين ربط المفسرون خبرهم بآيات الأخدود، وهي الصلة التي تناولها الفصل السادس عشر.
ثم ثار أبرهة على سميفع أشوع، واستقل بالحكم نحو سنة ٥٣٥م، فحكم حمير المسيحية نحو ثلاثين عاماً. ويذكر نقش سد مأرب CIH 541، المؤرخ بسنة ٦٥٨ حميرية، أي ٥٤٨م، في طبعة ڤالتر مولر (١٩٧٤)، أن أبرهة استقبل وفود أكسوم وروما وفارس والمنذر اللخمي والحارث بن جبلة الغساني. فإذا القوى التي مر ذكرها في شمال المجال تلتقي في بلاط الجنوب. ثم دخل الفرس اليمن بقيادة وهرز نحو سنة ٥٧٠م، فتغير موقعها السياسي مرة أخرى. وفي هذه المحطات كلها كان السلطان ينتقل من يد إلى يد، والحياة الدينية قائمة في موضعها.
فهذا تاريخ جماعات عرفت الكتاب والعبادة والاستشهاد، وعاشت في الوقت نفسه في قلب التنافس بين الممالك. وقد كانت حماية المؤمنين تجتمع أحياناً مع مصالح الحكم، وكانت الأطراف المتنازعة تختلف في عقائدها. ومن هذا التشابك نفهم صلة الدين بالملك في بيئة الكتاب، وهي من الأسئلة التي بدأ بها الكتاب حديثه عن عيسى النبي ﵇ الملك.
محطات التحول في جنوب الجزيرة
ونجمع هذه المحطات في جدول، يبين في كل منها من فعل، وماذا حدث، وما الشاهد عليه، ويضع المادة السريانية واليونانية والسبئية إلى جانب القراءة القرآنية والتفسيرية:
| السنة | الحلقة | الفاعل | الشاهدُ الخارجيّ | وجهُ خدمتها للكتاب |
|---|---|---|---|---|
| نحو ٣٨٠م | تَحوُّلُ حِميَر إلى التوحيد رسميّاً | سلالةُ حِميَر الملكيّة | نقوشٌ سبئيّةٌ توحيديّة («ربّ السماء والأرض، إله إسرائيل») ـ روبان/CNRS | تحول مبكر في لغة النقوش الدينية بالجزيرة. |
| ٥٢٣م | مذبحةُ نجران (الأخدود) | ذو نواس (يوسف أَسأَر يَثأَر) وقائدُه شَرَحئيل ياقبل | «كتاب الحِميَريّين» السريانيّ، «شهادة أَريثا» اليونانيّة، نقوش Ja 1028 وRy 507 | مقارنة خبر نجران بتفسير أصحاب الأخدود، مع تمييز الإيمان في الآية من تعيين مذهب الضحايا. |
| ٥٢٥م | الثأرُ الأكسوميّ وفتحُ اليمن | كاليب (إيلا أَصبحا) ملكُ أكسوم | پروكوپيوس «الحروب» I.20، «كتاب الحِميَريّين» | تداخل حماية الجماعات الدينية وسياسة البحر الأحمر. |
| نحو ٥٣٥م | انقلابُ أبرهة ونيابتُه على حِميَر | أبرهةُ، قائدٌ أكسوميٌّ استقلّ | نقشُ سدّ مأرب CIH 541 (٥٤٨م)، نقشُ المُرَيغان Ry 506 | حضور أبرهة في النقوش؛ وفود CIH 541 شاهد على شبكة العلاقات في عهده. |
| نحو ٥٧٠م | الفتحُ الفارسيُّ لليمن | وَهْرِزُ قائدُ الساسانيّين | المصادرُ الفارسيّةُ والعربيّةُ اللاحقة | إغلاقُ القوس الجنوبيّ قُبَيل البعثة، انتقالُ اليمن إلى فارس |
فمن اضطهاد نجران إلى تدخل الفرس نحو نصف قرن، وقد أضاف الجدول إلى ذلك تحولاً دينياً أقدم في حمير. والشواهد على هذه المحطات ليست من درجة واحدة، فمنها نقش معاصر، ومنها رواية لاحقة، ولذلك تتفاوت قوة كل تاريخ وكل تفصيل. ويبقى المجال مع ذلك غنياً بالمقارنة.
«الرحمن» اسماً سابقاً للوحي: شهادةُ الحجر الحِميَريّ
وفي النقوش الحميرية، إلى جانب الوقائع السياسية، شاهد لغوي: فهي تستعمل «رحمنن» اسماً إلهياً في نصوص سبقت الإسلام. ونحن نقرأ هذا الاستعمال مع تاريخ صيغ الدعاء وتاريخ السلطة، ثم نقابله بمكانة «الرحمن» في القرآن.
يرد اسم «رحمنن» في نقوش سياقها يهودي، ثم في نصوص مسيحية تذكر المسيح وروح القدس. فالاسم يستمر في هذه الاستعمالات كلها، وإن اختلفت صيغها العقدية. وحين نقابله بالقرآن فلسنا نقول إن تلك العقائد متطابقة، كما أن أدوات التعريف في السبئية والعربية لا يُحكم عليها لمجرد غياب «أل» في الرسم القديم.
ويفتتح نقش أبرهة CIH 541، الخاص بسد مأرب، بهذه الصيغة: «بقوة الرحمن ومسيحه والروح القدس». فهذا ملك مسيحي يسجل عملاً عمرانياً، فيذكر «الرحمن» اسماً إلهياً قبل البعثة. والنقش بذلك شاهد على أن الاسم استمر في لغة الدعاء، وإن جاء هنا في صيغة مسيحية.
أما في القرآن فالسور تُفتتح بالبسملة إلا التوبة، وفيه ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ﴾ (الإسراء: ١١٠). ونحن نضع قدم الاسم في النقوش إلى جانب هذا البيان القرآني، فنرى أن الذي استمر هو اللفظ، ويبقى السؤال عن المعنى الذي أعاد الوحي بيانه. فاستمرار الاسم يفتح لنا باباً إلى تاريخ الخطاب الديني، أما العقيدة بتفصيلها فتؤخذ من السياق الذي يرد فيه الاسم.
خريطة الكنائس والجماعات العربية
ونجمع الآن ملامح البيئات التي مرت بنا. والصورة التي نرسمها صورة اتجاهات ومناطق، فلا تُقرأ حدوداً عقائدية ثابتة تفصل سكان كل إقليم فصلاً تاماً.
فالكنائس الكبرى في هذه الخريطة تقر كلها باللاهوت والناسوت، ثم تختلف في شرح العلاقة بينهما وفي تنظيمها. والذي نأخذه من هذا التنوع أن طرق حفظ التراث تعددت، وأن لها صلة بالعربية، ثم نقرأ موضع الإنسان والكلمة في كل تقليد بحسب ألفاظه هو.
ففي المجال الرومي عاشت كنائس خلقيدونية إلى جانب كنائس غير خلقيدونية، وفي المجال الساساني اتسعت كنيسة المشرق. وبين هذه الكنائس تجاورت لغات وطرائق في التعليم، وكانت الكتب والأشخاص تعبر الحدود في أكثر من اتجاه. فالشرق لم يكن كله طائفة واحدة، والغرب لم يكن معزولاً عن هذا التداول.
وفي هذا العالم شارك العرب: الغساسنة، وأهل الحيرة، والعباد، وتنوخ، وتغلب، على اختلاف تواريخهم وروابطهم. والذي يهمنا من حضورهم أنهم كانوا فاعلين في الأديرة والتعليم والرعاية السياسية، فإذا قلنا إن الأسماء والأخبار انتقلت، فقد انتقلت على أرض اجتماعية ملموسة.
تظهر أهم هذه البيئات في الجدول الآتي:
| البيئة | اللغة | المجال | الملمح |
|---|---|---|---|
| الكنائس الخلقيدونية | يونانية ولغات محلية | مراكز رومية وأقاليم متعددة | طبيعتان في شخص واحد |
| السريان الأرثوذكس | سريانية | الشام والجزيرة | تقليد غير خلقيدوني يؤكد وحدة المسيح |
| كنيسة المشرق | سريانية شرقية | العراق وفارس ومجالات أبعد | اتحاد اللاهوت والناسوت في صياغة سريانية خاصة |
| الغساسنة | عربية وطقس سرياني | بلاد الشام | رعاية بارزة لغير الخلقيدونيين مع التحالف السياسي مع الروم |
| الحيرة وعبادها | عربية وسريانية | العراق | حضور مهم لكنيسة المشرق إلى جانب تنوع المجتمع |
| تغلب وجماعات عربية أخرى | عربية وصلات سريانية | الجزيرة الفراتية | استمرار مسيحية عربية لا تختزل كلها في انتساب مذهبي واحد |
كان العربي في هذا المجال يعيش مع أسئلة النبوة والكلمة والروح والكتاب. فلما جاء تصحيح العقيدة خاطب معرفة سابقة عنده، ودخلت ألفاظ الوحي حياة دينية لها تاريخها. ومع ذلك فللخطاب القرآني دلالته التي نقابل بها ما عرفوه.
الحربُ الكبرى ٦٠٢-٦٢٨ وإنهاكُ الإمبراطوريّتَين
لم تكن الخريطة الدينيّة التي رسمناها في الصفحات السابقة لوحةً ساكنة، فقد تداخلت فيها صراعات الكنائس مع حروب الدول. ومن أبرز أمثلة هذا التداخل الحرب الكبرى بين الروم وفارس (٦٠٢-٦٢٨م)، التي امتدّت ستّاً وعشرين سنةً وتركت الإمبراطوريّتَين في إنهاك شديد. وفي هذه الحرب نرى كيف تؤثّر الحروب في حياة الجماعات الدينيّة وفي علاقتها بالسلطة، وكيف يلتقي الانقسام العقديّ بالضعف السياسيّ والعسكريّ فيصنعان معاً أحوال الإقليم.
بدأت الشرارةُ سنة ٦٠٢م حين قُتل الإمبراطورُ الرومانيُّ موريق في انقلابٍ دمويّ نَصّب الجنديَّ فوقاسَ مكانه. فاتّخذ كسرى الثاني (پرويز) شاهنشاهُ فارسَ من مقتل حليفه ذريعةً للحرب، وغزا أملاكَ الروم في الشرق. وتَوالت الكوارثُ على الروم سريعاً: سَقطت أنطاكيةُ، ثمّ دمشقُ، حتى بَلغ الفرسُ ذروةَ الصدمة سنة ٦١٤م.
في سنة ٦١٤م أخذ جيش كسرى أورشليم، بمشاركة حلفاء محليين، ونهبها وحمل خشبة الصليب إلى قطيسفون على دجلة. وقد كان لفقد المدينة وأثرها المقدس وقع شديد في المسيحيين، ووصف الراهب أنطيوخس ستراتيغوس الكارثة في خبر بقي في رواية جورجية. ثم دخل الفرس مصر، وشاركوا الآفار سنة ٦٢٦م في حصار القسطنطينية. فأصبحت الحرب تهدد مراكز الإمبراطورية من أطراف متباعدة، وأخذت الجماعات الدينية تعيش أثرها المباشر.
وبدأ هرقل، الذي حكم بين ٦١٠ و٦٤١م، حملته المضادة سنة ٦٢٢م، فاتجه شمالاً عبر أرمينية وأذربيجان، ونقل القتال إلى أرض فارس. ثم انتصر قرب نينوى سنة ٦٢٧م، وتقدم نحو قطيسفون. وقُتل كسرى الثاني في انقلاب سنة ٦٢٨م، وأفضى الصلح إلى رد الأقاليم التي أخذتها فارس. واستعاد هرقل الشام ومصر، وأعاد الصليب إلى أورشليم نحو سنة ٦٣٠م. انتهت الحرب بانقلاب الموازين، بعد سنوات كادت تنهار فيها سلطة الروم في المشرق.
خرجت القوتان من الحرب منهكتين، وقد أثقلت الحرب أقاليمهما، فكان ذلك من شروط المشهد الذي دخلته الفتوح. لكن السكان لم يكونوا على ولاء واحد، فقد اختلفت مصالح الجماعات، واختلفت استجابات المدن والحكام. لذلك نعد الإنهاك والصراع الديني من أسباب التحول، ولا نزعم أن سكان المشرق كلهم كانوا قد تخلوا سلفاً عن السلطتين، أو أنهم انتظروا تغيير الحكم على نحو واحد.
وحين يُربط بين هذه الحرب والنصّ القرآنيّ، كما في التفسير المتداول، يُستشهد بفاتحة سورة الروم:
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۚ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾(الروم ١-٤)
فالتفسير في هذا الربط يقرأ هزيمة الروم، ثم غلبتهم بعدها، على خلفيّة صراعهم مع الفرس، ويربط «أدنى الأرض» بميدان الحرب في الشام وفلسطين. أمّا الآيات نفسها فلا تسمّي هرقل ولا كسرى، ولا تذكر سنةً بعينها، وإنما يأتي تعيين الوقائع والتواريخ من قراءة أخبار الحرب إلى جانب النصّ. والذي يظهر في الخطاب مباشرةً أن أخبار الروم وحربهم وغلبتهم كانت حاضرة في عالم المخاطَبين، وأن رجاءهم الدينيّ كان متصلاً بما يقع حولهم.
هكذا يلتقي في هذا التاريخ الصراع الكنسي بحياة الدول. وفي القراءة التفسيرية لآيات الروم نرى رجاء المؤمنين متصلاً بأخبار العالم الذي يعيشون فيه، والعرب جزء من هذا العالم، يعرفون حروبه وتحولاته. فإذا ضعفت السلطة التي تحمي مذهباً أو قويت، تغير وضع الجماعات. وفي هذا المحيط نفهم الدعوة إلى التوحيد إصلاحاً يمس حياة الناس ودينهم. فتلك هي الأرض المهيأة: مجتمع يعرف السؤال الديني ويعيش آثاره، فإذا سمع خطاب الإصلاح وجد فيه جواباً لأزمة حاضرة.
الفصل ١٨ ـ الطريق الحي: من الحكمة إلى التصوف
يُحفظ الدين في الكتاب والمؤسسة، ويحفظه أيضاً إنسان يتعلم من إنسان: كيف ينظر إلى نفسه، وكيف يهذب إرادته، وكيف يعرف ربه. ومن هذه العلاقة يبدأ هذا الفصل. ففي تقاليد متباعدة نجد معلماً وتلميذاً، ونجد خلوة وذكراً، ونجد أدباً يسبق ادعاء المعرفة. ويرى الكتاب وراء هذا التشابه ميراثاً واحداً، هو سلوك الأنبياء في التزكية كما عاشه الخُلَّص من أتباعهم في كل زمن. وقد انتشرت رواياته وطرقه مع حركة المسيح وأتباعه، ثم حملته جماعات الزهاد والعباد جيلاً بعد جيل، قبل بعثة النبي ﷺ وبعدها، حتى انتظم في الطرق الصوفية. وكما قرأنا هذا الميراث في الأسماء والسير، نقرؤه الآن في الممارسة.
عشر سمات مشتركة في طرق التربية
| السِمة | الصوفيّة | البوذيّة | الطاويّة | الرَهبَنة المَسيحيّة |
|---|---|---|---|---|
| سِلسلة الشَيخ-المُريد | شَيخ-مُريد، بَيعة، silsila | kalyāṇa-mitra، ācārya، paramparā | shīfu-túdì (師父-徒弟) (شي فو ـ تو دي)، نَذر، zōngpài (宗派) (تسونغ پاي) | أَبّا-تِلميذ، نَذر طاعة |
| الذِكر التَأَمُّليّ | الذِكر، المُراقَبة، الفِكر | samatha، vipassanā، buddhānusmṛti (念佛 (نيان فو) niànfó / Nembutsu) | zuòwàng (坐忘) (تسوو وانغ)، shǒu yī (守一) (شو يي)، xīn-zhāi (心齋) (شين تشاي) | صَلاة يَسوع، hesychia، theoria |
| فَناء النَفس ثُمّ البَقاء | الفَناء ← البَقاء | anatta-realization ← bodhi / tathatā | 喪我 (سانغ وو) sàng-wǒ ← 真人 (تشن رِن) zhēn-rén | kenosis ← theosis |
| الخَلوة | الخَلوة (٤٠ يَوماً) | vassa (٣ أَشهُر)، sesshin (٧ أيّام) | صَومَعة الجَبَل (山居 (شان جيو) shānjū) | آباء الصَحراء، الآثوسيّون |
| تَقديم الأَدَب الأَخلاقيّ | الآداب | sīla (الفَضائل الخَمس) | 戒律 (جيه ليو) jiè-lǜ (مِئةٌ وثَمانونَ وَصيّةً لِلاوجُن، 老君說一百八十戒 (لاو جون شوو يي باي با شي جيه) lǎojūn shuō yībǎi bāshí jiè) | طاعة، عَفاف، فَقر |
| تَقدير الذَوق المُباشَر | المَعرفة، الذَوق | prajñā، paññā | zhī (知) (تشي)، míng (明) (مينغ) | theoria، gnosis |
| هَرَميّة الواصِلين | القُطب، الأَبدال، الأَوتاد | daśa-bhūmi (العَشر مَراتب)، Mahāsiddha | zhēn-rén (真人) (تشن رِن)، xiān (仙) (شيان) | staretz، geron |
| التَلقين خارج النَصّ | السِرّ، الأويسيّة | kyōge betsuden (教外別傳) (كيوغي بِتسودِن)، ishin denshin (以心傳心) (إيشين دِنشين) | 心傳 (شين تشوان) xīn-chuán (نَقل القَلب) | التَقليدُ غيرُ المَكتوب (ἄγραφος παράδοσις (أَگرافوس پارادوسيس)، أغرافوس بارادوسِس) |
| الرِداء والعَلامة | الخِرقة، السُبحة | kāṣāya، mālā | dàopáo (道袍) (داو پاو)، 念珠 (نيان تشو) niàn-zhū | الجُبّة، komboskini |
| الموسيقى والشِعر | السَماع، الرومي | التَرتيل، Hánshān (寒山) (هان شان) | كِتاب الطاو نَفسه، Lǐ Bái (李白) (لي باي) | التَرتيل البيزَنطيّ، رومانوس المُرَنِّم (Ῥωμανὸς ὁ Μελῳδός (رومانوس هو مِلُودوس)، رومانوس المِلودوس) |
فهذه الممارسات طرائق متقاربة في تربية الإنسان، ثم يفسر كل تقليد غايتها بلغته. فإذا قارنا عدم الذات عند البوذي بالفناء عند الصوفي، قارنا بينهما في المعنى، وإذا نظرنا في التأله المسيحي فهمناه من جهة المشاركة بالنعمة، كما يشرحها أصحابه. ومن هذا التفصيل يتضح موضع القرابة، ويسهل علينا أن نتتبع تاريخها.
للتَعَمُّق الأَكاديميّ في المُقابَلة: توشيهيكو إيزوتسو، Sufism and Taoism: A Comparative Study of Key Philosophical Concepts (١٩٨٤) ـ المَرجِع الكلاسيكيّ في مُقابَلة ابن عَرَبيّ بزَنغ-تزو. ورِضا شاه-كاظمي، Paths to Transcendence: According to Shankara, Ibn Arabi, and Meister Eckhart (٢٠٠٦). وهنري كوربان، Creative Imagination in the Sufism of Ibn Arabi (١٩٦٩) في التَلاقي الصوفيّ-الإيرانيّ. ومُحَمَّد لِگنهاوزن، Islam and Religious Pluralism (٢٠٠٦) لِلمَنظور الفَلسَفيّ. ومن جِهَة المَنظور الكَنَسيّ، Kallistos Ware، The Inner Kingdom (٢٠٠٠) في الهيسيكاسم وتَلاقياته الشَرقيّة.
الذكر والخلوة: كيف ينتقل العلم إلى تجربة؟
يردد الصوفي في ذكره اسماً أو دعاء، ويردد الهدوئيون مثل ذلك في صلاة يسوع، وقد يقترن الترديد في الحالين بالنفَس وبانتباه القلب. والمقصد القريب في الممارستين أن تجتمع النفس وأن تطلب الحضور، ثم تتفاوت العبارات والتفسيرات العقدية. ونرى في هذه القرابة أثراً لخبرة انتقلت بين الجماعات، ثم صاغها أهل كل طريق بلغتهم.
والخلوة تؤدي وظيفة قريبة من ذلك، فالمتعلم يبتعد فيها زمناً عن الشواغل، حتى تصير معرفته تجربة يعيشها. وللأربعين حضور في خبر موسى، وفي بعض الأصوام والخلوات، ونجد في تقاليد أخرى سبعة أسابيع، أي تسعة وأربعين يوماً، أو ثلاثة أشهر. فالمدة تختلف، والوظيفة تلتقي: أن يتدرب الانتباه، وأن تتهذب الإرادة.
أهل الصفة وصحبة المعلم
وأهل الصفة صورة مبكرة لمن تلقى العلم في صحبة النبي ﷺ: أقاموا بجوار المسجد يتعلمون، وعاشوا في قرب وافتقار. وقد تغير أفراد هذه الجماعة وتغير عددهم، لكن خبرها حفظ معنى التربية بالمجالسة والقدوة. لذلك كان لها موضعها في الذاكرة الصوفية، من قبل أن تستقر أسماء الطرق ومؤسساتها. ونقارن هذه الصلة بالمعلم بما تحفظه تقاليد أخرى من سلاسل التلقي:
- سِلسلَة السانغا البوذيّة الراجِعة عَبر البَطارِكة إلى بوذا
- سِلسلَة الطُرُق الطاويّة الراجِعة عَبر البَطارِكة إلى لاوتزو
- سِلسلَة الرَهبَنة المَسيحيّة الراجِعة عَبر آباء الصَحراء إلى الدائرة الأَوّليّة حَول المسيح
فالتصوف إذن استمرار لطريق التزكية والمعرفة الذي في الرسالة، واستمرار لجماعات الزهاد والعباد التي حملت هذا الطريق من قبله، ولم يكن اختراعاً بدأ يوم استقرت أسماء الطرق. وللقرآن معجمه في هذا الباب: الصراط، والسبيل، والهدى، والتطهير، والمنهاج، ومن هذا المعجم استمد السالكون لغة تجربتهم، وإن صاغوا بعد ذلك مصطلحات أكثر تخصصاً.
شَبَكةُ الأَلفاظ: الصُفّة، الصوفيّ، الصَفا، السوفيا، كيفا
وحول هذا الطريق تلتقي أسماء الصفة والصفاء والصوفي، وإلى جانبها لفظ «سوفيا». فالفلسفة في صورتها الأولى، كما نفهمها، محبة للحكمة ولمن يحملونها، والمعرفة فيها متصلة بتهذيب الحياة. وقد سبق البيروني إلى وصل اسم الصوفية بـ«سوفيا» اليونانية، في «تحقيق ما للهند»، فجعل الصوفية في أصل التسمية أهل الحكمة.
وقد اختلفوا في اشتقاق اسم الصوفي، وحفظ أبو نصر السراج في «اللمع»، والقشيري في «الرسالة»، والكلاباذي في «التعرف» ما دار في ذلك من مناقشات: فقيل هو من الصوف الذي يلبسه الزاهد، وقيل من الصفاء الذي يطلبه القلب، وقيل من الصفة التي عرفت بصحبة النبي، وقيل من الصف الأول بين يدي الله. فالوجوه مختلفة، لكنها كلها تستحضر صورة متقاربة لحياة التجرد والتلقي.
ونجد في التراث العربي اسم «شمعون الصفا»، والصفا في العربية جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، كما في «لسان العرب» (ص ف و). فاللقب العربي ترجمة دقيقة لـ«كيفا» الآرامي ولـ«بطرس» اليوناني، وقد اجتمع فيه معنى الصخرة ومعنى الصفاء. ونحن نقرأ مكانة شمعون في ذاكرة التلاميذ إلى جانب مكانة يعقوب في جماعة أورشليم، ونقرأ «الصفا» و«الصفة» و«الصوفي» متجاورة، حقلا واحدا من الأسماء يلتقي عند أهل الطريق.
وفي أخبار فيثاغورس أيضاً صورة جماعة تتعلم، وتمارس الفضائل، وتلتزم في عيشها قواعد. وقد وصلنا كثير من التفاصيل في سير لاحقة، ومنها الخبر الذي يقول إنه اختار لنفسه وصف محب الحكمة. ونحن نستحضر هذه الصورة لأنها تجمع المعرفة إلى الممارسة والصحبة، وعلى هذه الثلاثة يدور هذا الفصل. فنصفها كما تصفها أخبارها، ثم نقارنها بنظام التلقي الذي عرفته الطرق الصوفية بعد ذلك.
السوفيا والصفاء: اللفظ والمعنى
- ἄλφα (ألفا) (أَلِف، حَرف الأَبجَديّة) ← الكَنعانيّة ʾāleph
- χρυσός (خريسوس) (الذَهَب) ← الأَكَّديّة ḫurāṣu
- κάμηλος (كاميلوس) (الجَمَل) ← السامِيّ gamāl
- σάκκος (ساكّوس) (الكيس) ← السامِيّ śaq
- μύρρα (ميرّا) (المُرّ) ← السامِيّ murr
- σήσαμον (سيسامون) (السِمسِم) ← الأَكَّديّة šamaššammū
- κιννάμωμον (كينّامومون) (القِرفة) ← السامِيّ
فهذه الألفاظ تدل على اتصال قديم بين اليونانية وألسن الشرق، دخلت بسببه أسماء سامية إلى معجم الكتابة والذهب والتجارة والطيب. ونحن نقرأ «سوفيا» في هذا الحقل نفسه، ومما يقوّي هذه القراءة أن معجم بيكس الاشتقاقي لليونانية (٢٠١٠، ص ١٣٧٤–١٣٧٥) يعد أصل σοφός (سوفوس) مجهولا، ويذكر احتمال أن يكون من لغة سبقت اليونانية.
ونحن نصل طلب الحكمة بالصفاء والتطهير، ونرى في الحركة الفلسفية وجهاً دينياً ينبغي ألا يحجبه عنا تصنيفها المتأخر. وتفيدنا في هذا النظر أخبار فيثاغورس وصلاته بالشرق، على أننا نعرف المسافة الزمنية بين حياته والسير التي نقلت رحلاته. ثم إن مواضع التعليم في الأناضول والشام والعراق ومصر ترينا تاريخ الحكمة في مجاله الواسع، وراء حدود اليونان الحديثة.
ولهذا تعود حران إلى المقارنة، وهي المدينة التي عرفناها في سيرة نبونيد، ثم صارت مركزاً لفلسفة الصابئة وعلومهم. وفي السياق المسيحي نجد اسم آيا صوفيا، أي الحكمة المقدسة. فالحكمة حاضرة في هذه المواضع كلها: في المعبد، وفي المدرسة، وفي الكنيسة، والذي يصل بينها تعليم انتقل من موضع إلى موضع. وفي هذا المجال الواحد نقرأ سوفيا والصفاء وسين حقلا متصلا من أسماء الحكمة والنور.
ويمكن جمع الأسماء التي تدور عليها المقارنة على هذا الوجه:
- «سوفيا»: الحكمة في اليونانية؛ ولها صلة معنوية بطريق التعلم والسلوك.
- «الصُّفّة»: موضع في المسجد ارتبط بجماعة من الصحابة، وتستحضره الذاكرة الصوفية في صورة التجرد والتلقي.
- «كيفا»: الصخرة في الآرامية؛ ويقابلها «الصفا» في العربية بالمعنى نفسه، وبه ترجم العرب لقب شمعون، ومن هيكلها ك-ف نقرأ الكوفة وكافّة.
- «الصوفي» و«صفاء القلب»: يجمع الاسم ثمرة الطريق في الصفاء، والحكمة التي وصل بها البيروني الاسم بسوفيا.
نقرأ هذه الأسماء دائرة على معان متصلة: أن يصفو القلب، وأن تُتلقى الحكمة، وأن تكون الصحبة، وأن يسير السالك إلى المعرفة. وكلما تبيّن تاريخ صلة لغوية منها ازدادت الصورة وضوحاً، وتبقى الممارسة الروحية نفسها ميداناً للمقارنة بين أصحاب الألسن المختلفة.
ونعرف أهل الصفة من السيرة والحديث، ويضعهم المفسرون في التنزيل نفسه: ففي قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة ٢٧٣) قال البغوي إنهم فقراء المهاجرين، «وهم أصحاب الصفة»، وذكر القرطبي أنه بنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ فقيل لهم أهل الصفة. فيسميهم القرآن «الفقراء»، وهو الاسم الذي بقي لأهل الطريق بعدهم.
«الطريق» في تسمية الدعوة
وتتضح صلة المعرفة بالسلوك أشد الوضوح في كلمة اختيرت لوصف الدين نفسه: الطريق.
فالجَماعةُ الأولى مِن أتباع المَسيح لم تُسَمِّ نفسَها «مَسيحيّة». سَمَّت نفسَها «الطَريق» ـ ἡ ὁδός (هي هودوس) ـ وهو الاسمُ الأكثَرُ وُروداً لها في سِفر أعمال الرُسُل: يَرِد في الإصحاح التاسِع (٢)، وفي التاسِعَ عَشَرَ (٩ و٢٣)، وفي الثاني والعِشرين (٤)، وفي الرابع والعِشرين (١٤ و٢٢). أمّا لَفظُ «مَسيحيّ» فإنّما أُطلِقَ عليهم مِن خارِجهم في أنطاكيةَ (أعمال ١١: ٢٦)، ويُلاحِظ الدارِسون أنّ السِفرَ نفسَه يَمضي بَعد ذلك في تَسميتِهم بأسمائهم الأُولى ـ أي أنّ اللَقَبَ لَقَبُ الناسِ لهم، والاسمَ اسمُهم لأنفُسِهم.
والمسلم يسأل ربه في كل ركعة: «اهدنا الصراط المستقيم». فالهداية سير، له وجهة يقصدها ودليل يهدي إليها، وفيه منازل ومراحل. وهذه الصورة تقرّب لنا لغة الطريق المسيحي من لغة السلوك الإسلامي، فالدين في اللغتين عمل ينتقل به الإنسان من حال إلى حال.
ويَضُمّ القُرآنُ الطَريقَ إلى أهلِه في نَصٍّ جامِع: ففي سورة الشورى (١٣) أنّ ما وُصِّي به نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ﵇ ومحمّدٌ ﷺ دينٌ واحد، وأنّ التَفَرُّقَ فيه مَنهيٌّ عنه بالنَصّ. والطَريقُ الذي سَمَّت به الجَماعةُ الأولى نفسَها هو هذا الدينُ الواحدُ بعَينِه.
وعلى هذا نقرأ قول المسيح في يوحنا: «أنا هو الطريق». فنحن نحمله على مقام الدليل الذي يهدي الناس بسيرته وتعليمه، ونقارنه بقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» (آل عمران ٣١). فمن اتبع وصل إلى معرفة الله ومحبته، والمعلم هو الذي يدل على المقصد. هذه هي القراءة النبوية التي نقدمها للعبارة، ونضعها في مقابل قراءة تحصر الغاية في ذات المعلم.
وهنا يعود التحول الذي وقفنا عنده في «ويدعوك: ابني»، فاللفظ كان يصف الدعوة ومقام صاحبها، ثم صار يقرر حقيقة مستقلة لذاته. كان المعلم يدل على الطريق، فإذا صورته تصبح هي الطريق والغاية معاً.
الرهبان بعينهم: أهل الطريق في الآية
وفي آية المودة يعلل القرآن قرب هؤلاء من المؤمنين بصفات في جماعتهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة ٨٢). فالآية تذكر القسيسين والرهبان، ثم تقرن ذكرهم بأنهم لا يستكبرون.
وفي هذا التعليل ما نحتاج إليه في المقارنة: أشخاص يعلمون ويتعبدون، وقلوب لا تستكبر عن الحق. فالرهبان في الآية هم أهل الطريق في النصرانية، جماعات منتظمة من الزهاد والعباد، يتلقى أفرادها التربية في الدير على يد شيخ، ويحفظون الذكر والخلوة والطاعة. ثم نجد الصورة نفسها في الطرق الصوفية بعدهم، في الزاوية والرباط والسلسلة، لأن الفريقين حلقتان في خط واحد من الخُلَّص الذين يتبعون الأنبياء في سلوكهم. والطريقة نظام لهذا السلوك يجتمع أهله على شيخ، ويعيشون بين الناس فيتزوجون ويعملون، أما ترك الزواج فقد زاده الرهبان على الطريق، وإليه تتجه الآية التالية.
وفي سورة الحديد (٢٧) أنهم ابتدعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، ثم لم يرعوها حق رعايتها. فهي زيادة زادوها على ما شُرع لهم، بما فيها من ترك الزواج والانقطاع عن الناس، كما تقول الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ﴾. وعلى هذا سار أهل الطريق في الإسلام، فقد قال النبي ﷺ للنفر الذين عزم أحدهم على اعتزال النساء: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (البخاري ٥٠٦٣، ومسلم ١٤٠١). ويتجه العتب في الآية كذلك، كما نفهمه، إلى تفريطهم فيما التزموه من طلب الرضوان، فبقي شكل طريقهم وضعف معناه.
والفُقَراء: اسمُ أهلِ الطَريق
وفي كل حلقة من هذا التاريخ نجد «الفقراء» اسما لأهل الطريق. فجماعة قمران تسمي نفسها «عدة الفقراء» (עדת האביונים (عَدَت هاإِڤيونيم)) في تفسير المزمور السابع والثلاثين (4Q171)، ويذكر بولس «فقراء القديسين الذين في أورشليم» (رومية ١٥: ٢٦؛ وانظر غلاطية ٢: ١٠)، ومن اللفظ العبري نفسه جاء اسم الأبيونيين. ثم يسمي القرآن أهل الصفة «الفقراء»، ويبقى الاسم بعد ذلك للسالك في «الفقير» و«الدرويش». فالاسم ينتقل من جماعة إلى جماعة، ويحمل معه حيث انتقل معنى التجرد والافتقار إلى الله.
وتظهر القرابة كذلك في عمل يكرره السالك. فالصوفي يذكر حتى يألف القلب ما يردده اللسان، والراهب الشرقي يردد صلاة قصيرة مع النفس، يطلب بها السكون، أو «هسخيا» (ἡσυχία) (هيسيخيا). ويقول يوحنا السلمي: «ليكن ذكر يسوع حاضرا مع كل نفس». وفي كتابه ثلاثون درجة نقارنها بمقامات الطريق، كما نقارن الشيخ والمريد بالأب وتلميذه، والسند بالسند، والخرقة بالثوب. فهذه تفاصيل من حياة تتشابه فيها طرائق التربية، ثم يشرح كل تقليد معناها وغايتها.
وقرابة الممارسة لا تمحو اختلاف العقائد، لكنها تدعونا إلى أن نصغي قبل أن نحكم. فالصوفي قد يفهم ما يقوله الراهب عن النور والحضور، لأن عنده خبرة في نقل العبارة من الحس إلى المعنى. والإنصاف الذي نطلبه للنصوص القديمة يبدأ من هذه التجربة البشرية الحية: كيف يعبّر الإنسان عن قربه من الله دون أن يدعي الاستقلال عنه؟
النور السابق: شاهد أقدم من ابن عربي
ولغة النور المحمدي أقدم من ابن عربي. ففي التفسير المنسوب إلى سهل التستري، المتوفى سنة ٢٨٣هـ، يُذكر عند النجم ١٣ نور سابق للخلق، ثم يوصف بهذه العبارة القصيرة: «قام بالعبودية بين يديه». فالنص يجمع بين علو المرتبة والافتقار إلى الله، والنور فيه مخلوق مع أنه متقدم. والسابقية التي يتحدث عنها أوسع من عمر النبي في الأرض، والعبودية مع ذلك باقية في صميم وصفها. (تفسير التستري، النجم ١٣؛ وترجمة أنابل وعلي كيلر، ص ٢١٣.)
ولنضع إلى جانبه كلاماً مسيحياً مبكراً. ففي الفصل ٦١ من «الحوار مع تريفون» يصف يوستينوس الكلمة بأنه صدر من الله بإرادته قبل المخلوقات، ويشرح ذلك بصورة نار توقد ناراً، فلا تنقص الأولى حين تُوقد الثانية. ويسميه أيضاً الحكمة والابن، ويذكر أنه يطيع مشيئة الآب، ويطلق عليه اسم الله. وهنا نفهم لماذا تتسع المقارنة، فالحديث عن حقيقة سبقت الظهور البشري، وهي متصلة بالمصدر الذي جاءت عنه. (الحوار، الفصل ٦١.)
فإذا قرأنا ألفاظ كل نص ظهر الفرق بينهما. فالتستري يجمع الخلق والعبودية، ويوستينوس يجمع التولد بإرادة الآب واسم الله، فالسابقية وحدها لا تكفي لتفسير المذهبين. ولا يكفي كذلك نفي الاستقلال وحده، فقد يقول المتكلم بصدور الكلمة عن الله، ثم يعطيها في العبادة معنى يختلف عما يعطيه الصوفي للنور. وفي هذه التفاصيل نرى أين تلتقي اللغة، وأين يتغير معناها، فيصبح النقد أدق، لأنه يصيب التحول الذي وقع فعلاً.
على أن يوستينوس نفسه يفتح باباً يتصل بعموم الهداية. ففي «الدفاع الأول» ٤٦ يجعل للبشر نصيباً في الكلمة، ويعد فيمن عاشوا على مقتضاها سقراط وهيراقليطس وإبراهيم وإيليا. فهو يحاول أن يصل الحكمة التي سبقت ظهور يسوع بمعنى مسيحي جامع. ونحن نلتقي معه في طلب وحدة المعرفة من وراء تفرق الأسماء، ثم نفترق عنه حين يحصر الحقيقة الجامعة في الهوية التي أقام عليها بناءه. فالمقارنة بين النور والكلمة تحكي تاريخ فكرة حية، اتسع بها فهم الإنسان حيناً، وضاق حيناً. (الدفاع الأول، الفصل ٤٦؛ وللغة العبادة فيه الفصل ٦.)
وبعد هذا الشاهد يتغير السؤال الذي نوجهه إلى النص المسيحي. فلغة النور المحمدي عرفت هي أيضاً معنى السابقية على الظهور البشري، فنبدأ إذن بفهم المرتبة، وصلتها بالله وبالإنسان. ونرى الحركة العيسوية طريقاً إلى معرفة النور الذي ينتفع به البشر جميعاً، ونرى الرسالة الخاتمة إتماماً لهذا الفتح في المعرفة والأخلاق. ثم نقارن بين التصورين في تفاصيلهما، فيتضح أين تقع القرابة، وأين يقع التحول الذي ننقده.
المعنى الذي يحفظه التعليم والصحبة
وفي هذا الفصل نرى وحدة الرسالة واستمرارها من جهتين:
- الوَجه العَقَديّ: مَبدَأ المُصَدِّق ـ كلُّ نَبيٍّ يُصَدِّق ما قَبله، والقُرآن مُصَدِّقٌ لِما بَين يَدَيه ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
- الوَجه المُؤَسَّسيّ: التَنَظُّم الطَريقيّ ـ حِفظُ التَزكية والتَلَقّي في سِلسِلةٍ شَيخ-مُريد، حَيّةٍ عَبر الحَضارات الأَربع إلى يَومنا.
ومعنى ذلك أن وحدة الرسالة تحفظها الألفاظ، وتحفظها معها طرائق التربية التي تعيد الإنسان إلى معناها. وقد ينجو الشكل ويضعف المضمون، وقد يبقى المضمون ثم يظهر في تنظيم جديد. لذلك نقرأ آثار الحفظ وآثار التحول معاً، فالخرقة أو السلسلة وحدها لا تعصم صاحبها من الخطأ.
بقاء الطريق مع تغير المؤسسات
ونرى صوراً من هذا البقاء في مجالات دينية متباعدة:
- في جماعات البرية ظهرت طرائق للنسك والطهارة والتعليم خارج المؤسسات الغالبة.
- وفي المسيحية نشأت الرهبنة قبل نيقية واستمرت بعدها، فتفاعلت مع الدولة أحياناً وابتعدت عنها أحياناً.
- وفي تقاليد آسيا تعددت مدارس التأمل ونقل الحكمة، وتغيرت صلتها بالممالك والمؤسسات.
- وفي الإسلام تسلمت الصحبة والتزكية والتلقي هذا الميراث من أهل الصفة ومن جماعات الزهاد والعباد الأقدم، ثم انتظمت في الطرق بأسمائها وأشكالها المعروفة.
ومن هذه الجماعات نقرأ خطاً واحداً للتدين الخالص ولاتباع الأنبياء في سلوكهم العملي، هو خط أهل الصفة والصفاء والصفوة، يتصل قبل مجيء النبي محمد ﷺ وبعده دون انقطاع، ويقوم في زمن كل نبي بالخُلَّص من أتباعه. والطرق الصوفية حلقته في الإسلام، أما الرهبنات وجماعات الزهاد والعباد التي سبقتها فحلقات أسبق على الخط نفسه، تشترك معها في مصدر واحد هو سلوك الأنبياء. وقد يسلك أهل هذا الخط طريق التزهد كما سلكه أهل الصفة بين يدي النبي ﷺ، فيعبره بعضهم مرحلة ينتقل منها إلى حياة العمل، ويلزمه بعضهم عمره كله. والطريقة نظام لهذا السلوك، فلكل جماعة منها طريقتها الخاصة في العبادة، وغاية يجتمع عليها أهلها، وتُعرف باسم صاحبها أو بصفتها، وأهلها يتزوجون ويعملون بين الناس. وقد عرفت المسيحية السريانية قبل الإسلام «بني العهد وبناته»، وهم المنذورون للعبادة والإنشاد، ثم تسمّت الرهبنات بعد ذلك بأسماء أصحابها وطرائقها، ومنها في عصر متأخر «جمعية يسوع» عند اليسوعيين. وفي يثرب نفسها جماعة حمل اسمها هذا المعنى: بنو النجار، أي أتباع «النجار» في لفظه الآرامي، طريقة تنتسب إلى صاحبها، وهم الذين استقبلت جواريهم النبي ﷺ بالنشيد، كما قرأناه في الفصل السادس.
وهنا يقع نقدنا لتقنين الدين في أجهزة الحكم، ومن ذلك ما فعلته الدولة العباسية حين أرادت لنفسها مرجعية تحكم بها ومصداقية تقوم عليها، فثبّتت الدين في تفسير معتمد تقرّه، وجعلت الشكل والطاعة ميزان الانتماء إليه، فضاق المعنى الروحي في مؤسستها الرسمية. على أن العصر العباسي نفسه عاش فيه متصوفة وأهل معرفة، وكتبت فيه كتب الحكمة، فالصراع الذي نقصده يدور في داخل فهم الدين: أيقود الإنسان إلى أن يعرف، ويتحمل مسؤوليته، ويرحم، أم يحبسه في صورة جامدة من العبادة لا يرى ما وراءها؟ وقد استمر أهل الطريق، واستمرارهم شاهد على أن جهاز الدولة وحده لم يحسم هذا الصراع.
فالشيخ والمريد، والذكر والخلوة، نجدها في مواطن متباعدة، ثم نضم إليها ما تحفظه الأخبار من رحلات وأسماء وأماكن. فإذا اجتمع هذا كله رأينا في دعوة عيسى ﵇ منبعاً قريباً لهذه القرابة، وحلقة كبرى في خط الخُلَّص الممتد مع الأنبياء جميعاً، ورأينا ما طرأ على المعاني في طرق انتشارها.
وفي هذا الأفق نقرأ بوذا ولاوتسو وزرادشت صوراً لسيرة المسيح نفسه، روتها ثقافات مختلفة. وقد تكون بعض تلك الروايات جمعت خبر المعلم إلى أخبار من حملوا طريقه، فلا يلزم من ذلك أنه زار كل بلد بنفسه. والذي نراه نور هداية واحد اتسعت دوائره، وظل أهل السلوك يطلبونه. ثم ننتقل بعد هذا إلى الدجال: كيف ينحرف فهم هذا النور، وكيف يحجب الناس عن الأصل الذي جاء لينير حياتهم؟
الفصل ١٩ ـ الدجال في الذاكرتين: قراءة في الفتنة وضد المسيح
تتبعنا في الفصول من الرابع إلى الثامن عشر السيرةَ والجماعات التي حملتها، وقد آن أن ننتقل إلى المعنى الذي نعطيه للدجال. وسنقف عند هذا المعنى في أربعة فصول: نبدأ في هذا الفصل بذاكرة الفتنة و«ضد المسيح»، ثم نبسط صورتها العقدية في الفصل العشرين، ونتتبع أثرها في الحضارة في الحادي والعشرين، ونصلها بالصورة الدينية في الثاني والعشرين.
المسيح الدجال: الشهادة المعكوسة
تسمي الروايات الدجال «المسيح»، وتصفه يجوب الأرض، وتذكر له أياماً يكون أحدها كسنة، وآخر كشهر، وآخر كجمعة. فلماذا يحمل الدجال هذا الاسم؟ نقرأ في اشتراك الاسم معنى الفتنة نفسه: فالزيف قد يحاكي صورة الحق، ويطوف بها في الأرض، يحمل ما يشبهها وهو يصرفها عن وجهتها. ولهذا قابلنا بين «المسيح» و«المسيخ»؛ فالنقطة الصغيرة التي تفرق بينهما في الرسم، كما بسطها جدول الفصل الثالث، صورة بلاغية لما قد يحدث للمعنى من تحول كبير. أما كيف وقع هذا التحول في التاريخ، فقد يكون عملاً قصده أصحابه، وقد يكون روايات وتأويلات تراكمت جيلاً بعد جيل، وهذا ما تتبعه فصول الكتاب.
الفتنة العقدية وصورها
وصفت كتب الحديث الدجال أوصافاً حسية واضحة: فهو أعور العين اليمنى (البخاري ٧٤٠٧، مسلم ٢٩٣٣)، أجعد الشعر، وبين عينيه «كافر» يقرؤه المؤمن (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). وفي حديث النواس بن سمعان أنه يخرج «من خلة بين الشام والعراق»، ثم يمكث أربعين يوماً (مسلم ٢٩٣٧). من هذه المادة انطلقت القراءة الموروثة، ففهمت منها أنه شخص يظهر في آخر الزمان. أما نحن فنقرأ هذه الصور على أنها فتنة عقدية وحضارية عاشها الناس، ونرى دلالاتها متصلة يجمعها معنى واحد.
وتذكر الأخبار أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، وأن الملائكة صافّون على أنقابها يحرسونها (البخاري ١٨٨١، مسلم ٢٩٤٣). فإذا قرأنا ذلك بمعنى الفتنة الذي شرحناه، كان المراد أن التأليه الذي تسنده السلطة لا يدخل الموضع الذي عاد فيه التوحيد الأول. وكذلك خروجه «من خلة بين الشام والعراق»: نراه في قراءتنا وصفاً للأرض التي اشتدت فيها الحروب على صيغ العقيدة بين كنيسة الروم وكنيسة المشرق.
فالدجال عندنا اسم لأزمة عاشها المؤمنون بالمسيح. رأوا صيغةً يدعمها الإمبراطور تحل محل ما عرفوه من دينهم، ثم رأوا قبولها يصير شرطاً لكي يُعترف بإيمانهم. تبدلت العبارة، وتبدلت معها الهوية، وصار لهذا التبديل سلطان يفرضه على الناس. في هذه التجربة نضع معنى الفتنة: عقيدةٌ حملت اسم يسوع بعد وفاته، وأزمةٌ دينية وسياسية اتسعت آثارها حتى دخلت حياة الناس.
وهذا الاسم لم يأت من رسالة المسيح، ولم تختره الكنيسة لنفسها، وإنما نفهمه تعبيراً عن معاناة قوم رأوا الرسالة تتغير بين أيديهم. وأخص ما نصل به هذه الأزمة أن صورة يسوع الناصري أُحلّت محل عيسى ابن مريم ﵇، ثم أُلّهت هذه الصورة، وأسندها سلطان الدولة. فلم يكن الأمر عند هؤلاء خلافاً في الألفاظ، لأن السؤال كان يمس ما يعبدونه وما يُجبرون على قبوله.
وعلى هذا نقرأ العلامة التي «يقرؤها كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). إنها، في تأويلنا، بصيرة تتعرف إلى التحريف ولو أحاطت به هيبة السلطة والقداسة. فقد يعرف القلب موضع الخلل قبل أن يعرف صاحبه قراءة الحروف.
العور: العمى عن الحقيقة
العور في العربية، وكذلك مقابلاته في العبرية עָוֵר (عَوِير) وفي السريانية ܥܘܝܪܐ (عْويرا)، يدور معناه على العمى والنقص. وقد ينتقل اللفظ من وصف الجسد إلى وصف الإدراك. أما اليمنى فنقرؤها بما تحمله في اللسان والثقافة من يمن وبركة، فإذا عورت كانت، في الصورة الرمزية التي نتبعها، انقطاعاً عن رؤية الحق والخير، وعن مصدر النور.
هذه العين الواحدة ترى المادة والربح والقوة، لكن يغيب عنها الروح والمعنى، وهما ما يعطيها وجهتها. وقريب من هذه الصورة ما كتبه محمد أسد في «الطريق إلى مكة» ناقداً الحضارة الحديثة: فهي تتقدم في الصناعة وتزداد قدرة، ثم تفتقر مع ذلك إلى معرفة ما يحتاج إليه الإنسان في روحه. ولهذا وجد بعض القراء في وصفه ما يقرّب إليهم فهم الدجال، فقد فهموه من جهة الخلل في نظره، أما قدرته فلا ضعف فيها.
قراءة صور الحديث
ونعود إلى حديث النواس، فنضع الجهة التي يخرج منها الدجال، «بين الشام والعراق»، إلى جانب ما مرّ بنا من انتقال المعاني وما دار في المشرق من صراعات. والخلة موضع أو طريق يقع بين الجهتين، فنستخلص من هذه الجغرافيا صورة فجوة اتسع فيها الخلاف الديني والحضاري. هذا تأويلنا للمكان، نبنيه على ما عرضناه من التاريخ.
ويقول الحديث الشريف: «معه جنّة ونار، فناره جنّة وجنّته نار» (وهو في صحيح مسلم أيضاً)، وفي هذه العبارة تظهر أخص صفات الدجّال: إنه يقلب الأشياء قلباً تاماً. فوعد الرفاه والسلطان، في القراءة التي نتبعها، يستر فتنةً حين يجعل الاستهلاك غاية الإنسان، ويشتري له راحته بأن يستعبد قلبه. وفي المقابل قد يبدو الالتزام بالحق وتزكية النفس تضييقاً على صاحبه، وهو في الحقيقة يفتح له سكينة القلب وحرية الروح. على أن الرفاه وتيسير الحياة من الخير ما داما يخدمان الإنسان ويحفظان كرامته، وإنما يقع القلب حين يطلب بهما الإنسان سعادةً يستغني بها عن الله. وعلى هذا النحو يقرأ الكتاب الصورة المؤلَّهة التي رُكّبت على اسم يسوع: بناءٌ قُدّم للناس على أنه تمام الإيمان، فحُجب به المعنى الذي يستعيده الكتاب.
وفي حديث النواس بن سمعان وصف للأربعين يوماً، أحدها كسنة وآخر كشهر وآخر كجمعة (مسلم ٢٩٣٧). وقد قرأ عمران حسين هذه الصورة مراحلَ تاريخية يمر بها تأثير الدجال، وله في تعيينها اجتهادات خاصة لا نتبناها جميعاً. والذي نأخذه منه أن الزمن في هذه الصورة يمكن أن يُقرأ اختلافاً في الامتداد والأثر، ثم نقرؤه نحن متصلاً باتساع القدرة وبسرعة وصول المعرفة إلى الناس.
فإذا تفاوتت الأيام في طولها، أمكننا أن نتصور الفتنة تتفاوت كذلك في امتدادها وأثرها. أما أن نصل كل مدة بدولة بعينها أو بقرن معين، فذلك اجتهاد في التطبيق، ولا يصلح تقويماً نحسب به مراحل التاريخ حساباً.
ونرى في هذا المسار سلطة الكنيسة والإمبراطورية أولاً، ثم صور الاستعمار والهيمنة الحديثة، وقد تتداخل هذه المراحل بعضها في بعض. والذي يتغير من مرحلة إلى أخرى هو وسائل الإقناع والإخضاع ومدى انتشارها، حتى تصير جزءاً مألوفاً من الحياة. فإذا بلغت ذلك صعب على الإنسان أن يرى فيما ورثه صورةً يجوز أن يُسأل عنها، لأنه ألفها حتى حسبها الحقيقة نفسها.
وعلى هذا نفهم عبارة «وسائر أيامه كأيامكم»: فالفتنة تبلغ من الألفة حداً يضعف معه انتباه الناس إلى ما تغير في الدين والمعايير. ويصير امتدادها تاريخاً لعقيدة تدخل حياة الناس ومؤسساتهم، يحملها أفراد تتبدل أسماؤهم جيلاً بعد جيل. هؤلاء أصحاب أدوار في الفتنة، أما اسم الدجال في تفسيرنا فيدل على البناء الذي يتكرر بهم، ولا يدل على واحد منتظر يختم مراحلهم.
بل إن حامل الفكرة نفسه قد يصدّق أنه يخدم الحق، بعد أن صارت الفتنة أمراً مألوفاً. وعندئذ يصعب كشفها، لأنها لم تعد شيئاً غريباً يستنكره الناس، وصارت هي المعيار الذي ينظرون به إلى غيرها.
«شبه لهم»: انتقال الخبر والهوية
ومفتاح قراءتنا لاختلاط الهوية في قوله تعالى «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم» (النساء ١٥٧). فالفعل «شبه» جاء مبنياً للمجهول، فلفت نظرنا إلى الالتباس الذي وقع لهم. ونرى هذا الالتباس، بعد المقارنات التي سبقت، أثراً لما تراكم في الرواية والذاكرة: تختلف أدوار من نقلوه، وتتجمع الأخبار حتى تُنسب إلى شخص غير صاحبها الأول.
والجذر ش–ب–ه يدور على المماثلة والالتباس: يرى الإنسان هذا فيحسبه ذاك. وهذا المعنى نقرؤه في انتقال السيرة، إذ تنطبق صورة المعلم القديم في وعي السامعين على رجل جاء بعده، ثم تستقر هذه المطابقة في الخبر، ثم في العقيدة. وقد يصير الأصل بعد ذلك غريباً على الذاكرة نفسها التي حملت تعليمه.
وقد صورنا هذا التحول بمقابلة أدبية بين الحاء والخاء في المسيح والمسيخ: الفرق بينهما في الرسم قليل، وفي المعنى كبير. ونستحضر هذه الصورة هنا لنقرّب ما نراه قد حدث بين عيسى النبي ﵇ والصورة المؤلهة التي نُسبت إلى يسوع: فقد تقاربت الأسماء والصفات والرموز، ثم حمل هذا التقارب معه تحولاً في هوية صاحب الرسالة وفي مقامه.
على هذا نفهم ﴿شبه لهم﴾: اختلطت الهوية واختلط الخبر، فنُسبت وقائع يسوع إلى عيسى ﵇، وأخذت سيرة الرجل اللاحق أخبار النبي الأقدم. والبناء للمجهول يفتح باب الالتباس، ثم تبيّن المقارنات التي جمعها الكتاب وجه هذا الالتباس ومداه. أما الحاء والخاء في عنواننا فتصوّران بلاغياً الفرق بين الأصل والمسخ، وأما شواهد الانتقال نفسه ففي الأخبار والأسماء والأزمنة.
مريم والمرّ: رمزٌ مشروعٌ في سرديّةٍ مقلوبة
ومن المقارنات الرمزية التي طرحناها أن نصل مريم بالمر وبدهن المسحة. نقرأ بهذه الصلة الحقل الذي يجتمع فيه التكريس والكهنوت والاسم، لكننا لا نعتمدها اشتقاقاً محسوماً لاسم مريم، لأن المقترحات في أصل هذا الاسم متعددة. وقبل أي قراءة رمزية للاسم تبقى صلتها بعيسى ﵇ صلة الأم والنسب والاصطفاء.
فإذا قرأنا المسح في سياق آلام يسوع وجدنا وظيفته قد تغيرت. ففي يوحنا ١٢: ٣ تمسح مريم أخت لعازر قدميه بالطيب، وهي غير مريم المجدلية، وإن اختلطت صورتاهما في تقاليد غربية منذ القرن السادس. ثم يدخل الطيب في خبر تجهيز الجسد للدفن. وهكذا نرى مادة التكريس القديمة حاضرة في قصة الموت، ثم نرى التفسير البولسي والنيقاوي يربط معانيها بعد ذلك بالفداء والصلب. لقد انتقل الرمز، عبر أجيال من القراءة، إلى مركز تفسيري جديد.
والمسح والمسيح ومريم والمر والنازير يجمعها أمر واحد: إنها ألفاظ ورموز لها تاريخ سامي، دخلت نصوصاً جديدة، ثم أُعيد شرحها على مقتضى عقيدة أخرى. فإذا قارنّا السياقات التي وردت فيها ظهر لنا ما بقي من الرمز، وما تغير من وظيفته.
«ضد المسيح» في النصوص المسيحية
وتفتح لنا عبارة «الأنتي-كرايست» (ἀντίχριστος) (أنتيخريستوس)، أي «ضد المسيح»، باباً آخر للمقارنة. ففي رسائل يوحنا نزاع على هوية المسيح، وفي نصوص أخرى، منها الرؤيا، صور لمن يضلل الناس ويدّعي لنفسه مقاماً إلهياً. ونحن نقرأ كل صورة في سياقها، ثم نقابلها بالميزان القرآني. فإذا اجتمعت أمامنا سألنا: أيمكن أن تحل صورة مصنوعة محل الأصل؟ ونحن نعلم في ذلك أن لكل كاتب من هؤلاء موقفه، وأنه يعيّن خصمه على ما يراه.
الفتنة والهوية في الشواهد
تصف الرسالة الثانية إلى التسالونيكيين (٢: ٣–٤) «إنسان الخطية، ابن الهلاك» بأنه يرتفع ويظهر نفسه إلهاً في هيكل الله. والفقرة لا تستعمل لفظ «أنتي كرايست»، وإنما جمعت بين الصورتين تقاليد تفسيرية جاءت بعدها. ونحن نقرؤها وصفاً يمكن أن نقارنه بجعل المخلوق مركز العبادة داخل المؤسسة المقدسة. أما أن يكون البناء النيقاوي مصداقاً لها، فذلك تطبيق يقترحه الكتاب، والرسالة لا تذكره باسمه.
وفي رسالة يوحنا الأولى (٢: ٢٢): «الكذاب الذي ينكر أن يسوع هو المسيح». فالكاتب يدافع هنا عن مطابقة يسوع بالمسيح، ويجعل رفضها حداً فاصلاً في الإيمان. وهذا وجه الشهادة الذي يعنينا: أن المطابقة نفسها كانت موضع نزاع. ثم نعود إلى سؤالنا التاريخي: هل يسوع الناصري هو صاحب هذه الأخبار كلها، أم اجتمعت فيه أخبار عيسى ﵇، وهي أقدم منه؟ والمقارنات التي عرضناها تجعل إحلال الصورة اللاحقة محل النبي، ثم تأليهها، وجهاً من وجوه التشبيه الذي نقرؤه. فالرسالة تحفظ لنا موقفاً من النزاع، والكتاب يفحص المطابقة التي يدافع عنها هذا الموقف، أما صلة هذا النزاع بنبونيد فتبينها المادة الأوسع التي عرضناها.
ويرسم سفر الرؤيا صور الوحش والمرأة وبابل والجبال السبعة، وهي صور تفتح باب المقارنة بروما، وبما كان بين العبادة والإمبراطورية من صلة. ثم نصل نحن هذا النمط بما جاء بعده من تاريخ الكنيسة الإمبراطورية، حين صارت السلطة تستمد من المقدس حرمةً تحميها. لكن الرؤيا أسبق من نيقية، فربطها بالمجمع تطبيق نقترحه لمعنى الصورة، والمجمع لا يرد فيها باسمه.
وفي الرؤيا علامة يحملها أتباع الوحش على اليد أو على الجبهة، أما روايات الدجال فتذكر كتابة بين عينيه هو. والذي نلتفت إليه أن العلامة حاضرة في الصورتين، وإن اختلف من يحملها واختلفت وظيفتها. فالتشابه هنا في اللغة التي تُميَّز بها الفتنة، ولا يبلغ أن يكون تطابقاً حرفياً في كل تفاصيل المشهد.
ويقول يوحنا أيضاً إنه «قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون» (٢: ١٨)، وذلك إلى جانب ما سمعه المخاطبون عن مجيء ضد المسيح. فالخصومة في خطابه حاضرة في وقته، وأصحابها كثيرون، وهذا مما يفيدنا في فهم الفتنة على نحو يتجاوز الفرد الواحد. ثم نعين نحن الأزمة الكنسية التي جاءت بعد ذلك مصداقاً لما عاناه المؤمنون، ولتاريخ التحريف. وينبغي أن يبقى كل من الشاهد والتفسير في موضعه: فالنزاع المتعدد في الرسالة، أما العقيدة المفروضة فمن قراءة الكتاب.
حين يعود التحذير إلى المؤسسة نفسها
وقد بقيت هذه النصوص في العهد الجديد يتداولها المسيحيون، فاختلفوا في تفسيرها، واستعملها بعضهم في نقد مؤسسات كنسية أخرى. ونحن نوجه السؤال هنا إلى كل مؤسسة تقرؤها: أيمكن أن يظهر فيها هي نمط الفتنة الذي تحذر منه؟ فالمعيار يكون أعمق أثراً حين يرجع به القارئ إلى نفسه وإلى ما ينتسب إليه.
وهكذا تتسع المقارنة بين الأخبار المسيحية والإسلامية، ففي كلتيهما تضليل يلبس ثوب المقدس، وسلطة تحميه، وعلامات يتعرف بها المؤمن عليه. والنصوص تختلف فيمن تعيّنه، والكتاب يجمعها ليتتبع بها تاريخ الصورة المسيحية. والحوار في هذه القراءة يبدأ من ألفاظ الشواهد نفسها.
المفكرون الإسلاميون والفهم العقلاني
ولم نكن أول من قرأ الفتنة قراءة فكرية، فلهذه القراءة سوابق في الكتابة الإسلامية الحديثة. فقد دعا محمد عبده ورشيد رضا إلى إعمال النظر العقلي في فهم الموروث. وربط سعيد أيوب في «المسيح الدجال» (1987) بين التحول البولسي وتاريخ الفتنة وتغير صورة المسيح. ونستفيد كذلك من نقد عبد الوهاب المسيري للمادية، حين نقارن حضارة تعظم الربح والقوة بالعين التي لا ترى من الوجود إلا وجهاً واحداً. فنحن نلتقي بهذه القراءات في السؤال، ثم نقدم بعد ذلك بناءنا الخاص في هوية المسيح ومعنى التحريف.
كتب الفتن واتساع المشهد
جمع نعيم بن حماد في «الفتن» روايات واسعة، وقد توفي سنة ٢٢٨هـ، أي قبل وفاة البخاري ومسلم. ونحن نقرأ كتابه إلى جانب الصحيحين لأن طريقته في الجمع تختلف عن طريقتهما، ومادته تختلف عن مادتهما، ولما يحفظه من صور دينية وسياسية. فتاريخ هذه الكتب وموضوعاتها أكثر تنوعاً من أن يُرسم خطاً واحداً يبدأ بخبر موجز، ثم يتوسع بمرور الزمن وحده.
بل إن في روايات صحيح مسلم نفسها وصفاً مطولاً، كما في حديث النواس بن سمعان. ومن هذه المادة الحسية ننطلق إلى القراءة الرمزية، فنسأل: ما المعنى الذي يصل أجزاء الصورة بعضها ببعض؟
ثم نسأل: ماذا يحدث إذا انصرف النظر كله إلى حادثة مؤجلة؟ قد يغيب عن المؤمن عندئذ ما يعيش فيه من عقيدة مفروضة وسلطة تحميها، فيؤجل مقاومة التحريف إلى مستقبل بعيد. لذلك نختار أن نفسر الدجال بالأزمة العقدية نفسها، ونعرض معها القراءة الشخصية المعروفة في الموروث. أما مسؤولية البناء اللاحق فتبقى على من حملوه، منفصلة عن يسوع، الذي نراه رجلاً صالحاً.
تعدد أخبار المصلوب وسؤال التشبيه
ويذكر الطبريّ، ذلك المفسّرُ الكبير، في تفسيره عدّةَ احتمالاتٍ ورواياتٍ في هويّة المصلوب: فمنها أنّ تلميذاً من تلاميذ المسيح تطوّع فأُلقي عليه الشَّبَه، ومنها أنّ يهوذا الإسخريوطيَّ الخائن تحوّلت صورته، ومنها غَيرُ ذلك ممّا تَناقَلَته الرِوايات. وفِكرةُ الإبدال لم يَنفرِد بها التَفسير الإسلاميّ، فقد نَقَل إيريناوس (ضدّ الهَرطَقات ١: ٢٤: ٤) عن باسيليدس القَولَ بأنّ سَمعانَ القَيروانيَّ هو الذي صُلِب مَكانَه، وهو شاهِدٌ مَسيحيٌّ من القَرن الثاني على المِحوَر نَفسِه.
فروايات المصلوب تختلف، لأن هوية البديل وتفاصيل المشهد لم تستقرا في خبر واحد، وهذا الاضطراب نفسه شاهد على الالتباس الذي قرأناه في آية التشبيه. أما المشهد فنقرؤه كما بسطناه في موضعه: الذي حوكم وعُذّب هو يسوع الناصري، وربما عُذّب حتى أُغمي عليه ثم قام من إغمائه، أو أحياه الله. ومن ذلك نشأ خبر القيامة، ثم سار في الرواية اللاحقة حتى وصل إلى بولس. ثم اجتمعت السيرتان، فنُسبت الواقعة إلى عيسى ﵇، وتفسير هذا الاجتماع قائم على المقارنات التي عرضها الكتاب كلها.
ما الدجّال إذن؟
فإذا أردنا أن نجمع هذا الفصل في كلمة، قلنا إنّ الدجّال هو اسمُ الفتنة في ذاكرة المؤمنين الذين رأوا دين المسيح يُغيَّر عليهم، على القراءة التي يقترحها الكتاب. فقد ظهرت صورةٌ لاهوتيّة نُسبت إلى يسوع، وفرضتها قوّة الدولة، ثم اتسع سلطانها على القلوب والمؤسّسات. أما يسوع الناصريّ نفسه فليس هو الدجّال، والكتاب لا ينسب إليه أنه اخترع هذا البناء، ولا أنه فرضه بعد موته. فالذي يسميه الكتاب دجلاً هو أن تُحلّ الصورة المصنوعة محلَّ حقيقة المسيح، والذي يسميه مقاومةً للفتنة هو أن نستعيد التمييز بين النبيّ ورسالته وبين العقيدة التي حُملت على اسمه.
الأيقونوغرافيا والعور: إشارة إلى الفصل ٢٢
وفي الفصل الثاني والعشرين نتابع صلة وصف العور بالصورة الدينية: ننظر في جانبي الوجه في أيقونة سيناء وما بينهما من عدم تماثل، وفي معنى الصورة وتاريخها، دون أن نصف الأيقونة بأن فيها عيناً مفقودة أو مغلقة. والذي يصل ذلك الفصل بما سبق سؤال واحد: كيف تحتفظ الصورة بعناصر موروثة، ثم تأتي قراءة لاحقة فتحمّلها معنى آخر؟
الفصل ٢٠ ـ الدجّال كعقيدة: النظريّة المركزيّة
المعنى الذي انتهينا إليه
انتهت بنا الفصول السابقة إلى أن نفهم الدجال فتنةً عقدية عاشها المؤمنون حين تبدل عليهم دين المسيح. ففي قراءة الكتاب اختلطت أخبار عيسى ابن مريم ﵇ بأخبار يسوع الناصري، ثم حمل اسم يسوع صورة مؤلهة ثبتتها المؤسسة وسلطان الإمبراطور. أما الذين خالفوا هذه الصيغة فقد لقوا الإقصاء ودخلوا في الصراع، حتى صارت القضية جزءاً من حياتهم. وفي هذه البيئة نفهم الدعوة المحمدية إلى عبادة الله ونفي الغلو: كانت جواباً لأزمة حاضرة في حياة الناس. وفي هذا الفصل نتتبع كيف استقرت الفتنة في العقيدة والمؤسسات، ثم كيف امتد نمطها إلى صور أوسع من حياة الحضارة.
لماذا يقرأ الكتاب الدجّال بوصفه أزمةً عقديّة؟
قرأ جمهور الشراح ما ورد من أوصاف العين والكتابة والجنة والنار والأيام على أنها صفات شخص يأتي في آخر الزمان. أما نحن فنقرؤها من داخل الأزمة التي وصفناها، حين يختلط الحق بالباطل، وتلبس الصورة ثوب القداسة، وتجمع السلطة بين الإقناع والإكراه. هذه هي الوجهة التي يختارها الكتاب في فهم الدجال، وقد اختارها بعد أن عرض المادة التي انطلقت منها القراءة الموروثة.
فالعور على هذه القراءة خلل في الرؤية، والكتابة خداع ينكشف أمام بصيرة المؤمن، وتفاوت الأيام تغير في مدى الفتنة وأثرها. ونحن نحفظ ألفاظ الروايات كما هي، ونقرؤها بهذا المعنى التاريخي والرمزي الذي أقمنا له سياقه في الفصول السابقة.
شخصان وبناءٌ عقديّ: عيسى ويسوع والصورة المؤلَّهة
ولهذا نفصل بين ثلاثة: عيسى ابن مريم ﵇، الذي نطابقه بنبونيد؛ ويسوع الناصري، الرجل الصالح الذي جاء بعده؛ ثم الصورة المؤلهة التي حملت اسم يسوع. فالأولان شخصان، أما الصورة فبناء عقدي تشكل بعدهما، وهو موضع الدجل في تفسيرنا. وإذا هاجمت رواية جدلية يسوع نفسه، بقي موقفنا على حاله: نفصل الرجل عما صنع باسمه. ذلك أن استعادة الحقيقة تصحح الاعتقاد، وترفع الالتباس كذلك عن صاحبي السيرة.
مضمون الفتنة في الآيات
يقول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم: 88-90). ومعنى «إدًّا» في لسان العرب الأمر الهائل الذي لا تطيقه السموات ولا الأرض ولا الجبال. ويورد ابن كثير، نقلاً عن مسند أحمد من خبر جابر رضي الله عنه، قوله ﷺ: «ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة، أكبر من فتنة الدجال» (البداية والنهاية، ذكر أحاديث منثورة في الدجال). وحين يُجمع هذا التحذير إلى وصف القرآن لهول دعوى البنوّة، يرى الكتاب بينهما صلةً تصل الفتنة العقديّة بتأليه المخلوق، لأن هذا الانحراف يمسّ أصل العبادة، ثم يمتدّ أثره إلى حياة المؤمنين وعالمهم.
والقرآن حين ينقد الغلو والتأليه يفتح معه باب الرجوع: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾ (المائدة: ٧٤). فالغاية من هذا البيان أن يعود الإنسان إلى معرفة الله وعبادته، وهذا الرجوع نفسه جزء من المعنى الذي يدور عليه الكتاب.
وقد قرأنا من قبل الكلمة والنور على أنهما معنى يُستمد من الله. ويبدأ الغلو عندنا حين تُحصر حقيقة الهداية في فرد، أو تُنسب إليه قدرة مستقلة عن مصدرها، أو تحتكر مؤسسة باسمه طريق النجاة. ونحن نقرأ هذا التحول من شروح أصحاب العقيدة أنفسهم ومن ممارستهم؛ فهم قد يقرون الألوهية ولا يعبرون عنها بإلهين مستقلين، فيتحدد موضع الخلاف معهم بما يقصدونه من الاتحاد والمشاركة والعبادة.
ثم تأتي روايات الكهف فتصل الفتنة بهذا السياق القرآنيّ من وجه آخر. ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ عند أبي داود: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال» (سنن أبي داود، ٤٣٢٣)، وعند مسلم بلفظ «عُصم من الدجال» (صحيح مسلم، ٨٠٩). والآية الرابعة من هذه العشر تقول: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (الكهف: ٤). وفي هذا يرى الكتاب مفتاحاً لفهم الفتنة العقديّة، لأن الآيات التي رُبطت بها الوقاية تصرّح بدعوى التأليه، وهي الدعوى التي تقع في قلب هذا الكتاب. وسيفصّل الفصل ٢٣ هذه القراءة، فيجمع روايات الكهف ودعاء الاستعاذة إلى مضمون افتتاح السورة.
كيف ينقلب معنى الصفة
عرضنا في الفصول الأولى ما يحمله المسح من معاني التطهير والتكريس، وقابلناه بالمسخ، وهو التحول عن الأصل. ونطبق هذه المقابلة الآن على الصفات. فالشفاء يقع بإذن الله، ثم قد يُفسَّر بقدرة ذاتية؛ والبركة قد تصير أساساً لسلطان المؤسسة؛ والسياحة التي تحمل الهداية قد تتحول إلى نشر صورة تحجبها. وفي كل ذلك تبقى ملامح الصفة الأولى، أما المعنى الذي تعمل به فيتغير.
الصورة التي تشكلت والاعتراض عليها
وهنا تلتقي المادتان اللتان فصلناهما من قبل: صور المسيح المبكرة، وقد استقر بعضها في الإيمان الكنسي، وذاكرة المندائيين التي حفظت اعتراضهم في «مشيحا كدابا». فالأولى ترينا كيف بُني التصور، والثانية ترينا كيف عارضته جماعة أخرى. وبين البناء والاعتراض نرى تاريخ الصورة التي ورثها الناس.
الدجال كنمط وجود في الحضارة
والدجّال في هذه القراءة بناءٌ في الفكر والعمل، يُعاد إنتاجه جيلاً بعد جيل، وفي كل مرة بقناع جديد. ويتتبّع الكتاب آليته وهي تمتد من العقيدة التي ثبّتها سلطان المجامع إلى الإكراه الديني والاستعمار، ثم يقرأ نظائرها في الحياة المعاصرة، حين تُجعل الذات أو القوة أو المال أو التقنية مرجعاً مطلقاً. فالإنسان يكتشف ويبتكر ويعمر الأرض بما فتح الله له، لكن معنى هذه القدرة ينقلب حين يظنها قائمةً بذاتها، فيتخذها حجةً على أنه مستغنٍ عن الله، وعلى أن له السلطان على غيره. وهذا هو العور الروحي الذي نقصده: نظرٌ يتسع في المادة، وبصيرةٌ تنغلق عن مصدر الوجود وغايته.
ومن فهم هذا التحول كان أقدر على مقاومته. فالمعرفة والقدرة قد توهمان صاحبهما أنه مستغن عن الله، وقد يظن شخص أو مؤسسة أنه يملك النور، فيحصر طريقه في نفسه. فإذا وقع ذلك صارت العطية التي تفتح باب القرب حجاباً عن المعطي، والخلل عندئذ في وجهة الانتفاع بها.
وقراءة هذا الكتاب تنطلق من أن الله أراد للإنسان علماً وقدرةً عظيمين، وأراد له أن يكون مظهراً لمعاني أسمائه العليا، فيعرف ويرحم ويحكم بالعدل ويحسن الصنع. فكلما اتسعت قدرته اتسع المجال الذي تظهر فيه هذه المعاني في فعله. وكلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» معرفةٌ بمصدر القوة، تصحب الإنسان وهو يتعلم ويبتكر ويعمر، وتردّ قلبه إلى الله مع كل فتح. فإذا صحبته كان اتساعه في الرحمانية، وكانت سكينته في حضرة الله، واتجه عمله إلى المراد الإلهي. أما إذا نسب الفضل كله إلى نفسه، وطلب قدرةً وخلوداً يناوئ بهما الله، فقد جعل العطية حجاباً عن المعطي، ودخلت قوته في الشيطنة والبعد.
وفي التاريخ الإسلامي نفسه أخبار عن الغلو في الإمام علي عليه السلام، وعما يُنقل من رفضه أن يُرفع فوق مقام العبودية. وهذه الأخبار تختلف مادتها باختلاف مصادرها، فمنها ما يصف الفرق، ومنها أخبار ابن سبأ والعقوبات. لكن السؤال الذي يعنينا فيها واحد: قد ينسب الأتباع إلى رجل مقاماً يتبرأ هو منه، كما يتبرأ عيسى ﵇ في سورة المائدة من دعوة الناس إلى تأليهه. على هذا النمط نفهم المقارنة، مع أن لكل واقعة تاريخها الذي تحدده شواهدها.
الفصل ٢١ ـ الدجّال كحضارة: المسيريّ وأسد وحسين والنورسيّ
من العقيدة إلى الحضارة
ولا تقف الفتنة عند بناء العقيدة، فهي تمتد إلى طريقة العيش، وإلى الطريقة التي تُنظَّم بها القوة والمعرفة. فإذا جعلت الذاتُ نفسها أصلاً مكتفياً بذاته، صار كل ما تملكه وسيلةً لتثبيت هذا الوهم: فيُقاس الناس بإنتاجهم أو بثروتهم، وتُطلب السيطرة لذاتها، وتُقصى الغاية الأخلاقية والروحية عن معنى التقدم. هذا هو النمط الحضاري الذي ينتقده الكتاب. أما أن يتسع العلم، وتكثر المهارات، وتتقدم التقنية، وتتيسر المعلومات والحياة، فذلك من وجوه السعة التي تفتح للإنسان إمكانات جديدة، ويكتمل رقيّه حين تصحب هذه السعةَ معرفةٌ بالنفس، ورحمةٌ بالخلق، واتصالٌ بالله.
مَوقع هذه القِراءات من أَطروحة الكِتاب
ونستعين بقراءات المسيري وأسد وعمران حسين والنورسي وهايدغر وجنون وإيليتش على فهم ما يختزل الإنسان وما يخضعه، ثم نصلها بآلية التأليه والاحتكار التي تتبعناها، حين يتحول ما يدل على الله إلى مرجع يحجب عنه. وهذه المقارنة من عمل الكتاب، أما كل مفكر من هؤلاء فله تفسيره للتاريخ. ونحن نقرأ النمط حيث يظهر، ونعلم أن المعرفة النافعة والرحمة تبقيان في العصر نفسه إمكاناً حياً.
والحلقة التي تصل التحولين في قراءتنا هي الحلول: إله يحلّ في إنسان، ثم إنسان يحلّ محل الإله. وقد كتب فويرباخ سنة ١٨٤١ أن «سر اللاهوت هو الأنثروبولوجيا»، فقرأ عقيدة التجسد عبادة من الإنسان لجوهره، وجعل قاعدته أن الإنسان إله للإنسان. وما سمّاه المسيري الحلولية هو الطريق نفسه حين يبلغ آخره.
المسيري واختزال الإنسان في المادة
يفرق عبد الوهاب المسيري بين علمانيتين: علمانية جزئية تتعلق بفصل الدين عن إدارة الدولة، وعلمانية شاملة تمتد إلى رؤية الوجود والإنسان. فهو حين يتكلم في الأولى يناقش ترتيب المؤسسات، وحين يتكلم في الثانية يناقش إقصاء المقدس والغاية المتجاوزة للمادة، وأن يُجعل الإنسان حكماً على الحقيقة والقيمة مكتفياً بنفسه.
وفي هذه العلمانية الشاملة يصير الإنسان كائناً اقتصادياً واستهلاكياً، تُقاس قيمته بما ينتج وما ينتفع، ويضعف في حياته معنى كل ما يتجاوز المادة. وقد قدم المسيري هذا التحليل في «العلمانية الجزئية والشاملة» (٢٠٠٢)، ونحن نقرأ فيه وجهاً حديثاً للفتنة التي يعالجها الكتاب. فبعد تأليه شخص، قد تؤله فكرة الإنسان نفسها، فيصير المخلوق مقياساً مطلقاً لكل شيء. تغيرت اللغة، فحلت محل لغة العقيدة لغة أخرى، لكن أصل المشكلة بقي كما هو: أن تُفصل القدرة عن مصدرها، ويُلغى ما يهديها.
محمد أسد: الحضارة العوراء
وفي «الطريق إلى مكة» ربط محمد أسد صورة الدجال بالحضارة التي تتسع عينها المادية وتضعف رؤيتها الروحية: فهي تعرف كيف تكتشف، وكيف تصنع، وكيف تعالج، وكيف تزيد الثروة، ثم قد تعجز عن أن تمنح الإنسان سكينة أو معنى. وما يؤثر فينا من هذه الصورة أنها تجمع القوة والنقص في مشهد واحد، فالعور ينشأ حين تنفرد جهة واحدة بتوجيه الوسائل، مهما كثرت هذه الوسائل.
والصورة التي نستخلصها من هذا النقد أن الرؤية تكتمل حين تنفتح عين الروح مع عين المعرفة المادية. فالدواء الذي يشفي، والآلة التي ترفع المشقة، والمعرفة التي تيسّر حياة الناس، كلها يمكن أن تحمل آثار الرحمة والإحسان. وإنما يبدأ العور حين تُحصر حقيقة الإنسان في هذه المنافع، أو حين تُجعل قدرته عليها دليلاً على أنه مستغنٍ عن الله. والذي يهدي القوة إلى غايتها هو أن يرقى الفكر والقلب.
عمران حسين: المراحل التاريخية
ويفسر عمران حسين تفاوت أيام الدجال بانتقال مراكز القوة الحديثة، ثم يطبق ذلك على مسائل سياسية ومالية بعينها. والذي نأخذه منه أنه فتح المجال للقراءة الحضارية، ونبّه على تسارع أدوات السيطرة. أما أن يُحدَّد الدجال بالفتنة العقدية نفسها فذلك اختيار هذا الكتاب، وكل تطبيق من تطبيقات حسين يُحكم عليه وحده.
سعيد النورسي: الدجال الخارجي والداخلي
ويميز سعيد النورسي بين «الدجال الأكبر» في العالم المسيحي و«السفياني» في العالم الإسلامي، فتكون الفتنة عنده في الخارج وفي الداخل معاً. ونضيف نحن، من جهة السلوك، أن ننظر في النفس الأمارة بالسوء، لأن ما تحمله من شهوة للسيطرة وتعظيم للذات هو ما تستند إليه أبنية الجبروت في حياة الناس. ولهذا يصحب نقدَ الحضارة عملٌ في القلب. فقد يرفع الإنسان صوته معترضاً على التسلط، ثم يبقى هو نفسه أسيراً للمعنى ذاته، في نفسه وفي علاقته بغيره. فإذا هذّب إرادته صارت مقاومته للفتنة أصدق أثراً.
وعلى هذا يكون لانتصار عيسى ﵇ على الدجّال معنى في طريق السلوك: فإذا انكشفت الحقيقة في القلب زالت سلطة الوهم الذي كان يستعبده. والروح، في القراءة التي يتبناها الكتاب، تنتصر حين تهدي النفس والقوة المادية إلى غايتهما، فيصير العلم باباً للمعرفة، والعمل باباً للإحسان، والقدرة وسيلةً للرحمة. وبقدر ما يتحقق هذا التحول في الناس، تفقد أبنية الجبروت ما تستند إليه في نفوسهم.
اتساع قدرة الإنسان في القرن الحادي والعشرين
وتقنيات القرن الحادي والعشرين تجعل هذا السؤال أشد حضوراً: ماذا يصنع الإنسان بقدرته وقد اتسعت؟ فالذكاء الاصطناعي والطب والهندسة توسّع ما نستطيعه من التعلم والمعالجة والعمل، وتضع بين أيدينا وسائل نفهم بها أنفسنا والعالم. وقد تحملها غاية الرحمة والعمران، وقد يستولي عليها وهم السيادة المطلقة. لذلك نقرأ النقد الفلسفي الآتي لنفهم اللحظة التي تنقلب فيها الوسيلة سلطاناً على الإنسان، ومتى تصير زيادة القدرة حجاباً عن مصدرها.
ونقد هايدغر للتقنية يساعدنا هنا، فهو بمفهوم «التأطير» (Gestell)، وبما وصفه من تحويل الموجودات إلى «رصيد متاح» (Bestand)، ينظر في الطريقة التي تُختزل بها الطبيعة والإنسان إلى موارد للسيطرة والاستثمار. ونحن نقرأ صورة الدجّال الذي «يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت» وفي أذهاننا هذا السؤال: فالقدرة على تسخير الأسباب قد تُستعمل لإبهار الناس وإخضاعهم، حتى يظن صاحبها أنه يملك مصادر الحياة بذاته. هذا هو وجه المقارنة الذي نقترحه، أما أن يعرف الإنسان الأسباب وينتفع بها في خدمة الخلق فذلك من وجوه القدرة التي أتاحها الله له.
أما رينيه جنون، عبد الواحد يحيى، فيبحث في «سيادة الكم وعلامات آخر الزمان»، ولا سيما في فصل «المحاكاة الكبرى أو الروحانية المقلوبة»، كيف ينقلب المعنى الروحي إلى صورة مضادة تحاكيه وتستعمل رموزه. ومن هذا الوجه نستعين به على فهم الفرق بين القوة المتصلة بأصلها والقوة التي تحجب عنه (الفصل ٣٩). ويبحث إيفان إيليتش في «أدوات للتعايش» حدود المؤسسات والأدوات، لأنها إذا تضخمت سلبت الناس قدرتهم على الفعل، ويطلب أدوات توسّع حريتهم ومشاركتهم (Tools for Conviviality). وهذا ما يعنينا هنا: أن تتيسر حياة الإنسان وتُحفظ فاعليته، وأن نقاوم تحول الوسائل التي وُضعت لخدمته إلى أنظمة تستعبده.
وتظهر أسئلة هذه القدرة بوضوح في الترانسهيومانيزم، أي حركة تعزيز القدرات البشرية بالتقنية. فإعلان الحركة يتحدث عن توسيع الإمكانات، وعن تجاوز ما تفرضه الشيخوخة وحدود الإدراك من قيود، ويتحدث كذلك عن الرفاه وعن مخاطر التقنيات (إعلان الحركة). ويعرض ريموند كرزويل تصوره للتفرد، حين يندمج الذكاء البشري بالذكاء الآلي (عرضه للتفرد)، ويناقش يوفال نوح هراري في «Homo Deus» طموح الإنسان إلى الخلود والسعادة وإلى قدرات تشبه قدرات الآلهة، وما يفتحه ذلك من أخطار وأسئلة. ويرى هذا الكتاب أن علاج المرض وإطالة الحياة وتوسيع الإدراك أمور يمكن أن تدخل في خدمة الرحمة والعمران. أما مشروع «الإنسان الإله الخالد» فيدخل في الفتنة حين يُراد به إنسانٌ قائم بذاته، مستغنٍ عن الله ومناوئٌ له. فالحكم يتعلّق بهذه الدعوى وغايتها، ومن اشتغل بتعزيز القدرة أو بالذكاء الاصطناعي لم يلزمه أن يتبنّاها.
ولنضرب لذلك مثلاً واضحاً: نظام طبي يساعد على اكتشاف المرض مبكراً، ويتيح العلاج لمن حُرم منه، فهو يوسع قدرة الإنسان في جهة الرحمة. فإذا استُعملت الأداة نفسها لاحتكار علاج الناس، أو للتحكم في أجسادهم من غير إرادتهم، صارت وسيلة تسلط. فالفتنة إذن في الغاية، وفي تصور صاحب القوة لعلاقته بالله وبالخلق، أما زيادة المعرفة فبريئة منها.
وعلى هذا المعنى يصل الكتاب بين فتنة التأليه في صورتها الكنسية وصورها في الحضارة. ففي الحالين يُعزل ما يظهر في الإنسان من علم أو نور أو قدرة عن مصدره، ثم يُنسب إليه قيامٌ ذاتيّ يستغني به عن الله. وقد تتكلم هذه الآلية بلغة العقيدة، أو بلغة السلطة، أو بلغة الوعد التقني، لكن العودة إلى الأصل تبقى ممكنة في كل منها: أن يعرف الإنسان أن قوته بالله، وأن يتسع فكره وقلبه معها، فيكون أثره في العالم رحمةً وإحساناً.
صور متعاقبة للفتنة وإمكان تجاوزها
| المجال | الصورة التي يناقشها الكتاب | موضع الخلل |
|---|---|---|
| العقيدة والمؤسسة | حصر النور والنجاة في شخص أو جهة تحتكر الكلام باسمه | تحويل الدلالة على الله إلى سلطان يحجب عنه |
| الحكم والقوة | فرض تصور واحد بالقسر | إخضاع الضمير لمصلحة السلطة |
| الاقتصاد والثقافة | اختزال قيمة الإنسان في المنفعة والاستهلاك | فقد الغاية الأخلاقية والروحية |
| العلم والتقنية | توهم الاستغناء المطلق أو احتكار القدرة | نسيان المصدر واستعباد الخلق بدل خدمتهم |
تجتمع هذه الصور في عصر واحد، ويعيش إلى جانبها في العصر نفسه علم نافع وتقدم في الأخلاق والمعرفة الروحية. فالتاريخ تتسع فيه القدرة، ويدور فيه الصراع على غايتها في آن واحد. وكلما صحب القدرةَ فهمٌ للنفس ومعرفة بالله، أمكن أن تصير هي نفسها طريقاً للخلاص من الفتنة.
والتاريخ لا ينحدر في طريق لا رجعة فيه. فالأدوات التي توسع سلطان الوهم قد توسع كذلك قدرة الناس على كشفه، والعلم الذي يُحتكر قد يصبح متاحاً للناس، والنور الذي حُصر في صورة قد يُعرف من جديد على حقيقته. وعند هذه النقطة تلتقي قراءة الدجال بقراءة الساعة: فنحن أمام اتساع في الإدراك والقدرة، تتحدد وجهته بما يحمله الإنسان من معرفة ورحمة وافتقار إلى الله.
الفصل ٢٢ ـ الصورة والصليب: كيف يحمل الرمز عقيدة؟
الوجه المصوّر ومعنى النظر
تعلم الصورةُ العينَ كيف ترى المقدس. فالمؤمن ينظر إلى الوجه واليد والكتاب وعلامات الملك، فيفهم منها معاني لم يقرأ شرحها بعد في النصوص. وإذا نظرنا في صور المسيح، على اختلاف تواريخها ووظائفها، رأينا كيف شارك الفن في تثبيت الاعتقاد.
ومن أشهر الأمثلة أيقونة المسيح «الضابط الكل» في دير سانت كاترين، وقد صُنعت بالشمع الملون على لوح، وتؤرَّخ بالقرن السادس. يحمل المسيح فيها كتاباً، ويشير بيده بالبركة، وبين جانبي وجهه تفاوت قرأه بعضهم رحمةً في جانب وحكماً في الآخر، وقرأه آخرون لاهوتاً وناسوتاً. فهي صورة يُتأمل فيها معنى الوجه، وليست مشهد صلب، ولا يظهر فيها ما يثبت أن إحدى العينين مفقوءة أو مغلقة.
والصورة تتبع العقيدة، ومن شواهد ذلك صليب غيرو في كولونيا (نحو ٩٦٥ـ٩٧٠م)، وهو أقدم صورة غربية معروفة للمسيح ميتاً على الصليب، وقد أثبت التصوير بالأشعة أنه مغمض العينين. فقد كان المصلوب قبله يُصوَّر حياً مفتوح العينين، فلما صار الصلب في العقيدة ذبيحة تكفّر عن الخطايا، صار وجهه في الصورة وجه الميت المتألم.
الدجال وعَوَر العين
وتختلف الروايات في وصف العور، فبعضها يذكر العين اليمنى، وبعضها يذكر اليسرى، وفي بعضها وصف العين بأنها طافئة. وقد ناقش الشراح هذه الألفاظ وطلبوا وجوه الجمع بينها. أما نحن فيعنينا هنا ما تفتحه هذه الصورة من باب لفهم نقص الرؤية.
فنحن نقرأ العور رؤيةً ترى جهة وتُحجب عن أخرى، ونصله بما تقدم من قدرة مادية لا تصحبها بصيرة بالمصدر والغاية. وهذا التأويل يأخذ معناه من الفتنة التي وصفناها، أما مناقشة ألفاظ الروايات فموضعها التفسير الموروث.
وعلى هذا المعنى ننظر إلى الأيقونة، فنسأل: كيف يحمل الوجه المصور وعداً بالكمال، وكيف يفهم المتعبد ما يراه فيه؟ فالذي نقارنه هنا هو دلالة الصورة، وما تتعلمه العين حين ترى تفاوت النظر في الوجه المقدس. وهذه قراءة الكتاب للصورة، ولا ندّعي بها خبراً عن قصد الفنان.
وقد درس كورت فايتسمان تفاوت جانبي الوجه في أيقونة سيناء، في أثناء عمله على أيقونات الدير، وظلت دلالة هذا التفاوت مفتوحة للتفسير الفني والديني. ونحن نضعه هنا وجهاً من وجوه التأمل في الصورة، ثم نصله بالسؤال الأوسع عن مكانها في العبادة والسلطة.
وأقرب الصور إلى هذا الوصف صليب الجلجلة في كنيسة القيامة بالقدس، وهو مرسوم فوق المذبح الذي تعظّمه الكنيسة موضعاً للصلب، وعينا المصلوب فيه مرسومتان مغمضتين. غير أن كاهنين من الكنيسة نشرا في التاسع والعشرين من آذار ٢٠١٧ صوراً له وقد بدت فيه عين مفتوحة وأخرى مغمضة، وقالا إنه بقي على تلك الحال يوماً كاملاً، فانتشرت الصور في العالم المسيحي. ثم اختلفت الأخبار في تأكيد الواقعة، ولم يصدر فيها بيان رسمي. والذي يعنينا من ذلك كله أن الناس رأوا أشهر صليب في المسيحية، القائم فوق موضع الصلب كما تعدّه الكنيسة، بعين مفتوحة وأخرى مغمضة.
الصليب: رمزٌ أقدمُ من الصَّلْب
عرفت حضارات أقدم من المسيحية علامات متقاطعة، وكانت لها عندها معانٍ مختلفة. فإذا تتبعنا شكل الصليب وجدنا له تاريخاً أوسع من حادثة الصلب، ووجدنا لكل أثر منه وظيفة عند أهله، فنسأل عنه: ماذا كان يعني لهم، وكيف اتصل بما جاء بعده؟
الجهات الأربع وصورة الملك
حمل نارام سين لقب «ملك الجهات الأربع»، ثم تداولته ممالك جاءت بعده، وكانت نصوص أقدم منه قد عرفت صورة الملك الذي يمتد سلطانه من البحر الأسفل إلى البحر الأعلى. وهذه الألقاب كلها تعبر عن سيادة تحيط بالعالم المعروف. ونحن نضعها خلفية للمقارنة بين الملك وشكل التقاطع، على أن النص يثبت اللقب وحده، أما العلامة التي اقترنت به فيبينها الأثر المصور.
ونحن نقرأ الصليب رمزاً للملك والقداسة، ونرى فيه صلة بعيسى الملك ﵇. فشكل + يجمع الجهات الأربع التي حمل ملوك الرافدين لقب السيادة عليها، والتقاطع فيه يقارَن بحركة الشمس والاعتدالين. والأثر المصور يشهد بأن العلامة اقترنت بالملك: ففي مسلة شمشي أدد الخامس الآشوري، من القرن التاسع قبل الميلاد، يلبس الملك على صدره صليباً تميمةً، يعرّفه المتحف البريطاني رمزاً لإله الشمس (المتحف البريطاني، 118892). ثم يُقرأ كل أثر بعد ذلك بحسب ما كان يعنيه عند أهله.
ما تخبرنا به ألفاظ الصلب
درس غونار ساموئلسون ألفاظ الصلب في كتابه «Crucifixion in Antiquity»، ومنها لفظ σταυρός (ستاوروس)، وهو في الاستعمال اليوناني القديم يتسع للوتد ولأداة التعليق. ودراسته تساعدنا على التمييز بين ما يدل عليه اللفظ وما نضيفه نحن إلى صورته من تصور لاحق. فالكلمة وحدها لا تخبرنا بشكل الأداة في واقعة بعينها، أكانت جذعاً مفرداً أم ذات عارضة، وإنما يُعرف ذلك من سياق أوسع منها. ويمكن الرجوع إلى عرض ساموئلسون لبحثه.
وقد عرض باحثون قدامى ومحدثون أشكالاً مختلفة لأدوات التعليق والإعدام، منها الجذع البسيط ومنها الأشكال المتقاطعة. وهذا التنوع يعلّمنا أن نقرأ كل شاهد مع ما يحيط به، وأن الشكل لا يترجّح لمجرد أنه مذكور في قائمة الأشكال الممكنة.
وكان يوستوس ليبسيوس من أقدم من فصّلوا هذه الأشكال، في كتابه De Cruce (١٥٩٤). فقد ميّز الصليب البسيط (crux simplex)، وهو خشبة واحدة يُعلّق عليها المحكوم، من الصليب المركّب (crux compacta) من خشبتين، ثم قسم المركّب ثلاثة أقسام: ما كان على هيئة X، وما كان على هيئة T، والمتقاطع. فتعدد الأشكال قديم إذن في كتب الباحثين أنفسهم.
والأمر نفسه في لفظ ξύλον (كسيلون)، ومعناه الخشب أو الخشبة. فاللفظ يدل على المادة، أما عدد القطع وطريقة تركيبها فتبينهما بقية الوصف، لأن الكلمة وحدها لا ترسم الأداة.
من ذكرى الصلب إلى رمز المؤسسة
وكان شكل الصليب المتقاطع حاضراً في التعبير المسيحي قبل نيقية. ففي دفاع يوستينوس الأول، الفصل ٥٥، وهو من القرن الثاني، يقارن يوستينوس الصليب بهيئات شتى، منها هيئة الإنسان إذا مدّ ذراعيه. فإذا كان الرمز حاضراً على هذا النحو في ذلك الوقت المبكر، فكيف تعاظمت مكانته في العهد القسطنطيني وما بعده؟
فلما جاء العهد القسطنطيني وما بعده اتسع حضور العلامات المسيحية في مشاهد السلطة والفن والعمارة. ولا بد هنا من التمييز بين علامة كي رو، المركبة من حروف اسم المسيح، والصليب بأشكاله المختلفة. فالتاريخ الذي نتتبعه تاريخ استعمال وانتشار وتفسير، تداخلت فيه الدولة والعبادة والذاكرة.
انقلاب القيم في صورته الأعمق
ونقدنا يتجه إلى ما تصير إليه وظيفة الرمز حين يتحول. فقد يبدأ الرمز تذكيراً بالهداية أو بالألم، ثم ينتهي أساساً يُحتكر به معنى الخلاص. وقد يقع هذا في شكل قديم كما يقع في شكل جديد، فالعبرة بما حملته الصورة من مقام وعقيدة. وهنا أيضاً نفصل يسوع، الرجل الصالح، عن البناء الذي أقيم باسمه.
البصيرة التوحيدية
والمسيحي يقرأ في الصليب لغة تضحية ورجاء، إلى جانب ما يذكر فيه من الألم. فنبدأ بفهم هذا المعنى كما يعيشه، ثم نسأل عن وجهة العبادة فيه: هل يدل الرمز على الله، أم يصير غاية تحجب عنه؟ فالبصيرة التي نعنيها أن نفهم قبل أن نحكم.
والناس يولدون في تقاليد تمنح الصور معناها قبل أن يسألوا عن تاريخها، وقد يصدق المؤمن في طلب الله من خلال ما ورث، وإن خالفناه في فهم الصورة والعقيدة. لذلك نوجه نقدنا إلى تاريخ البناء ومعناه، ونحفظ للإنسان صدقه وتجربته. وفي هذا فرصة مشتركة لنا جميعاً، لنفهم ما ورثناه، ولنفهم كيف تتكون الألفة حتى تبدو بعض المعاني بديهية لا تحتاج إلى سؤال.
الفصل ٢٣ ـ سورة الكهف: افتتاحها يشرح فتنة الدجّال
حديث العشر: مضمون الآيات وطبيعة الفتنة
روى أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال» (سنن أبي داود، ٤٣٢٣). وروى مسلم الحديث بلفظ «عُصم من الدجال» (صحيح مسلم، ٨٠٩)، وجاء في طريق آخر «من آخر الكهف» (الرواية الأخرى). ويقول المصلي في دعاء الاستعاذة بعد التشهّد: «ومن شرّ فتنة المسيح الدجال» (صحيح مسلم، ٥٨٨). فتعبير «فتنة الدجال» حاضرٌ في حديث الوقاية وفي الدعاء معاً، وإلى جانبه روايات تذكر الدجال باللفظ المختصر. وهذه النصوص كلها تحذّر وتطلب النجاة، ثم تأتي روايات الكهف فتربط هذه النجاة بالقرآن.
ومضمون الآيات يحدد الفتنة المقصودة في قراءة هذا الكتاب. فالآيات التي رُبطت بها الوقاية تنذر الذين قالوا إن الله اتخذ ولداً، وتنقد قولاً يتوارثه الأبناء عن الآباء بلا علم، وتنبّه إلى أن زينة الأرض ابتلاءٌ. فإذا جمعنا هذه المعاني إلى تعبير «فتنة الدجال»، قرأنا الفتنة أزمةً في الاعتقاد والرؤية، يختلط فيها المخلوق بالخالق، وتكتسب الدعوى الموروثة سلطاناً على النفوس، ويُفتَن المؤمن في دينه تحت ضغط الجماعة والسلطة. فالدجال في هذا الكتاب بناء عقديّ عاش الناس فتنته، وتوارثوا آثاره جيلاً بعد جيل. ونحن نبني هذا الاستدلال على ترابط الروايات، وعلى مضمون السورة، وعلى السياق الذي نقرؤها فيه.
فإذا كانت أوائل الكهف حصناً من هذه الفتنة، فما المعرفة التي تضعها في يد المؤمن؟ تبدأ الإجابة من قوله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ثم من وصف هذا القول بأنه موروثٌ بلا علم. فالحديث يربط الوقاية بالآيات، والآيات تبيّن الخلل العقديّ، وتعطي المؤمن معياراً يميزه به. ولذلك نقرأ العشر الأُول آيةً آية.
قراءة الآيات العشر
الآيات العشر الأولى من سورة الكهف هي:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.
فإذا قرأناها مع حديث الوقاية، رأينا كيف تنتقل من معرفة الله إلى نقد القول الموروث، ثم إلى الابتلاء الذي يعيشه الإنسان في الأرض.
الكتاب والعوج: معيار التمييز
تجعل الآيات الكتابَ ميزاناً يُنذَر به ويُبشَّر. وعلى هذا الميزان نقرأ سائر الموروث الديني، فنزنه بالتوحيد الذي يقرره القرآن، ثم نسأل: ما المعاني التي بقيت فيه، وأين غيّر التأويل وجه الرسالة؟ ولا يكفي الاختلاف في العبارة وحده لنحكم بذلك، فقد رأينا كيف تتقارب لغة الكلمة والنور، وتبقى مع ذلك فروق حقيقية في الاعتقاد.
وهذا الميزان يعيدنا إلى النصوص التي بُني عليها تأليه المسيح. فقد عرضنا من قبل اختلاف رواياتها وتعدد طبقاتها، وما يدور من بحث في نسبة بعض الرسائل وفيما أضافه النساخ. ومن ذلك ما يناقشه Bart Ehrman في «Forged» (٢٠١١) عن «pseudepigrapha»، أي الكتابات المنسوبة إلى غير أصحابها. وهذه المادة كلها تسأل عن الأساس الذي قام عليه البناء العقدي، وتعين على تمييز الخبر من الشرح الذي ألحق به.
البنوّة: عصب الفتنة
ثم تأتي الآية الرابعة بإنذار مخصوص: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وهذا الإنذار عندنا في قلب الصلة بفتنة الدجال، التي بينا معناها العقدي في الفصل التاسع عشر، لأنه يوجه النظر إلى الدعوى نفسها التي يتصدرها نقدنا للتأليه. فكل بناء يمنح المخلوق مقام الابن الإلهي أو الإله المتجسد يجد هنا بياناً مباشراً يواجهه: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. فنحن نقرأ افتتاح السورة إذن تفسيراً لمضمون الفتنة التي طلبت الروايات الوقاية منها.
وفي الحديث النبويّ الصحيح ما يؤكّد أن هذا المعنى في صميم الأمر: «كَذَّبَني ابنُ آدمَ ولم يَكُن له ذلك، وشَتَمَني ولم يَكُن له ذلك؛ فأمّا تكذيبُه إيّايَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بَدأَني، وأمّا شَتمُه إيّايَ فقولُه: اتَّخَذَ اللهُ ولداً، وأنا الأحدُ الصمدُ لم أَلِد ولم أُولَد ولم يَكُن لي كُفُواً أحدٌ» (رواه البخاري). فاللهُ سبحانه يسمّي دعوى الولد شتماً، وهو أشدّ من أن يكون خطأً عقديّاً فحسب. وسورةُ الكهف تضع هذا الشتم في صدرها، وتجعل الإنذار منه فاتحةَ الحماية.
العلم والآباء: الفتنة تتغذى بالوراثة
ثم يأتي قوله ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾، فيصل قول الأبناء بما تلقوه من آبائهم، ويرد السؤال إلى العلم الذي يقوم عليه هذا القول. فالموروث قد يكتسب قوته من قدمه ومن انتقاله من جيل إلى جيل، حتى ينسى الناس أن القول لا يصح بتكراره، وإنما يحتاج إلى أساس يقوم عليه.
ويشتد سلطان الموروث حين يصير اعتقاد الآباء جزءاً من نظام الجماعة وسلطتها. لقد جادلت الكنائس، وكتبت، وتأولت، ولم يكن كل من ورث قولاً عاجزاً عن التفكير فيه؛ لكن العقيدة لما اتصلت بالقانون والإقصاء صارت مراجعتها أثقل على الفرد والجماعة. وهذا هو الوجه الذي يعنينا ونحن نقرأ تحذير القرآن من القول بلا علم.
فمن هذا السؤال تبدأ مراجعة الموروث: ما الذي نعرفه حقاً عن هذا القول، وما الذي قبلناه لأننا ألفناه؟ والسؤال لا يُسقط حق الآباء في الاحترام، لكنه يرد الاعتقاد إلى العلم، ويمنع الألفة أن تقوم مقام الدليل.
«كبرت كلمة»: عظم الدعوى
والمسيح في القرآن كلمة من الله وروح منه، فاللغة التي تتحدث عن الكلمة لا تخرج كلها عن التوحيد. وإنما يقع الإنكار حين يُجعل لله ولد، أو حين تتحول الصلة بالله إلى مساواة ترفع العبد عن عبوديته. فإذا ميّزنا هذا من ذاك فهمنا جسامة القول، وحفظنا في الوقت نفسه مجال اللغة الروحية التي تتحدث عن النور والاستمداد.
وكلمة «كبرت» تصف جسامة القول وفداحته. فالمسألة أن يُنسب إلى الله أمر بغير علم، حتى يدخل في تصور الألوهية ما ينفيه الوحي عنها؛ ولهذا يتصل نقد الكلمة هنا بأصل العبادة.
ثم نضع إلى جانب هذا الوصف تاريخ القول، وقد تراكمت عليه الشروح واشتد سلطانه على الناس. فالآية تبين عظم الدعوى، أما كيف انتقلت في التاريخ، وما الذي أضيف إليها حتى حجبت صاحب الرسالة الأول، فذلك ما توضحه مقارنة المذاهب.
الأسف والزينة: موقف المؤمن من الفتنة
ثم يخاطب القرآن النبي ﷺ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. فالمشهد يجمع حرصه على الناس وحزنه لإعراضهم، والخطاب يأتيه رفقاً به، وتوجيهاً لمن يتبعه. فالإنذار مهما اشتد تبقى معه الرحمة بمن وقع في الخطأ، والبلاغ لا يقتضي أن يُهلك صاحبه نفسه أسفاً على من لم يقبل.
ويلي ذلك ذكر زينة الأرض والابتلاء بالعمل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. ونحن نصل هذا المعنى بفتنة الاعتقاد، لأن القول قد يستمد سلطانه أيضاً مما يحيط به من ثروة وهيبة ومظهر، فيذكّر القرآن بأن زينة الأرض إلى زوال. ثم تبدأ قصة ﴿أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ في الآيتين التاسعة والعاشرة، فيصل افتتاح السورة بين معيار الإيمان وتجربة الفتية الذين احتاجوا إليه في حياتهم.
خريطة الحماية
فهذه الآيات تضع أمام المؤمن طريقاً للتمييز، يبدأ بالكتاب، ثم يمر بتنزيه الله وطلب العلم، ثم بالصبر، وبفهم زينة الحياة وما فيها من ابتلاء.
وتلتقي هذه المعاني كلها في سؤال العلم بالله: ماذا نعرف، وممّن أخذنا معرفتنا، ومتى يصير الموروث حجاباً عن أصل الرسالة؟ وفتنة الدجال، كما يقرؤها هذا الكتاب، تقع حين يكتسب القول المحرِّف قوة المعلوم المقدس، فتغيب وراءه حقيقة المسيح الذي جاء بالهداية.
أما الصلة بين الاستعاذة من فتنة الدجال والاعتصام بسورة الكهف فهي أن حفظ الآيات يصحبُه تدبر ما تحمله من معانٍ: التوحيد، وطلب العلم، والصبر على ما لم نحط به، ومقاومة اغترار الإنسان بسلطانه. ففي هذه المعاني نلتمس الحماية من الفتنة العقدية التي يناقشها الكتاب.
التقاء مع محور الكتاب
وهنا تعود السورة بنا إلى محور الكتاب. فنحن نرى أن اختلاط عيسى ﵇ بيسوع، ثم بناء صورة مؤلهة باسم يسوع، كانا من صميم الأزمة التي عاناها المؤمنون. ونقرأ الدعوة المحمدية إلى عبادة الله إحياءً للأصل الذي دعا إليه المسيح، لأن الدين في الرسالتين واحد، فإذا أزيل ما ألحق بالمسيح عادت إلى المؤمنين معرفتهم بهذا الأصل. فروايات التحذير والاستعاذة تتصل إذن بحاجة حاضرة، هي النجاة من التحريف.
والاستدلال هنا يقوم على ثلاثة أمور: أن التحذير من فتنة الدجال تكرر في الروايات، وأن الوقاية رُبطت بأوائل الكهف، وأن تلك الآيات تنذر من دعوى البنوّة الإلهيّة ومن القول على الله بلا علم. أما ربط ذلك كله بالأزمة التاريخيّة فهو قراءة الكتاب، يصلها بما عرضه في الفصول السابقة.
الكهف والدجّال: خمسُ قصصٍ بإزاء خمسِ فتن
فإذا جاوزنا العشر الأُول إلى قصص السورة، رأينا كيف تمتدّ معاني الوقاية في بنائها. فحديث الكهف الذي افتتحنا به الفصل يربط النجاة بالقرآن، والقصص تُرينا ما يمنحه القرآن للمؤمن من ثباتٍ وبصيرةٍ حين تواجهه صور الفتنة.
ونقرأ في بقية السورة خمسة مشاهد، يقابل كل منها وجهاً من وجوه الفتنة: فالاضطهاد في قصة أصحاب الكهف، والاغترار بالمال في قصة صاحب الجنتين، والحكم قبل إحاطة العلم في قصة موسى والخضر، واختبار السلطة في قصة ذي القرنين، ثم الفساد الذي يحتاج إلى من يدفعه في مشهد يأجوج ومأجوج، وهو مشهد نفرده عن قصة ذي القرنين لغرض المقارنة. ثم ننظر في الدرس الذي يقدمه كل مشهد لحياة المؤمن.
جدول التوازيات الشامل
| القصّة | الفتنة التي تُجسّدها | صورتها في القراءة العقديّة للكتاب | الدرس العملي |
|---|---|---|---|
| أصحاب الكهف | الاضطهاد الديني والإكراه على التدين الكاذب | يُضطَهد الموحّدون ويُكرَه الناس على قبول الصورة المؤلَّهة المفروضة عليهم | الثبات على الدين، الهجرة المعنوية والجسدية، رفعُ الهمّة فوق ضغط المجتمع |
| صاحب الجنّتَين | المال والكِبر والغرور بالثروة والقوّة | يُزيَّن البناء العقديّ بالثروة والقوّة، وينشأ الاغترار بدوامه | التواضعُ أمام الإله الحقيقي، ودوامُ ذكر المشيئة: «ما شاء الله لا قوّة إلا بالله» |
| موسى ﵇ والخضر | الحكم بالظاهر والانخداع بالمظاهر | تتبادل الحقيقة والباطل مظهرَيهما، فتُقرأ صورتا «الجنّة والنار» رمزاً لاختلال المعيار | تنميةُ البصيرة الروحية فوق الظاهر الحسي، وعدمُ الاستعجال في الأحكام |
| ذو القرنَين | اختبار القدرة والسلطان | تحوّل السلطةُ العقيدةَ إلى أداة هيمنة وتطلب الخضوع باسمها | العدلُ في الحكم، الخدمةُ لا الاستعباد، الاستعانةُ بالله قبل القوّة |
| يأجوج ومأجوج | الفوضى والفساد الشامل والانحلال الكلّي | رمزُ الانحلال الأخلاقي والديني الكامل للبشرية | الاستعدادُ الروحي والنفسي، التشبّثُ بالعقيدة، الاعتصامُ بالله وحده |
كيف تتصل المشاهد
وجوه التربية في القصص
وهذه المشاهد يكمل بعضها بعضاً في تربية المؤمن. فأصحاب الكهف يعلّمونه الثبات أمام ضغط الجماعة، وصاحب الجنتين يريه خطر الاغترار بالثراء، وقصة موسى والخضر تدعوه إلى الصبر على ما لم يحط به العلم. ثم يقدم ذو القرنين صورة السلطان الذي يحمي، ويُظهر يأجوج ومأجوج ما يصنعه الفساد حين يعم. فالقصص تتصل بمعنى الوقاية من طريق هذه الدروس.
من الاستضعاف إلى القدرة
ويمضي القارئ في السورة من مؤمنين مستضعفين إلى صاحب مال مغترّ، ثم إلى حدود المعرفة البشرية، ثم إلى صاحب قدرة يسخّرها لحماية الناس. ولسنا نحتاج إلى أن نجعل هذا الترتيب تقويماً حرفياً لتاريخ العالم حتى نرى وحدته، فالإيمان والعلم والقدرة كلها تختبر علاقة الإنسان بربه. ثم يكتمل المعنى في خاتمة السورة، حيث لا تنفد كلمات الله، ويُؤمر الرسول أن يعلن بشريته: فاتساع المعرفة لا يصنع إلهاً بشرياً، والكرامة لا تلغي العبودية (الكهف: ١٠٩–١١٠).
لماذا عشر آيات من أولها؟
تخصّ رواية أبي الدرداء رضي الله عنه العشر الأُول بالذكر، ونحن نرى السبب في أن هذه الآيات تحمل المفتاح العقديّ للسورة: فهي تنزّه الله، وتحذّر من دعوى البنوّة، وتميّز بين العلم والقول الموروث بلا بيّنة. فإذا أمسكنا بهذا المفتاح اتصلت القصص اللاحقة بمحور التوحيد، واجتمع حفظ الآيات وتدبّر معناها في منهج الوقاية الذي يشرحه الفصل.
الوقاية علماً وعملاً
فنحن نقرأ سورة الكهف هنا بوصفها منهجاً للعصمة. يتعلم المؤمن من أصحاب الكهف الثبات تحت الضغط، ومن صاحب الجنّتَين التواضع أمام المال، ومن موسى والخضر عليهما السلام البصيرة فوق الظاهر، ومن ذي القرنَين العدل في السلطان، وينبّهه يأجوج ومأجوج إلى خطر الفساد الشامل. وهذه الدروس كلها تنتظم حول الأصل الذي بيّنته أوائل السورة: أن يُعبد الله وحده، وأن يتحرّر الإنسان من القول عليه بلا علم. ومن هذا الأصل نفهم كيف يصل حفظ الآيات وتدبّرها بالمؤمن إلى النجاة من الفتنة.
الفصل ٢٤ ـ «وإنّه لعلم للساعة»: الرفع والنزول كحركةٍ معرفيّة
الآية الجامعة
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: ٦١). ذكر ابن كثير وغيره في الضمير أقوالاً، منها أنه يعود إلى المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وهذا القول هو الذي تأخذ به قراءة هذا الكتاب. ونحن نقرأ صلته بالساعة من جهة العلم أيضاً، فإذا انكشفت حقيقته واستعاد الناس معنى رسالته، انفتحت لهم معرفة كانت محجوبة. وهذا الانكشاف، في هذه القراءة، من علوم زمن الساعة وعلاماته.
ولا بد هنا من التمييز بين زمن الساعة وقيام الساعة. فنحن، كما يتصور الكتاب، نعيش في زمنها، وهو الزمن الذي تتكشف فيه التحولات، أما قيامها فلم يقع، ولا يعلم موعده إلا الله. ونستشعر في الساعة إشارةً إلى السعة والاتساع: يتسع وعي الإنسان وتتسع مهاراته، ويدرك نفسه، وتأتيه التكنولوجيا فتيسّر له المعلومات والحياة، حتى تصير متاحة حقائقُ كانت محجوبة. فعودة معرفة المسيح جزء من هذا الانفتاح، وبها يتصل هذا الفصل بما شرحناه في الفصل ٢١ عن القوة التي يهديها القلب إلى الرحمة والعمران.
تعدد صور الانتظار في قمران
ونعود إلى قمران لأنها حفظت للانتظار صوراً أوسع من الصورة الكنسية اللاحقة. ففي نصوصها ذكر النبي ومسيحي هارون وإسرائيل، وفيها صيغ أخرى تجمع الألقاب والوظائف على وجوه مختلفة. وفي هذا التنوع شخصيات ومعانٍ بقي أثرها في الذاكرة.
فقاعدة الجماعة (1QS 9:11) تذكر النبي ومسيحي هارون وإسرائيل، أما الوثيقة الدمشقية ففيها مواضع بالمفرد: «مسيح هارون وإسرائيل». وفي قانون الجماعة الاحتفالي (1QSa 2) يتقدم الكاهن في البركة، ويحضر مسيح إسرائيل مشهد الوليمة. وقد فصّلنا هذه الفروق في الفصل العاشر، وهي مادة تبين كيف تتصل الوظائف قبل أن نعيّن أصحابها.
ونحن نصل «مسيح هارون» بالنسب والتكريس الكهنوتي، مع ما نقرره من أن النبوة والملك اجتمعا في عيسى ﵇. والانتظار يتسع لوجهين نقرؤهما معاً، والنصوص تحفظهما كليهما: أن يكون المنتظَران يحيى وعيسى ﵇، وهما ابنا البيت الهاروني الواحد، أو أن يكونا عيسى ﵇ ومحمداً ﷺ في أفق الرسالات المتعاقبة. فالتتابع الذي نراه في الرسالات أوسع من أن يُقسم فيه الروح والحكم بين رجلين.
4Q541: صورة الكاهن الذي يواجه المعارضة
وفي شذرات 4Q541، التي تُنشر عادة بين النصوص الآرامية المتصلة بلاوي، تظهر شخصية كهنوتية يتسع أثر تعليمها، وتواجه أقوالاً معادية، ويُذكر معها التكفير. ونحن نقارنها بصورة المعلم الذي يُمتحن ويتألم، ونقرأ التكفير في سياقه الكهنوتي. أما اسم صاحب الشذرة وتفسير عمله فمسألة مفتوحة، والوصف وحده لا يتضمن أنه قدّم جسده ذبيحة.
الملك والمعلم في قراءتنا
عيسى ابن مريم ﵇، في المطابقة التي يتبناها هذا الكتاب، هو نبونيد ملك بابل، ملك ونبي مختار جمعت سيرته الحكم والمعرفة والشفاء. ونقرأ محنته امتحاناً في سلوكه إلى الله، وترقياً في معرفته، كما سبق الابتلاءُ تمامَ الإمامة في قصة إبراهيم. فاختياره لم يبدأ بعد المرض، وشفاؤه لا يعني أن ملكاً كافراً انتقل إلى الإيمان. وفي صلاة نبونيد يحضر شفاءه رجل من بني إسرائيل نقرؤه يحيى، معلّمه في هذا الطريق، وإن كانت الصلاة نفسها تتركه بلا اسم؛ أما الأناجيل فتحفظ الوجه الآخر من التجربة في صورة التعميد وظهور الروح.
أما السيرة الناصرية اللاحقة ففيها نسب داودي، وانتظار مسيحاني، ونزاع في زمن الحكم الروماني ينتهي بتهمة الملك وبلافتة «ملك اليهود». وهذه بيئة تختلف عن حكم نبونيد وعن آثاره في الرافدين والجزيرة. ونحن نرى أن أخبار النبي الملك وصفاته اختلطت بأخبار يسوع، ثم نُسب إلى هذه الشخصية المركبة مقام إلهي. فالفرق الذي نعنيه هو اختلاف الزمن والسيرة وما حملته العقيدة من معنى، أما اجتماع الحكم والهداية في عيسى ﵇ فثابت في قراءة الكتاب.
ويبحث جيمس تابور (James D. Tabor) في The Jesus Dynasty (2006) احتمال أن يكون يسوع ويوحنا معاً على صلة بانتظار المسيحين، ويعرض كولينز في The Scepter and the Star (1995) كيف تنوع المنتظرون بين النبي والكاهن والملك. وهذه المناقشات تفيدنا في فهم الذاكرة المسيحية، كيف جمعت الأدوار أو وزعتها، ثم نضيف إليها قراءتنا الخاصة للهوية والزمن. فاجتماع الملك والكهنوت ممكن عندنا في عيسى–نبونيد ﵇، والاعتراض إنما يتجه إلى إلحاق الألوهية بالبشر، لا إلى اجتماع الوظائف فيهم.
أربع مراحل لمصير المعرفة
ونستطيع الآن أن نتتبع مصير هذه المعرفة في أربع مراحل متصلة:
الرفع: بقيت نقوش نبونيد وأخبار ملكه، لكن معرفة الناس بهويته النبوية وبحقيقة رسالته تفرقت ثم ضاعت، في القراءة التي يقترحها الكتاب. فالذي رُفع هو المعرفة المتصلة بالرجل، أما وجوده وآثاره فلم تُمحَ. وقد تحفظ ذاكرة الملوك اسمه وأعماله، وتحفظ جماعات أخرى تعليماً وسيرة لم تعد تصلهما بذلك الاسم، وهذه الصلة هي ما يستعيده الكتاب.
تفرّق الذاكرة: لم تكن القرون التالية صمتاً كاملاً، ولو انقطعت الرسالة من كل وجه لما بقي منها ما نعرفه اليوم. فقد حملتها جماعات وروايات وطقوس وطرق في المعرفة، وتبدلت الأسماء مع اللغات والأمكنة. والذي غاب، في قراءة الكتاب، هو معرفة الأصل الذي تجتمع عليه هذه الأخبار، أما الأخبار نفسها فلم تغب كلها.
الشَّبَه: ظهر يسوع الناصري في بيئة ورثت شيئاً من هذا التراث، ونحن نراه رجلاً صالحاً لم يتعمد خداع الناس. ثم امتزجت أخبار حياته بأخبار المسيح الأقدم، وقد يبدأ مثل هذا الامتزاج بحسن نية، ثم يتصل ببناء مذهبي وسلطة رسمية. وقد يكون يسوع عُذّب حتى أُغمي عليه ثم قام من إغمائه، أو أحياه الله، فنشأ من ذلك خبر قيامته، ووصل إلى بولس، وكان لبولس أثر مركزي في الصياغة التي جعلت يسوع محور الإيمان والخلاص. فإذا حجب هذا البناء الأصل واحتكر معناه، قرأنا فيه فتنة الدجال.
عودة المعرفة: صار في وسعنا، بالنقوش وقراءة المخطوطات ومقارنة التقاليد، أن نجمع ما كان متفرقاً. فصلاة نبونيد نص قمراني كُتب بعد زمن الملك، ويحفظ رواية مرضه وشفائه، والآثار توثق ملكه وصلته بتيماء، وأخبار الجماعات تُظهر كيف تنوع فهم المسيح. ولكل شاهد من هذه الشواهد موضوعه، وقراءة الكتاب تقوم على الوصل بين هذه الموضوعات. فالعودة المعرفية التي يقصدها أن يرى الإنسان الصلات التي حجبتها القرون.
الرفع والنزول: حركة معرفية لا جسدية
فنحن نقرأ الرفع والنزول في مصير المعرفة بالمسيح: تغيب حقيقته عن الناس، ثم تنكشف لهم من جديد. وفي الاستعمال القرآني ينزل المعنى على القلب، كما في قوله تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (الشعراء: ١٩٣–١٩٤). وعلى هذا المعنى نقرأ اللفظ، فعودة المسيح عندنا عودةُ حقيقته ورسالته إلى الوعي والحياة.
ولهذا الفهم سابقة صريحة في الإنجيل نفسه، تتعلق بعودة نبي آخر. فقد ختم ملاخي سفره بوعد: «هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم والمخوف» (ملاخي ٤: ٥). وكان الكتبة ينتظرون أن يرجع إيليا بشخصه، وهو في أخبارهم قد صعد في العاصفة إلى السماء (٢ ملوك ٢: ١١). فلما سأل التلاميذ عن ذلك قال المسيح: «ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا» (متى ١٧: ١٢)، فعقّب متى بقوله: «حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان» (١٧: ١٣). وكان قد قال قبل ذلك في يحيى: «وإن أردتم أن تقبلوا، فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي» (١١: ١٤). ثم يفسر لوقا الوعد كله في بشارة الملاك بيحيى: «ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء» (لوقا ١: ١٧)، وآخر هذه العبارة هو لفظ ملاخي ٤: ٦ نفسه.
فالنبي الذي رُفع عاد بروحه وقوته ورسالته في رجل آخر، ولم يعرفه المنتظرون لأنهم كانوا يرقبون رجوع الجسد. وعلى هذا نقرأ عودة المسيح: تعود حقيقته ويعود تعليمه، ويفوت ذلك من ينتظر نزول شخص. وهذه القراءة جاءت على لسان المسيح نفسه في الإنجيل، وكذلك فهمها تلاميذه.
ونفهم قتل الدجال إبطالاً للخديعة حين تنكشف حقيقة المسيح. فالمنظومة المحرفة قامت على حجب الحق، ومن يواجهها يحتاج إلى أن يظهر هذا الحق، فإذا سقط الحجاب انتهى سلطانها على من عرفه. وهذا هو المعنى الذي نستحضره من قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١).
فإن سأل القارئ: ما الذي رُفع، وما الذي يعود؟ فالجواب في اسم واحد أوتيه عيسى ﵇: الإنجيل.
الإنجيل: الوحي والمعرفة والكتاب
ويبقى أمامنا سؤال الإنجيل الذي آتاه الله عيسى ﵇، وعلّمه إياه مع الكتاب والحكمة والتوراة، كما في آل عمران ٤٨ والمائدة ٤٦. فإذا وضعنا عيسى ﵇ في القرن السادس قبل الميلاد، فما صلة هذا الإنجيل بالأناجيل التي دُوّنت في القرن الأول الميلادي؟ ولنجيب عن ذلك نرجع أولاً إلى ما يصفه القرآن بأنه الإنجيل، ثم نميّزه من الكتب التي حملت الاسم بعد ذلك.
ولم تَرِد الكلمةُ في القرآن إلّا مُفرَدةً مُعرَّفة، في اثني عشر مَوضِعاً: «الإنجيل» لا «الأناجيل»، ولا مُضافةً في مَوضِعٍ واحدٍ إلى اسم كاتب. وأمّا ما يُثبِته لها التنزيلُ فطَبَقاتٌ مُتمايِزة: الإنزالُ، فآل عمران ٣ تُخبِر أنّ الله أنزل التوراة والإنجيل، وآل عمران ٦٥ تَقرِن بينهما قَرْنَ النظير بالنظير وكِلتاهما مُنزَلة؛ والإيتاءُ، كما في المائدة ٤٦ والحديد ٢٧؛ والتعليمُ، كما في آل عمران ٤٨ والمائدة ١١٠؛ والاحتِواءُ، فالمائدة ٤٦ تُخبِر أنّ فيه هدىً ونوراً وموعظة، والمائدة ٤٧ تأمُر أهلَه أن يَحكُموا بما أنزل الله فيه؛ والتصديقُ لِما بين يديه من التوراة؛ والكِتابةُ عند أهله، فالأعراف ١٥٧ تُخبِر أنّهم يَجِدون وصفَ النبيّ ﷺ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل؛ والإقامةُ، وهي في المائدة ٦٦ و٦٨ فِعلُ عملٍ يُقام؛ ثمّ نِسبةُ مَثَلٍ بعينه إليه في الفتح ٢٩. وفي مقابل هذا كلِّه ليس في القرآن حرفٌ يقول إنّ عيسى ﵇ كَتَبه بيده، ولا أنّه دُوِّن في حياته، ولا أنّه أسفارٌ ذواتُ فصول.
والقراءة المعروفة عند جمهور المفسرين أن الإنجيل كتاب منزل أوتيه عيسى ﵇، كما أوتي موسى التوراة. ولهذه القراءة ما يسندها: فالقرآن يقرن الإنجيل بالتوراة في الإنزال (آل عمران ٦٥)، ويأمر أهله بالحكم بما «فيه» (المائدة ٤٧)، ويخبر أنهم يجدون الوصف «مكتوبا» عندهم (الأعراف ١٥٧)، وينسب إليه مثلاً في الفتح ٢٩. وهي قراءة تستقيم أيضاً داخل التأريخ الذي نقترحه: فقد أوتي عيسى ﵇ الوحي في عصره، ثم تفرق سجل رسالته، واندفع بعضه إلى نصوص حملت أسماء أخرى. فالبحث عن إنجيله جزء من البحث عن معرفته التي غابت صلتها باسمه وسيرته.
وفي أوصاف الإنجيل في القرآن وجه آخر يتصل بالأول، فهو مما يُعلَّمه عيسى ﵇، وفيه هدى ونور وموعظة، ويُطلب من أهله أن يقيموه. ولذلك لا نستنفد معناه إذا تصورناه صفحات مجموعة، فهو أيضاً معرفة وبشرى وطريقة في الهداية والعمل. وقد يبقى من هذا العلم في الناس ما بقي، ولو ضاع اتصالهم بمصدره، أو اختلطت عندهم سيرة صاحبه. فالبحث عن نصه لا يعارض البحث عن المعنى الحي الذي حمله.
ويَنضمّ إلى هذه القراءة وجهٌ لسانيٌّ من العربيّة نفسِها. فالمشهورُ عند الدارسين أنّ «إنجيل» مُعَرَّبٌ عن اليونانيّة euangelion بمعنى البُشرى، دَخَل العربيّةَ عبر السُريانيّة أو الحبشيّة، وعليه آرثر جِفِري في «المُفرَدات الدَخيلة في القرآن». وقد أوردَ لسانُ العرب في مادّة ن-ج-ل قولاً آخَر: أنّ الكلمةَ على مِثال «إكليل» و«إخريط»، «وهو من الفِعل إفْعيل»، و«اشتِقاقُه من النَّجْل». وقد فسّر النَّجْلَ في ذلك المَوضِع بالأصل والطَّبْع، وفي المادّة نفسِها من حَقل الإخراج: نَجَلْتُ الشيءَ استَخرَجتُه، والنَّجْلُ الوَلَدُ والنسل، والنَّجْلُ النَّزُّ يَخرُج من الأرض، والمِنجَلُ ما يُحصَد به. فيَجوز على هذا أن تُقرأ «إنجيل» قراءةَ الآلة: ما يُستَخرَج به مَكنونُ الكتاب، مِنجَلٌ يَحصُد الحقلَ ولا يَستَبدِله؛ وهو أليَقُ بما وَصَف به القرآنُ الإنجيلَ من تصديق التوراة التي قبله. ويُناسِبه أنّ المَثَلَ الوحيدَ الذي يَنسِبه القرآنُ إلى الإنجيل في الفتح ٢٩ مَثَلُ زَرعٍ يُخرِج فَرعَه الصغير فيَشتدّ ويَقوم على ساقه، والإخراجُ مَدارُ الجِذر. وبهذا يَلتقي التخريجانِ: العربيُّ يَصِف ما يَفعَله الإنجيلُ بما قبله، واليونانيُّ، وهو أوسَعُ انتِشاراً بين الباحثين، يَصِف بِشارتَه، وكِلاهما يَنتهي إلى بِشارةٍ تُبَلَّغ.
أما الأناجيل المتداولة فتقدم سيرة وتعليماً منسوبين إلى يسوع. ونحن نرى أن هذه المدونات تحتفظ بمادة من أخبار عيسى ﵇ الأصلية، اختلطت فيها بأخبار يسوع الناصري، فلا نسقطها كلها، ولا نجعلها سجلاً صافياً لشخص واحد. وإنما على المقارنة أن تسأل عن كل مشهد فيها: ماذا يحفظ من الخبر الأقدم، وما الذي يربطه بالسياق اللاحق؟
وسواء نظرنا إلى الإنجيل على أنه نص منزل، أو على أنه علم وهداية، فسؤال الكتاب واحد: كيف نصل ما بقي من الرسالة بصاحبها الأول؟ ومحور هذا السؤال أن نسندها إلى عيسى ﵇ في زمانه. أما الهيئة التي دُوّنت بها أول مرة، ومقدار ما بقي منها في المدونات اللاحقة، فلا يحسمهما أن نختار أحد الوصفين.
محمد ﷺ وتجدد رسالة المسيح
«على فترة من الرسل»
يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (المائدة: ١٩). فنستحضر هنا الزمن الذي امتد بين الرسالتين، وما تفرّق فيه من المعنى، ولا نستخرج من لفظ «فترة» عدداً من السنين. فزمن عيسى ﵇ يتعين في هذا الكتاب بالمطابقة التي نقترحها مع نبونيد، لا بحساب مضمر في الآية.
الفترةُ وستُّ مئةِ سنة: نصٌّ أم حساب؟
غير أن تأريخنا تواجهه رواية مشهورة تجعل الفترة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ ست مئة سنة، فإذا حسبناها من البعثة سنة ٦١٠م وقعنا في القرن الأول الميلادي، فوافقت تاريخ يسوع المعروف. ولأن الخبر في «صحيح البخاري»، فإنا نقرؤه أولاً من جهة قائله وما يقرره، ثم ننظر في الأصل الذي حُسبت عليه المدة.
ونبدأ بالفرق بين الآية والخبر. فالقرآن يذكر «فترة من الرسل» (المائدة ١٩) ولا يذكر لها عدداً من السنين، أما تحديد مقدارها فيأتي في الروايات، ونحن نقرؤه مع ما عرفه أصحابها عن زمن الشخصيتين.
أخرج البخاري الخبر في «كتاب مناقب الأنصار»، «باب إسلام سلمان الفارسي»، برقم ٣٩٤٨ في العد المشهور، عن أبي عثمان عن سلمان: «فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ست مئة سنة». فالقول موقوف على سلمان، ولم ينسبه إلى النبي ﷺ. والإسناد يثبت أن الصحابي قاله، أما تقدير المدة فمسألة تاريخية نسأل فيها: كيف عرفه، وعلى أي تأريخ بناه؟
ثم إن الأقوال الأخرى تتفاوت في تقدير الفترة تفاوتاً يزيد على قرنين:
- ٦٢٠ سنة ـ وَهبُ بنُ مُنَبِّه، يَزيد عِشرين على السِتّ مئة.
- ٦٠٠ سنة ـ سَلمانُ الفارسيّ رضي الله عنه، ويُروى مِثلُه عن قَتادة ومُقاتِل والضَحّاك.
- ٥٦٩ سنة ـ الكَلبيّ.
- ٥٦٠ سنة ـ قَتادة، أَخرَجه عبدُ الرَزّاق عن مَعمَر عنه، فيما نَقَله ابنُ حَجَر.
- ٥٤٠ سنة ـ الكَلبيّ أيضاً، في رِوايةٍ أُخرى عنه.
- «أربعُ مئةٍ وبضعٌ وثلاثون» ـ الضَحّاك.
- ٤٠٠ سنة ـ قَولٌ بلا نِسبة، يَحكيه ابنُ حَجَر بصِيغة «وقيل».
ويذكر ابن حجر في «فتح الباري» اختلاف الأقوال، ويقول: «وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول». فنحن إذن أمام تقديرات متعددة، لكل منها أصله وطريقة حسابه، والنظر فيها لا يقف عند صحة نسبتها إلى أصحابها.
ويبقى سؤال لا بد منه عن مصدر الحساب: هل نُقلت هذه المدة معرفةً مستقلة، أم حُسبت على أساس التأريخ المتداول ليسوع؟ فقد يكون الرقم صدى لذلك التأريخ، والخبر الموجز لا يشرح كيف حُسب. ولذلك نقرأ تقدير المدة مع الأدلة التي عُيّن بها طرفاها.
وجوابنا عن الست مئة سنة يبدأ من السؤال عمّن يبدأ به الحساب. فإذا كانت الرواية المتداولة قد جمعت عيسى ﵇ ويسوع في شخص واحد، كما نقترح، انعكس ذلك في تقدير الفترة. ولهذا نعود فنقابل الأخبار بالسجل البابلي لنبونيد. أما اتفاق تقاليد كثيرة على التأريخ المعروف فنفهمه من جهة أن الرواية المركبة استقرت وانتشرت، وهذه الصلة جزء من التفسير الذي يقيمه الكتاب على ما جمعه من شواهد.
دانيال 7: ابن الإنسان
وفي دانيال ٧: ١٣–١٤ صورة «مثل ابن إنسان» يُعطى سلطاناً وملكوتاً لا يزول. ونحن نقارن هذا الأفق برسالة محمد ﷺ، وبما انتظم بها من جماعة ودولة، وبامتدادها عبر البلدان. وللصورة الرؤيوية قراءات متعددة، يتجاوز بعضها الملك الأرضي. ونعرض المقارنة من جهة اتساع أثر الرسالة، ويبقى عيسى–نبونيد ﵇ ملكاً في قراءتنا، فالتعيين لا يقوم على نفي الملك عنه.
البارقليط وأحمد
يعد إنجيل يوحنا بالبارقليط، واللفظة اليونانية في النص المتاح تدل على المعين أو الشفيع أو المعزي. وفي المقابل ينقل القرآن بشارة عيسى ﵇ برسول يأتي من بعده ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦). ونحن نقرأ هذه البشارة في الكتاب على معنى اكتمال الحمد، وظهور المعلّم الذي يعيد إلى الرسالة وضوحها. أما الجذر ح-م-د فتتجاور فيه، عبر اللغات، معاني الثناء والرغبة والمحبوبية، ولا يعني ذلك أن كل كلمة منه تصير اسماً للنبي أو ترجمة للفظ البارقليط. فمدار استدلالنا هنا البشارة القرآنية والقراءة الوصفية للاسم، ثم تأتي المقارنات بعدهما فتوسّع أفقهما.
اكتمال الدائرة
وهنا تلتقي خيوط الاستمرار التي يتتبّعها الكتاب. فعيسى ﵇، الذي نطابقه بنبونيد في القرن السادس قبل الميلاد، ملكٌ ونبيّ حمل رسالة التوحيد، وفتح طريق المعرفة والشفاء، ثم توارث الناس رسالته، واختلفت الروايات عنها. وفي قراءة الكتاب أن صورة عقدية رُكّبت بعد ذلك على اسم يسوع الناصري فحجبت الأصل، وكان لبولس ومن جاء بعده دور في ترسيخها. ثم جاءت الرسالة المحمدية مصدّقةً لما سبقها، ومتمّمةً لطريقه: ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وتمامها، في القراءة التي نبنيها، يشمل رقيّ الأخلاق والفكر، ومعرفة الإنسان بنفسه، وفتح باب التزكية والمعرفة لمن يسلكه. فالإنسان مدعوّ إلى أن يتحقق فيه النور، وأن تظهر الرحمة والحكمة في علمه وعمله وعمرانه، وكل ما يتسع له من قدرة يظل بالله وبه. وعلى هذا الوجه نفهم استمرار الطريق في التصوف، وعودة معنى المسيح في القلوب والحياة.
وبذلك يستطيع الإنسان أن يشارك في نور الهداية، وأن يعرف ما غاب عنه. فإذا استُعملت في هذا السياق لغة النبوة أو المسح، فالمراد معناها المجازي، أي الإنباء بالمعرفة، والتزكية، والاتصال بالغيب بإذن الله، لا نبوة تشريع ولا دعوة إلى دين جديد. وتمام مكارم الأخلاق يشمل رقي الفكر كما يشمل حسن المعاملة، فالإنسان يزداد قدرة، ولا ينسى مع ذلك أن قوته بالله.
قرابة الوظيفة: ملاحظة طقسية
إذا قارنّا أغطية المسكن في سفر العدد (٣: ٢٥–٢٦) بكسوة الكعبة، رأينا عناية التقاليد الدينية بحفظ حرمة المكان وخدمته. فالنص يذكر أن بني جرشون كانوا على الأغطية والستائر، وفي التقليد الإسلامي تستمر خدمة البيت وتجديد كسوته. ونرى في ذلك مدخلاً إلى المقارنة بين معاني الخدمة والتكريس، مع اختلاف الموضع والطقس والتاريخ.
ويتصل هذا التشابه بما بسطناه في خدمة البيت. فرؤساء البوابين من اللاويين كانوا على بيت الله «وعليهم المفتاح»، يفتحونه صباحاً بعد صباح (أخبار الأيام الأول ٩: ٢٦ـ٢٧)، وهذه هي وظيفة الحجابة في مكة، وما تزال باقية في بني شيبة إلى اليوم. فمعاني البيت والحفظ والخدمة مستمرة في تراث إبراهيم وبني إسرائيل والعرب، ثم يبقى لكل طقس بعد ذلك خبر انتقاله.
الفصل ٢٥ ـ الخاتمة: خيوط الكتاب تتقاطع
ما انتَهَينا إليه
وقد طالت بنا الرحلة عبر الفصول، فحان أن نرجع إلى الغاية التي جمعت خيوط هذا الكتاب من أوله: أن نكشف حقيقة عيسى ابن مريم ﵇ من وراء الأسماء والروايات التي تفرقت بها الذاكرة الدينية.
والذي نقترحه أن عيسى ابن مريم ﵇ هو الملك الذي تحفظه السجلات البابلية باسم نبونيد، وأن محنته ومعرفته وصلته بتيماء فصول من سيرة نبوية غابت عن الناس هويتها الجامعة. ثم نقرأ في صور زرادشت وغوتاما ولاوتسو روايات محتملة عن الشخصية نفسها، حملتها اللغات والبلدان فأعطتها وجوهاً مختلفة؛ وربما كان ذلك لأن صاحبها سافر إليها، أو لأن تلاميذه انتقلوا فيها فاندمجت أخبارهم بأخباره. ونرى بعد ذلك أن مادة من تلك السيرة الأقدم انتقلت إلى أخبار يسوع الناصري، الرجل الصالح الذي عاش بعده بقرون. فلما تم هذا الانتقال تشكل من ورائه بناء عقدي حجب أصل الرسالة، حتى أعاد القرآن طرح السؤال عن المسيح وحقيقته.
أما في الجانب التاريخي فقد بدأنا بما تحفظه الآثار عن نبونيد وملكه وعن تيماء، ثم جمعنا القرائن التي نرى أنها تصله بعيسى ﵇. فلما انتقلنا إلى الروايات الآسيوية اتسع بنا النظر في الأسماء، وفي الطرق التي تُحمل بها القصص. ولكل صلة من هذه الصلات مادتها، يستطيع القارئ أن يعود إليها في موضعها، ويناقش ما تقوم عليه؛ والصورة التي قدمناها إنما تكونت من مجموعها.
وقد اجتمعت في هذا العمل طرق ثلاث: قراءة اللسان، ومقارنة الأخبار، ودراسة الأثر والمكان. وكل طريق منها يضيء ما لا يضيئه غيره، فإذا جمعناها رأينا ما تفرق في المصادر.
السلاسل الثلاث
ففي اللسان عدنا إلى أسماء عيسى ﵇ ومريم والمسيح، وإلى ما يقابلها أو يقاربها في التقاليد الأخرى. بدأنا بالمادة المعجمية، ثم اقترحنا أن نسترد ألفاظاً ومعاني نرى أن النقل حجبها. فإذا الاسم الذي ألفنا أن نتلقاه يعود سؤالاً من جديد، وإذا فهمه يتصل بالنص وبالبيئة وبالتاريخ.
وفي التاريخ بدأنا بنبونيد، ملك بابل بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، الذي أقام في تيماء نحو عشر سنوات من عهده. ثم أخذنا صلاة نبونيد، وهي الرواية القمرانية التي كُتبت بعده عن محنته، فقابلناها بأخبار عيسى ﵇ ويحيى وزكريا، وتابعنا صور المسيح كما عرفتها الجماعات. ثم بنينا المقارنة على ما اجتمع في هذه الأخبار من أمر الملك، والشفاء، والتعليم، والخلاف في الهوية.
وفي الجغرافيا أعادت تيماء وحران وبابل والواحات العربية توجيه نظرنا إلى المجال الشرقي الذي تحرك فيه الملك، وتداولت فيه الجماعات تراثها. فمسلة حران تسمي محطاته: تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب، وقد قضى عشر سنين يتنقل بينها. ومكة تقع على الطريق نفسه جنوب يثرب، فمن القريب أن يكون قد بلغها. ويحفظ وادي نخلة وجذع النخلة طبقة حجازية من قصته، إلى جانب الخبر الذي كُتب في العراق. ثم صارت الحيرة والكوفة، في زمن لاحق، مركزين انتقلت منهما المعرفة. فإذا جمعنا ذلك عاد إلى هذا المجال دوره في القصة التي يتناولها الكتاب.
آليّةُ التَحريف: من المسيح إلى المسيخ
ولم تتكون صورة المسيح الكنسية في خط واحد بسيط، ولا بدأت عناصرها كلها في وقت واحد. ففي رسائل بولس المبكرة نجد ليسوع مكانة تتجاوز النبوة البشرية، وفي الأناجيل نجد أخباراً وطبقات مختلفة، ثم نرى المجامع تصوغ الاعتقاد وتربطه بحدود الجماعة وبسلطان الدولة. لذلك نرى التحريف قد وقع في هذه كلها معاً: في انتقال الخبر، وفي تغيير معناه، وفي فرض تأويله. ومقياسنا هنا لا يرفض لغة النور والكلمة لأنها عالية، وإنما يسأل عما تصنعه هذه اللغة بعلاقة الإنسان بالله: أتفتح له طريق المعرفة والعبودية، أم تحصر حقيقة النور في صورة مؤلَّهة تحتكرها مؤسسة؟
شهادات تلتقي وأسئلة تصل بينها
ونحن نقرأ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مفتاحاً للتمييز الذي انطلقنا منه. وإلى جانب الآية شهود آخرون، يحفظ كل منهم جانباً من الخبر: فالآثار تحفظ سيرة الملك، وصلاة نبونيد تحفظ محنته، والجماعات تحفظ ما اختلف من صور المسيح، والتقاليد الشرقية تحفظ أخبار المعلم والحكيم. وعمل الكتاب أن يصل هذه المواد بعضها ببعض. أما «المسيح» و«المسيخ» فهما صورتنا الأدبية للفرق بين الأصل وما طرأ عليه، كما بينا في مواضعهما.
موضعنا من الدراسات السابقة
وقد أفدنا في هذا الطريق من دراسات غربية أعادت بحث النصوص المسيحية وتاريخها وصور المسيح فيها. فالتقت أسئلتها بأسئلتنا في مواضع، ثم افترقت أجوبتنا عن أجوبتها في مواضع أخرى؛ وفيما التقينا فيه وما افترقنا تبيّن ما أضافه هذا الكتاب.
والباحثون الذين أفدنا منهم مختلفو المناهج. فإرمان يدرس تنوع التصورات المبكرة، وتاريخ نسبة بعض الكتابات؛ ومكّوبي يجعل لبولس دور المؤسس في الصياغة المسيحية الجديدة؛ وفيرمس يعيد يسوع إلى بيئته اليهودية؛ وباجلس تبحث في التعدد وفي الصراع على تعريف الاعتقاد الصحيح. أما برايس وماكدونالد فيذهبان بعيداً في دراسة البناء الأدبي والمقارنة بالنصوص الأقدم. وهذه كلها دراسات وأطروحات نناقشها، ولم تتفق نتائجها على هوية بديلة واحدة للمسيح.
أما سؤالنا الخاص فهو: هل وراء بعض المادة الإنجيلية سيرة أقدم منها بقرون؟ وهل كان نبونيد طرفاً تاريخياً يمكن أن يعيد وصل تلك السيرة؟ وعند هذا السؤال نفارق كثيراً من الباحثين الذين استعنا بأعمالهم؛ فنحن نستفيد من نقدهم، لكن المطابقة التي يقدمها الكتاب قوله هو، لا قولهم.
الإضافة الأصيلة
نستند إلى أعمال سبقتنا في تحقيق الأجزاء: درس شوبس الأبيونيين، وحقق بوليو تاريخ نبونيد، ونشر ميليك صلاة نبونيد، وبحث آيزنمان في يعقوب والجماعات المبكرة، ودرس لوسن تاريخ تفسير آية الصلب. ولكل عمل من هذه موضوعه ومنهجه، ونتائجه التي تحتمل النقاش. وإنما أضاف الكتاب أنه جمع الأسئلة التي تثيرها هذه الأعمال حول الذاكرة والهوية، ثم قدّم صورة جديدة لما يصل بينها.
فطريقتنا إذن هي الجمع والمقارنة: نصل التاريخ باللسان، والنقش بالرواية، والجغرافيا بالذاكرة، ونقرأ ذلك كله على هدي القرآن. ويقوى هذا الجمع كلما فسّر تفصيلاً كان غامضاً. وغايته أن نرى الصلات، على أن يبقى كل خيط منها قابلاً للمراجعة إذا ظهر ما يغيره.
الكتاب بين يدي قارئه
لقد قدمنا ما انتهينا إليه، وبقي أن يُقابل بما نعرف، وبما سيظهر من مادة لم نطلع عليها. ونحن نرحب بكل ما يوضح الصلة، وبكل ما يكشف خطأ فيها، لأن مقصدنا أن نزداد قرباً من الحقيقة وفهماً لكتاب الله. فقد يصح أصل النظر وتحتاج تفاصيله إلى تصحيح، وقد يفتح الاعتراض نفسه طريقاً لم نكن نراه. وعلى هذه الروح نضع الكتاب بين يدي قارئه.
الكلمة الأخيرة
فإذا قرأنا ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ على أن الضمير يعود إلى عيسى ﵇، كما ذكر ابن كثير وغيره، رأينا في كشف حقيقته واستعادة معنى رسالته باباً من علوم زمن الساعة الذي شرحناه، وهو زمن تتسع فيه معرفة الإنسان بنفسه، وتتسع قدرته على الوصول إلى ما حُجب عنه. وتظل غاية هذا الاتساع أن يهتدي العلم والقلب معاً، وأن تعود القوة إلى خدمة الرحمة والعمران. وهذا الكتاب يسعى، بتواضع، أن يسهم في ذلك الكشف، ونرجو أن يعود اسمه إلى معناه، كما عاد في القرآن.
فعيسى ابن مريم ﵇، في القراءة التي يختم بها هذا الكتاب رحلته، نبي وملك، ندعوه باسمه القرآني، ونرى سيرته في أخبار نبونيد. ونقترح أن صورته رويت في بلدان أخرى بأسماء زرادشت وغوتاما ولاوتسو، وأن أخباراً منها انتقلت بعد ذلك إلى سيرة يسوع الناصري. لقد بقيت آثار الرجل، وتفرق العلم بحقيقته، ثم حفظ القرآن اسمه ورسالته، فأتاح لنا أن نعيد السؤال. ونرجو أن تصل هذه القراءة ما بين بقايا الذاكرة ومعنى الهداية.
والعودة التي نعمل لها هي أن تنكشف رسالة المسيح في المعرفة، وفي القلوب، وفي حياة الناس. فكلما اتضحت الصلة بين صاحب الرسالة وما بقي من خبره، ضعفت الحجب التي أحاطت به. ونرجو أن يكون لهذا الكتاب نصيب في ذلك المسير، فيعود المسيح إلى معرفة الناس، ويعود العلم به أثراً من هداية ورحمة في حياتهم.
اللهم إن كنا اجتهدنا صادقين فاغفر تقصيرنا ونقصاننا. وإن أخطأنا فأرنا الخطأ بوضوح وبيان. وإن كان ههنا حق فثبتنا عليه وانشره في القلوب. وإن كان ههنا باطل فسارع إلى نفيه والقضاء عليه.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29)
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)
والله أعلم وأحكم بحكمته البالغة.
ملحق ١: صلاة نبونيد (4Q242) ـ شاهدٌ آراميٌّ على جذور الشفاء بالمغفرة
تحفظ «صلاة نبونيد» (4Q242) رواية آرامية عن ملك بابل، وعن مرض أصابه في تيماء، ويرد فيها ذكر المغفرة، وذكر شخص يوصف بأنه «گازر» من بني يهوذا. وهي من أهم النصوص التي نقابل بها أخبار المحنة والشفاء، لأنها تذكر اسم الملك والمكان معاً. ونحن نقرأ فيها خبر عيسى ﵇ في محنته بتيماء، ونرى أن الگازر الذي أعلن له عفو الله هو يحيى؛ ثم يصل الكتاب هذه الرواية بالسجل الملكي الذي تحفظه بابل لنبونيد.
حالة الشذرات وطريقة عرضها
ولم تصل الصلاة في مخطوطة تامة، وإنما وصلت في شذرات جلدية من الكهف الرابع بقمران. ونعرض هنا النقحرة التي أوردها تاكوما سوغي متبعاً طبعة جون كولينز في DJD XXII، ثم نتبعها بترجمة عربية. والأقواس المعقوفة تميز الحروف والكلمات المستعادة، أما الفراغ الذي لم يُستكمل فيبقى فراغاً. وقد اختلف المحققون في بعض الترميمات، وأكثر ما اختلفوا فيه وصل جمل المغفرة والشفاء.
فالذي بقي من أول النص أجزاء من العنوان، وخبر المرض، وذكر السنوات السبع في تيماء؛ أما المواضع الأخرى ففقدت حروفاً وكلمات، وربما فقدت ما يتسع لكلمتين أو ثلاث. لذلك نضع [...] حيث فجوة لم تُستكمل، ونضع [النص بين الأقواس] حيث ترميم مقترح بحسب السياق. فإذا نظر القارئ في هذه العلامات رأى أين يقع الحرف الباقي، وأين تقع القراءة التي تصل ما انقطع.
ونقابل النص بطبعة كولينز (١٩٩٦، ص ٨٣–٩٣)، وبما في The Dead Sea Scrolls Study Edition لغارثيا مارتينث وتيغشيلار من نصوص وترجمات، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مقارنتنا بأخبار الأنبياء. أما المشهد الأدبي الذي يلي النص فغرضه أن يقرّب تجربة المحنة كما نتخيلها، ولذلك أفردناه عن الترجمة والتحقيق.
المادة التي بقيت من الصلاة
يذكر النص اسم الملك والموضع الذي كان فيه، ويحكي أن مرضه امتد سبع سنين، ثم يذكر المغفرة، ويذكر شخصاً يوصف بأنه «گازر» من بني يهوذا، وأمراً صدر بالإخبار والكتابة تعظيماً لاسم الإله. وترد فيه كذلك آلهة من مواد مختلفة، وسنعرض دلالة هذا التفصيل في آخر هذا الملحق. أما عجز الأطباء والسحرة، وشباب المرشد وعمله في القصر، فأمور لا تصرح بها الشذرات الباقية.
النَقحَرةُ والتَرجمةُ الحَرفيّة
هذه نقحرة الحروف الآرامية سطراً بعد سطر، بحسب الدراسة المفتوحة التي تتبع طبعة كولينز في DJD XXII (١٩٩٦). وتحيط الأقواس بما استكمله المحقق من المواضع المفقودة:
(1) mly ṣ[l]tʾ dy ṣly nbny mlk [bb]l mlk[ʾ rbʾ kdy ktyš hwʾ] (2) bšḥnʾ bʾyšʾ bptgm ʾ[lh]ʾ btymn[ʾ ʾnh nbny bšḥnʾ bʾyšʾ] (3) ktyš hwyt šnyn šbʿ wmn [dy] šwy ʾ[lhʾ ʿly ʾnpwhy wʾsʾ ly] (4) wḥṭʾy šbq lh gzr whwʾ yhwdy m[n bny glwtʾ ʿl ly wʾmr] (5) hḥwy wktb lmʿbd yqr wr[bw] lšm ʾ[lhʾ ʿlyʾ wkn ktbt ʾnh] (6) ktyš hwyt bšḥnʾ b[ʾyšʾ] btymn [bptgm ʾlhʾ ʿlyʾ] (7) šnyn šbʿ mṣlʾ hwy[t qdm] ʾlhy kspʾ wdhbʾ [nḥšʾ przlʾ] (8) ʾʿʾ ʾbnʾ ḥspʾ mn dy [hwyt sb]r dy ʾlhyn h[mwn] (9) [ ]t [ ]myhwn[
وتَرجَمتُها الحَرفيّةُ، مع إبقاء الأَقواس في مَواضِعها:
(١) كَلِماتُ الصَ[لا]ةِ التي صَلّاها نَبوناي مَلِكُ [باب]ل، المَلِ[كُ العَظيم، حينَ كان مَضروباً]
(٢) بقَرحٍ خَبيثٍ بأمرِ الإ[لـ]ه في تَيما[ء. أنا نَبوناي، بقَرحٍ خَبيثٍ]
(٣) كُنتُ مَضروباً سَبعَ سِنين، ومِن [حينِ] أن وَجَّه الإ[لهُ إليَّ وَجهَه، شَفاني]
(٤) وخَطيئَتي غَفَرها له. وكان «گازِر»، وهو مِن بَني يَهوذا مِ[ن بَني الجَلاء، أتاني وقال:]
(٥) «أخبِر واكتُب، لتَصنَعَ كَرامةً وعَ[ظَمةً] لاسم الإ[لهِ العَليّ». وهكذا كَتَبتُ: أنا]
(٦) كُنتُ مَضروباً بقَرحٍ خ[َبيثٍ] في تَيماء [بأمرِ الإلهِ العَليّ،]
(٧) سَبعَ سِنين. كُنتُ أُصَلّي [أمامَ] آلهةِ الفِضّةِ والذَهَبِ [والنُحاسِ والحَديدِ]
(٨) والخَشَبِ والحَجَرِ والطينِ، لأنّي [كُنتُ أَحسَ]بُ أنّها آلِهة[ٌ]
نقرأ في النص إذن اسم الملك، وتيماء، والمحنة، والمغفرة. والرواية تجمع المغفرة والعافية في خبر واحد، كما يسبق التطهر الروحي تمام الشفاء الجسدي في مرقس ٢: ٥–١١؛ فالمغفرة في قراءة الكتاب باب الشفاء. صحيح أن عبارة الشفاء في السطر الثالث جاءت من الترميم، لكن المعنى قائم في الرواية نفسها، لأنها تجمع المغفرة والعافية.
والسطر الرابع هو الموضع الذي تدور عليه الوظيفة كلها. ففي النقحرة «وخطيئتي، غفرها له»، ثم يأتي ذكر الگازر. ومن الترجمات المتداولة ما يجعل الگازر نفسه هو الذي غفر للملك خطيئته، كما في النص المنشور في Livius.org: an exorcist pardoned my sins. أما كولينز فيصل المغفرة بالفعل الإلهي، ويجعل الگازر هو الذي جاء الملك وأمره بالإخبار والكتابة. وأيّ الوجهين أخذنا، فالگازر يقوم بما حفظته الأناجيل ليحيى، «معمودية التوبة لمغفرة الخطايا» (مرقس ١: ٤)، فهو الذي يبلّغ الملكَ التائب عفوَ الله.
المصدر: Sugie Takuma, “Nabonidus and the Curse of the Moon-God: On the Relationship between Daniel 4 and the Prayer of Nabonidus”, Bulletin of the Society for Near Eastern Studies in Japan 61/1 (2018), pp. 1–12، والنص في ص ٢. الدراسة والنص المنشور.
والخط الآرامي هنا يقوم على اثنين وعشرين حرفاً. فإذا قابلناه بالعربية ظهرت لنا وراء اختلاف الصوت ألفاظ مألوفة: «دهب» بإزاء الذهب، و«أرعا» بإزاء الأرض. وهذه الفروق جزء من تاريخ الألسن وتحول أصواتها، وهي نفسها التي تردّ إلى القارئ صلة ما يبدو له غريباً بما يعرفه من لغة قريبة.
ومن الألفاظ التي بقيت حروفها خارج أقواس الترميم:
- וחטאי (وَحَطّاي)، «وخطيئتي»: قرابة ظاهرة بين لفظ الخطيئة الآرامي والعربي.
- ודהבא (وِدَهَبا)، «والذهب»: تقابل الدال الآرامية مع الذال العربية في هذا اللفظ.
- די (دي)، أداة صلة آرامية: تقارن بصيغ الموصول في اللغات السامية، ومنها «ذي» العربية.
ونجد أيضاً ألفاظاً تستعمل لها العربية الشائعة مقابلات من جذور أخرى: כספא «كسپا» للفضة، وפרזלא «پرزلا» للحديد، وאבנא «أبنا» للحجر، ثم פתגם «پتغام» للأمر أو الكلمة، وهو لفظ دخل الآرامية من الفارسية. فالمقارنة تُظهر لنا ما بين اللسانين من مخزون مشترك، وما اختلف بينهما في الاستعمال، وما دخل بالنقل؛ فإذا عرفنا ذلك رأينا صورة هذا اللسان وصلته بالعربية.
أما «شبق»، وقد ورد في سياق المغفرة، فيصل الشذرةَ باستعمال سرياني معروف في صلاة الرب: «وشبوق لن حوباين» (متى ٦: ١٢ في البشيطا). فقد اختلفت الصيغة، وبقي معنى الترك والإعفاء. وهذا يفيدنا في تاريخ اللسان الديني، ويرشدنا إلى الطريق الذي انتقلت فيه الصلاة بأخبارها إلى الأديرة، ومنها أديرة الحيرة التي ورثت الكوفة شيئاً من حياتها.
ولفظ العلة نفسه يصل الصلاة بأسفار العبرية. ففي السطر الثاني، وبحروف باقية خارج أقواس الترميم في طبعة كولينز، نقرأ أن الملك ضُرب בשחנא באישא (بِشْحَنا بِئيشا)، «بقرح رديء». وبهذا التركيب نفسه يصف سفر أيوب بلاء صاحبه: «وضرب أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته» (أيوب ٢: ٧)، وهو في العبرية בִּשְׁחִין רָע (بِشْحين راع). فالاسم واحد، شحين في العبرية وشحنا في الآرامية، والصفة واحدة في معناها. ثم إن التركيب العبري نفسه يرد في التثنية ٢٨: ٣٥، وتترجمه فاندايك هناك «بقرح خبيث»، وهذا هو اللفظ الذي اخترناه في ترجمة السطر.
ويعرف سفر أيوب تيماء باسمها: «نظرت قوافل تيماء. سيارة سباء رجوها» (أيوب ٦: ١٩)، وهي في العبرية תֵּמָא (تيما). وبطل السفر رجل من أرض عوص، «كاملا ومستقيما، يتقي الله ويحيد عن الشر» (١: ١)، يُضرب بالقرح الرديء فيصبر، ثم يرد الله عليه عافيته. فنحن نقرأ في هذا السفر صورة المحنة نفسها التي نقرؤها في سنوات نبونيد السبع في الواحة: رجل صالح يُبتلى بقرح رديء فيصبر، ثم تعود إليه العافية، والقصة كلها في أفق القوافل الذي تقع فيه تيماء. أما زمن أيوب وموضع عوص فمما اختلف فيه الدارسون، ولذلك فالصلة التي نثبتها هنا صلة في اللفظ والموضوع.
واسم الملك نفسه اختلف بين «نبني» في الصلاة و«نبو–نائد» في الأكدية، وفي هذا مثال على تبدّل الاسم حين ينتقل من لسان إلى لسان. لذلك نجمع صور كل اسم نقارنه كما وردت مؤرخة، حتى نعرف أين حُذف منه وأين تغيّر.
وتقدم واحات نقش حران مثالاً واضحاً على قراءة الأعلام: تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، ويثرب. فهذه أسماء وردت في أثر مؤرَّخ، فنستطيع أن نقارن صورها القديمة بما عُرف بعد ذلك من مواضعها وألفاظها. وفيها يظهر المنهج واضحاً، لأنها تتيح لنا أن نقابل القراءة بمادة يمكن الرجوع إليها ومراجعتها.
سبعُ سنين في تيماء
المشهد الآتي من إنشاء الكتاب، يستلهم محنة نبونيد كما نقرؤها تجربة سلوك وصبر، وهو مستقل عن ترجمة الشذرات وعن استكمال ما فُقد منها.
كان الملك، في هذا المشهد، ينظر إلى ما اجتمع له من سلطان فلا يجد فيه ما يرفع ألم الجسد أو وحشة السؤال. لم تنقطع صلته بربه، لكن المحنة كانت تفتح فيها باباً لم يعرفه من قبل.
مضت عليه الأعوام وهو يتعلم الصبر، ويختبر الفرق بين أن يعرف الإنسان اسم ربه وأن يسكن قلبه إلى معيته. كلما ضاقت عليه أسباب القوة الظاهرة، عاد إلى القوة التي لا يملكها ملك ولا يمنحها عرش.
ثم جلس إليه مرشد من أهل المعرفة يعينه على أن يبلغ تمام ما اختير له. وكان هذا المرشد يحيى الذي يهيئ الطريق، وكان للماء في صحبته معنى التطهر وبداية طور جديد. وكان الملك، وهو المختار صاحب السلطان، يتلقى منه ما لا يغنيه سلطانه عن أن يتعلمه.
ثم انفتح باب العافية، فاجتمع له شفاء الجسد وانكشاف المعنى معاً. فلم تعد المحنة في عينه زمناً ضائعاً؛ صارت طريقاً عرف فيه مولاه، وعرف فيه ضعف نفسه. ومن هذا العلم يخرج إلى الناس بالرحمة، يحمل لهم من الهداية والشفاء ما ذاق أثره في حياته.
قراءة النص في سياقه
لغةُ النصّ وصيغتُه الملوكيّة
وتأخذ الرواية هيئة إعلان ملكي، فهي تتكلم بلسان الملك، وتذكر لقبه في العنوان. وهذه طريقة من طرق حفظ خبره، وقد وصلتنا في نسخة قمرانية كُتبت بعد عصره بقرون. لذلك نقارنها بالنقوش الأقرب إلى زمانه، لنعرف كيف صيغت ذاكرته الدينية، وما الذي بقي فيها من السيرة.
الدعاء والشفاء في بناء الرواية
وتجمع الرواية بين الدعاء والمغفرة وتعظيم اسم الإله. أما فشل الأطباء فلا تخبرنا به الشذرات، والشفاء في الرواية أوسع من أن يكون خصومة مفترضة بين الطب والإيمان. ونحن نرى المعرفة الشفائية نفسها فتحاً من الله، ونرى الأسباب التي يتعلمها الإنسان عطاءً منه.
الگازر هو يحيى: الوظيفة التي حفظت صاحبها
ونقرأ الگازر في الصلاة يحيى لسببين: أن نبونيد هو عيسى ﵇، وأن الشذرة تحفظ للرجل وظيفة يحيى نفسها. فهو رجل من بني يهوذا، ومن بني الجلاء في ترميم السطر، يعلن للملك عفو الله ويأمره بتعظيم اسم العلي، كما حفظت الأناجيل ليحيى «معمودية التوبة لمغفرة الخطايا» (مرقس ١: ٤)، وكما حفظته الذاكرة المندائية في أرض الرافدين صاحبَ التعليم والتطهير بالماء. ثم إن اسمه يحمل معنى الحياة من جذر ح-ي-ي، وتفرّد تسميته يوافق تفرّد الوظيفة التي بقيت له. فالشذرة حفظت الصفة، والمقابلة بسيرة يحيى تعيد إليها الاسم.
الشفاء مقروناً بالمغفرة
في مرقس ٢: ١–١٢ يُعلَن للمفلوج أن خطاياه غُفرت، ثم يُشفى. وفي صلاة نبونيد تجمع الرواية المحنة إلى المغفرة واسترداد الحال. فالخبر الأقدم عن عيسى ﵇ في تيماء، في القرن السادس ق.م، يحفظ النمط نفسه الذي رواه مرقس بعد نحو ستة قرون عن يسوع الناصري: مغفرة تسبق الشفاء، وجسد يبرأ إذا برئت النفس. ولكل من القصتين تفاصيلها وعباراتها، لكن النمط فيهما واحد.
التوازي البنيويّ مع الأناجيل
فصورة الشفاء بالمغفرة انتقلت من الخبر الأقدم إلى الخبر اللاحق، في ذاكرة مشتركة تنوعت رواياتها. وعلى هذا الأساس نقابل القصتين: فصاحب السيرة الأقدم هو عيسى ﵇، وإليه يرجع النمط القصصي، والكتاب يصله بما جمعه من الأسماء والتاريخ والجغرافيا.
من نشر النص إلى اختلاف قراءاته
نشر ميليك الصلاة سنة ١٩٥٦، ثم توالت المناقشات في ترتيب الشذرات وترميمها وفهم عباراتها، ومن أهم ما كُتب فيها دراسة كروس سنة ١٩٨٤ وطبعة كولينز سنة ١٩٩٦. وهذا الاختلاف في القراءات جزء من تاريخ النص المنشور نفسه، فالذي بين أيدينا ليس نصاً كاملاً اختلف الشراح في تأويله فقط.
أما تأريخ الخط فيضع الشذرات الباقية في القرن الأول ق.م، وإن اختلف الدارسون في تضييق المدى داخله. وأما زمن إنشاء الرواية فيُقدَّر بمقارنتها بدانيال وبالتقاليد البابلية. ويستطيع القارئ أن يقابل ترتيب النص وقراءته كذلك بالعرض الذي أعده أندرو بيرين عن الشذرات وصورها، مع الرجوع إلى طبعة كولينز. (بيرين، «صلاة نبونيد».) وقد بسطنا في الفصل الخامس المقارنة بين الملكين، ثم بين الصلاة وأخبار التعميد، حتى تُقرأ الرواية هنا مع تلك التفاصيل.
والصلاة تدخل كذلك في بحث أوسع، هو البحث في إعلان المغفرة على يد إنسان. وقد عالج توبياس هاجرلاند هذا الباب في Jesus and the Forgiveness of Sins (Cambridge University Press, 2012). والذي يهمنا من عمله سؤاله عن الفرق بين مَن يعلن عفو الله ومَن يدعي لنفسه سلطاناً مستقلاً عنه؛ وهو فرق ينسجم مع إنصافنا لغة الوساطة والهداية في التقاليد التي نقارنها.
شهادةُ التلمود البابليّ
وفي التلمود البابلي، في نداريم ٤١أ، خبر يجعل قيام المريض من مرضه مقروناً بمغفرة خطاياه، ويستند في ذلك إلى المزمور ١٠٣. ونحن نضعه إلى جانب صلاة نبونيد والخبر الإنجيلي، لنرى أن المعنى امتد في التقليد اليهودي أيضاً، مع أننا نفرّق بين تاريخ تدوينه المتأخر وعصر نشأة الفكرة.
السياق التاريخيّ للدولة البابليّة
وقد بيّن بول–ألان بوليو، في دراسته الصادرة عن ييل (Beaulieu, Yale 1989)، تاريخ نبونيد الملك، وإقامته الطويلة في تيماء بشمال الجزيرة، وهي اليوم داخل السعودية. والسجلات تؤكد أنه غاب عن بابل سنوات من حكمه. فهذا الإطار المكاني والتاريخي يلتقي برواية الصلاة، ويمنح المقارنة أساساً يقع خارج النص القمراني نفسه.
المصادر الأرشيفيّة التي تُسنِد النصّ
ومن أهم الوثائق «سجلات نبونيد» (Nabonidus Chronicle)، المحفوظة في المتحف البريطاني برقم BM 35382، وهي تعرض أحداث عهده وإقامته في تيماء، وقد نُشر نصها في Livius.org ضمن ABC 7. وتضاف إليها مسلة نبونيد من تيماء، المدرجة في CDLI برقم P519700، فهي شاهد من المكان نفسه على حضور الملك. أما «حجر تيماء» (The Tayma Stone)، المحفوظ في اللوفر برقم AO1505، فيحمل نقشاً آرامياً يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يتناول تنظيم العبادة والإصلاحات الدينية في الواحة. ثم جاءت منشورات التنقيب السعودي الألماني، بالتعاون مع معهد الآثار الألماني (DAI)، فوسّعت هذه المادة في Taymāʾ I–III، بما جمعته من نقوش وآثار ودراسة للبيئة عبر العصور. ولكل وثيقة من هذه موضعها وزمنها، فإذا قابلنا بعضها ببعض عرفنا تاريخ الواحة الذي تقع فيه رواية الصلاة.
صدى القصّة في القرآن الكريم والذاكرة العربيّة
وتنسب الصلاة إلى الملك أنه كان يدعو آلهة الفضة والذهب وغيرها في سنوات محنته. وقد أبقينا العبارة في النص كما هي، لكننا نقرؤها حكماً أصدره عليه الرواة المتأخرون، وفيها صدى الصورة التي رسمها له خصومه من كهنة مردوخ، وحفظتها «الرواية الشعرية» (Verse Account of Nabonidus)، حين عظّم العلي، الذي تسميه نقوشه سين، فوق مردوخ. أما المحنة نفسها فامتحان للمختار، وترقٍّ له في المعرفة. فبابل تحفظ سجل الملك وما قاله خصومه فيه، والقرآن يحفظ خبر النبي عيسى ﵇، والذاكرة العربية تحفظ طريقه من تيماء إلى يثرب.
إعلان المغفرة بلاغٌ عن الله
يسأل بعض الكتبة في قصة المفلوج عند مرقس: من يغفر الخطايا إلا الله؟ وقد سبقت صلاة نبونيد مرقس بقرون، وفيها جواب هذا السؤال: رجل ذو وظيفة دينية يعلن للملك عفو الله. وعلى هذه المقابلة قرأ دوبون-سومير الصلاة شاهداً على أن إعلان المغفرة على لسان إنسان أقدم من الأناجيل. فالذي يعلن المغفرة إنما يبلّغ عفو الله، ويستمد ما يعلنه من ربه.
فإن كانت المغفرة في السطر الرابع منسوبة إلى الله، فقد بقي للمرشد أن يوجه الملك إلى الإعلان والكتابة. وإن وصلت القراءة إعلان المغفرة بالمرشد نفسه، فوساطته داخلة في الفعل الإلهي. والوظيفة في الحالين تبيّن ما يُنسب إلى صاحبها، وما يستمده من ربه.
ويمتد هذا السؤال في المجال الديني الذي اجتمع فيه العلم والشفاء وعفو الله، سواء ثبت بين الصلاة ومرقس نقل مباشر، أم بقيت الصلة بينهما في التراث المشترك. فلما دخلت هذه الأفعال في بناء عقدي لاحق تغيّر تفسيرها.
وهذا متصل بالميزان الذي اتخذه الكتاب في لغة النور والكلمة: فعلوّ الوظيفة لا يعني أن صاحبها مستقل عن الله. لذلك نسترد أولاً معنى الولاية والهداية والشفاء، ثم نتتبع كيف تحول بعض التعبير عنها إلى دعوى تأليه.
موقع الصلاة من الحجة
فالصلاة تجمع في رواية دينية واحدة اسم الملك، وتيماء، والمحنة، ولهذا نقابلها بأخبار الأنبياء. ونبونيد المريض في تيماء هو عيسى ﵇ في محنته، والگازر الذي أعلن له عفو الله هو يحيى. وهذا ما يضيفه الكتاب إلى المادة: النقش يصل الملك بتاريخ معلوم، والرواية تحفظ محنته، ثم تأتي المقارنة فتكشف الهوية النبوية التي غابت عن سجله الملكي. فإذا اجتمعت هذه الجهات عرفنا لماذا تحتل الصلاة مكانها في الكتاب.
ملحق ٢: الكرونولوجيا الشاملة ـ من القرن السادس ق.م إلى القرن السابع الميلاديّ
المقدمة
يقدم هذا الملحق خريطة زمنية مفصّلة تغطي نحو ألف وَمِائتي سنة من التاريخ الديني والحضاري، ويركز على المواضع التي يتقاطع فيها التاريخ البابلي والعبري واليهودي-المسيحي والإسلامي. وفيه نرى كيف تتشابك الأحداث الكبرى، من سقوط بابل إلى بعثة سيدنا محمد ﷺ.
طريقة استعمال الجدول
نعرض الوقائع والنصوص بحسب تواريخها المتداولة، ثم نبين في العمود الأخير كيف نقرؤها في الكتاب. ومن يتتبع الجدول يرى رجلين بينهما نحو ستة قرون: عيسى ﵇، وهو نبونيد، في القرن السادس ق.م، ويسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، ثم يرى الصورة المؤلَّهة التي بُنيت بعدهما. ويبقى تاريخ نسخ المخطوطة، في هذا الجدول، متميزاً من زمن تأليف القصة ومن زمن صاحبها.
الخريطة الزمنيّة المفصَّلة
وهذه المحطات تعين القارئ على متابعة التسلسل، وعلى الرجوع إلى الفصول التي تفصّل مصادره وصلاته.
الحقبة البابليّة والعصر المحوريّ ـ ٦٠٥-٤٥٠ ق.م
| التاريخ والمكان | الحدث أو النص | صلته بالبحث |
|---|---|---|
| القرن السادس ق.م؛ بابل ويهوذا | تهجير جماعات من يهوذا إلى بابل، وسقوط القدس في عهد نبوخذنصر الثاني. | نقرأ بابل ذاكرةً أقدم وقلباً لبني إسرائيل، لا منفى فحسب؛ والتهجير واقعة في تاريخ هذا القلب. |
| ٥٥٦–٥٣٩ ق.م؛ بابل | عهد نبونيد، آخر ملوك بابل قبل الحكم الفارسي. | هو عيسى ﵇ في هذا الكتاب: تحفظ بابل سجل الملك، ويحفظ القرآن خبر النبي. ونقرأ تعظيمه سين وترميمه «إيخلخل»، بيت الهلال والتهليل، في أفق التوحيد وتعظيم العلي. |
| منتصف القرن السادس ق.م؛ تيماء | إقامة نبونيد نحو عشر سنين في واحات الجزيرة؛ وتسمي مسلة حران محطاتها: «على الطريق إلى تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، حتى يثرب؛ عشر سنين تنقلت بينها». | المجال التاريخي والجغرافي لمحنة عيسى ﵇ ولقائه بيحيى، وأول الطريق الحجازي الذي نرجّح أنه بلغ به مكة. |
| القرنان السادس والخامس ق.م بحسب تقديرات مختلفة؛ الهند | تتفاوت التواريخ التقليدية والبحثية لحياة بوذا. | نقرأ سيرته رواية الهند لسيرة المسيح نفسه، ونفهم تفاوت التأريخ من انتقال الرواية. |
| تقليدياً القرن السادس ق.م؛ الصين | يضع التقليد لاوتسو في هذا العصر، وينسب إليه داو ده جينغ. | صورة الحكيم صاحب الطريق، نقرؤها رواية الصين لسيرة المسيح نفسه، كما نقرأ زرادشت رواية إيران. |
| القرن السادس ق.م؛ قراءة الكتاب | عيسى ابن مريم ﵇ هو نبونيد، وأمه مريم هي أدد-غوبي التي تذكر ابنها في مسلة حران ولا تذكر له أباً: «ابني الوحيد، ثمرة بطني». | التعيين المركزي الذي تُقرأ عليه بقية الصلات؛ والميلاد من غير أب آية من الله لا تروي النقوش تفاصيلها. |
| ٥٣٩ ق.م؛ بابل | استيلاء كورش على بابل؛ تروي أسفار عزرا سياسة السماح بالعودة والبناء. | بداية سياق سياسي جديد. وتتكلم أسطوانة كورش بلسان كهنة مردوخ فتطعن في نبونيد، شأن أدب خصومه، وتخلو من ذكر اليهود والقدس. |
| العصر الفارسي؛ القدس | إتمام الهيكل الثاني نحو ٥١٥ ق.م، ثم نشاط عزرا ونحميا كما ترويه أسفارهما. | إعادة تنظيم الجماعة والنص والشريعة في طبقات امتدت بعد هذا العصر، حتى تبلور الحركة في الأزمة الهلنستية الحشمونية. |
الفترة البينيّة والقرن الأوّل الميلاديّ ـ ٤٥٠ ق.م إلى ١٠٠م
| التاريخ والمكان | الحدث أو النص | صلته بالبحث |
|---|---|---|
| العصران الهلنستي والروماني المبكر | تعدد النصوص الرؤيوية والجماعات وطرائق انتظار الخلاص. | فيه تبلورت اليهودية حركةً مؤسسية في الأزمة الهلنستية الحشمونية منذ القرن الثاني ق.م، وفيه حفظت جماعات متعددة ذكر المسيح وانتظاره. |
| القرون الأخيرة ق.م والقرن الأول م؛ قمران | نسخ مؤلفات قديمة ومتنوعة، منها 1QS و4Q242 و4Q541. | كل نص يؤرخ على حدة؛ والصلاة نسخة لاحقة تحفظ خبر ملك القرن السادس ق.م ومرشده، أي عيسى ﵇ ويحيى في قراءة الكتاب. |
| ٦٣ ق.م؛ القدس | دخول بومبيوس القدس واتساع النفوذ الروماني. | السياق السياسي الذي يسبق ظهور يسوع. |
| القرن الأول م؛ فلسطين | فريسيون وصدوقيون وإسيون وتيارات أخرى؛ تظهر أسماء الجماعات في مصادر متفاوتة التاريخ. | بيئة يسوع الناصري، رجل صالح من تيارات ورثت ذكر المسيح وتعليمه، بعد عيسى ﵇ بنحو ستة قرون. |
| نحو ٣٠م بحسب التأريخ المتداول؛ القدس | خبر محاكمة يسوع وصلبه في الأناجيل. | نسبته إلى يسوع الناصري لا إلى عيسى ﵇. وما بعد الصلب وجهان: أن يكون أُغمي عليه تحت التعذيب ثم قام من إغمائه، أو أن يكون الله أحياه؛ ومن هنا نشأ خبر القيامة ووصل إلى بولس. |
| منتصف القرن الأول م؛ شرق المتوسط | نشاط بولس ورسائله، وصلاته وخلافاته مع جماعة أورشليم. | إليه وصل خبر القيامة، فجعل الموت والقيامة مركز تفسير الخلاص، وصاغ الإيمان ونشره على أساس تلقاه من جماعات سبقته. |
| ٧٠م؛ القدس | تدمير الهيكل على يد القوات الرومانية بقيادة تيطس. | تغير عميق في حياة الجماعات؛ وإلى الخارجين إلى بيلا يرد إبيفانيوس نشأة الأبيونيين (الپاناريون ٣٠: ٢)، الفقراء الذين عرفوا أن المسيح أقدم من يسوع. |
القمع والتَقنين الإمبراطوريّ ـ ١٠٠-٤٠٠م
| التاريخ والمكان | الحدث أو النص | صلته بالبحث |
|---|---|---|
| أواخر القرن الأول والقرنان الثاني والثالث م | تداول الأناجيل واتساع الجدل حول الجماعات والكتب المقبولة. | تاريخ تكوّن الذاكرة وتحديد حدود الاعتقاد. |
| ٣١٣م؛ الإمبراطورية الرومانية | إقرار التسامح الديني ورد ممتلكات المسيحيين في اتفاق قسطنطين وليكينيوس. | تحول علاقة الكنيسة بالدولة، قبل اتخاذ الإيمان النيقاوي معياراً رسمياً. |
| ٣٢٥ و٣٨١م؛ نيقية والقسطنطينية | تقنين الصيغ النيقاوية وتوسيع بيانها، مع استمرار الصراع وتغير سياسة الأباطرة. | أثر السلطة في ترجيح صيغة عقدية وإقصاء غيرها. |
| أواخر القرن الرابع م وما بعده؛ حمير | تحول لغة النقوش الدينية إلى صيغ توحيدية. | شاهد على جزيرة التوحيد: صار التوحيد خطاب الدولة الرسمي في جنوب الجزيرة قبل الإسلام بأكثر من مئتي سنة، في مرحلتيه اليهودية والمسيحية. |
العالم المتغير حول الجزيرة ـ ٤٠٠–٦٣٢م
| التاريخ والمكان | الحدث أو النص | صلته بالبحث |
|---|---|---|
| القرون السابقة للإسلام؛ الشام والعراق | جماعات عربية مسيحية متعددة الانتماء، مع حضور الغساسنة والمناذرة. | طرق انتقال المعرفة والجوار الديني في جزيرة التوحيد؛ ومن أديرة الحيرة انتقلت الحياة الدينية إلى الكوفة. |
| ٤١٠ و٤٢٤م؛ ساليق وقطيسفون | تنظيم كنيسة المشرق وتأكيد استقلال مرجعيتها. | موضع الحيرة داخل تاريخ الكنيسة الشرقية. |
| ٥٢٣م؛ نجران | اضطهاد مسيحيي نجران في عهد يوسف ذي نواس. | مقارنة أخبار الحادثة بتفسير أصحاب الأخدود؛ والقرآن يشهد للضحايا بالإيمان، ويجعل اضطهاد المؤمنين قضية أخلاقية مركزية. |
| ٥٢٥م تقريباً؛ اليمن | التدخل الأكسومي بقيادة كاليب وانتهاء حكم ذي نواس. | تداخل سياسة البحر الأحمر وصراعات الدين. |
| نحو ٥٤٨ و٥٥٢م؛ اليمن ووسط الجزيرة | CIH 541 عن إصلاح سد مأرب ووفود، وRy 506 عن حملة أبرهة. | شاهدان على عهد أبرهة؛ لا يسميان حادثة الفيل كما ترويها السيرة. |
| أواخر القرن السادس م؛ اليمن | انتهاء الحكم الحبشي واتساع النفوذ الساساني. | تغير موازين القوى حول الجزيرة. |
| ٦٠٢–٦٢٨م؛ الروم وفارس | الحرب الكبرى بين الإمبراطوريتين، وفي بدايات هذه المرحلة انتهى ملك المناذرة في الحيرة. | خلفية لصراع القوى في المشرق. |
| بعثة محمد ﷺ؛ مكة | نزول القرآن والدعوة إلى الله. | تصديق رسالة الأنبياء وتصحيح صورة المسيح وإتمام مكارم الأخلاق. |
| الهجرة؛ المدينة | انتظام جماعة المؤمنين في مجتمع له شريعته وحياته السياسية؛ وعند أبي أيوب من بني النجار نزل النبي ﷺ، وجواري بني النجار ينشدن: «نحن جوار من بني النجار، يا حبذا محمد من جار» (ابن ماجه ١٨٩٩). | اجتماع الهداية والعمران، كما اجتمع لعيسى ﵇ الملك والنبوة. ويثرب التي بلغها نبونيد في رحلته تستقبل الداعي إلى الله القادم من جهة الشمال، كما نقرأ في الفصل السادس. |
| ختم الرسالة المحمدية | استمرار الهداية في العلم والتزكية والعمل بعد وفاة النبي ﷺ. | النبوة مختومة بمحمد ﷺ، وتبقى بعدها المعرفة والولاية؛ ومنهما نقرأ عودة المسيح عودةَ علم، والرفع والنزول حركة معرفة. |
ملحق ٣: المعجم المقارن لألفاظ الكتاب ـ قراءةٌ لسانيّةٌ ساميّةٌ في مفاتيح الأطروحة
المقدّمة
في هذا المعجم جمعنا الألفاظ التي يدور عليها الكتاب، وعدنا إلى النظر فيها من داخل اللسان العربي، ومن جهة صلاته بأخواته من الألسنة السامية. ونحن ننطلق من تصور للعروبة أوسع من العربية التي دونت في عصر واحد، فنتتبع اللفظ في أطواره، ونسأل عن معانيه كما كانت قبل أن تستقر الترجمات المتداولة. وليست المداخل كلها من نوع واحد: فبعضها شرح معجمي، وبعضها قراءة يقترحها الكتاب، ويعرف القارئ أيهما أمامه حين ينظر في الشاهد، ويرى كيف ننتقل منه إلى المعنى.
والعربية غنية باشتقاقاتها، فهي تظهر لنا معاني قد تغيب عنا إذا تلقينا الأسماء أصواتاً أجنبية فحسب. لذلك نبدأ بها حين نسأل عن اللفظ، ثم نقابله بصوره في الآرامية والأكدية وغيرهما، وننظر فيما طرأ عليه من تحول في الصوت، وفي السياق الذي استعمل فيه. فإذا فعلنا ذلك عرفنا كم هو قديم هذا المعنى، وبم يتصل، وميزنا في الوقت نفسه أطوار الألسن التي حفظته.
وتتناول المداخل أسماء الأشخاص وألقابهم، وأسماء الجماعات والمواضع، ثم ألفاظاً هي مفاتيح للكتاب، كالرفع والرجوع والقطع. وفيها كذلك مقارنات في المعنى، كأن نقرأ لافتة الصليب بمعنى التغطية والتحريف، وهذه المقارنات لا يصح أن يخلطها القارئ بالترجمة الحرفية للفظ، ولا باشتقاقه اللغوي.
كيف يُستعمل هذا المعجم؟
يبدأ كل مدخل باللفظ، فيذكر شاهده ومعناه، ثم ينتقل إلى قراءتنا له. وإلى جانب المقارنة الصوتية نذكر تاريخ استعمال اللفظ، وما نعرفه من سيرة صاحب الاسم أو من وظيفته. فإذا اجتمعت هذه الجهات كلها، فهم القارئ لماذا نقترح المطابقة التي نقترحها.
وإليك أمثلة على ذلك. فمعنى «أبيونيم» هو الفقراء، وهذا من مادة المعجم. أما أن نصل «عيسى» بالعيش والعيس فتلك قراءة الكتاب، يجتمع فيها الجذر والصوت والمعنى. و«المسيخ» في عنواننا صورة نرسم بها التشويه. وأما INRI فاختصار لاتيني معناه معلوم، ننظر في دلالته ولا نغير ترجمته. بهذه الأمثلة يتبين الفرق بين مادة المعجم وما نصنعه بها حين نؤولها.
أسماء الأشخاص والألقاب
١. عيسى: الاسم وقراءة الحياة
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم القرآنيّ | عيسى ﵇ | العربيّة | ع-ي-س، ويلتقي بـ ع-ي-ش | نقرأ فيه الحيّ المحيي، والبياض والصفاء من العِيس |
| الفعل العربيّ | عاش / يعيش | العربيّة | ع-ي-ش | بقي حيّاً، واصل الحياة |
| النقش الصَفائطيّ | ʿsy | عربيّة الشمال | ـ | صيغة الاسم في نقش دعاء من القرن الرابع الميلادي، رجّح الجلاد والمناصر أنها تقابل اسم عيسى ﵇؛ فالاسم العربي قائم قبل الإسلام |
في قراءتنا يتصل اسم «عيسى» بالحياة والعيش، ونرى الشفاء والإحياء يضيئان معناه. ثم نصله كذلك بالعيس، وهي من حروف الاسم نفسها، وفي «لسان العرب»: «والعيس والعيسة بياض يخالطه شيء من شقرة، وقيل هو لون أبيض مشرب صفاء». فإذا اجتمع الوجهان حمل الاسم معنى الحياة ومعنى البياض والصفاء معاً. ويجري تقابل السين والشين هنا على سنن معروفة في المقابلات السامية، يتبدل فيها الحرف ويبقى المعنى، كما تقابل سنة العربية شاناه العبرية، وكما يقابل سلام شالوم. وقد درس الجلاد والمناصر نقش ʿsy، فأضافت دراستهما شاهداً على أن الاسم كان متداولاً بصيغته العربية في شمال الجزيرة قبل الإسلام.
ويقوى هذا المعنى حين نقرأ قوله تعالى على لسان عيسى ﵇ ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٤٩)، فالحياة والشفاء في قلب الصورة التي يرسمها له القرآن. لذلك نتخذ الاسم مفتاحاً نعرف به وظيفة صاحبه، ثم نختبر هذا المفتاح على بقية الشواهد.
فإذا انتقلنا إلى «يشوع» وجدنا اشتقاقه في حقل آخر هو الخلاص. فالاسمان يرجعان إلى جذرين مختلفين، ويحملان معنيين مختلفين: عيسى ﵇ هو الحي المحيي، ويشوع هو المخلِّص. وقد عدّ آرثر جفري اسم عيسى لغزاً لا يُوصل إليه من «يشوع» إلا بتقليب الحروف (المفردات الأجنبية في القرآن، ١٩٣٨، ص ٢١٨–٢٢٠). واختلاف الاسمين يوافق ما يبينه الكتاب من أخبار صاحبيهما، فالسيرتان مختلفتان، والزمنان مختلفان، ولكل شخص اسمه وسيرته.
٢. يسوع الناصريّ ـ الجذر العبريّ ي-ش-ع (الخلاص والنجاة)
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم الإنجيليّ | יֵשׁוּעַ (ييشوع) (Yēšūaʿ) | العبريّة | ي-ش-ع | المخلِّص، المنقذ |
| الصيغة اليونانيّة | Ἰησοῦς (ييسوس) (Iēsoûs) | اليونانيّة | ـ | نقل صوتيّ للعبريّ |
| النقل اللاتينيّ | Iesus | اللاتينيّة | ـ | عن اليونانيّة |
يرجع «يشوع» إلى الجذر العبري ي–ش–ع (yod-šin-ʿayin)، ومداره على الخلاص والنجاة والإنقاذ. ومن هذا الجذر جاءت «يشوعة» (yəšūʿāh) بمعنى النجاة، و«هوشع» (Hōšēaʿ) بمعنى أنقذ، و«يشعياهو» (Yəšaʿyāhū) ومعناه «يهوه ينقذ». وهذا هو المعنى الذي نضعه في مقابل ما نقترحه في قراءة اسم عيسى ﵇.
فالحياة اسم لشخص، والخلاص اسم لشخص آخر، اختلفت سيرتاهما وزمناهما ثم اجتمعت أخبارهما في الذاكرة: أولهما عيسى ابن مريم ﵇، النبي الذي حفظ القرآن اسمه، والثاني يسوع الناصري الذي حملت الأناجيل خبره. ودلالة الاسمين تسند هذا الفصل بينهما، وتضاف إلى ما جمعه الكتاب من الأخبار والآثار.
ثم إن النقش الذي سبق الإسلام يدل على أن صيغة «عيسى» العربية أقدم من الترجمات العربية المتأخرة التي نقلت «يشوع» إلى «يسوع». فلكل صيغة من الصيغتين تاريخها الذي سارت فيه، كما أن لكل واحد من صاحبيهما سيرته.
٣. أحمد / ܚܡܝܕܐ (حَميدا) ـ الجذر الساميّ ح-م-د في السريانيّة والعربيّة
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الصيغة السريانيّة | ܚܡܝܕܐ (حَميدا) (Ḥamīdā) | السريانيّة | ح-م-د | المرغوب المستحسن، من جذر الحمد نفسه في العربية |
| الصيغة العربيّة التفضيليّة | أحمد | العربيّة | ح-م-د | الأشدّ حمداً، أكثر من يستحقّ الحمد |
| الصيغة العربيّة الاسميّة | محمّد ﷺ | العربيّة | ح-م-د | كثير المحامد، من حُمد مرّةً بعد مرّة |
في العربية تدور ألفاظ حميد ومحمود وأحمد ومحمد على الحمد والثناء. أما في العبرية والسريانية فيدور الجذر على الرغبة والاستحسان، فيكون منه المحبوب والمرغوب. فالمعاني متقاربة، والاستعمال مختلف، ولذلك نترجم كل صيغة بحسب موضعها أولاً، ثم نقارن بعد ذلك بين ما يجمع حقولها.
ونرى أن وصفاً سامياً من هذا الحقل ربما دخل في تاريخ البشارة التي تقابل بالبارقليط. غير أن النص اليوناني الذي بين أيدينا يحمل παράκλητος (پاراكلِيتوس)، ومعناه المعين أو الشفيع. أما περικλυτός (پيريكلوتوس) فمعناه ذائع الصيت، ولم يثبت قراءة مكانه في المخطوطات. لذلك ندخل إلى معنى الحمد من البشارة القرآنية بـ«أحمد»، ثم نتتبع ما حولها من مقارنات لغوية.
يقول تعالى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦). فالاسم علم معروف للنبي ﷺ، ونقرؤه مع ذلك وصفاً يدل على كمال الحمد. وإذا قرأناه على هذا الوجه أمكننا أن ننظر كيف ينتقل الوصف من لسان إلى لسان، من غير أن ننسب إلى عيسى ﵇ صيغة سريانية بعينها لا نملك نصها.
محمد وأحمد: الاسم والمعنى
نسأل في هذا الكتاب عن الاسم: ماذا يقول عن صاحبه؟ و«محمد» اسم مفعول من التفعيل، فهو يدل على أن الحمد يتكرر ويكثر. و«أحمد» أفعل تفضيل، فيحتمل أن يكون الأجدر بالحمد، وأن يكون الأكثر حمداً لربه. فاللفظان في أصلهما وصفان، ثم صارا علمين، كما جرى في كثير من الأسماء العربية. وعلى هذه الصلة بين الصفة والاسم بنينا أيضاً جانباً من قراءتنا لعيسى ﵇ ويحيى وزكريا.
فإذا فهمنا الاسم هكذا، رأينا في آية الصف علامة يحملها معناه: حمد يزيد، وكمال يتحقق في الرسالة الخاتمة. ولهذا الحقل نظائر محتملة في ألفاظ البشارة، منها «حمدة» في حجي ٢: ٧، على أن تبقى الكلمة بمعناها العبري في سياقها، لأن اشتراك الجذر لا يجعل كل موضع ترد فيه الكلمة اسماً صريحاً لشخص واحد.
والحمد الذي يتكرر يصل الاسم بأثر الرسالة الذي يستمر، وبذكر صاحبها الذي يبقى بعد موته. فالاسم على هذا الفهم ينطق بالوظيفة، والسيرة تجسد معناه. لذلك نقرأ في محمد وأحمد ﷺ وصفاً لحمد يعلو وآثار تتجدد، كما قرأنا في أسماء الأنبياء ما تدل عليه من هداية ظهرت بهم.
٤. المسيح ـ الجذر الساميّ م-ش-ح (المسح والتطهير والتكريم)
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم القرآنيّ الشريف | المسيح | العربيّة | م-س-ح | الممسوح بالبركة؛ لقب عيسى ﵇ في القرآن |
| الاسم العبريّ | מָשִׁיחַ (ماشيَح) (māšīaḥ) | العبريّة | م-ش-ح | الممسوح، المُكرَّس بالزيت |
| الصيغة الآراميّة | ܡܫܝܚܐ (مشيحا) (Məšīḥā) | الآراميّة | م-ش-ح | الممسوح |
| المقابل اليونانيّ | Χριστός (خريستوس) (Khristós) | اليونانيّة | ـ | ترجمة يونانيّة لـ«الممسوح» |
يقول الراغب في «المفردات»: «المسح: إمرار اليد على الشيء، ومنه مسح الأرض إذا ذرعها». ثم تتسع استعمالات اللفظ في العربية، فيأتي للتطهير، كمسح الرأس في الوضوء، ويأتي للتكريم والبركة، كما مسح الرسول ﷺ رأس اليتيم. أما في العبرية والآرامية فالغالب عليه المسح الطقسي بالزيت، يكرس به الملك أو الكاهن: فـ«ماشياخ» מָשִׁיחַ (ماشيَح) مأخوذ من «ماشاخ» מָשַׁח (ماشَح)، ويقابله في الآرامية ܡܫܝܚܐ (مشيحا) (Məšīḥā). والمعاني كلها، كما نراها، تدور على إمرار الطهر والبركة على المحل، وسعة العربية تضيء لنا وجوه الدلالة في أخواتها.
ويرد هذا اللفظ الشريف في القرآن الكريم لقباً لعيسى ابن مريم ﵇ في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ﴾ [النساء:171]، وقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:45]. فالقرآن يربط اللقب بعيسى ﵇ من جهة وظيفته، ويدلّ به على أنّه نبيٌّ مُطهَّرٌ مُبارَكٌ مكرَّمٌ عند الله. وهذا غير ما ذهب إليه التأليه النيقاويّ اللاحق حين اتّخذه إلهاً أو ابن إله.
٥. المسيخ ـ الجذر العربيّ م-س-خ (التشويه والتحويل والتحريف)
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| اللفظ الأدبي المستعمل في عنوان الكتاب | المسيخ (الدجّال) | العربيّة | م-س-خ | المُشوَّه، المُحرَّف عن أصل خِلقته |
| الفعل | مَسَخَ يَمسَخ | العربيّة | م-س-خ | حوّل الخلقة إلى ما هو أقبح منها |
| الصيغة الوصفيّة | مَمسوخ | العربيّة | م-س-خ | الذي حُرّفت صورته إلى صورة أخرى |
تذكر روايات الحديث «المسيح الدجال» بالحاء، وهذا هو اللفظ المعروف فيها. أما نحن فنستعمل «المسيخ» بالخاء في عنوان الكتاب، نقابل به المسيح مقابلة أدبية، ونعني به صورة مُسخت عن أصلها. فحجتنا لا تقوم على أن هذا الرسم هو أصل الحديث، ولا على أن خطأ في النقط هو الذي ولّد العقيدة.
فالجذر العربيّ م-س-خ يدور على معنى «التحويل من صورةٍ حسنةٍ إلى صورةٍ قبيحة»، كما في قوله تعالى عن بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:65]، وقد ورد في تفسير هذا المسخ في القرآن والسنّة أنّه تحويلٌ للخلقة والصورة. فـ«المَسخ» في اللغة العربيّة هو تحويل الشكل إلى ما هو أقبح منه، و«الممسوخ» هو الذي طُمست صورته الأصليّة واستُبدلت بصورةٍ مشوّهة.
وعلى هذه المقابلة بنينا الصورة الأدبية في «المسيح والمسيخ»:
| اللقب | الجذر | الدلالة | على من يُطلق |
|---|---|---|---|
| المسيح | م-س-ح | المُبارَك، المُطهَّر | عيسى ابن مريم ﵇ النبيّ الحقّ |
| المسيخ | م-س-خ | المُشوَّه، المُحرَّف | الدجّال الذي مُسخت صورة المسيح الحقّ فيه وتحوّلت إلى إلهٍ مدَّعٍ |
الدجال في قراءتنا هو البناء الذي حرّف صورة المسيح وحجب رسالته. وعودة المسيح أن تنكشف حقيقته انكشافاً يبطل سلطان ذلك البناء. وهذا هو المعنى الذي تخدمه المقابلة بين الحاء والخاء، فهي لا تتهم يسوع الناصري نفسه بالدجل.
٦. الدجال: الكذب والتغطية
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم العربيّ الحديثيّ | الدجّال | العربيّة | د-ج-ل | الخلّاط المموِّه، الكاذب |
| الصيغة الآراميّة | ܕܓܠ (د-گ-ل)، الجذر السرياني d-g-l | الآراميّة السريانيّة | د-ج-ل | الكذب؛ تراجع الصيغ المشتقة بحسب السياق |
| المشتقّات العربيّة | دَجَلَ، تدجيل | العربيّة | د-ج-ل | خلط الصدق بالكذب لتمويه الحقيقة |
يدور الجذر د–ج–ل في العربية على التغطية والتمويه والكذب، ويقابله في السريانية د–گ–ل، وهو فيها من ألفاظ الكذب أيضاً. فالمقارنة تدل على أن البيئة اللغوية متقاربة، أما أي اللسانين أخذ من الآخر، ومتى، فتلك مسألة أخرى. والذي نحتاجه هنا من المعنى هو الخلط الذي يستر الأصل تحت صورة مقنعة.
وبهذا المعنى نفهم ما يصف به الحديث الدجال: «إنه يخرج ومعه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار». فهو يموه الصورة حتى يرى الإنسان الأشياء على عكس حقيقتها، فيختلط عليه الحق بالباطل. والدجل على هذا أوسع من كذبة منفردة لا تتصل ببناء من المعاني.
فإذا جمعنا «المسيخ» و«الدجال» و«الكذاب» رأيناها تصف معاً الصورة العقدية التي ننتقدها: فهي تشوه الأصل، وتموه حتى يخفى الفرق، وتقول ما يخالف الحقيقة. أما يسوع بشخصه فنبقيه منفصلاً عن هذا البناء، وإن حمل البناء اسمه.
لافتة الصليب INRI ومعنى الستر
٧. INRI: معنى اللافتة وقراءتها في الكتاب
| اللفظ | المعنى | نوع المقارنة |
|---|---|---|
| INRI | Iesus Nazarenus Rex Iudaeorum: يسوع الناصري ملك اليهود | ترجمة الاختصار اللاتيني |
| ك-ف-ر | التغطية والستر، ومنه استعمال الكفر في سياقه الديني | نقرأ به حجب الحقيقة؛ ليس ترجمة لحروف INRI |
INRI اختصار لاتيني لعبارة «يسوع الناصري ملك اليهود»، وهو شائع على الصلبان في التقليد الغربي، وإن كانت هذه الصورة اللاتينية نفسها لا تستعمل على كل صليب في كل كنيسة. أما الأناجيل فتروي خبر اللافتة التي كتبت فيها تهمته بأنه ملك، وتختلف في نقل صيغتها، ويذكر يوحنا ١٩: ١٩–٢٠ أنها كتبت بالعبرانية والرومانية واليونانية.
كان العنوان في خبر المحاكمة تهمة موجهة إليه بأنه ملك، ثم نقلته الصورة التعبدية إلى سياق آخر. لذلك نبدأ بترجمته كما هو: «يسوع الناصري ملك اليهود»، ثم نبين كيف تغيرت وظيفته. أما «الناصري» فنقرؤه على معنيين تجمعهما حروفه، هما المنذور والناصر، كما فصّل الفصل الثامن، ومع ذلك تبقى ترجمة العبارة اللاتينية على حالها.
والجذر ك-ف-ر في اللغة العربيّة يدور على معنى «التغطية والإخفاء والستر». قال الراغب في «المفردات»: «الكفر في اللغة ستر الشيء، ووُصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزارع لستره البذر في الأرض». ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:20] أي الزرّاع الذين يُغطّون البذر بالتراب. ثمّ تطوّر الاستعمال الشرعيّ فصار «الكفر» تغطية الحقّ الإلهيّ وإخفاءه بعد ظهوره.
ثم نقارن العلامة التي فوق رأس المصلوب بالكتابة التي بين عيني الدجال، وننظر في الصورة بعين الإيمان: ماذا يرى فيها المؤمن؟ والموضعان مختلفان، وتبقى INRI على معناها اللاتيني. فما نربط به بينهما هو أن العلامة في الحالين تدل على الفتنة، أما الحروف ومكانها فلا تطابق بينها.
فالمقارنة إذن موجهة إلى المنظومة التي تبنت الصورة وأعطتها معناها العقدي، ولا تدين الرجل الصالح الذي تنسب إليه. وما نراه تغطية للحقيقة هو ما حجب عيسى ﵇ ورسالة النور، أما اسم يسوع المكتوب على اللافتة فليس هو في ذاته موضع النقد.
أسماء الجماعات: النصارى والأنصار والأبيونيم
٨. نصارى / أنصار / ناصورائيم ـ الجذر ن-ص-ر (النصرة والتأييد)
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| أتباع عيسى ﵇ في القرآن | النصارى | العربيّة | ن-ص-ر في القراءة التي نقترحها | تسمية دينية نقرؤها في ضوء النصرة والألقاب المشرقية |
| أنصار النبيّ ﷺ في المدينة | الأنصار | العربيّة | ن-ص-ر | الذين نصروا الرسالة |
| فرقة يهود-مسيحيّة أولى | Nazoraioi (Ναζωραῖοι) (نازورايُوي) | اليونانيّة/العبريّة | ن-ص-ر، ويجتمع فيه ن-ذ-ر | الناصرون المنذورون لله: لقب ديني لجماعة مبكرة، وصيغته Nazōraios أقرب إلى الوظيفة منها إلى النسبة إلى بلدة |
| الفعل العربيّ | نَصَرَ يَنصُر | العربيّة | ن-ص-ر | أيّد وأعان وأقام بالدعم |
النصرة في العربية هي الإعانة والتأييد، وفي ألسنة سامية أخرى تأتي ألفاظ ن-ص-ر بمعنى الحفظ والحراسة. والمعنيان متقاربان، وإن لم يتطابقا في كل استعمال. ومن هذا الحقل كله نستفيد حين نقرأ اسم الجماعة ونسأل عن وظيفتها.
فإذا وضعنا تسمية «النصارى» إلى جانب جواب الحواريين «نحن أنصار الله»، قرأنا في الاسم معنى النصرة. وفيه كذلك معنى النذر الذي يحمله «الناصري»، فالناصري هو المنذور لله والناصر لدينه، كما بيّن الفصل الثامن. ومن الجذر نفسه جاء اسم الناصرة، وجاءت الألقاب الآرامية المشرقية، والذي يجمعها كلها هو المعنى الديني، فهو الأصل. وقد لاحظ ماثيو بلاك أن صيغة Nazōraios، وهي الغالبة في الأناجيل، تخالف ما نتوقعه في النسبة إلى بلدة.
وآية الصف ١٤ تبين معنى النصرة الذي نقرؤه في الاسم، وتبين أنه استمر في المؤمنين. ثم ننتقل إلى تاريخ التسمية كما حفظته الشواهد اللغوية.
وقد ناقش فرانسوا دو بلوا في دراسته «Naṣrānī and Ḥanīf» (٢٠٠٢) خلفية هذه الألفاظ الدينية، وصلتها بالجماعات التي سبقت الإسلام. ونحن نستعين بدراسته حين نسأل: إلى أي حد تدل الأسماء على أصحابها؟ لكننا لا نتخذ لقب «نصراني» حكماً جاهزاً بإنكار ألوهية المسيح، فقد حملته تقاليد مختلفة، وإنما يعرف مذهب الجماعة من أخبارها وتعاليمها.
٩. الأبيونيم (אֶבְיוֹנִים) (إِڤيونيم) والمساكين ـ جذر الفقر الاختياريّ
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| أتباع عيسى ﵇ الموحّدون الأوائل | אֶבְיוֹנִים (إِڤيونيم) (Ebyōnīm) | العبريّة | أ-ب-ي | الفقراء، المحتاجون المتعفّفون |
| مفرد الأبيونيم | אֶבְיוֹן (إِڤيون) (Ebyōn) | العبريّة | أ-ب-ي | الفقير المحتاج |
| المقابل الدلاليّ العربيّ | مِسكين، مساكين | العربيّة | س-ك-ن | من أقعده الفقر عن الحركة |
«أبيونيم» جمع «أبيون»، وهو في العبرية الفقير أو المحتاج. وبهذا الاسم سُمّيت الجماعات الأبيونية التي عرفت المسيح الحقيقي نبياً بشراً من بني إسرائيل، ولزمت الشريعة، ورفضت سلطة بولس ورسائله، كما فصّل الفصل الثاني عشر. والفقر هنا نقرؤه تجرداً ومسكنة في السلوك، لأن الذاكرة الأبيونية حفظت الفقر عملاً وبشارة. على أن أكثر ما يصلنا من أخبار أصحابها إنما يصلنا من كتابات خصومهم.
ويقابل هذه اللفظة في العربيّة لفظة «مسكين» من الجذر س-ك-ن، وهو جذرٌ مختلفٌ صوتيّاً عن الجذر العبريّ أ-ب-ي، لكنّه يلتقي معه في عمق الدلالة. فالمسكين في العربيّة هو «من أسكنه الفقر وأقعده»، أي الذي قعد به ضيق ذات اليد عن الحركة والكسب. وقد جعل النبيّ ﷺ من هذه الحال قيمةً دينيّةً رفيعةً في قوله: «اللَّهمَّ أَحيِني مِسكيناً، وأَمِتْني مِسكيناً، واحشُرني في زُمرَةِ المساكين يوم القيامة» (رواه ابن ماجه والترمذيّ، وضعّفه بعض المحدّثين لضعف في إسناده، ومعناه متداولٌ في أحاديث أخرى صحيحة).
ويحمل الاسم معنى الافتقار إلى الله، وهو معنى نلقاه في طرق الزهد على اختلافها، عرفته جماعات من خارج الكنائس ومن داخلها. فهو عندنا قيمة روحية أوسع من أن يحدها اسم واحد. وما ننقده شيء آخر: أن تستولي المصلحة والسلطة على الرسالة، فتغيرا من معناها.
أسماء المواضع وصلتها بالسيرة
١٠. بيت لحم / قبيلة لخم ـ المسيحيّة العربيّة المشرقيّة
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| مدينة الميلاد | بيت لحم (Bethlehem) | العبريّة/العربيّة | ل-ح-م | بيت الخبز، بيت الرزق |
| قبيلة عربيّة مسيحيّة | بنو لخم / المناذرة | العربيّة | ل-خ-م | ملوك الحيرة؛ وفي مادة لخم معنى التوغل والاشتباك |
| المقارنة التي يقرؤها الكتاب | لحم / لخم | الساميّة العامّة | الحاء والخاء في رسم عبري واحد | اسمان يلتقيان في الرسم، وتحفظ العربية وجهي معناهما |
«بيت لحم» في العبريّة تعني حرفيّاً «بيت الخبز» (بيت = منزل ومحلّ، لحم = الخبز في العبريّة لا اللحم كما في العربيّة). وهي المدينة الفلسطينيّة التي تنسب إليها الأناجيل ميلاد يسوع الناصريّ. وفي المقابل نجد في التراث العربيّ «بنو لخم»، وهي قبيلةٌ عربيّةٌ عريقة استوطنت الحيرة في العراق، واعتنقت مسيحيّةَ المشرق مبكّراً، وتصعد شواهدُها في الحيرة إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديّين. ثمّ أقامت دولة المناذرة في حماية الفرس، فكانت في وجه الغساسنة الذين تبعوا البيزنطيّين.
و«لحم» و«لخم» يكتبان في العبرية رسماً واحداً، لأن حرف ח (حيت) فيها يحمل الصوتين اللذين تفرق بينهما العربية بالحاء والخاء، فيلتقي اسم بيت لحم واسم لخم في الكتابة العبرية حرفاً بحرف. أما العربية فتحفظ الفرق بين ل–ح–م ول–خ–م. فإما أن يكون وراء الصيغتين أصلان حفظت العربية تمايزهما، وإما أن يكون وراءهما أصل تفرعت دلالته في الألسنة، كما بيّن الفصل السابع. ونحن ندخل إلى المسألة من بابها التاريخي، وهو حضور المناذرة وكنائس الحيرة، ومن هناك نصل هذه البيئة بأخبار بيت لحم.
فحضور المناذرة والغساسنة وتغلب يدل على أن العرب شاركوا في حياة الكنائس قبل الإسلام. وقد تنوعت انتماءاتهم، فاستقل بعضهم عن بيزنطة من غير أن يكون استقلاله إنكاراً لألوهية المسيح. وفي هذه البيئة نفهم كيف أمكن أن تتداول الروايات والألفاظ والمعارف، وفيها نتلمس آثار الرسالة الأقدم.
١١. نبونيد: اسم الملك وقراءة النبوة
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم الأكّاديّ للملك | Nabû-naʾid | الأكّاديّة | ن-ب-و / ن-أ-د | نبو هو المُمجَّد |
| الجزء الأوّل | Nabû | الأكّاديّة | ن-ب-و | إله الحكمة والكتابة |
| الجزء الثاني | naʾid | الأكّاديّة | ن-أ-د | صفة بمعنى الممجَّد أو الممدوح |
| المقارنة التي يطرحها الكتاب | النبيّ، المُمَجَّد | العربيّة | ن-ب-ي | المنبئ المرفوع: قراءة عروبية للاسم إلى جانب ترجمته الأكدية |
يترجم اسم Nabû-naʾid عادة «نبو ممجَّد» أو «نبو ممدوح»، ونبو في السجل البابلي اسم معروف يقترن بالكتابة والحكمة. ونحن نقرأ في الاسم، إلى جانب هذا المعنى المباشر، معنى المنبئ المرفوع، لأن نبو يقابل الجذر السامي ن-ب-ء، ولأن نائد من الفعل الأكدي na'ādu الذي يدل على التمجيد والرفعة. وينبغي ألا نخلط بين مدتين: فإقامة الملك في تيماء امتدت نحو عشر سنين، أما السبع التي في الصلاة فهي مدة المرض كما ترويها الرواية.
ولأن «نبو» يتصل بالكتابة والحكمة، فنحن نقرؤه قريباً من النبأ والنبوة. وهذا القرب يضيف سؤال الاسم إلى ما جمعناه من قبل من أخبار الملك وأمه، ومن خبر رحلته، ومن تيماء نفسها. فالمطابقة عندنا تقوم على هذه العناصر كلها مجتمعة، والاسم بينها مدخل إلى المعنى، لا يصرح وحده بهوية النبي.
وعلى هذه المطابقة يكون الملك المريض هو عيسى ﵇، ونقرأ المرشد يحيى، معلمه. فتصير المحنة طوراً من أطوار المختار في سلوكه وتعلمه، ثم نقارن ذلك بما ظهر على عيسى ﵇ من شفاء ومعرفة. وقد عرض الملحق الأول الشذرة وترميمها، ثم المشهد الأدبي الذي يستلهم هذه القراءة.
١٢. الطاو (道) (داو) / الحقّ ـ لاوتزو والقرآن في التنزيه الإلهيّ
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الدلالة |
|---|---|---|---|
| مفهوم لاوتزو المركزيّ | الطاو (道 (داو) / Dào) | الصينيّة القديمة | الطريق، الحقيقة المطلقة، الناموس الأعلى |
| المفهوم القرآنيّ المقابل | الحقّ | العربيّة | الحقيقة المطلقة، الله ذاته |
| الاسم الإلهيّ في القرآن | ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحجّ:62] | العربيّة | الحقّ اسمٌ من أسماء الله |
الطاو (道) (داو) مفهومٌ صينيٌّ فلسفيٌّ قديم علّمه الحكيم لاوتزو (604-531 ق.م تقريباً، وهو تأريخٌ تقليديٌّ مختلَفٌ فيه) في كتابه «تاو تي تشينغ» (道德經). والطاو في المعنى الحرفيّ هو «الطريق»، لكنّه في المعنى الفلسفيّ العميق «الحقيقة المطلقة التي لا توصف، الناموس الأعلى الذي يجري عليه الوجود، القوّة الكامنة في الكون». وقد عبّر عنه لاوتزو بعبارته الشهيرة التي افتتح بها كتابه: «الطاو الذي يُمكن أن يُنطق به ليس هو الطاو الأبديّ، والاسم الذي يُمكن أن يُسمّى ليس هو الاسم الأبديّ». وهذا التنزيه الأعلى يلتقي دلاليّاً مع لفظ «الحقّ» في القرآن الكريم، وهو اسمٌ من أسماء الله تعالى، كما في قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحجّ:62].
ويلتقي الطاو والحقّ في ثلاثة معانٍ يتداخل بعضها في بعض. فكلاهما يُشير أوّلاً إلى الحقيقة المطلقة التي لا يحيط بها الوصف. وكلاهما يُشير ثانياً إلى «الطريق القويم» الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان، فالطاو هو الطريق، والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الحقّ. وكلاهما يُشير ثالثاً إلى تنزيهٍ إلهيٍّ يرفض التشبيه والتمثيل، فالطاو لا اسم له، والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11].
وهذا الالتقاء يخدم ما انتهى إليه الفصل الرابع، وهو أن نقرأ في سيرة لاوتسو، ومعها سيرتا بوذا وزرادشت، صوراً ثقافية للشخصية التي ندعوها عيسى ﵇. وهذا القول أخص من أن نقول إن مصلحين ظهروا في زمن واحد. والفكرة تقوم على أن نقابل الروايات بعضها ببعض، وننظر في تواريخها وفي الطرق التي انتقلت بها، وأن نترك معاني «الطاو» في نصوصها أولاً، ثم نصلها بمفهوم الحق.
أسماء وأخبار للمقارنة
١٣. امرؤ القيس ونقش النمارة 328م ـ المسيحيّة العربيّة قبل الإسلام
وضعنا نقش النمارة هنا لأنه يطلعنا على سياق عربي سبق الإسلام. لكننا نفصل ما يدل عليه في التاريخ عما قد يقترح من مقارنات لغوية حول اسم صاحبه.
| المفهوم | الشاهد | التاريخ | الدلالة |
|---|---|---|---|
| الشاعر الملك | امرؤ القيس الكنديّ | القرن السادس الميلاديّ | شاعرٌ جاهليٌّ له صلات بالمحيط المسيحيّ |
| النقش الأثريّ | نقش النمارة | 328م | نقشٌ جنائزيٌّ لامرئ القيس بن عمرو، ملك العرب |
صاحب نقش النمارة هو امرؤ القيس بن عمرو، وتاريخ نقشه سنة ٣٢٨م، فهو غير الشاعر الكندي الذي عاش في القرن السادس. والنقش يصفه بأنه ملك العرب، ويعدد أعماله، لكنه لا يصرح بعقيدته، ولذلك يبقى القول بأنه كان مسيحياً اقتراحاً نبنيه على السياق وعلى الأخبار الأخرى.
فالذي نأخذه من النمارة هو شهادتها المباشرة على العربية، وعلى الملك العربي قبل الإسلام، ثم نضم هذه الشهادة إلى ما نعرفه من الحياة السياسية والدينية حول الجزيرة. أما أن يتقارب امرؤ القيس ومرقس في اللفظ فمسألة أخرى، لا يجيب عنها هذا النقش.
١٤. كيفا (ܟܐܦܐ) ـ بطرس الموحّد في التقليد المشرقيّ
نتناول في هذه المقارنة مكانة بطرس في التقليد المشرقي. ويتصل بها لفظ «كافة» في القرآن، لأنه يشترك مع «كيفا» في هيكل واحد من الكاف والفاء، كما بيّن الفصل السابع.
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الجذر | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| الاسم الآراميّ | ܟܐܦܐ (كيفا) (Kēpā) | الآراميّة السريانيّة | ك-أ-ف | الصخرة |
| الترجمة اليونانيّة | Πέτρος (پِتروس) (Pétros) | اليونانيّة | ـ | الحجر، الصخرة |
| النقل اللاتينيّ | Petrus | اللاتينيّة | ـ | بطرس |
«كيفا» (ܟܐܦܐ) الاسم الآراميّ الأصليّ لسمعان بن يونا، الذي لُقّب بـ«بطرس» في اليونانيّة (Πέτρος (پِتروس) = الصخرة). والجذر الآراميّ «كأفا» (ܟܐܦܐ) (كيفا) يعني «الصخرة» حرفيّاً، وهو من جذرٍ سامّيٍّ قديم ك-أ-ف. ويَرِد الاسمُ بصيغته الآراميّة الأصليّة «كيفا» (Κηφᾶς) (كيفاس) في يوحنّا ١: ٤٢، وفي رسائل بولس (غلاطية ١: ١٨، ٢: ٩، وكورنثوس الأولى ١: ١٢)، ممّا يدلّ على أنّ هذه التسمية هي الصيغة الأقدم الأقرب إلى جماعة المؤمنين الأولى في القدس.
وفي الكليمنتيات يظهر بطرس مدافعاً عن الشريعة، ويدخل في جدال مع سمعان الساحر. وقد قرأ بعض الباحثين في بعض مقاطعها تعريضاً ببولس، وهذا تعيين يقترحه البحث، ولا يصرح به كل نص. وتهمنا هذه المادة لأنها تدل على أن التراث المسيحي نفسه عرف من داخله نزاعاً على تفسير الرسالة وعلى السلطة.
ونرى في هذا التقليد البطرسي المشرقي وجهاً من وجوه حفظ الشريعة، وحفظ الذاكرة النبوية التي اتسع المسار البولسي والنيقاوي على حسابها. ثم نصل «كافة» العربية بـ«كيفا» الآرامية: فالحركات بين الكاف والفاء تتعاقب من لهجة إلى لهجة ومن زمن إلى زمن، والمعنى باق، وهو جماعة تقوم على أساس ثابت، ومنه جاء اسم الكوفة، كما في الفصل السابع.
١٥. تنوخ (القبيلة) وتناخ (תנ״ך) (تَناخ) ـ اسمٌ واحد للاتّحاد
«تنوخ» و«تناخ» اسمان حروفهما في السمع واحدة: الأول اسم قبائل اتحدت فضمّها اسم واحد، والثاني اسم ثلاث مجموعات ضمّها كتاب واحد: توراة، نبيئيم، كتوبيم. فكلاهما اسم اتحاد في واحد.
| المفهوم | اللفظ | اللغة | الدلالة |
|---|---|---|---|
| القبيلة العربيّة | تنوخ | العربيّة | قبائل عربية مسيحية تحالفت «على التنوخ، وهو المقام»، فضمّها اسم واحد في العراق والشام |
| المصطلح العبريّ | תנ״ך (تَناخ) (Tanakh) | العبريّة | اسم الكتاب الجامع لأقسامه الثلاثة، نشأ في مدارس فومبديثا وسورا، دار تنوخ في الأنبار والحيرة |
كان للتنوخيين حضور مسيحي في العراق والشام. أما «تناخ» فاختصار للتوراة والأنبياء والكتابات. وقد نزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة، وهناك قامت مدرستا فومبديثا وسورا، وفي علمهما نشأ هذا الاختصار. ثم إن الاسمين يجمعهما جذر سامي معناه المقام والوديعة المحفوظة، كما بيّن الفصل التاسع.
والمقارنة تعيدنا إلى المحيط الذي عاشت فيه الجماعات العربية واليهودية والمسيحية، فتجاورت ألفاظها وتقاليدها، ونرى فيه كم كانت الحياة الدينية كثيفة قبل البعثة. والاسمان يلتقيان من أربع جهات، هي أساس الصلة بينهما: يلتقيان في الصوت، وفي معنى الاتحاد، وفي الجذر الذي تقول به التوراة «واستقرّ الفلك» (التكوين ٨: ٤)، وفي الأرض التي جمعت علماء التناخ وقبائل تنوخ.
المعجم وسؤال الكتاب
سلكنا في هذا المعجم مسالك متجاورة: فمرة نتتبع القرابة اللغوية، ومرة نبحث عن المناسبة بين الاسم والوظيفة، ومرة نقارن في الرمز. وهذه المسالك تنفع ما دام كل واحد منها واضحاً، فيعرف القارئ متى نترجم لفظاً، ومتى نعرض قراءتنا له.
فالفرق بين عيسى ﵇ ويسوع ركن من أركان الكتاب في قراءة الهوية، وما قرأناه في الاسمين من معنى الحياة ومعنى الخلاص يزيد هذا الفرق معنى، ويقوم إلى جانبه التاريخ الذي يفصل به الكتاب بين الشخصيتين.
وحين نقابل المسيح بالمسيخ فإنما نصف أصلاً يعود، وتشويهاً ينكشف. ولا نتحدث عن جسد ينزل ليكسر صورة بيده، وإنما عن معرفة تردّ الصورة إلى ميزان الحقيقة.
ولافتة الصليب نترجمها أولاً كما هي، ثم ننظر في موقعها من البناء العقدي. أما أن يستخرج الاسم الإلهي من أوائل كلمات عبرية صيغت من جديد، فأمر لا يثبت به نص اللافتة الأصلية، ولذلك لا نعتمد عليه في الحجة.
أما مداخل النصارى والأبيونيين والحواريين فتصل اللغة بالجماعة، وبالطريق الذي تحمل به الذاكرة. فاسم الجماعة يصف وظيفتها، وأخبارها وتعاليمها وتاريخها تؤيد هذا الوصف.
وفي هذا المعجم مفاتيح يرجع بها القارئ إلى مواضع الحجة، فينتقل من الاسم إلى الجذر، ومن الدلالة إلى الاستعمال، ثم إلى الخبر والمكان. وقد فتحت هذه الكلمات أسئلة لا تظهر لمن يقرأ الترجمة المتداولة وحدها، فإذا راجعناها على أصولها اتسعت معرفتنا بتاريخ الرسالات وبطرق روايتها.
ونحن نرى في العروبة ذاكرة حفظت معاني أقدم من الحدود الحديثة بين اللغات والثقافات. ونبحث عن هذه المعاني بأن نرد الأسماء إلى صورها وشواهدها، ونميز ما تغير منها بالنقل مما اختلف بين أطوار اللسان. وكلما سمعنا النص القديم على وجه أوضح، صرنا أقدر على أن نسترد المعنى الذي نطلبه.
وتكمل المداخل الآتية مفاتيح المكان والرجوع والقطع.
١٦. ثنية الوداع وبنو النجار: المقدَم من جهة الشمال
حفظت الذاكرة استقبال أهل يثرب للنبي ﷺ بالنشيد والدف. ومرّ ﷺ بجوارٍ من بني النجار يضربن بدفّهن ويقلن: «نحن جوار من بني النجار، يا حبذا محمد من جار» (ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الغناء والدف، ١٨٩٩، عن أنس، وصحّحه العراقي في «محجة القرب» والألباني في «صحيح ابن ماجه»). ويروي البيهقي من طريق ابن عائشة أن النساء والصبيان والولائد جعلن يقلن: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع… وجب الشكر علينا ما دعا لله داع» (دلائل النبوة ٢/٥٠٦–٥٠٧)؛ وإسناده معضل عند العراقي وابن حجر، والنشيد مستفيض في كتب السيرة.
وثنيات الوداع في شمال المدينة على طريق الشام. قال ابن القيم في خبر الرجوع من تبوك، بعد أن ساق النشيد: «وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام» (زاد المعاد ٣/٥٥١). وفي صحيح البخاري، في كتاب المغازي، أن السائب بن يزيد خرج مع الغلمان إلى ثنية الوداع يتلقون النبي ﷺ مقدمه من غزوة تبوك. فالنشيد يحيّي قادماً من الشمال، من الطريق التي تصل يثرب بتيماء ثم ببابل. وهي الطريق التي تذكرها مسلة نبونيد في حران: «على الطريق إلى تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، حتى يثرب؛ عشر سنين تنقلت بينها»، وتذكر موسوعة بريتانيكا أنه نظّم في تيماء ولاية عربية بمعونة مرتزقة من اليهود. و«البدر» في النشيد علامة العلي في السماء، والعلي هو الذي عظّمه نبونيد باسم سين، وقرأنا في بيته بحران «بيت الهلال والتهليل». أما «ما دعا لله داع» فيجعل الفرح متجدداً مع كل داعٍ إلى الله، فالنشيد استقبال يتكرر لكل من يحمل الدعوة.
ونقرأ في «بني النجار» اسم جماعة تنتسب إلى النجار، اللقب الذي تحمله الأناجيل ليسوع: «النجار» في مرقس ٦: ٣، و«ابن النجار» في متى ١٣: ٥٥، وهو في الآرامية السريانية ܢܓܪܐ (نَگّارا). وفي التلمود البابلي يُكنى عن العالم القادر على حل المسألة العسيرة بـ«النجار ابن النجار» (عبوداه زاراه ٥٠ب)، ويشرحه راشي بالعالم ابن العالم. ويروي ابن سيرين أن جدهم تيم اللات سُمّي النجار لأنه «اختتن بقدوم» (ابن عبد البر، الاستيعاب، ترجمة أبي بن كعب)، وبالقدوم اختتن إبراهيم ﵇ في حديث البخاري (٣٣٥٦). فيجمع الاسم سنة الختان الإبراهيمية ولقب العالم والمعلم.
ونقرأ بني النجار طريقةً من أتباع النجار على مثال الرهبنات المسيحية اللاحقة، كما تُسمّى اليسوعية «جمعية يسوع»: جماعة تسلك طريق صاحبها وتنتسب إليه، وقد يكون لها دير تجتمع فيه على العبادة والتربية، والدير لا عيب فيه، وأهلها مع ذلك يتزوجون ويتوارثون النسب. وبناتهم جوقة تنشد لكل داع جديد إلى الله. ولهذه الجوقة نظير في الكنيسة السريانية: «بنات العهد» ܒܢܬ ܩܝܡܐ (بْنات قْياما)، جوقات النساء المكرسات التي ينسب التقليد السرياني إنشاءها إلى أفرام، وتؤدي التسبيح في الكنائس (سوزان أشبروك هارفي، «Revisiting the Daughters of the Covenant»، Hugoye 8.2، ٢٠٠٥). وهذه الجماعات من الزهاد والعباد حلقات أسبق في الخط الذي تسير عليه الطرق الصوفية. وفي بني النجار، أخوال عبد المطلب، نزل النبي ﷺ، وعلى أرضهم قام مسجده؛ والنسب الذي يرويه أهل الأنساب يقوم إلى جانب هذا المعنى، فيجمع الاسم النسب والطريق.
جذورُ الرجوع والقطع: مفاتيحُ ثلاثة
وممّا بَرز في فصول هذا الكتاب الأخيرة ثلاثةُ جذورٍ تَستحقّ أن تُفرَد في هذا المعجم:
ح-و-ر
يأتي الجذر ح–و–ر بمعنى الرجوع، كما في ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤)، ويأتي كذلك في حقل البياض. ونحن نجمع المعنيين حين نقرأ في الحواريين صفاءهم وأوبتهم ونصرتهم. ثم نقارن اسمهم بحوران وحران والحيرة، وهي مواضع متمايزة، فننظر فيما بينها وبين اسم الجماعة من صلات، ونضع ذلك إلى جانب المقارنة الروحية.
هـ-و-د
نقرأ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) بمعنى الرجوع والتوبة، ونستحضر هذا المعنى في «الذين هادوا». لكننا نميزه من الهوية المؤسسية كما تكونت في التاريخ. فقد تستقر التسمية ويبقى لأصحابها نصيب من معنى الأوبة، وقد يضعف هذا النصيب، ولا يعرف ذلك من صيغة الاسم وحدها، وإنما يعرف من حياة الجماعة وتعاليمها.
ج-ز-ر
أصلُ «ج-ز-ر» عند ابنِ فارسٍ هو القطعُ؛ ومنه الجَزّارُ الذي يَقطعُ، والقَطعُ نفسُه، والجزيرةُ لأنّ الماءَ قطَعها وفصَلها عمّا حولها. وهذا المعنى عينُه يجري في الأخواتِ: ففي العبريّةِ «גְּזֵרָה (گِزيراه)» (gezerah) أرضُ القطعِ والانفصالِ، كما في «أرض الجَزَرة» (لاويّين ١٦:٢١-٢٢) حيث يُحمَلُ الذنبُ إلى أرضٍ مقطوعةٍ منبتّةٍ، وفي حزقيال ٣٧:١١ «נִגְזַרְנוּ (نِگزَرنو)» (nigzarnū) «انقطعنا» على لسانِ القومِ الذين قالوا انبتَّ رجاؤنا. ومن هذا الأصلِ نفسِه «الجزيرة» (بالسريانيّة Gazartā) أعالي الرافدين، وقد بسَط إدوارد ليبينسكي هذه المقابلةَ في Aula Orientalis ١٧/١٨. قراءةُ الكتاب: فأرضُ المنفى في صورتِها الأولى أرضُ قطعٍ وجَزْرٍ، والعودةُ نقضٌ لذلك القطعِ.
ملحق ٤: المجامع المسكونيّة السبعة ـ كيف بُنيت العقيدة طبقةً فوق طبقة
مدخل
تقدم الكنائس المجامع على أنها بيان لعقيدة موروثة، أما هذا الكتاب فيلتفت إلى ما صنعته المجامع: فقد وضعت صيغة رسمية ملزمة، واختارت للإيمان لغة واحدة من بين لغات تتنازع. صحيح أن كثيراً من الأفكار أقدم من المجامع، لكن تقرير ما يجوز تعليمه، ومن يُعترف به، ومن يُقصى، هو الذي غيّر حياة الجماعات ومصير كتبها. وعلى هذا المعنى ندرس بناء العقيدة الرسمية، فنسأل: ما الذي اختير؟ وكيف صيغ؟ وبأي سلطة صار هو الصوت الغالب؟
وهذا الملحق يكمل جدول الفصل الثالث عشر، فيتابع كيف أثر التقنين والسلطة في الاعتقاد، ثم نقرأ فيه ما حفظه المختلفون أنفسهم. فبعضهم قد يقرّب اعتراضه من معنى التوحيد، وبعضهم قد يقع خلافه داخل إيمان مشترك بألوهية المسيح، ولذلك نفصّل كل حالة حتى نعرف وجه المقارنة فيها.
يُقرأ هذا الملحق مع جدول المجامع السبعة في الفصل ١٣. فهناك يجد القارئ الصورة الكاملة في صفحةٍ واحدة مرتّبةً في جدول، وهنا يجدها مشروحةً في أربعة وجوهٍ متّصلة.
من الخلاف إلى الاعتقاد الملزم
في سنة ٣٢٥ أقر مجمع نيقية أن الابن مساو للآب في الجوهر، وكان يواجه بذلك آريوس، الذي أثبت للابن مقاماً سابقاً على العالم، ولم يجعله مساوياً للآب في الأزلية. ثم جاء قانون القسطنطينية سنة ٣٨١ فوسع القول في الروح القدس. وبعدهما تناول أفسس وخلقيدونية الصيغ التي يوصف بها اتحاد الألوهية والبشرية. وهكذا كانت المسائل تتتابع وتتغير، وفي كل مرحلة يتحدد من جديد ما يقبل من القول.
والذي ننقده هو هذا التحول: أن تصير صيغة مخصوصة في فهم النص شرطاً للانتماء، ثم تقترن بالعقوبة السياسية. وقد يكون المختلفون صادقين في طلب المعنى، لكن الدولة إذا رجحت أحدهم بالقوة غيرت شروط البحث نفسه. وعندئذ يصير تاريخ الفكرة تاريخاً أيضاً لمن قدر على فرضها، وعلى حفظ كتبها، وإقصاء من ينازعها.
دور الحكم في القرارات
دعا قسطنطين إلى نيقية، وكان همه وحدة الإمبراطورية بعد ما مرت به من صراع سياسي وديني. ودعا ثيودوسيوس الأول إلى مجمع ٣٨١، وكان ذلك بعد مرسوم تسالونيكي سنة ٣٨٠ الذي أيد الإيمان النيقاوي. فالحكم والاعتقاد متداخلان في هذه الوقائع، غير أن الجدل اللاهوتي كان أسبق من القرارات، وظل يصاحبها، ولم يمحه هذا التداخل.
وكذلك كان أفسس مرتبطاً بسياسة البلاط وبتنافس الكراسي الكنسية، أما خلقيدونية فانعقد في عهد مارقيان، بعد أن تغيرت موازين السلطة. فما صار قانوناً للعقيدة مرّ أيضاً بشروط تاريخية ومؤسسية، يدرسها الباحث في محاضر المجامع وفي رسائل أطرافها.
ومن مراسلات كيرلس الإسكندري رسالة تحفظ قائمة بالهدايا التي أرسلها بعد مجمع أفسس إلى رجال البلاط في القسطنطينية، وهي الرسالة ٩٦ في مجموع رسائله، ومعها رسالة رئيس شمامسته إبيفانيوس. وقد درس فولكر منتسه هذه المراسلات في بحث بعنوان «بركات ورشى وأساقفة» (٢٠٢٢). فالمال والنفوذ كان لهما نصيب في ترجيح الصيغة.
ونضع هذا التاريخ إلى جانب التحذير القرآني من اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، ونسأل: أين يتجاوز تفسير البشر منزلته فيصير ملزماً كالوحي؟ وفي محاضر كل مجمع وأخباره نرى كيف تحقق هذا المعنى في واقعه.
المهزومون أقرب إلى التوحيد
ونرى أن كثيراً من الأصوات التي غلبتها المؤسسة حفظ وجوهاً أقرب إلى أصل التوحيد. فآريوس اعترض فرفض المساواة في الجوهر، وإن أثبت للابن مقاماً سابقاً للعالم. والذين اختلفوا في الروح جاؤوا بصيغ أخرى، ولم يتفق أصحابها في سائر الاعتقاد. فإذا حددنا ما رفضه كل طرف وما أثبته، ظهر لنا ما تدل عليه مقاومته.
وكنيسة المشرق شددت على بشرية المسيح، وهي مع ذلك تؤمن بألوهيته. ومعارضو الأيقونات طرحوا سؤالاً آخر عن الصورة والتكريم، وبقيت أصول الاعتقاد المسيحي عند الفريقين. وفي الدوافع التي حملت هؤلاء على التنزيه، وفي تعليمهم، نطلب ما بقي من أثر الرسالة الأولى.
وهذه المادة توسع صورتنا للماضي، فلا نرى منه المذهب الذي غلب وحده. فقد حفظ المختلفون أسئلة وقراءات، في بعضها ما يعين على استعادة أثر الرسالة التي نراها أقدم من الصيغ المتصارعة جميعاً.
القول على الله بغير علم
في آل عمران ٧٨ والبقرة ٧٩ يفصل القرآن بين كلام الله وما ينسبه البشر إليه. وهذا الفرق نستحضره كلما رأينا تفسيراً يتحول إلى قانون اعتقاد، فنسأل: ماذا قال النص؟ وماذا حمله الشرح؟ ثم نتتبع الأخبار، فتدلنا على أصحاب الصيغ، وعلى الطريقة التي اكتسبت بها سلطانها.
وفي قوله تعالى ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: ١٧١) معيار ننقد به التأليه. ونقرؤه ونحن نعلم أن الكنائس أقرت بشرية المسيح أيضاً، وإنما اختلفت في اتحادها بألوهيته. فالذي نناقشه هو أن يضاف إليه المقام الإلهي، وما يعنيه ذلك كما شرحه أهل كل مذهب.
ما يغيره الإلزام في مصير النص
في تاريخ المجامع نرى معاني كانت موضع نزاع تتحول إلى قوانين ترسم حدود الجماعة. فإذا اتصلت هذه القوانين بالدولة، صار الخلاف يؤدي إلى النفي والمصادرة والصراع، وإن تفاوت ذلك من عصر إلى عصر ومن حاكم إلى حاكم. لذلك كان فهم تاريخ السلطة شرطاً لفهم النصوص التي بقيت والتي ضاعت.
وفي هذا نقرأ الوجه العقدي من البناء المؤسسي لفتنة الدجال: أن تحجب صيغة مفروضة أصل الرسالة، ثم تمنع الإنسان من مساءلتها. أما وجهه الآخر، وهو الوجه الحضاري، فيفصله الفصل الحادي والعشرون. والقراءة القرآنية التي ينطلق منها الكتاب تعيد المسيح إلى مقام العبودية والرسالة، وتحفظ له مع ذلك أنه كلمة من الله وروح منه، وتصون لغة الروح العالية في موضعها.
ملحق ٥: الخطّ المقموع ـ أصواتُ الموحّدين التي لم تخمد
مدخل
حفظ التاريخ الكنسي المنتصر جانباً واسعاً من تراث خصومه، لأنه نقل أقوالهم في ردوده عليهم. فإذا أردنا أن نسمع تلك الأصوات، قرأنا الردود إلى جانب ما نجا من نصوص الجماعات نفسها، وفرّقنا بين ما يقوله الخصم في عقيدة غيره وما يقوله المرء في عقيدته. وحين نستعيد الأصوات المغلوبة على هذا النحو تتسع أمامنا صورة المسيحية الأولى وما جاء بعدها، فلا تُختزل في مذهب واحد مضى بلا خلاف.
عرض الفصل الخامس عشر جماعات اختلفت مواقفها من التأليه ومن السلطة الكنسية. وفي هذا الملحق نجمع ما يصل بين تجاربها: كيف قاومت الإلزام، وكيف لقيت القمع، ونبقي مع ذلك على الفروق بين اعتقاداتها. ذلك أن القرابة بينها في سؤال التوحيد تجري في طريقين معاً، كما يبين جدول ذلك الفصل: فجماعة ترث التوحيد موصولاً عن جماعة أقدم منها، وجماعة أخرى تعود في زمن لاحق إلى النصوص نفسها فتستعيده منها.
يُقرأ هذا الملحق مع الفصل ١٥ (خريطة الجماعات الموحّدة المقموعة)؛ فالخريطة والجدول في المتن، والتعمّق المعرفيّ في هذه الصفحات.
خيط التوحيد عبر القرون
ظل السؤال عن تأليه المسيح يعود جيلاً بعد جيل، من الأبيونيين إلى رافضي الثالوث في عصر الإصلاح. ولم يكن الذين طرحوه على رأي واحد، فالآريوسيون غير الأبيونيين، والبوليقانيون والكاثار دخلت في أخبارهم مسائل أخرى، كالثنوية والموقف من العالم المادي. فإذا فصّلنا هذه الفروق تبيّنت لنا وجوه المعارضة المختلفة، وعرفنا ما استند إليه كل وجه منها.
وترجع هذه الخريطة إلى النصوص التي رجع إليها المختلفون، وإلى المعاني التي فهموها منها، فترينا كيف خرجت من التراث الواحد قراءات متباينة. ثم إن الاعتراض لم يكفّ عن التجدد، ونحن نرى في تجدده شاهداً على أن الأصل النبوي يمكن أن يُستعاد، وعلى أن سؤال العلاقة بين الله والمسيح بقي حياً بعد كل صياغة رسمية.
جغرافيا التوحيد: الأطراف في مواجهة المركز
كان المشرق قريباً من الألسن التي حملت الرسالة ومن بيئاتها، وفيه حفظت جماعات أخبارها: حفظها الأبيونيون في شرق الأردن والشام، والمندائيون في أرض الرافدين، وحفظتها أديرة الحيرة التي ورثت الكوفة شيئاً من حياتها، وجزيرة العرب التي نقرؤها جزيرة التوحيد. لكن المشرق نفسه كان موطن مدارس كبرى صاغت لاهوت التأليه، كما عرفت البلاد الغربية من جهتها معارضين له. لذلك نتتبع الجغرافيا من جهة الطرق التي تعلّم بها الناس، وانتقلت بها الأفكار، واستقلت بها الجماعات، لنرى كيف عملت الأفكار في المراكز وفي الأطراف.
والمعنى إذا انتقل من لسان إلى لسان ومن بلد إلى بلد تغيّر، وقد يُعاد تنظيمه حتى يقوم في بناء جديد. وهذا ما نقرؤه عند بولس، في مضمون رسائله، وفي أثرها، وفيما أُلحق بها: فقد انتقل فيها خبر المسيح إلى بناء جديد، جعل الموت والقيامة مركزاً يُفسَّر به الخلاص.
الإقصاء وأثره في الذاكرة
وفي عدد من هذه الصراعات يتكرر مشهد واحد: يُوصم المخالف في دينه، فتقصيه المؤسسة، وتعاقبه السلطة السياسية. وتختلف الطرق إلى ذلك، فقد تسبق المناظرةُ القرارَ، وقد يستند ملك إلى جماعة ثم ينقلب عليها من يخلفه. لذلك ندرس كل حالة في تاريخها، ثم نستخلص النمط الذي يجمعها، وهو أن المؤسسة قادرة على أن تجعل الخلاف في الفهم خطراً على حياة المختلف، وعلى مكانه، وعلى كتبه.
ثم اختلّت الذاكرة نتيجة لذلك، فصار يصلنا من كتب المنتصر أكثر مما يصلنا من كتب المهزوم. وقد أعادت المكتشفات شيئاً من التوازن، لكنها لا تحمل كلها عقيدة توحيدية واحدة، فما وُجد في قمران ونجع حمادي ومخطوطات الكنائس مواد شديدة التنوع. وإنما فائدتها أنها تُسمعنا التاريخ بأصوات أكثر من الصوت الذي استقر له السلطان.
ومن أمثلة ذلك إنجيل باسم برنابا عُرف عنوانه في العصور القديمة المتأخرة، ثم رُفض. فهو مذكور في «المرسوم الجلاسي» بعبارة Evangelium nomine Barnabae apocryphum، أي «إنجيل باسم برنابا، منحول»، ومذكور في «قائمة الكتب الستين» باسم «الإنجيل بحسب برنابا». فقد كان العنوان متداولاً، وكان محظوراً، ولم يبق من نصه شيء معروف. أما النص الإيطالي الذي يتداوله الناس اليوم بهذا الاسم فمتأخر، كُتب في القرن السادس عشر أو نحوه، فلا يُستشهد به على أنه نص قديم.
الإسلام: العودة الكبرى للخطّ المقموع
نزل القرآن في بيئة تعرف الجدل الديني، وللعرب فيها صلات بالكنائس، فخاطبها بدعوة إلى التوحيد نقرؤها استمراراً لرسالة الأنبياء، وتصحيحاً لما دخل على فهمها. أما استجابة الناس لهذه الدعوة فجاءت على مدى تاريخ طويل من التحول. فقد يدخل إقليم تحت حكم جديد، ويعتنق سكانه ديناً جديداً، والأمران متصلان، وقد يختلف زمن كل منهما وإيقاعه.
ويرسم فريد دونر في «محمد والمؤمنون» (Muhammad and the Believers، 2010) الحركة الأولى حركةَ believers، أو «مؤمنين»، ضمت يهوداً ومسيحيين، قبل أن تستقر الحدود بين الجماعات على شكلها اللاحق. ونحن نصل هذه القراءة بما عرضه الكتاب من إحياء الأصل النبوي، إذ عادت الدعوة إلى التوحيد، وعاد مقام عيسى ﵇ يُبيَّن بعيداً عن التأليه. وفي ﴿قُل هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] نقرأ الأصل الذي تجتمع عليه الرسالات، ويُصحَّح به ما دخل على فهمها.
عودة الأصوات إلى التاريخ
أردنا بهذه الخريطة أن نعيد المختلفين إلى التاريخ بأسمائهم وأفكارهم، وأن نبين ما لقيته أصوات من التوحيد من قمع. فإذا عادوا إليه ظهرت الأسئلة التي ظلت تتجدد، وبدا الماضي أكثر تنوعاً مما توحي به رواية المذهب الغالب وحده.
وتتصل هذه الأسئلة في كتابنا بالرسالة المحمدية، التي جددت معرفة الله، وصححت صورة المسيح، وفتحت طريق التزكية والعلم. فالتوحيد الذي يعنيه الكتاب أقدم من المؤسسات التي تنازعت تمثيله، وأصوات المختلفين تضيء لنا ما بقي من أثره.
ملحق ٦: دراسات حاورها الكتاب
المقدمة
نشأت فكرة هذا الكتاب من قراءة القرآن واللسان العربي، ثم التقت في طريقها بدراسات تناول أصحابها أجزاء من الأسئلة نفسها. ونذكر هنا أسماءهم، والمواضع التي أفدنا فيها منهم، اعترافاً بفضلهم فيما حققوه وفيما فتحوه للبحث، ثم نبين الطريق الذي سلكه الكتاب بعد ذلك حين جمع هذه الأجزاء وقارن بينها.
جدول الدراسات
| الباحث | التخصص | الحقبة | إسهامُه | نوع الصلة |
|---|---|---|---|---|
| أ. تحقيقات أفدنا من موادّها | ||||
| Hans-Joachim Schoeps | تاريخ المسيحية اليهودية | 1949 | دراسة رائدة في تاريخ المسيحية اليهودية وامتدادها إلى الإسلام، يستفيد منها الكتاب في تتبع الأبيونيين الذين عرفوا المسيح الحق. | تحقيق أفدنا من مادته |
| Shlomo Pines | دراسات يهودية | 1966 | «The Jewish Christians of the Early Centuries of Christianity According to a New Source» نصوص مسيحية يهودية في «تثبيت دلائل النبوّة» للقاضي عبد الجبّار | تحقيق أفدنا من مادته |
| Paul-Alain Beaulieu | الدراسات البابلية | 1989 | «The Reign of Nabonidus, King of Babylon» بحث أكاديمي شامل عن نبونيد | تحقيق أفدنا من مادته |
| Robert Eisenman | دراسات الكتاب المقدس | 1997 | «James the Brother of Jesus» دراسة معمقة عن يعقوب البارّ أخي يسوع والتقليد اليهودي-المسيحي | تحقيق أفدنا من مادته |
| Bart Ehrman | دراسات لاهوتية | 2014 | «How Jesus Became God» شرحٌ علمانيٌّ لكيف صار يسوعُ إلهاً عند أوائل أتباعه | تحقيق أفدنا من مادته |
| François de Blois | دراسات اللغويات السامية | 2002 | «Naṣrānī and Ḥanīf» تحليل لغوي دقيق لكلمة «نصارى» | تحقيق أفدنا من مادته |
| Todd Lawson | دراسات القرآن | 2009 | «The Crucifixion and the Qur'an» تحليل قرآني عميق لآيات الصلب | تحقيق أفدنا من مادته |
| Christian Julien Robin | الأثريات والنقوش | 2004+ | دراسات أثرية عن حِمْيَر والمسيحية العربية القديمة | تحقيق أفدنا من مادته |
| ب. أسئلة قريبة وإطار مختلف | ||||
| G.R.S. Mead | علم اللاهوت المسيحي | 1903 | «Did Jesus Live 100 B.C.?» فرضية تأريخ يسوع بنحو قرن قبل الميلاد من أخبار التلمود و«تولدوت يشو»؛ ويضع الكتاب عيسى ﵇ في القرن السادس قبل الميلاد | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| Kamal Salibi (كمال الصليبي) | التاريخ ـ الجامعة الأمريكية في بيروت | 1985-1988 | «The Bible Came from Arabia» و«Conspiracy in Jerusalem» التمييز بين عيسى النبيّ ﵇ ويسوع الإنجيل، مع نقل الجغرافيا التوراتيّة إلى عسير وجنوب الحجاز | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| M. M. Mansur (م. م. منصور) | باحث في قراءة النصوص العبرية | ٢٠٢٤–٢٠٢٦ | The Mecca Bible، The Messiah of Mecca، وتوراة مكة والنبي المنتظر: قراءات للألفاظ والأخبار يستفيد منها الكتاب انتقائياً. | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| الدكتور محمد شحرور | الهندسة المدنيّة ـ جامعة دمشق | 1990 | «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» قراءةُ ألفاظ التنزيل مصطلحاتٍ دقيقةً لا مترادفات، والتفريقُ بين الكتاب والقرآن وبين الإنزال والتنزيل | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| Hyam Maccoby | دراسات يهودية | 1986 | «The Mythmaker: Paul and the Invention of Christianity» بولس كمبتدع لديانة جديدة | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| Fred Donner | دراسات الإسلام المبكر | 2010 | «Muhammad and the Believers» نظرية عن الحركة الموحدة المبكرة (المؤمنين) | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا | التفسير الإسلامي | 1905-1935 | التفسير العقلاني للقرآن في «تفسير المنار»، والردّ على المستشرقين | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| الأستاذ سعيد أيّوب | الدراسات الإسلامية | 1987+ | «المسيح الدجّال» فرضيّة إسلاميّة عن الدور الدجّاليّ لبولس وما تلاه | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| الدكتور عبد الوهّاب المسيريّ | دراسات حضارية | 1999+ | «موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة» (1999)، و«العلمانيّة الجزئيّة والعلمانيّة الشاملة» (2001) | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| الشيخ عمران نذير حسين | علم أشراط الساعة | 2002+ | «Jerusalem in the Qur'ān» (2002)، و«An Islamic View of Gog and Magog in the Modern World» (2009) نظريّة نقديّة للدجّال موصولةٌ بالجغرافيا القرآنيّة | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| Mustafa Akyol | دراسات إسلامية | 2017 | «The Islamic Jesus» قراءة شعبية عن صورة يسوع في الإسلام | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
| Édouard-Marie Gallez | دراسات الأديان | 2005 | أطروحة في الصلات بين المسيحية اليهودية ونشأة الإسلام؛ لا يتبنى الكتاب نتائجها جميعاً. | أسئلة قريبة وإطار مختلف |
موقعُ الكتاب من هذه الأعمال
طرح G. R. S. Mead في «Did Jesus Live 100 B.C.?» (١٩٠٣) سؤالاً جريئاً: هل للمسيح تاريخ أقدم مما تعارف عليه الناس؟ وقد أفادتنا جرأة سؤاله، لكننا نجيب عنه بمادة أخرى وتأريخ مختلف. فنحن نميز عيسى القرآني ﵇ من يسوع القرن الأول، ثم نقرؤه في سجل نبونيد، آخر ملوك بابل في القرن السادس قبل الميلاد. فطريقنا يفترق عن طريقه في المصدر الذي نرجع إليه، وفي الطريقة التي نطابق بها.
وميّز الصليبي بين عيسى ﵇ ويسوع، وكان ذلك عنده جزءاً من قراءته لجغرافية النصوص، ثم طوّر محمد منصور مشروعه الخاص في كتب منها The Messiah of Mecca و«توراة مكة والنبي المنتظر». وقد أفدنا منهما لأنهما فتحا سؤال الهوية، ولما جمعاه من مادة الأسماء والأخبار. أما تعييننا لنبونيد فيقوم على طريق آخر، يصل القرآن بالسجل البابلي وبتيماء. فنحن نأخذ من الصليبي ومنصور أسئلتهما وأخبارهما، ونترك جغرافيتهما.
وتظهر فائدة منصور في العمل حين يدعو إلى مراجعة لفظ عبري، أو يستخرج خبراً غاب عن القراءة المعتادة. من ذلك ما أورده من أخبار التابوت وعيسى ﵇ وكعب بن لؤي («توراة مكة والنبي المنتظر»، ص ٢٩٤–٢٩٥ و٣٤٧)، وصورة يشوع الكاهن في زكريا ٦ (ص ٣٤٤–٣٤٥)، وقراءته الأسماء صفاتٍ ووظائف. وقد رجعنا نحن إلى خبر التابوت في «التيجان»، فقابلناه بخبر «الإكليل»، ثم وضعناه إلى جوار ما فعله نبونيد حين استرجع آثار السابقين. فما أخذناه من منصور مادة للبحث، أما تفسيره للنور والروح وتعيينه للأمكنة فلا ننقلهما إلى هذا الكتاب نتيجةً جاهزة.
واهتم محمد شحرور، في القراءة العربية الحديثة، بالفروق بين ألفاظ التنزيل. ونحن نلتقي معه في أن دلالة اللفظ تستحق النظر، ثم نمضي في التأويل الروحي والتاريخي على الوجه الذي عرضه هذا الكتاب.
ولكل واحد من هؤلاء سؤاله ومادته. فشوبس درس المسيحية اليهودية، وشلومو باينز نشر مادة «تثبيت دلائل النبوة»، وآيزنمان بحث صلة يعقوب البار بنصوص قمران، ومكوبي جعل بولس مؤسس المسيحية الجديدة. ونحن نأخذ من أعمالهم الشواهد والمناقشات التي تخص موضوع كتابنا، ثم نصل بعضها ببعض على القراءة التي نقدمها.
أما Paul-Alain Beaulieu فقدّم في «The Reign of Nabonidus, King of Babylon» (١٩٨٩) دراسة من أوفى ما كُتب عن نبونيد، تناول فيها وثائق عهده، وإصلاحه الديني، وإقامته في تيماء. ثم عاد في «Nabonidus the Mad King» (٢٠٠٧) فنظر من جديد في صورة «الملك المجنون»، وقارن في بحثه صلاة نبونيد بقصة دانيال ٤، وتتبّع ذاكرة نبونيد القائمة خلف اسم نبوخذنصر. ويَقرأ الكتابُ سِجلَّ بابلَ وذِكرَ القرآن ذاكرتَين لشخصٍ واحد.
وحلّل François de Blois في «Naṣrānī and Ḥanīf» (٢٠٠٢) خلفية اللفظين نصراني وحنيف، ونشر Christian Julien Robin ما تشهد به نقوش حمير على الحياة الدينية قبل الإسلام. فالدراسة الأولى نرجع إليها في تاريخ الأسماء، والثانية في معرفة ما حفظه الحجر، وبهما معاً نقرأ صلة اللسان بالجماعات التي حملته.
ومن الدراسات الأحدث ما كتبه إرمان في تاريخ التصورات عن مكانة يسوع، وما كتبه دونر في تشكّل جماعة المؤمنين، ولوسن في تفسير آية الصلب، وما عرضه أكيول من صورة المسيح في الإسلام. وقدّم غاليه فرضية خاصة به عن صلات المسيحية اليهودية بالإسلام. ولكل عمل من هذه الأعمال موضعه في الكتاب. أما تعيين عيسى ﵇ بنبونيد فقراءة ينفرد بها الكتاب، ويقيمها على سجل بابل وتيماء وعلى ذكر القرآن.
وأفدنا كذلك من محمد عبده ورشيد رضا في تجديدهما النظر، ومن سعيد أيوب في بحثه عن الدجال، ومن المسيري في نقده للحضارة الحديثة، ومن عمران حسين في قراءاته لأشراط الساعة. وقد بيّنا في الفصول مواضع هذه الإفادة، وبيّنا معها فهمنا الخاص للعودة، وللعلم والتقنية، ولغاية القدرة الإنسانية.
أولئك إذن من حاورهم الكتاب، وهذا ما أضافته دراساتهم إلى مادته. أما المطابقة بين عيسى ﵇ ونبونيد، وما تبعها من إعادة قراءة الذاكرة والأسماء والجغرافيا على أساسها، فهي ما يضيفه هذا الكتاب.
ملحق ٧: كشّاف المصطلحات المفتاحيّة
جمعنا في هذا الكشاف المصطلحات التي يكثر الرجوع إليها، وبيّنا معنى كل منها في سياق الكتاب، ولا سيما ما يحتاج منها إلى شرح، أو ما نستعمله على وجه يختلف عن المألوف.
المصطلحات اللاهوتية والعقدية
| المصطلح | بالإنجليزية/اليونانية | التعريف في سياق الكتاب |
|---|---|---|
| هوموأوسيوس | ὁμοούσιος (هوموأوسيوس) (Homoousios) | «مساوٍ في الجوهر» الصيغة التي أقرّها مجمع نيقية (325م). وصف علاقة المسيح بالآب. حجر الأساس في عقيدة الثالوث |
| هوموئوسيوس | ὁμοιούσιος (هومويوؤوسيوس) (Homoiousios) | «مشابه في الجوهر»؛ صيغة تيار من خصوم الصيغة النيقاوية، ويسمّيهم خصومهم ومؤرخو العقيدة «أنصاف الأريوسيين». |
| ثيوتوكوس | Θεοτόκος (Theotokos) | «والدة الإله»؛ أقر أفسس (٤٣١م) استعماله في سياق وحدة شخص المسيح، ويفسره أصحابه بهوية المولود. وينظر الكتاب فيما أحدثه اللقب من غلو في التدين، وفي قوم اتخذوا عيسى ﵇ وأمه إلهين كما تصف سورة المائدة (١١٦). |
| الثالوث | Trinity / Τριάς (ترياس) | عقيدة الكنائس في الإله الواحد في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس. صاغتها المجامع طبقة فوق طبقة، من نيقية (٣٢٥) إلى القسطنطينية (٣٨١)، على صيغ ثلاثية في نصوص سابقة؛ ويقرؤها الكتاب ثمرة الغلو في مقام المسيح. |
| الأقنوم | Hypostasis / ὑπόστασις (هيپوستاسيس) | مصطلح يوناني استقر في الاستعمال الثالوثي للدلالة على تمايز الأقانيم؛ لا يساوي ثلاثة آلهة مستقلة في تعريف الكنائس لنفسها. |
| الهرطقة | Heresy / αἵρεσις (هايرِسيس) | أصلها اليوناني يعني «الاختيار». صارت تعني كل رأي يخالف قرارات المجامع الرسمية |
| الغنوصية | Gnosticism / Γνῶσις (گنوسيس) | حركات دينية متنوعة تقوم على «المعرفة الباطنية» كطريق للخلاص. بعضها وحّد وبعضها ثنّى |
| الدوكيتية | Docetism / Δοκητισμός (دوكيتيسموس) | القول بأن جسد المسيح كان ظاهريًا لا حقيقيًا (من δοκεῖν (دوكين) = يبدو). و«الدوكيتية» وصفٌ أطلقه الخصومُ على تياراتٍ متعددة لا على فرقةٍ واحدة. ويلتقي مع القرآن في أن المسيح الحق لم يُصلب، ويقرأ الكتاب ذلك على وجهه الخاص: انتقل خبر الصلب من يسوع الناصري، وهو رجلٌ حقيقيُّ الجسد، إلى عيسى ﵇ حين اختلطت الشخصيتان |
المصطلحات اللسانية
| المصطلح | التعريف في سياق الكتاب |
|---|---|
| الجذر السامي | الأصوات الثلاثة (أو الأربعة) التي تشكّل نواة المعنى في اللغات السامية (عربية، عبرية، آرامية، أكادية) |
| الشمولية اللغوية | المنهج الذي يقوم عليه الكتاب: قراءة الأسماء القرآنية أوصافاً دالّة لا أعلاماً جامدة، يُقرأ فيها الجذر السامي والصوت والمعنى معاً |
| الاختزال الحرفي | قصر الكلمة القرآنية على أشهر صورة تاريخية أو حسية عرفت عنها: كقراءة عيسى ﵇ في سيرة يسوع الناصري، والرفع حركةَ جسد، والصلب خشبة؛ ويقابله الكتاب بالشمولية الأصلية (الفصل ١). |
| التحليل المورفيمي | تفكيك الكلمة إلى وحداتها الصرفية الأصغر. لاستخراج طبقات المعنى |
| النذير / نازير | نازير في العبرية: المنذور المكرس لله. ويقرأ الكتاب لقب «الناصري» على معنيين يجتمعان في حروفه: المنذور، من نذر امرأة عمران ما في بطنها، ومنه النذير الذي ينذر قومه؛ والناصر، من الأنصار الذين أجابوا عيسى ﵇ (آل عمران: ٥٢)، ومنه «النصارى» (الفصل ٨). |
| المسيح / مشيحا | (מָשִׁיחַ (ماشيَح) / ܡܫܺܝܚܳܐ) (مشيحا) الممسوح بالزيت المقدس، أي المبارك المكرَّس المختار من الله لرسالة، وتقترن أخباره بالسياحة والشفاء. ويميز الكتاب ثلاثة لا تختلط: عيسى ابن مريم ﵇ نبي القرآن، ويسوع الناصري رجل القرن الأول، والصورة المؤلهة التي بُنيت لاحقاً باسم المسيح |
| المسيخ | لفظ من م-س-خ يسمي به عنوان الكتاب الصورة المؤلهة التي مُسخت عن صورة المسيح الحق، وهي في قراءة الكتاب معنى الدجال عقيدةً وحضارة (الفصول ١٩–٢١). ويسميه الحديث «المسيح الدجال» بالحاء، ويقابل العنوان بين الحرفين. |
المصطلحات التاريخية
| المصطلح | التعريف في سياق الكتاب |
|---|---|
| الأبيونيون | (Ebionites) جماعة يهودية-مسيحية في القرون 1-5م. آمنت بالمسيح نبيًا بشريًا ورفضت بولس وتأليهه، وعرفت المسيح الحق؛ ومن أخبارها أن المسيح أقدم من يسوع، يأتي بأسماء وصور شتى (الفصل ١٢) |
| الناصريون | جماعات يذكرها كتّاب الكنيسة مع تمسكها بالشريعة؛ اختلفت أوصاف عقيدتها، فلا تساوى آلياً بالأبيونيين. |
| الأريوسيون | أتباع آريوس الذي جعل الابن مخلوقاً سابقاً للعالم وغير مساوٍ للآب في الجوهر؛ ليس نبياً بشرياً فحسب في اعتقادهم. |
| الصابئة المندائيون | تقليد ديني مشرقي حي يعظم يحيى، وله نصوصه ومفاهيمه الخاصة؛ تقرأ أقواله عن يسوع في سياقها. |
| مخطوطات قمران | (Dead Sea Scrolls) مخطوطات عُثر عليها 1947-1956 قرب البحر الميت. تضمّ نصوصًا توراتية ومجهولة |
| الأدب الكليمنتي الزائف | (Pseudo-Clementine Literature) نصوص منسوبة لإكليمندس الروماني. تتضمن عقيدة «النبي الحق» |
| بولس الطرسوسي | صاحب الرسائل المسيحية المبكرة؛ لم يلقَ يسوع في حياته، وإليه وصل خبر القيامة فجعل الموت والقيامة مركز الخلاص. ومن صياغته بدأ البناء الذي جعل يسوع محور الإيمان، ثم أتمته المجامع (الفصل ١١). |
| اليونانيّة (الهلّينيّة) | الهلينية حضارة يونانية؛ والهلنستية تخص المجال الذي اتسع بعد الإسكندر وامتزج بتقاليد الشرق. يبحث الكتاب الجذور الشرقية للفلسفة، ويميزها من الصياغات الإمبراطورية اللاحقة. |
| قسطنطين الأول | (Constantine I) الإمبراطور الروماني (272-337م) الذي دعا إلى مجمع نيقية ولم يتعمد إلا قرب وفاته |
| مجمع نيقية | لحظة التأليه الرسمي: مجمع سنة ٣٢٥ أقر مساواة الابن للآب في الجوهر، برعاية قسطنطين، فصار تصور سبقه منذ رسائل بولس صيغة ملزمة تسندها الدولة. |
المصطلحات الفلسفية والحضارية
| المصطلح | التعريف في سياق الكتاب |
|---|---|
| الغشتيل | (Gestell) مصطلح هايدغر: التقنية كإطار وجودي يحوّل كل شيء إلى «مورد قابل للاستغلال» |
| الانقلاب الدوري | (Involution) مصطلح رينيه غينون: الحضارة لا تتقدم خطيًا؛ بل تنحدر دوريًا |
| ملك العالم المزيَّف | وصف لصورة السلطة الروحية المقلوبة التي يناقشها غينون في «سيادة الكم وعلامات آخر الزمان»، الفصل ٣٩ |
| ما بعد الإنسانية | (Transhumanism) حركة لتعزيز القدرات البشرية بالتقنية؛ يتجه نقد الكتاب إلى دعوى الاستغناء عن الله، ولا يجعل تعزيز القدرة وحده تأليهاً |
| الآلية المؤسسية | نمط القمع المتكرر: وصم → تقنين → قمع → محو الأثر |
| البناء التراكمي | المبدأ القائل بأن التحريف لم يكن كذبة واحدة؛ بل سلسلة من القرارات عبر المجامع |
المصطلحات القرآنية المفتاحية
| المصطلح | الآية | المعنى في سياق الكتاب |
|---|---|---|
| الرفع | ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] | في قراءة الكتاب: إعلاء حقيقة المسيح وغياب معرفتها المتصلة من الوعي التاريخي، مع بقاء آثار الرجل؛ لا رفع جسدي. |
| النزول | أحاديث نزول عيسى ﵇ آخر الزمان | عودة المعرفة بحقيقة المسيح ورسالته إلى الوعي والحياة بعد غيابها، فتصير في متناول البشر |
| شُبّه لهم | ﴿وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] | في أطروحة الكتاب: انتقال خبر المقتل والصلب من يسوع الناصري إلى عيسى ﵇ بسبب اختلاط الشخصيتين؛ يسوع شخص حقيقي لا شخصية مصنوعة. |
| الغلو | ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171] | تجاوز الحد في تعظيم النبي حتى تأليهه جوهر المسار |
| الأحبار والرهبان | ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: 31] | تحويل رجال الدين إلى مشرّعين بدلًا من الله. آلية المجامع |
| عِلم للساعة | ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 61] | كشف حقيقة المسيح من علوم زمن الساعة وعلاماته؛ زمن الاتساع في الوعي والقدرة، مع بقاء موعد قيام الساعة لله |
وإذا قلنا النبوة المجازية فإنما نقصد المعرفة والتزكية والإنباء بما غاب بإذن الله، ولا نقصد نبوة تشريع جديدة. وحين نقارن الحقيقة المحمدية بالنور الأول والعقل الأول، فإنما نقارن بينها في وصفها للصلة بين الله والخلق، ثم نقرأ مراتبها كما تراها كل مدرسة. أما موضع الروح القدس منها فمسألة مستقلة في هذه المقارنة.
ملاحظة
ومن أراد أن يتوسع في معنى مصطلح من هذه المصطلحات وفي حجته، فليرجع إلى الموضع الذي نوقش فيه في المتن. فهذا الكشاف إنما وُضع ليعين على القراءة، أما تفصيل الاستعمال وشواهده ففي الفصول.
ملحق ٨: قائمة المراجع الأكاديمية الأساسية
أولاً: المصادر الأولية والكلاسيكية
النصوص الدينية الأساسية
1. القرآن الكريم
المصحف برواية حفص عن عاصم. تشير الإحالات في المتن إلى السورة ورقم الآية؛ وتُميز القراءة التفسيرية من ألفاظ الاقتباس.
2. صحيح البخاري (ت. 256 هـ)
صحيح البخاري، أبواب أحاديث الأنبياء والفتن ومناقب الأنصار. تراجع الأرقام مع اسم الكتاب والباب لاختلاف الترقيم بين الطبعات؛ ومن المواضع التي يرجع إليها الكتاب خبر سلمان عن الفترة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ، رقم ٣٩٤٨ في الترقيم الشائع.
3. صحيح مسلم (ت. 261 هـ)
صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، أحاديث الدجال ونزول عيسى ﵇؛ وكتاب صلاة المسافرين، حديث أوائل الكهف رقم ٨٠٩؛ وكتاب المساجد، الاستعاذة من الفتن رقم ٥٨٨ في ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
المراجع الإسلامية الكلاسيكية
4. الإمام القاسم بن إبراهيم الرسّي (ت. 860م / 246 هـ)
- «الردّ على النصارى»
من أقدم الردود الإسلامية على المسيحية؛ يركز على نقاء التوحيد والعقل؛ محفوظ في المكتبات الإسلامية.
5. الخطيب البغدادي (ت. 463 هـ)
- «تاريخ بغداد»
يحوي معلومات عن الكنائس المشرقية والنسطورية في بغداد.
النصوص المسيحية واليهودية القديمة
6. سفر دانيال (العهد القديم)
- القرن 2 ق.م في صيغته الأخيرة؛ وتحفظ قصة الإصحاح ٤ ذاكرة نبونيد خلف اسم نبوخذنصر، كما قارنها بوليو بصلاة نبونيد
- الرؤى والتنبؤات عن نهاية الزمان والمسيح الآتي
- الإشاراتُ إلى الوحوش الأربعة والقرن الصغير
7. سفر خنوخ (1 Enoch)
1 Enoch، مؤلَّف مركب من أقسام متفاوتة التأريخ؛ تحفظ الجعزية نصه الكامل، وتقابل شذراته الآرامية في قمران. لا ينسحب تأريخ قسم منه تلقائياً على كتاب الأمثال أو على جميع طبقات المجموعة.
8. التراجيم (Targumim) الترجمات الآرامية التوراتية
ترجوم أونكيلوس للتوراة وترجوم يوناثان للأنبياء، مع اختلاف تواريخ المادة وعمليات جمعها ونقلها. تُراجع العبارات في النص المعين، لا بإسناد جميع التراجيم إلى قرن واحد.
9. مخطوطات قمران (Dead Sea Scrolls)
- 4Q242 «Prayer of Nabonidus» (صلاة نبونيد)
نص آرامي عن نبونيد، الملك البابلي الأخير؛ يتحدث عن مرض الملك في تيماء وشفائه بعد المغفرة؛ أهمية حاسمة لربط القرآن بالتاريخ البابلي. ويقرأ الكتاب فيه نبونيد عيسى ﵇، والگازر اليهودي يحيى (الملحق ١).
- 4Q246 "Son of God Aramaic Apocalypse"
نص رؤياوي عن «ابن الإله»؛ يعكس التوقعات المسيحانية اليهودية.
- Damascus Document (CD)
قواعد الجماعة الدينية (الأسينيين).
ثانياً: الدراسات الأكاديمية الغربية
الدراسات البابلية والقديمة الشرقية
10. Beaulieu, Paul-Alain
- The Reign of Nabonidus, King of Babylon 556-539 B.C.
- Yale University Press, New Haven, 1989
- أشمل دراسة أكاديمية حديثة عن نبونيد
- يتضمن: السياق التاريخي، الإصلاحات الدينية، الإقامة في تيماء
11. Grayson, A.K.
- Babylonian Historical-Literary Texts
- University of Toronto Press, 1975
- نصوص بابلية أصلية تتعلق بنبونيد
12. Beaulieu, Paul-Alain
- "Nabonidus the Mad King: A Reconsideration"
- في: M. Heinz وM. H. Feldman (محرّران)، Representations of Political Power، Eisenbrauns، ٢٠٠٧، ص ١٣٧-١٦٦
- فصلٌ نقديٌّ يعيد تقييم سياسة نبونيد
دراسات الكتاب المقدس والمسيحية المبكرة
13. Collins, John J.
- Daniel: A Commentary on the Book of Daniel
- Fortress Press, Philadelphia, 1993
- تحليل شامل لسفر دانيال والرؤى المسيحانية
14. Dupont-Sommer, André
- The Essene Writings from Qumran
- Blackwell, Oxford, 1961
- ترجمة وتحليل نصوص الأسينيين من البحر الميت
15. García Martínez, Florentino
García Martínez, Florentino. The Dead Sea Scrolls Translated: The Qumran Texts in English. Brill / Eerdmans, 1994. ترجمة لمجموعة واسعة من نصوص قمران.
16. Vermes, Geza
- The Dead Sea Scrolls: Qumran in Perspective
- SCM Press, London, 1977
- دراسة معمقة عن جماعة قمران والأسينيين
الدراسات اليهودية المبكرة والمسيحية اليهودية
17. Schoeps, Hans-Joachim
- Theologie und Geschichte des Judenchristentums
- Mohr Siebeck, Tübingen, 1949
- دراسة رائدة عن المسيحية اليهودية وأثرها على الإسلام
18. Pines, Shlomo
- The Jewish Christians of the Early Centuries of Christianity According to a New Source
- Israel Academy of Sciences and Humanities, Jerusalem, 1966
- نصوص يهودية-مسيحية قديمة محفوظة في عبد الجبار
19. Eisenman, Robert
- James the Brother of Jesus: The History and Legacy of the First Church
- Viking Press, New York, 1997
- دراسة معمقة عن يعقوب البارّ أخي يسوع الناصريّ والتقليد اليهودي-المسيحي
20. Eisenman, Robert
- The Dead Sea Scrolls and the First Christians
- Element Books, Rockport MA, 1996
- ربط مخطوطات قمران بتاريخ المسيحية المبكرة
21. Maccoby, Hyam
- The Mythmaker: Paul and the Invention of Christianity
- Harper & Row, New York, 1986
- دراسة يهودية نقدية عن بولس ودوره في تأليه يسوع
22. Tabor, James D.
- Paul and Jesus: How the Apostle Transformed Christianity
- Simon & Schuster, New York, 2012
- مقارنة بين تعاليم يسوع وتعاليم بولس
دراسات تاريخ يسوع والمسيحية
23. Van Voorst, Robert E.
- Jesus Outside the New Testament: An Introduction to the Ancient Evidence
- Eerdmans Publishing, Grand Rapids, 2000
- أشمل دراسة أكاديمية معتمدة في الجامعات الغربية حول الأدلة الخارجية على يسوع التاريخي (خارج الأناجيل): المصادر الرومانية، اليهودية، المبكرة
- أهمية: يجمع الشواهد الرومانية واليهودية على يسوع القرن الأول، فيعين على تمييز ما يثبت عن يسوع الناصري رجلاً تاريخياً من الصورة التي بُنيت بعده، وهو تمييز يقوم عليه الكتاب
24. Ehrman, Bart D.
- How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee
- HarperOne, New York, 2014
- شرح علماني لعملية تأليه يسوع بعد صلبه
25. Vermes, Geza
Vermes, Geza. Jesus the Jew: A Historian’s Reading of the Gospels. Collins, 1973؛ وأعيد نشره في طبعات لاحقة. دراسة صورة يسوع في بيئته اليهودية.
26. Sanders, E.P.
- Jesus and Judaism
- Fortress Press, Philadelphia, 1985
- سياق يهودي لتعاليم يسوع
دراسات الإسلام المبكر والحركة الموحدة
27. Donner, Fred M.
- Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam
- Harvard University Press, Cambridge MA, 2010
- نظرية الحركة الموحدة المبكرة (Believers Movement)
- أهمية: يشرح كيف كان الإسلام الأول حركة موحدة تضم مختلف الأديان
28. Hoyland, Robert G.
- Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam
- Routledge, London, 2001
- سياق عربي شامل قبل الإسلام
- يتضمن: التوحيد، المسيحية العربية، اليهودية
29. Hoyland, Robert G.
- Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish, and Zoroastrian Writings on Early Islam
- Darwin Press, Princeton, 1997
- شهادات معاصرة غير إسلامية عن الإسلام المبكر
دراسات قرآنية أكاديمية
30. Lawson, Todd C.
- The Crucifixion and the Qur'an: A Study in the History of Muslim Thought
- Oneworld, Oxford, 2009
- تحليل قرآني عميق لآيات الصلب والدلالات
- يتضمن: أراء المفسرين الكلاسيكيين والحديثين
31. Lumbard, Joseph E. B. (ed.)
- Islam, Fundamentalism, and the Betrayal of Tradition: Essays by Western Muslim Scholars
- World Wisdom, Bloomington, 2004 (طبعة موسَّعة 2009)
- مجموعة مقالات لباحثين غربيّين مسلمين (سيّد حسين نصر، جوزيف لومبارد، ريزا شاه كاظميّ وآخرين) تنقد الجمود التفسيريّ الحديث وتُعيد التفكير في موقع التقليد
اللغويات السامية والدينية
32. Al-Jallad, Ahmad & Al-Manaser, Ali
Al-Jallad, Ahmad, and Ali Al-Manaser. “The Pre-Islamic Divine Name ʿsy and the Background of the Qurʾānic Jesus.” Journal of the International Qurʾanic Studies Association 6 (2021): 107–136. دراسة نقشية ترجح أن الصيغة ʿsy تقابل اسم عيسى القرآني ﵇، فتشهد بتداول الصيغة العربية في شمال الجزيرة قبل الإسلام. ويقرأ الكتاب معنى الاسم في اللسان من العِيس، وهو البياض والصفاء، ومن العيش والحياة (الفصلان ٢ و٧). وللجلاد أيضاً: “Ancient Allāh: An Epigraphic Reconstruction,” Journal of Semitic Studies 70/2 (2025): 693–748.
33. ابن عاشور، محمد الطاهر (Ibn ʿĀshūr)
- «التحرير والتنوير» تفسير سورة آل عمران، الجزء الثالث
- دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس
- ناقش ابن عاشور آلية الانتقال الصوتي من «يسوع/يشوع» إلى «عيسى عليه السلام» عبر القلب الصوتي (Metathesis) ـ وهو الرأي التقليديّ الذي يَعُدّ «عيسى» تعريباً لـ«يسوع»
- أهمية: نَعرِضه بوصفه الرأيَ الكلاسيكيّ الذي يُخالفه هذا الكتاب؛ فالكتاب يقرأ «عيسى» من حروفه ع-ي-س، ومنها العِيس وهو البياض والصفاء، ويصله بحقل العيش ع-ي-ش، ويقرأ «يشوع» من الجذر ي-ش-ع؛ فهما اسمان مختلفان (انظر الفصل ٢ والملحق ٣)، وعيسى ﵇ شخصيّةٌ سابقةٌ على يسوع
34. de Blois, François
- "Naṣrānī and Ḥanīf: Studies on the Religious Vocabulary of Christianity and of Islam"
- Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Vol. 65, No. 1, pp. 1-30
- London, 2002
- دراسة لغوية دقيقة لكلمات دينية رئيسية
- أهمية حاسمة: أصول كلمة «نصارى» و«حنيف»؛ ويقرأ الكتاب «النصارى» مع الأنصار والناصري من ن-ص-ر، إلى جانب معنى المنذور (الفصل ٨)
35. Ullendorff, Edward
- The Semitic Languages of Ethiopia: A Comparative Phonology
- Taylor's Foreign Press, London, 1955
- دراسة مرجعيّة في اللسانيّات السامية-الإثيوبيّة؛ تُفيد في تتبّع مسارات الأصوات بين السامية الجنوبيّة والعربيّة/العبريّة
الدراسات الأثرية والنقشية
36. Robin, Christian Julien
- "Arabia and Ethiopia"
- في: Oxford Handbook of Late Antiquity
- Oxford University Press, 2012
- دراسة أثرية عن المسيحية العربية والتوحيد
- يتضمن: حِمْيَر، الغساسنة، اللخميون
37. al-Ansary, Abdul Rahman
- Qaryat al-Fau: A Portrait of Pre-Islamic Civilisation in Saudi Arabia
- University of Riyadh Press, 1982
- أثريات عن المدن العربية القديمة
38. نقوش تيماء المنشورة في مشروع التنقيب السعودي الألماني
Taymāʾ II: Catalogue of the Inscriptions Discovered in the Saudi-German Excavations at Taymāʾ 2004–2015. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد ونصه.
39. Healey, John F.
- The Religion of the Nabataeans: A Conspectus
- Brill, Leiden, 2001
- دراسة مرجعية في ديانة الأنباط ونقوشهم
ثالثاً: الدراسات الإسلامية والعربية الحديثة
40. الأستاذ سعيد محمود أيوب
- المسيح الدجال: دراسة نقدية في العقيدة الإسلامية
- دار الهلال، القاهرة، 1987
- دراسة إسلامية عن الدجال ونظرية بولس
- من أوائل الدراسات التي تربط الدجال ببولس
41. أسد، محمد (Muhammad Asad / Leopold Weiss)
- الطريق إلى مكة
- ترجمة: عفيف البعلبكي
- دار العلم للملايين، بيروت
- سيرة شخصية لمفكر إسلامي غربي
- يتضمن: فهم حديث للإسلام والمسيحية
42. الدكتور عبد الوهّاب المسيريّ
- العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
- دار الشروق، القاهرة، 2002
- دراسة حضارية نقدية للغرب الحديث
- يتضمن: مفهوم الدجال والحضارة المادية
43. الشيخ عمران نذير حسين
- Jerusalem in the Qur'ān: An Islamic View of the Destiny of Jerusalem
- Masjid Jāmiʿah, San Fernando (Trinidad), 2002
- كتاب محوريّ في علم أشراط الساعة عند الشيخ عمران؛ يربط الوعد القرآنيّ في سورة الإسراء بظهور الدجّال وانحسار الغرب، ويُقدّم قراءة إسلاميّة لنبوءات آخر الزمان
- يُكمَّل بكتابه: An Islamic View of Gog and Magog in the Modern World, 2009
44. Akyol, Mustafa
- The Islamic Jesus: How the King of the Jews Became a Prophet of the Muslims
- St. Martin's Press, New York, 2017
- قراءة معاصرة وشعبية لصورة يسوع في الإسلام
45. Gallez, Édouard-Marie
- Le messie et son prophète: aux origines de l'Islam
- Éditions de Paris, 2005
- دراسة فرنسية عن أصول الإسلام من الصراعات المسيحية اليهودية
- أهمية: محاولة جريئة لتأريخ الإسلام
رابعاً: مخطوطات قمران (Dead Sea Scrolls) المصادر الأولية
46. Charlesworth, James H. (ed.)
Charlesworth, James H., ed. The Dead Sea Scrolls: Hebrew, Aramaic, and Greek Texts with English Translations. Tübingen: Mohr Siebeck; Louisville: Westminster John Knox Press, 1994–. سلسلة طبعات للنصوص وترجماتها؛ يرجع إلى المجلد الخاص بكل نص.
47. Qimron, Elisha & Strugnell, John
- Qumran Cave 4.V: Miqsat Ma'ase ha-Torah
- Clarendon Press, Oxford, 1994
- نص قانوني من قمران
48. Beyer, Klaus
- Die aramäischen Texte vom Toten Meer
- Vandenhoeck & Ruprecht, Göttingen, 1984
- ترجمة ألمانية شاملة للنصوص الآرامية
نصوص محددة مهمة:
4Q242: Prayer of Nabonidus
- النشرة النقديّة: J. J. Collins, «242. 4QPrayer of Nabonidus ar», in G. Brooke et al., Qumran Cave 4.XVII: Parabiblical Texts, Part 3 (Discoveries in the Judaean Desert XXII), Oxford: Clarendon Press, 1996, pp. 83–93, pl. VI
- النشرة الأولى (editio princeps): J. T. Milik, «Prière de Nabonide» et autres écrits d'un cycle de Daniel: Fragments araméens de Qumrân 4, in Revue Biblique 63, 1956, pp. 407–415
- النص الآرامي: يتحدث عن نبونيد، الملك البابلي، ومرضه وشفاؤه
- أهمية حاسمة: صلة مباشرة بين نبونيد والنصوص الدينية اليهودية
4Q246: Son of God Aramaic Apocalypse
- النص الرؤياوي عن «ابن الإله»
- يعكس التوقعات المسيحانية
خامساً: الأثريات والنقوش (Epigraphy)
نقش النمارة (An-Namara Inscription 328 م)
49. Dussaud, René (avec F. Macler)
Dussaud, René, avec Frédéric Macler. “Inscription nabatéo-arabe d’En-Nemara.” Revue archéologique (1902): 409–421. النشرة الأولى لنقش النمارة، شاهد امرئ القيس بن عمرو «ملك العرب كلّه»، وهو في الأخبار العربية من ملوك الحيرة، على العربية والملك العربي قبل الإسلام؛ وتؤخذ عقيدته من السياق والأخبار.
50. Bellamy, James A.
- "A New Reading of the Namārah Inscription"
- في: Journal of the American Oriental Society, Vol. 105, 1985, pp. 31–51
- قراءة جديدة لنقش النمارة (٣٢٨م، محفوظ في متحف اللوفر برقم AO 4083)
المصادر الأثرية الأولية في المتاحف العالمية
51. لوح سجلات نبونيد (Nabonidus Chronicle)
- رقم التصنيف المتحفي: BM 35382 المتحف البريطاني، لندن
- نص مسماري يُؤرّخ لعهد نبونيد بما فيه الإقامة في تيماء
- متاح رقمياً: https://www.britishmuseum.org/collection/object/W_Sp-II-964
- النص والترجمة: https://www.livius.org/sources/content/mesopotamian-chronicles-content/abc-7-nabonidus-chronicle/
52. حجر تيماء (The Tayma Stone / لوح تيماء الآرامي)
- رقم التصنيف المتحفي: AO1505 متحف اللوفر، باريس
- نقش آرامي من القرن الخامس ق.م يصف الإصلاحات الدينية في تيماء
- يُثبت وجود مشهد ديني متعدد الطبقات في شمال الجزيرة العربية في الحقبة البابلية
53. مسلّة نبونيد من تيماء
- رقم التصنيف الأرشيفي: CDLI P519700 قاعدة بيانات CDLI (Cuneiform Digital Library Initiative)
- دليل أثري مادي مباشر على الحضور البابلي في تيماء
- متاح رقمياً: https://cdli.ucla.edu/P519700
54. سلسلة تيماء الأثرية الأكاديمية (DAI Series Taymāʾ I-III)
- مشروع التنقيب السعودي الألماني المشترك
- منشورات معهد الآثار الألماني (DAI)
- Taymāʾ I: https://publications.dainst.org/books/dai/catalog/book/61
- Taymāʾ III: https://publications.dainst.org/books/dai/catalog/book/2176
- تغطي جميع النقوش والأثريات والبيئة الحضارية لتيماء عبر العصور، وهي المرجع الأشمل والأكثر تخصصاً في المجال
نقوش تيماء الأخرى
55. نقوش متحف تيماء والمجموعات الأخرى
Taymāʾ III: Catalogue of the Inscriptions in the Taymāʾ Museum and Other Collections. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد.
56. الاستكشاف الأثري والبيئة والاتصال الحضاري في تيماء
Taymāʾ I: Archaeological Exploration, Palaeoenvironment, Cultural Contacts. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد.
57. Schaudig, Hanspeter
Schaudig, Hanspeter. Die Inschriften Nabonids von Babylon und Kyros’ des Großen. Münster: Ugarit-Verlag, 2001. تحقيق نقوش نبونيد وكورش ونصوص متصلة بها.
نقوش أخرى مهمة
58. Robin, Christian Julien
- "Ḥimyar, Aksum, and Arabia Deserta in Late Antiquity: The Epigraphic Evidence"
- في: Arabs and Empires before Islam, تحرير: Greg Fisher
- Oxford University Press, 2015, pp. 127–171
- الشواهد النقشية على يهودية اليمن ومسيحيته في العصور المتأخرة
59. Hoyland, Robert
- "Epigraphy"
- في: Encyclopaedia of the Qur'an, تحرير: J. D. McAuliffe, Vol. 2
- Brill, Leiden, 2002, pp. 25–43
- النقوش العربية الجنوبية وسياقها القرآني
سادساً: الأعمال المرجعية والموسوعات
60. McAuliffe, Jane Dammen (ed.)
- Encyclopaedia of the Qur'an
- 6 volumes
- Brill, Leiden, 2001-2006
- موسوعة شاملة عن القرآن: الآيات، المفسرون، المواضيع
61. Freedman, David Noel (ed.)
- The Anchor Bible Dictionary
- 6 volumes
- Doubleday, New York, 1992
- موسوعة شاملة للكتاب المقدس وموضوعاته
62. Brown, Colin (ed.)
- The New International Dictionary of New Testament Theology
- 4 volumes
- Zondervan, 1986
- قاموس شامل للكلمات والمفاهيم المسيحية
سابعاً: المراجع الثانوية والدراسات النقدية
63. Stroumsa, Guy G.
- The Making of the Abrahamic Religions in Late Antiquity
- Oxford University Press, 2015
- سياق حضاري واسع للأديان الإبراهيمية
64. Crone, Patricia & Cook, Michael
- Hagarism: The Making of the Islamic World
- Cambridge University Press, 1977
- نظرية نقدية عن أصول الإسلام (مثيرة للجدل)
65. Wansbrough, John
- Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation
- Oxford University Press, 1977
- دراسة نقدية لأصول النصوص القرآنية
ثامنًا: دراسات ومصادر مكملة
66. الخوري، موسى ديب
الخوري، موسى ديب. «التوراة: كتابات ما بين العهدين»، دار الطليعة الجديدة، دمشق، ١٩٩٨. ترجمة عربية لمادة من الكتابات القديمة ومخطوطات قمران؛ تقابل المواضع المركزية بالطبعات النقدية للنصوص.
67. الصليبي، كمال
- البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل
- دار الشروق، بيروت/عمّان، 1999
- ملاحظة: يُستشهد بهذا المرجع للاطلاع والمقارنة فقط؛ فقراءتُه النقدية للأناجيل تُوافق جزئياً منهجَ الكتاب في إعادة النظر في النصوص الإنجيلية، لكنها تختلف معه في تحديد هوية عيسى ﵇ وزمانه
- أهمية: يُثير الأسئلة الصحيحة حول الأناجيل وتاريخ يسوع، ويقوم تعيين الكتاب لعيسى ﵇ وزمانه على سجل بابل وتيماء
68. الكتابات الكليمنتية (Pseudo-Clementine Literature)
- Recognitions (Recognitiones) & Homilies (Homiliae)
- النص اليوناني-السرياني: القرنان الثالث والرابع م، تحرير مصادر أقدم (القرن الثاني م)
- ترجمة إنجليزية: Roberts, Alexander & Donaldson, James (eds.)
Ante-Nicene Fathers, Vol. 8 T&T Clark, Edinburgh, 1885 (repr. Hendrickson, 1994)
تتضمن الكليمنتيات صورة «الرجل العدو» ونزاعاً حول يعقوب وبطرس. ويقرأ فيها الكتاب ذاكرة صراع الجماعة الأولى مع الاتجاه البولسي، كما قرأ باحثون في «الرجل العدو» تعريضاً ببولس، والنص لا يسميه. تُراجع الاعترافات ١: ٧٠–٧١ ورسالة بطرس إلى يعقوب مع سياقهما.
69. ابن قيّم الجوزيّة (ت. 751 هـ)
- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
- تحقيق: محمد أحمد الحاج، دار القلم، دمشق، ط. 3، 1996
- أحد أعمق الردود الكلاسيكية الإسلامية على المسيحية واليهودية
- أهمية: يُفصّل ابن القيم أدلة التحريف في نصوص العهدين، ويُناقش بنية الإنجيل المحرَّف بما يتوافق مع ما يقرره الفصل ١١ حول تحريف ملاخي ومرقس
70. ساند، شلومو
Sand, Shlomo. The Invention of the Jewish People. Verso, 2009؛ الأصل العبري ٢٠٠٨. الترجمة العربية «اختراع الشعب اليهودي»، ترجمة سعيد عياش، دار الساقي. يبيّن أن «الشعب اليهودي» بوصفه هوية قومية جامعة صياغة حديثة، ويعرض أثر الدولة الحشمونية في توسيع الجماعة بالتهويد؛ فيعضد تمييز الكتاب بين بني إسرائيل واليهود (الملحق ٩).
71. Dupont-Sommer, André
Dupont-Sommer, André. The Dead Sea Scrolls: A Preliminary Survey. Blackwell, 1952. من الدراسات المبكرة للمخطوطات ومقارنتها بالمسيحية. وتراجع مع كتابه The Essene Writings from Qumran (1961)، المذكور أعلاه؛ وكل استنتاج ينسب إليه يذكر موضعه.
72. Collins, John J.
Collins, John J. The Scepter and the Star. Doubleday, 1995؛ الطبعة الثانية الموسعة، Eerdmans, 2010. مرجع في تنوع الانتظار المسيحاني ونصوص قمران بين النبي والكاهن والملك؛ ومنه يقرأ الكتاب اجتماع الملك والكهنوت في عيسى ﵇ (الفصلان ١٠ و٢٤)، وتعيين أصحاب الانتظار قراءة الكتاب.
73. الخالِديّ، طَريف (Tarif Khalidi)
- The Muslim Jesus: Sayings and Stories in Islamic Literature
- Harvard University Press, Cambridge MA, 2001
- جَمعٌ وتَحقيقٌ لثَلاثِمِئةٍ وثَلاثةِ نَصٍّ من أَقوالِ عيسى ﵇ وأَخبارِه في الأَدَبِ العَرَبيِّ الإسلاميّ، مع إسنادِ كلِّ نَصٍّ إلى مَصدَرِه العَرَبيِّ بالصَفحةِ والرَقم، مُرَتَّبةً على القُرونِ من الثاني إلى الثاني عَشَرَ للهِجرة
- أهمية للفصل الرابع: أَوسَعُ تَوثيقٍ مُتاحٍ لِما نُسَمّيه «الإنجيلَ الإسلاميّ»؛ وناقِلوه كلُّهم من أَهلِ الزُهد، وصُورةُ عيسى ﵇ فيه صُورةُ السائحِ الذي لا يَبني ـ وهي صُورةُ هذا الفَصل. وقِراءةُ الخالِديِّ لنَشأَةِ المُدَوَّنةِ تُخالِفُ قِراءةَ الكِتاب، وقد أَثبَتناها في مَوضِعِها
74. منصور، محمّد مصطفى
منصور، محمد. «توراة مكة والنبي المنتظر»، كنز ناشرون، الطبعة الأولى، ٢٠٢٦، ٦٢٢ صفحة، ISBN 978-614-507-104-4. يُستفاد منه في قراءة الألفاظ ومتابعة الأخبار، ولا تُتبنى جغرافيته أو تصوراته الروحية تلقائياً. المواضع التي يرجع إليها الكتاب: ص ٢٩٤–٢٩٥، ٣٤٤–٣٤٧، ٣٦٥، ٤١٢–٤١٤، ٤٢٣–٤٢٨، ٥٠٥–٥١٥. وله أيضاً «التراث المأثور» وأعمال إنجليزية في الموضوع.
مصادر النصوص والمقارنات المكملة
نقوش ملوك بابل: Weiershäuser, Frauke, and Jamie Novotny. The Royal Inscriptions of Amēl-Marduk, Neriglissar, and Nabonidus, Kings of Babylon. RINBE 2, Eisenbrauns, 2020. النص المفتوح؛ والنصوص الرقمية في ORACC، نقوش نبونيد.
صلاة نبونيد: Sugie Takuma. “Nabonidus and the Curse of the Moon-God.” Bulletin of the Society for Near Eastern Studies in Japan 61/1 (2018): 1–12. الدراسة. النص الآرامي في ص ٢، باتباع طبعة كولينز.
الشفاء والمغفرة: Hägerland, Tobias. Jesus and the Forgiveness of Sins: An Aspect of His Prophetic Mission. Cambridge University Press, 2012.
الطبقات المسيحية المبكرة: Hurtado, Larry W. Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity. Eerdmans, 2003. ومناقشته لمصطلح العبادة الثنائية. يميز الكتاب بين وصف العبادة وصياغة الثالوث المجمعية.
تأريخ P52: Roberts, C. H. An Unpublished Fragment of the Fourth Gospel in the John Rylands Library. Manchester, 1935. Nongbri, Brent. “The Use and Abuse of P52,” Harvard Theological Review 98 (2005): 23–48. Orsini, Pasquale, and Willy Clarysse. “Early New Testament Manuscripts and Their Dates,” Ephemerides Theologicae Lovanienses 88 (2012): 443–474.
الآباء والمجامع: يوسابيوس، «تاريخ الكنيسة» ٣: ٢٧، و«حياة قسطنطين» ٣؛ جيروم، الرسالة ١١٢، فقرة ١٣؛ وقانون نيقية سنة ٣٢٥. تُقابل أوصاف الجماعات بصيغها في هذه المصادر، وتراجع ترجمات مجموعة الآباء.
الكنائس الشرقية: عرض الإيمان في موقع الكنيسة الإثيوبية وبيانها في الطبيعة والاتحاد. وللوصف المعاصر لكنيسة المشرق: الإعلان المسيحاني المشترك، ١١ نوفمبر ١٩٩٤؛ لا يستعمل بديلاً عن مصادر العصور الأقدم.
النور قبل ابن عربي: سهل التستري، «تفسير التستري»، تفسير النجم: ١٣. ترجمة Annabel Keeler and Ali Keeler, Tafsīr al-Tustarī, 2011, p. 213. الطبعة المترجمة.
المجوس والمسيح المعلم: The Arabic Gospel of the Infancy، الفصول ٧–٨ و٥١–٥٢ في الترجمة المنشورة ضمن The Apocryphal Gospels، ترجمة B. Harris Cowper، ١٨٦٧. فهرسة النسخ والطبعات. وRevelation of the Magi في تاريخ زوقنين؛ فهرسة برنت لانداو.
رواية التابوت: «التيجان في ملوك حمير»، المنسوب إلى وهب بن منبه برواية ابن هشام، خبر عيسى وكعب بن لؤي، ص ٢١٧ في النسخة المعروضة. وقارن الهمداني، «الإكليل»، ج٨، تحقيق نبيه أمين فارس، ص ١٦٧؛ الإحالة إلى عبارة عيسى ﵇ وكعب هنا تخص «التيجان».
التوراة والهوية: Collins, John J. The Invention of Judaism. University of California Press, 2017. Adler, Yonatan. The Origins of Judaism. Yale University Press, 2022؛ وBetween Yahwism and Judaism. Cambridge University Press, 2025.
اليهودية والهوية والدولة: Boyarin, Daniel. Judaism: The Genealogy of a Modern Notion. Rutgers University Press, 2018. Cohen, Shaye J. D. The Beginnings of Jewishness: Boundaries, Varieties, Uncertainties. University of California Press, 1999. Finkelstein, Israel. Hasmonean Realities behind Ezra, Nehemiah, and Chronicles. SBL Press, 2018. Kratz, Reinhard G. Historical and Biblical Israel: The History, Tradition, and Archives of Israel and Judah. Oxford University Press, 2015. Mason, Steve. “Jews, Judaeans, Judaizing, Judaism: Problems of Categorization in Ancient History.” Journal for the Study of Judaism 38 (2007): 457–512. Schwartz, Seth. Imperialism and Jewish Society, 200 B.C.E. to 640 C.E. Princeton University Press, 2001. ويوسيفوس، «العاديات» ١٣: ٢٥٧ـ٢٥٨ و٣١٨ـ٣١٩؛ وسفرا المكابيين الأول والثاني.
الشريعة نصاً وممارسة: Adler, Yonatan, and Omri Lernau. “The Pentateuchal Dietary Proscription against Finless and Scaleless Aquatic Species in Light of Ancient Fish Remains.” Tel Aviv 48 (2021): 5–26. Kloppenborg, John S. “Dating Theodotus (CIJ II 1404).” Journal of Jewish Studies 51 (2000): 243–280. Porten, Bezalel. Archives from Elephantine. University of California Press, 1968. Porten, Bezalel, and Ada Yardeni. Textbook of Aramaic Documents from Ancient Egypt. 4 vols. Hebrew University, 1986–1999؛ ورسالة عيد الفطير فيه TAD A4.1. Rajak, Tessa. Translation and Survival: The Greek Bible of the Ancient Jewish Diaspora. Oxford University Press, 2009. Schwartz, Daniel R. “Diodorus Siculus 40.3: Hecataeus or Pseudo-Hecataeus?” In Jews and Gentiles in the Holy Land in the Days of the Second Temple, the Mishnah and the Talmud, edited by Menahem Mor et al. Yad Izhak Ben-Zvi, 2003, 181–197. وديودورس الصقلي، «المكتبة التاريخية» ٤٠: ٣.
تأريخ تأليف الأسفار: Davies, Philip R. In Search of ‘Ancient Israel’. JSOT Supplement Series 148. JSOT Press, 1992. Gmirkin, Russell E. Berossus and Genesis, Manetho and Exodus: Hellenistic Histories and the Date of the Pentateuch. T&T Clark, 2006؛ وPlato and the Creation of the Hebrew Bible. Routledge, 2017. Lemche, Niels Peter. “The Old Testament – A Hellenistic Book?” Scandinavian Journal of the Old Testament 7 (1993): 163–193. Thompson, Thomas L. The Mythic Past: Biblical Archaeology and the Myth of Israel. Basic Books, 1999. تُقرأ في الملحق التاسع تأريخاً للصورة المحررة من الأسفار.
أرشيف بابل: Pearce, Laurie E., and Cornelia Wunsch. Documents of Judean Exiles and West Semites in Babylonia in the Collection of David Sofer. CUSAS 28, 2014. Alstola, Tero. Judeans in Babylonia. Brill, 2020.
إسرائيل والمنفى: Staples, Jason A. The Idea of Israel in Second Temple Judaism. Cambridge University Press, 2021. Lipschits, Oded. The Fall and Rise of Jerusalem. Eisenbrauns, 2005. Faust, Avraham. Judah in the Neo-Babylonian Period. Society of Biblical Literature, 2012.
النصوص المندائية: Häberl, Charles G., and James F. McGrath. The Mandaean Book of John: Critical Edition, Translation, and Commentary. De Gruyter, 2020. تُراجع أخبار يحيى ويسوع في سياقها المندائي.
شكل الصلب: Samuelsson, Gunnar. Crucifixion in Antiquity. Mohr Siebeck, 2011. ويوستينوس، «الدفاع الأول»، الفصل ٥٥: شاهد مبكر على فهم هيئة الصليب، سابق لنيقية.
الوقائع السريانية: Palmer, Andrew. The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles. Liverpool University Press, 1993. تقرأ أخبار الوقائع المارونية مع سياقها وتاريخ نسخها.
بنو النجار ونشيد الاستقبال: ابن ماجه، «السنن»، كتاب النكاح، باب الغناء والدف، رقم ١٨٩٩، عن أنس؛ والبيهقي، «دلائل النبوة»، خبر «طلع البدر علينا» من طريق ابن عائشة؛ وابن عبد البر، «الاستيعاب»، ترجمة أبي بن كعب، في سبب تسمية تيم اللات بالنجار؛ والبخاري، رقم ٣٣٥٦، في ختان إبراهيم ﵇ بالقدوم؛ والتلمود البابلي، عفوداه زاراه ٥٠ب، «نجار ابن نجار». وفي جوقات النساء المكرسات في السريانية: Harvey, Susan Ashbrook. “Revisiting the Daughters of the Covenant: Women’s Choirs and Sacred Song in Ancient Syriac Christianity.” Hugoye: Journal of Syriac Studies 8/2 (2005): 125–149.
الرجوع إلى المصادر
تُراجع صور مخطوطات قمران في المكتبة الرقمية للّفائف، مع النشرات النقدية التي تبين الحروف الباقية والترميمات.
وتُراجع النقوش بأرقامها المتحفية أو أرقام المدونات؛ فتبدل مكان العرض لا يغيّر رقم القطعة أو نص نشرها.
تختلف صفحات الكتب التراثية بين الطبعات؛ لذلك تقرن الإحالة، ما أمكن، باسم الباب أو الخبر أو رقم الفصل.
وورود مرجع في هذه القائمة يعني الاستفادة منه أو محاورته في موضوع محدد؛ أما مطابقة عيسى ﵇ بنبونيد وبقية نتائج الكتاب فقراءة الكتاب نفسه بأدلته.
مواضع المقارنة النصية
- أشفاغوشا، «بودّها تشاريتا»، النشيد الثالث؛ ترجمة E. B. Cowell: مشاهد الشيخوخة والمرض والموت.
- «برلعام ويوآساف»، ترجمة G. R. Woodward وH. Mattingly، ١٩١٤، الفصول ٣ و٥–٨: حجاب القصر، والخروج، ولقاء المعلم وتعليمه. النص منسوب تقليدياً إلى يوحنا الدمشقي.
- يوستينوس، «الحوار مع تريفون»، ٦١ في الكلمة وصدورها، و٨٨ في التعميد؛ و«الدفاع الأول»، ٦ في لغة العبادة، و٤٦ في حصة البشر من الكلمة. ترجمة Roberts وDonaldson.
- تفسير سهل التستري، النجم ١٣؛ والنص المقابل في ترجمة Annabel وAli Keeler، ٢٠١١، ص ٢١٣.
- Sugie Takuma، «Nabonidus and the Curse of the Moon-God»، مجلة Orient اليابانية، ٦١/١، ٢٠١٨، ص ١–١٢. DOI: 10.5356/jorient.61.1_1. الدراسة باليابانية، ولها ملخص إنجليزي يعرض فرضية تشعب خبر المحنة.
- Gesenius’ Hebrew Grammar، تحرير E. Kautzsch وترجمة A. E. Cowley، الطبعة الإنجليزية الثانية، ١٩١٠: الفقرة ٦ في الحروف الحلقية، والفقرة ١٤٥ في توافق المسند والمسند إليه.
ملحق ٩: «اليَهوديّة كَحَركة» ـ الفَرق بَين الشَريعة المُوحاة والحَركة الدينيّة المُتَأَخِّرة
نميز في هذا الكتاب بين ثلاثة أمور: بني إسرائيل، والشريعة الموحاة التي يتوارثونها، ثم الدين حين تبلور حركةً مؤسسية لها حدود وطقوس تجمع أهلها. وقد بيّنا في المقدمة أن هذه الحركة تبلورت في العصر الحشموني، في القرن الثاني قبل الميلاد. وفي هذا الملحق نعرض البحوث التي تسند هذه القراءة، وما تدل عليه من أن العمل بالشريعة تأخر انتشاره بين عامة الناس.
التوراة والهوية: مساران في البحث
ويسند هذه القراءة عملان، يرى كلاهما أن العصر الحشموني كان منعطفاً في مكانة التوراة:
- جون كولينز، The Invention of Judaism (٢٠١٧): يتتبع كيف صارت التوراة مركز الهوية، من التثنية وعزرا إلى العصر المكابي وبولس. فقد كانت عنده في العصر الفارسي شريعة الآباء المكرَّمة، ثم صارت في العصر الحشموني شريعة تُفسَّر وتُطبَّق في تفاصيل الطهارة، فلما اختلف الناس في تفسيرها نشأت الفرق.
- يوناتان أدلر، The Origins of Judaism (٢٠٢٢): يسأل متى يظهر الدليل على أن عامة الناس عرفوا أحكام التوراة والتزموا بها، فيخلص إلى أن الشواهد الواسعة على ذلك تظهر في العصر الحشموني، وأننا لا نملك دليلاً مقنعاً على انتشارها قبل أواسط القرن الثاني ق.م. ثم يبحث في Between Yahwism and Judaism (٢٠٢٥) كيف استمرت العبادة والثقافة في المرحلة الهلنستية المبكرة، قبل أن يقع التحول اللاحق.
ويضيف سث شوارتز في Imperialism and Jewish Society, 200 B.C.E. to 640 C.E. (٢٠٠١) طرفاً ثالثاً هو الدولة. فالإمبراطوريات التي حكمت يهوذا، من الفرس إلى المقدونيين ثم الرومان حتى سنة ٧٠م، عاملت شعائر الهيكل وشرائع الآباء «دستوراً» لأهلها، فقامت سلطة التوراة على قوة الحاكم قبل أن تقوم على إجماع الناس، ثم جاءت مراسيم أنطيوخس الرابع فنقضت هذه السياسة. ومن هذه الرعاية نشأ ما يسميه شوارتز اجتماع الإله الواحد والتوراة الواحدة والهيكل الواحد، وهو بناء تصدّع بعد خراب الهيكل. فالتوراة إنما صارت حدّ الجماعة حين تبنتها سلطة سياسية، كانت أجنبية أولاً ثم صارت حشمونية.
وتتيح لنا هذه الدراسات أن نفرق بين ثلاث مراحل: أن يوجد النص، ثم أن يكتسب السلطة، ثم أن ينتشر العمل به. ولكل مرحلة منها تاريخها، وعلى هذا التفريق نقرأ علاقة الشريعة بالحركة المؤسسية. ومن أراد أن يتابع المسارين فليرجع إلى عرض كتاب كولينز وإلى كتاب أدلر عن المرحلة الهلنستية المبكرة.
الشواهد التي يُبحث بها انتشار العمل بالشريعة
نَعرض هنا أهمَّ الشواهد التي تَسنُد هذه القراءة:
- عزرا ونحميا: حين تروي القصة كيف قُرئت الشريعة على الشعب وكيف أقيمت المظال، فإنها تعرض مشروعاً لتجديد الجماعة بالشريعة. والنص نفسه يقول إن بني إسرائيل لم يعملوا هكذا «من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم» (نحميا ٨: ١٧)، فالرواية تجعل العمل العام بالشريعة تجديداً جاء بعد انقطاع طويل. ثم بيّن إسرائيل فنكلشتاين في Hasmonean Realities behind Ezra, Nehemiah, and Chronicles (٢٠١٨) أن قائمة العائدين، وخبر بناء سور أورشليم، وخصوم نحميا، وتوسع يهوذا كما يصفه سفر أخبار الأيام، كلها توافق جغرافية العصر الحشموني في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد؛ فبعض أجزاء هذه الأسفار يحمل صورة الزمن الذي تبلورت فيه الحركة.
- إلفانتين: تُرينا برديات القرن الخامس ق.م جماعة يهودية كان لها معبد خارج القدس، وتذكر إلى جانب يهو أسماء إلهية متعددة، ولا تذكر موسى ولا كتاب الشريعة. فهذه جماعة تحمل الاسم وتقيم العبادة، ولم تصر التوراة بعدُ مرجعها في العمل. ويقرأ راينهارد كراتس (Historical and Biblical Israel، ٢٠١٥) هذه الجماعة نموذجاً ليهودية «غير كتابية»، ويرى أن «اليهودية الكتابية» بدأت جماعة واحدة بين جماعات يهوذية متعددة، ثم غلبت. وتحفظ البرديات رسالة في عيد الفطير (TAD A4.1، نحو ٤١٩ ق.م) تحدد أيامه من الخامس عشر إلى الحادي والعشرين من نيسان، وفيها أوامر في الطهارة والخمير، يوافق بعضها أحكام التوراة، ولا يرد بعضها فيها. لكن الرسالة توجيه إداري لا يحيل إلى كتاب موسى، فالعيد كان معروفاً، أما الكتاب المكتوب فلم يكن قد صار مرجع الحكم. على أن البردية مهشمة، والمحققون يختلفون في إكمال بعض أسطرها.
- النقود والصور: ضُربت نقود يهوذا في العصرين الفارسي والهلنستي المبكر وعليها بومة أثينا ووجوه بشرية وطيور، والوصايا تنهى عن الصور. فلما جاءت النقود الحشمونية حملت الكتابة والرموز وخلت من صور الأحياء. فالعملة نفسها تؤرخ للتحول في العمل بالشريعة.
- الطهارة والطعام: ترجع أقدم أحواض الاغتسال المدرَّجة في يهوذا إلى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، ومنها أحواض قصور الحشمونيين الشتوية في أريحا، ثم تظهر الأواني الحجرية والطباشيرية في القرن الأول قبل الميلاد. فالأحواض تبدأ مع الدولة الحشمونية نفسها. وأما الطعام فتدل عظام السمك في مواقع يهوذا، ومنها القدس في العصر الفارسي، على أن الناس كانوا يأكلون سمكاً لا قشر له كالسلّور، ثم يكاد هذا السمك يغيب في العصر الروماني (أدلر ولرناو، Tel Aviv ٤٨، ٢٠٢١).
- تعدد الأدب: لكل من أدب الحكمة وأدب الرؤى وأسفار الشريعة همّ يختلف عن همّ الآخر، وأحكام موسى تغيب عن أسفار حكمة كالأمثال والجامعة. فقد تعددت مصادر السلطة الدينية قبل أن تنفرد بها التوراة.
- أماكن الاجتماع: يصف نقش ثيودوتوس في القدس الكنيسَ بأنه موضع لقراءة الشريعة وتعليم الوصايا، والنقش يُؤرَّخ بما قبل خراب الهيكل سنة ٧٠م، أي في القرن الأول الميلادي أو قبله بقليل. وأقدم ما عُرف من أبنية الكنس في أرض يهوذا قاعة من العصر الحشموني في خربة أم العُمدان قرب موديعين، بُني فوقها في عهد هيرودس كنيس أكبر منها، ثم ظهرت أبنية أخرى في القرن الأول الميلادي. فالمؤسسة التي تجمع الناس جاءت مع انتشار العمل بالشريعة.
- الرؤى والمصير: في كتب مثل دانيال وإخنوخ صور متطورة للدينونة والقيامة، وأصرح نص في القيامة في الكتاب العبري هو دانيال ١٢: ٢، وقد كُتب في زمن الأزمة المكابية. فالألفاظ التي عبّر بها الفريسيون عن الآخرة تبلورت في المرحلة نفسها التي تبلورت فيها الحركة، أما المعنى فأقدم منها، يحمله ميراث الأنبياء.
عزرا والكتبة الخمسة: رواية استرداد الكتاب
وفي داخل التراث نفسه رواية مهمة تحكي كيف ضاع الكتاب ثم أُعيد إملاؤه، وفيها نرى كيف تصورت الذاكرة حفظ الوحي واسترداده.
يروي «عزرا الرابع» أن عزرا طلب أن تُسترد الشريعة بعد أن أُحرقت. والكتاب يؤرَّخ عادة بنحو سنة مئة للميلاد، وقد حُفظ في ترجمات متعددة، وتضع بعض الطبعات الإنجليزية مادته في 2 Esdras، في الإصحاحات ٣–١٤. فهو إذن ذاكرة دينية عن عزرا وزمنه، نقرأ فيها ما صار إليه مقامه فيما بعد.
ثمّ يُسَمّي النَصُّ الكَتَبةَ بأَسمائِهم: «فأَخَذَ معَه خَمسةَ رِجالٍ مُدَرَّبينَ على الكِتابةِ السَريعة: سارِيا ودَبريا وسَلَميا وإيثانوس وأَسيئيل» (٤ عِزرا ١٤: ٢٤). فظَلَّ عِزرا يُملي عليهم أَربَعينَ يَوماً. ثمّ يَختِمُ النَصُّ الخَبَرَ بعَدَدٍ لافِت: فالذي كُتِبَ أَربَعةٌ وتِسعونَ سِفراً، أُعلِنَ منها أَربَعةٌ وعِشرون «للمُستَحِقِّ وغيرِ المُستَحِقّ»، وحُبِسَ سَبعونَ «للحُكَماءِ من شَعبِك» (١٤: ٤٤ـ٤٦).
فالرواية تقسم الكتب قسمين: أربعة وعشرين للعامة، وسبعين للحكماء. والأربعة والعشرون هي عدد أسفار التناخ في العدّ العبري. فهي تحفظ ذكرى معرفة قائمة وراء المتن المتداول، أُودعت عند الحكماء، وتحكي قصة كتاب يضيع ثم يُسترد. وهذا المعنى نفسه هو ما نقرؤه في عودة المسيح، فهي عندنا عودة للعلم المحجوب.
فقد صار عزرا في هذه الرواية الرجل الذي استرد الكتاب بعدما ضاع، وهي منزلة يسهل أن يتجاوز فيها التعظيم حد صاحبه. فلنضع هذه المكانة إلى جانب آيتين متتاليتين: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠)، ثم ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: ٣١). إن القرآن يجمع في موضع واحد مسترد الكتاب، والمسيح، وحفظة المعرفة. والخبر الذي يحبس سبعين كتاباً للحكماء يرينا كيف تبدأ هذه الحلقة: تُحجب المعرفة أولاً، ثم يُعظَّم من يحرسها، ثم يُرفع رجل فوق قدره.
وقد حُفظ «عزرا الرابع» في ترجمات لاتينية وسريانية وجعزية وأرمنية وعربية، والكنيسة الإثيوبية تعدّه من أسفارها. ونحن نقرؤه رواية دينية تحكي عن سلطة عزرا، وعن استعادة الكتاب، وعن حجب المعرفة، أما وقائع القرن الخامس قبل الميلاد فنطلبها في شواهدها الأخرى.
التوراة الموحاة والأسفار المجموعة
يُطلق اسم «التوراة» في الكلام الشائع على الكتاب المقدس كله، ومعناه في الأصل أضيق من ذلك. فالتوراة תּוֹרָה (توراه) عند اليهود هي الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇: التكوين والخروج واللاويون والعدد والتثنية. ويلحق بها قسمان: «الأنبياء» נְבִיאִים (نِڤيئيم)، وفيه يشوع والقضاة وصموئيل والملوك وإشعياء وإرميا وحزقيال والأنبياء الاثنا عشر، و«الكتب» כְּתוּבִים (كِتوڤيم)، وفيه المزامير والأمثال وأيوب ودانيال وعزرا ونحميا وأخبار الأيام وسواها. ومن أوائل أسماء الأقسام الثلاثة صيغ اسم «التناخ» الذي مرّ في الفصل التاسع، وأسفاره في العدّ العبري أربعة وعشرون: خمسة للتوراة، وثمانية للأنبياء، وأحد عشر للكتب؛ إذ يُعدّ كل من صموئيل والملوك وأخبار الأيام سفراً واحداً، ويُعدّ عزرا ونحميا سفراً، والأنبياء الاثنا عشر سفراً.
وتختلف الكنائس في عدّ العهد القديم. فهو عند البروتستانت تسعة وثلاثون سفراً، هي أسفار التناخ نفسها مقسومةً. وتزيد عليها الكنيسة الكاثوليكية سبعة أسفار تسميها «القانونية الثانية»، هي طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروخ وسفرا المكابيين، فيبلغ عهدها القديم ستة وأربعين سفراً. وتزيد الكنائس الأرثوذكسية أسفاراً أخرى، منها المكابيين الثالث وصلاة منسى والمزمور ١٥١. ثم يأتي العهد الجديد في سبعة وعشرين سفراً: الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، والرسائل، ورؤيا يوحنا. فالكتاب المقدس مكتبة من ستة وستين سفراً عند البروتستانت، وثلاثة وسبعين عند الكاثوليك، وأكثر من ذلك في الكنائس الشرقية، والتوراة بمعناها الأول خمسة منها.
والتوراة في القرآن كتاب أنزله الله على موسى ﵇، وفي آية واحدة يجمع القرآن الكتاب الموحى وما صار إليه في أيدي حامليه: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا﴾ (الأنعام ٩١). فالذي جاء به موسى نور وهدى، كما تصف آية المائدة التوراة، أما القراطيس فصحف متفرقة يُظهر حاملوها بعضها ويخفون كثيراً منها. ويذكر القرآن كذلك قوماً يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ينسبونه إلى الله: ﴿فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة ٧٩). فاسم التوراة في لغة الوحي يقع على ما أُنزل على موسى ﵇، أما الأسفار المتداولة فتحمل من ذلك الأصل ما حفظته، وتحمل معه ما كُتب بالأيدي.
وفي البحث الحديث مدرسة تؤرخ تأليف الأسفار بصورتها الحاضرة في العصر الفارسي أو الهلنستي، ويُسمّى أصحابها في الدراسات الكتابية «التقليليين» (minimalists). ومن أعلامها:
- فيليب ديفيز، In Search of ‘Ancient Israel’ (١٩٩٢): «إسرائيل القديم» كما ترسمه الأسفار صورة أدبية صاغها كتبة يهوذ في العصر الفارسي، وهي غير إسرائيل التاريخي في العصر الحديدي.
- نيلز بيتر لمكه، «The Old Testament – A Hellenistic Book?» (١٩٩٣): الكتاب العبري بصورته الحاضرة كتاب هلنستي، وأقدم شاهد مادي على نصه مخطوطات قمران.
- توماس طومسون، The Mythic Past (١٩٩٩): قصص الأسفار كُتبت في العصر الهلنستي لتثبيت هوية الجماعة في ذلك العصر، والكتاب الذي بين أيدينا كتاب هلنستي.
- رسل غميركن، Berossus and Genesis, Manetho and Exodus (٢٠٠٦): الأسفار الخمسة كُتبت جملةً نحو ٢٧٣ـ٢٧٢ ق.م في الإسكندرية، وقصص التكوين الأولى تعتمد على «البابليات» لبيروسوس، وخبر الخروج يحاور تاريخ مصر لمانيثون. ثم يرى في Plato and the Creation of the Hebrew Bible (٢٠١٧) أن تشريعات الأسفار تقارب «القوانين» لأفلاطون، وأن جمع الكتاب جرى على البرنامج الذي يرسمه أفلاطون لأدب قومي تعتمده الدولة.
ونحن نقرأ هذه المدرسة في إطار إيماننا. فالتوراة التي أوحيت إلى موسى ﵇ شيء، والأسفار بصورتها المحررة المتداولة شيء آخر، والذي تؤرخه هذه المدرسة هو عمل الكتبة الذين جمعوا وحرروا، أما الوحي فسابق عليهم. وهذا يوافق ما أخبر به القرآن من قراطيس يُبدى بعضها ويُخفى كثير، ومن كتاب يُكتب بالأيدي ثم يُنسب إلى الله. ويوافق كذلك رواية عزرا الرابع التي مرّت، ففيها كتب تُعاد كتابتها بعد ضياعها، فيُعلن منها أربعة وعشرون للمستحق وغير المستحق، ويُحبس سبعون للحكماء. والأربعة والعشرون هي عدد التناخ نفسه، فهذه رواية من نحو سنة مئة للميلاد تعرف أن المجموعة المتداولة أُعيد تدوينها، وأن وراءها علماً لم يُعلن. ثم إن الزمن الذي تضع فيه هذه المدرسة الصورة المحررة يقارب زمن تبلور الحركة، ونرى في هذا التقارب تلازماً بين جمع الكتاب وبين صيرورته حدّاً للجماعة. أما تأريخ غميركن الدقيق فيبقى رأياً خاصاً به، وقد نوقش بنقد مفصل.
هيرودوت يعرف الأرض لا الأمة
ومن المصادر الخارجية هيرودوت (نحو ٤٨٤–٤٢٥ ق.م)، وتظهر قيمة خبره حين نقابل ما يسميه من بلاد وأقوام بالأسماء التي تستعملها النصوص الداخلية.
فهو يذكر قوماً يسميهم «سريي فلسطين» (Σύριοι οἱ ἐν τῇ Παλαιστίνῃ، سيريوي هوي إن تي بالايستيني)، ويقول إنهم والفينيقيين يقرون بأنهم أخذوا الختان عن المصريين (الكتاب الثاني، ١٠٤). ثم يعود إلى ذكرهم في خبر الأسطول الفارسي (السابع، ٨٩)، وفي وصف طريق مصر (الثالث، ٥). فهو إذن يعرف أهل الأرض، وينقل عادة من عاداتهم، وهذه مادة ينبغي أن تدخل في المقارنة.
لكن الأسماء التي يذكرها غير الأسماء التي تذكرها الروايات الكتابية. فهو لا يذكر إسرائيل ويهوذا بأسمائهما، ولا يذكر موسى والخروج، ولا سليمان وهيكله. وهذا لافت من كاتب أفرد لمصر كتاباً، ونقل عن كهنتها أخبار الملوك والعادات. فهو يعرف أهل الأرض، ولا يعرف أمة اسمها إسرائيل، وهذا يوافق ما نقرؤه من أن الهوية التي ترسمها الأسفار تأخر تبلورها.
وفي خبره موضعان يدور حولهما النقاش. الأول قاديطيس (Κάδυτις، كاديتيس)، وهي عنده مدينة كبيرة في سورية (الثاني ١٥٩، والثالث ٥)، يرجح كثير من المحققين أنها غزة، ويقترح آخرون أنها أورشليم. والثاني خبر نخاو الذي هزم السريين في مجدولوس (Μάγδωλος، ماغدولوس)، ثم أخذ قاديطيس (الثاني ١٥٩)، وهو خبر يقارَن بالمعركة التي مات فيها يوشيا في ٢ ملوك ٢٣: ٢٩. وهذه التعيينات كلها جاءت من مقابلة المصادر بعضها ببعض، أما أسماء هيرودوت فتبقى كما نقلها هو.
وسكوت مؤرخ واحد لا يشهد إلا بقدر ما بلغه، لكنه سكوت له دلالته في القرن الخامس قبل الميلاد. فالأسماء التي ظهرت له أسماء أرض وأقوام، أما الهوية الجامعة التي تُعرَّف بالتوراة فتظهر بعده، في العصر الحشموني، وهو العصر الذي يركز عليه البحث في انتشار أحكام التوراة.
انعِكاس هذه الشَواهد على إِطار الكِتاب
فإذا ميزنا بين الإرث الإسرائيلي الأقدم وبين المؤسسة التي تبلورت بعده، أمكننا أن نقرأ عيسى ﵇ في أفق أقدم من بعض الجماعات التي تعرضها الأناجيل. وهذا ما تقترحه مطابقتنا إياه بنبونيد، ولهذا التمييز أثره في قراءة الأخبار:
فأولاً، يروي القرآن أخبار عيسى ﵇ ولا يذكر فيها الفريسيين والصدوقيين بأسمائهم، في حين يكثر حضورهم في الأناجيل. ونرى في هذا الاختلاف شاهداً على أن في السيرة طبقتين: خبراً قرآنياً عن نبي جاء قبل أن تتبلور هذه الفرق، وخبراً إنجيلياً عن يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، يحاور هذه الفرق ويصطدم بكهنتها.
واسم الفريسيين نفسه يدل على زمنه. فالمشهور أنه من الآرامية «فريشا»، أي المنفصل. لكن ت. و. مانسون اقترح سنة ١٩٣٨ أنه من «فارسايا»، أي الفارسي، وأنه لقب أطلقه عليهم خصومهم لأنهم أخذوا بمعتقدات وُصفت بالفارسية، كالبعث والملائكة المرتّبة والحساب بعد الموت. ولم يجد قوله أنصاراً كثيرين، غير أن الجذر ف-ر-س يلتبس منذ القدم بين معنى القسمة واسم فارس، وسفر دانيال نفسه يوظف هذا الالتباس صراحة: «فرس: قُسمت مملكتك وأُعطيت لمادي وفارس» (دانيال ٥: ٢٨). وأيّاً كان الوجه الصحيح، فالاسم من الطبقة التي جاءت بعد السبي.
وثانياً، نجمع المحراب والنخلة ونسب مريم الهاروني فنرسم منها صورة للبيئة القرآنية، ثم نقابل هذه الصورة بما عرضناه من شواهد. والدلالة هنا تأتي من اجتماع التفاصيل، فنحن نعلم أن النخل والخدمة الكهنوتية استمرا في عصور متعددة.
ثالثاً، يتيح لنا هذا التمييز أن نقرأ تاريخ المؤسسة على أن بدايتها غير بداية الوحي نفسه. فعيسى ﵇ في قراءة الكتاب يحمل ميراث موسى ويجدده، ثم تأتي الحركة المتأخرة فتستأثر بتعريف ذلك الميراث وبرسم حدوده. وهذا تفسير لمسار الذاكرة، تسنده الشواهد الأثرية التي تدل على تأخر انتشار العمل بالشريعة.
الشريعة قبل المؤسسة
ويفيدنا بحث أدلر في معرفة الزمن الذي انتشر فيه العمل بأحكام التوراة بين عامة الناس. ونأخذ منه التفريق بين النص والممارسة والمؤسسة، ثم نصل هذا التفريق بسؤال الكتاب الأوسع عن مسار النبوة. ذلك أن تاريخ موسى، وتاريخ كل مؤلف، وأصول معرفة الله، مسائل مختلفة، ولكل منها مادتها.
وتشهد مصادر القرن الثالث قبل الميلاد بأن للشريعة نصاً ذا مكانة. فالخبر المنسوب إلى هيكاتيوس الأبديري، نحو ٣٠٠ ق.م، الذي يحفظه ديودورس الصقلي (المكتبة التاريخية ٤٠: ٣)، يذكر موسى مشرّعاً لأهل أورشليم ومنظّماً لكهنتها، ويذكر أن في آخر شرائعهم أنها كلمات سمعها موسى من الله؛ وفي نسبة المقطع إلى هيكاتيوس نفسه خلاف بين المحققين. وفي القرن نفسه تُرجمت الأسفار الخمسة إلى اليونانية في الإسكندرية، وهي الترجمة السبعينية. ونحو سنة ١٨٠ ق.م يمدح يشوع بن سيراخ الشريعة ويجعلها كتاب عهد العليّ الذي أمر به موسى، ولا يفصّل أحكامها.
فهذه كلها شواهد على أن النص كان موجوداً، وأن له سلطة عند الكتبة والحكام. أما شواهد العمل العام به، في الطعام والطهارة والصور والتفلين والكنيس، فتبقى حشمونية. وعلى هذه المراحل الثلاث، النص ثم السلطة ثم العمل، تقوم طبقات الكتاب: فالنص الموحى المتوارث وسلطته من الطبقة الثانية، والعمل العام الذي يرسم حدود الجماعة ويقيم مؤسساتها من الطبقة الثالثة. وهكذا يصير أقوى ما يُعترض به على تأخر الحركة شاهداً نقرؤه على قدم الشريعة.
فنجمع في قراءتنا ثلاثة أمور:
- إيمانَنا بِالتَوراة كَنَصٍّ مُوحًى مَتوارَث (الطَبقة الثانية)
- إقرارَنا التاريخيَّ بأنّ «اليَهوديّة كَحَركة» ظاهرةٌ مُتَأَخِّرة (الطَبقة الثالثة)
- تَموقُعَ عيسى ابنِ مَريم ﵇ في المَوضع الذي تَطلُبه القَرائنُ القُرآنيّة: نَبيٌّ مِن بَني إسرائيل بِالشَريعة المُوحاة، قَبل تَبَلوُر الحَركة بِقُرون
وعلى هذا الفرق نتناول المؤسسة وتفسيرها للموروث، فنحفظ للشريعة معناها الموحى، ونحفظ لبني إسرائيل مكانتهم في تاريخ الأنبياء.
ملحق ١٠: توحيدُ العليّ ـ بنو إسرائيل قبل اليهوديّة
نعرض في هذا الملحق معنى «العلي» كما تكرر في النقوش والنصوص، ونصل به قراءتنا لنبونيد وسين. والاسم يرد في صلاة نبونيد ضمن الترميم المنشور، ثم نرجع إلى المصادر الأخرى لنقارن ما فيها من ألفاظ العلو والسماء والنور. فإذا اجتمعت هذه المصادر رأينا معرفة الإله الأعلى مستمرة، وإن تغيرت الأسماء والرموز.
العليّ: من ملكي صادق إلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾
يظهر الإله الأعلى أول ما يظهر في التوراة على لسان ملكي صادق «ملك شاليم»، وقد «كان كاهنا لله العلي» (El ʿElyon)، فبارك إبراهيم، قبل موسى وقبل الشريعة الحركيّة، بقوله: «مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض» (تكوين ١٤: ١٨-١٩). واللفظ العبري קֹנֵה (قونيه) في هذه العبارة يحتمل المالك والخالق. أما «عليون» العبريّة فمن جذرٍ معناه الصعودُ والعلوّ، وهو عينُ جذر «العليّ» العربيّ (ع-ل-و). فإذا قال القرآنُ ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) و﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ (الأعلى: ١)، فإنّه يَستعيد الاسمَ الإبراهيميَّ الأقدم للإله الواحد: الأعلى، خالقَ السماوات والأرض، الذي أَمر شافي نبونيد المَلكَ أن «يَرفع اسمه».
«الأعلى» معبوداً موثَّقاً: من بابل إلى الجزيرة
وهذه شواهده، نضع بعضها إلى جانب بعض، ونبين البيئة التي ورد فيها كل اسم أو لقب:
- سفيرة: تذكر معاهدة سفيرة الآرامية، وهي من القرن الثامن ق.م، «إيل وعليون». فلقب العلي كان يجري في اللسان الآرامي قبل نبونيد بنحو قرنين، وإن كان قد ورد هنا في قائمة آلهة المعاهدة.
- سين في نقوش نبونيد: يرفعه الملك فوق سائر الأسماء الإلهية، فيجعل شمش وعشتار وأدد ونرگال منفذين لأمره، ويصفه بأنه «إله لا يستطيع أحد تفسير اسمه». ونحن نقرأ هذه المنزلة في أفق العلي الواحد، فتكون الأسماء الأخرى قوى مأمورة، كما بيّنا في الفصل الخامس.
- Theos Hypsistos: بيّن ستيفن ميتشل أن عبادة «الإله الأعلى» انتشرت في نقوش شرق المتوسط والأناضول، وأن أصحابها عظّموا إلهاً واحداً لا صورة له، ثم وصلهم بالمتقين (theosebeis) الذين كانوا يحيطون بالمجامع. فقد جمع هذا اللقب أناساً من بيئات مختلفة على معنى واحد.
- بعل شمين وصيغ تدمر: عرف الآراميون لقب «رب السماء»، ثم جاءت الإهداءات التدمرية إلى «المبارك اسمه إلى الأبد» دون أن تسميه، وهي صيغة تلتقي بما نتتبعه في «بني الاسم» من تعظيم الاسم وتنزيهه.
- الله والرحمن: في النقوش الصفائية ألقاب للخلق والنور، والنقوش الحميرية بعد نحو سنة ٣٨٠م تسمي الإله الواحد «رحمنن» و«رب السماء والأرض». فالاسمان اللذان حفظهما القرآن كانت الجزيرة تعرفهما قبل البعثة، وهذا من شواهد «جزيرة التوحيد» التي عرضناها في الفصل التاسع.
فهذه المادة، من سفيرة وبابل إلى تدمر والجزيرة، تشهد بأن معرفة الإله الأعلى ترجع إلى أصل مشترك. ثم ننظر بعد اللقب في الاعتقاد والطقس والصورة في كل موضع، فيظهر لنا المعنى الذي استمر، وإن تنوعت العبارة عنه.
الاسمُ المُنزَّه: خيطُ «بني الاسم»
وفي تقاليد مختلفة يُعظَّم الاسم الإلهي ويُنزَّه. ففي مشناة يوما ٦: ٢ يسجد الحاضرون في يوم الكفارة حين يسمعونه صريحاً من الكاهن الأعظم، ويقولون «مبارك اسم مجد ملكه إلى الأبد». ونحن نقابل هذا التعظيم بما في القرآن من تسبيح اسم الرب الأعلى. وعلى هذا المعنى نقرأ «هاشم» «ها-شم»، أي «الاسم»، فيكون بنو هاشم «بني الاسم» الذين حفظوا الميراث، وتقف هذه القراءة إلى جانب الاشتقاق العربي المعروف من هشم الثريد.
بنو إسرائيل لا اليهود: وصف الرجل وميراثه النبوي
نفصل في هذا الكتاب بين ميراث بني إسرائيل النبوي والمراحل التي تشكلت فيها المؤسسة اليهودية. والرجل في الصلاة موصوف بـyhwdy، فنحن نثبت اللفظ كما هو، ونقرؤه نسبة إلى يهوذا وجماعتها، قبل أن تتبلور الحركة بقرون. فالرجل عندنا من أهل الميراث النبوي في بني إسرائيل، وهو يحيى الذي نقرأ دوره في الفصل الخامس، معلّماً يدعو الملك المريض إلى أن يرفع اسم الإله العلي.
الخيطُ الواحد: إسلامُ العليّ من إبراهيم إلى محمّد
ونحن نقرأ هذه الصلات كلها من وحدة الدين التي يقررها القرآن، فالدين واحد، هو التسليم لله ومعرفته، وإن تغيرت اللغات والأجيال. وفي هذا الكتاب يحمل عيسى-نبونيد هذا المعنى، ثم تجدده الرسالة المحمدية. ونلحظ كذلك اسم الإمام علي عليه السلام، بما فيه من معنى العلو، في ذاكرة العراق الروحية، في الكوفة جارة الحيرة. غير أن الاسم البشري يحمل صفة العلو وصفاً لعبد من عباد الله، أما العلي سبحانه فهو المعبود وحده.
وكان للعلي في حران بيت تسميه النقوش معبد سين، واسمه بالسومرية «إيخلخل»، ومعناه الفرح. ونحن نقرؤه في هذا الكتاب «بيت الهلال والتهليل»، لأن مادة ه-ل-ل في العربية يجتمع فيها الابتهاج والاستبشار، والهلال، والتهليل، كما يجتمع الفرح برؤية الهلال، علامة العلي، وذكر الله عند استقباله. والمقارنة هنا صوتية ودلالية، فالسومرية من أسرة لغوية أخرى. ورموز القمر والعلو والابتهاج تحمل في هذه القراءة معنى عبادة العلي، والقمر علامته لأنه سبحانه العلي، وهذا معنى أعمق من صورة الوثن التي تُختزل فيها أحياناً.
ملحق ١١: بابل قلبٌ لا منفى ـ الموطن والذاكرة الأقدم
نجمع في هذا الملحق ما يقرؤه الكتاب في بابل: فهي عندنا موطن أقدم، وقلب في ذاكرة الأنبياء، وإن حجبتها صورة المنفى التي غلبت عليها في عصر متأخر. فمن الرافدين خرج إبراهيم، وفيها تلقى حزقيال ودانيال الوحي، ومنها صعد عزرا بالشريعة، وفيها قامت مدارس التلمود قروناً. فإذا نظرنا إلى هذا التاريخ الطويل كله، بدا السبي حلقةً واحدة من حركة أوسع، كان الناس والمعرفة ينتقلون فيها بين الرافدين والأقاليم المجاورة لها.
يهوذا ليست إسرائيل: حدود الاسمين
قد توحي عبارة «سبي اليهود» بأن أمة بني إسرائيل كلها اقتُلعت من أرضها ثم عادت إليها. لكن يهوذا كان اسم سبط، ثم صار اسم مملكة في الجنوب، ثم اسم مقاطعة في العهد الفارسي تسمى Yehud، ومنها جاءت النسبة التي تقابل Ioudaios اليونانية. أما إسرائيل فاسم أوسع، يحمل ذاكرة الأسباط الاثني عشر وذاكرة العهد. وقد درس جيسون ستيبلز العلاقة بين الاسمين في «فكرة إسرائيل في يهودية الهيكل الثاني» (Cambridge، ٢٠٢١)، فجعل اليهود جزءاً (subset) من إسرائيل الأوسع، تلك التي بقي أهلها ينتظرون أن تُسترجع الأسباط الشمالية. ويفيدنا هنا أيضاً ما كتبه شاي كوهين في «بدايات اليهودية» (١٩٩٩)، وستيف ماسون (٢٠٠٧)، عن الدلالة القومية والجغرافية للاسم. ثم يأتي يوناتان أدلر في «أصول اليهودية» (Yale، ٢٠٢٢) بسؤال آخر: متى انتشر العمل بأحكام التوراة؟ ويبرز القرن الثاني ق.م في جوابه.
وكانت هذه الحدود تتحرك، كما تدل أخبار الجماعات. ففي إلفنتين، في القرن الخامس ق.م، كان يهود يعيشون بعيداً عن يهوذا ويسمّون أنفسهم «يهودين»، فخرجت النسبة عن موضعها الجغرافي. وقد حذرت أديل راينهارتس ودانيال شفارتس، في أعمال سنة ٢٠١٤، من أن نفصل بين الاسمين فصلاً يمحو ما بينهما من استمرار. لذلك نقرأ السبي خبراً عن جماعات يهوذية بعينها، ونُبقي إسرائيل أوسع منها، ونحن نتتبع كيف تداخل الاسمان وكيف تغير استعمالهما.
أرشيف آل-يهودو: حياة المهجّرين واستقرارهم
وأوضح ما يصوّر حياة المهجرين في بابل ألواحُ آل-يهودو، وقد نُشر أكثرها في عمل لوري بيرس وكورنيليا فونش (CUSAS 28، ٢٠١٤). نرى في هذه الألواح جماعات مهجرة تعيش داخل نظام يربط الأرض بالخدمة والالتزامات، ونراها تتعاقد، ويخلف فيها الأبناء الآباء، وتمضي حياتها الاقتصادية سنة بعد سنة. فما مضت عقود حتى صار المهجرون أهل أرض وعقود وأسر مستقرة، وصارت بابل لهم موطناً.
وخذ مثالاً من الأرشيف اللوحَ العاشر في طبعة بيرس وفونش. هو سند بشعير كُتب في «آل-ياهودو»، مدينة يهوذا، في الثالث والعشرين من شهر طيبيتو من السنة السادسة لنبونيد، أي سنة ٥٤٩ ق.م، والمدين فيه رجل اسمه شلام-ياما بن نداب-ياما. وعلى حافة اللوح خمسة حروف محفورة بالخط العبري: שלמיה (شِلَميا). فهذا رجل من أهل السبي يوقّع في بابل بخط آبائه، في عهد الملك الذي يدور عليه الفصل الخامس. ووثائق من هذا النوع تضعنا أمام أناس عاشوا في المجال نفسه الذي يدور عليه الكتاب. غير أن الألواح وصلت إلينا من سوق الآثار، فنأخذ شهادتها من نصوصها وحدها.
فاسم الموضع، آل-يهودو، «مدينة يهوذا»، وأسماء الناس فيه، يدلاننا على جماعة بعينها من المرحّلين، فنستطيع أن نتتبعها. لكن هذا لا يعني أن هويتهم كانت إدارية فحسب، أو أنها خلت من المعنى الديني؛ فالاسم الواحد قد تجتمع فيه النسبة والمكان والعبادة معاً.
فإذا قابلنا هذه الألواح بوثائق مرحّلين آخرين، كأهل نيراب، رأينا كيف هُجّر الناس إلى بابل، ثم كيف استقروا فيها. ووراء هذه الحركة أصل رافدي أقدم، تشهد له أخبار الآباء التي سنعرضها بعد قليل، فيتسع التاريخ حينئذ لحركات سارت في أكثر من اتجاه.
«الأرضُ الخالية»: أيديولوجيا العودة
وقد وقف النقد الحديث طويلاً عند صورة «الأرض الخالية» في روايات العودة. ففي ٢ أخبار ٣٦: ٢١ تستوفي الأرض «سبوتها» سبعين سنة، كأنها خلت من أهلها طوال السبي. وفي عزرا–نحميا تتقدم جماعة «أبناء الجلاء» (bnei ha-golah) إلى الصدارة، ويتراجع «شعب الأرض»، وهم الذين لم يرحلوا عنها. وقد سمى روبرت كارول هذا التصور «أسطورة الأرض الخالية» (Semeia 59، ١٩٩٢)، ثم درسه هانس بارستاد في كتاب له سنة ١٩٩٦، وبحث إيهود بن زفي سنة ٢٠١٠ صلته بذاكرة العصر الفارسي وبشرعية العائدين. فصورة السبي الشامل كانت تؤدي عملاً للجماعة التي صاغت خبر العودة: بها كانت تعرّف نفسها.
نعم، أحدثت الحرب خراباً واسعاً، وإن اختلفت دراسات ليبشيتس وفاوست في تقدير مداه. لكن جماعات كبيرة بقيت في أرضها، كما في منطقة بنيامين عند ليبشيتس. فصورة الاقتلاع الكامل هي الصورة التي رسمتها الجماعة العائدة لنفسها.
بابل قلباً: لماذا بقوا
ومع الزمن صارت بابل مركزاً كبيراً للحياة اليهودية وللتعلم، فنشأت فيها مدارس سورا وبمبديتا ونهردعا، وصار التلمود البابلي مرجعاً بعيد الأثر. وبمبديتا هي فومبديثا، أي الأنبار، أما سورا فتقع على نحو ستة كيلومترات من الحيرة، والمدينتان كلتاهما دار تنوخ، كما بيّنا في الفصل التاسع. وقد بلغ اعتزاز الجماعة البابلية بأنسابها، كما تحفظه مصادر التقليد، أن قدّمت بابل على أرض إسرائيل نفسها: «كل البلاد عجين بالقياس إلى أرض إسرائيل، وأرض إسرائيل عجين بالقياس إلى بابل» (التلمود البابلي، قيدوشين ٦٩ب و٧١أ). فبابل، في ذاكرة الجماعة نفسها، هي الموضع الذي بقي فيه الأصل أصفى ما يكون.
لذلك نقرأ بابل قلباً حياً في تاريخ الجماعة. وكان رأس الجالوت فيها ينتسب إلى بيت داود، فاجتمع له النسب والعلم والزعامة، كما بيّن جفري هيرمان في «أمير بلا مملكة» (٢٠١٢)، وسيمخا غروس في «Babylonian Jews and Sasanian Imperialism in Late Antiquity» (Cambridge University Press، ٢٠٢٤). فإذا نظرنا إلى هذه المؤسسات، وإلى ما خرج منها من علم، رأينا الثقل يميل إلى الرافدين، على أن لكل مرحلة من مراحل هذا الميل شواهدها.
الجذورُ الأقدم: من أُور إلى حرّان
أما أخبار الآباء فتحفظ صلة بالرافدين أقدم من ذلك كله. فإبراهيم خرج من «أور الكلدانيين» إلى حران (تكوين ١١–١٥)، ورفقة وراحيل وليئة جئن من «آرام النهرين» (Aram-Naharaim)، ويقول سفر التثنية: «آراميا تائها كان أبي» (تثنية ٢٦: ٥). وتُقارن أخبار التكوين ١–١١ كذلك بمادة رافدية: فقصة الطوفان، بما فيها من سفينة وطير وذبيحة، توضع بإزاء «أتراحاسيس» واللوح الحادي عشر من «جلجامش»، ثم بإزاء «لوح السفينة» الذي عرضه إرفينغ فينكل في «السفينة قبل نوح» (٢٠١٤). وتوضع أعمار الآباء بإزاء قائمة ملوك سومر، وبرج بابل بإزاء الزقورة. ومن المراجع في هذه الصلات سبايزر، Genesis (١٩٦٤)، ولامبرت (١٩٦٥). فالرابطة بالرافدين ممتدة في ذاكرة الأصل، وفي الصور التي بُنيت منها الرواية.
فالصلة الرافدية واضحة في الأدب وفي الذاكرة، والأسفار نفسها هي التي تجعل منبت الآباء في أور وحران وآرام النهرين. أما الأثريون فيفسر كثير منهم تشكّل الجماعات الإسرائيلية في مرتفعات كنعان. والمساران مع ذلك يلتقيان: فالجماعة التي تجمعت في كنعان حملت معها ذاكرة أسلافها الرافديين، وهذه الذاكرة هي التي تجعل بابل موطناً أقدم.
ويروي سفر التكوين بداية الرحلة حركةً واحدة من أور إلى حران: «فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك» (تكوين ١١: ٣١)، ثم يأتي الأمر لإبراهيم: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك» (١٢: ١). أما استفانوس، في سفر أعمال الرسل، فيجعل الوحي سابقاً على حران: «ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين، قبلما سكن في حاران» (أعمال ٧: ٢). فالدعوة إذن بدأت في أرض الكلدانيين. وأور وحران هما مدينتا سين اللتان عمّر نبونيد معبديهما.
وقد نظر جون فان سيترز في هذا الطريق من جهة أخرى، هي تاريخ تأليفه. ففي دراسته «Dating the Yahwist’s History: Principles and Perspectives» (Biblica 96، ٢٠١٥، ص ١-٢٥) يرى أن صورة هجرة إبراهيم بأسرته الآرامية من أور إلى حران، ثم إلى كنعان، صيغت على مثال هجرة نبونيد إلى تيماء، ويقول إن أوجه الشبه بينهما «أشد من أن تكون مصادفة» (ص ١٨). ثم يضع كاتب هذه الطبقة من التوراة في بابل، في أواخر عصر السبي. ونحن نقرأ في ملاحظته شاهداً على أن ذاكرة نبونيد تفرقت في سير الأنبياء: فالطريق الذي سلكه الملك بين بابل وحران وتيماء بقي مرسوماً في خبر أبي الأنبياء، وكانت بابل للرواية أصلها وموطن تأليفها معاً.
السبي المقلوب: حركات في أكثر من اتجاه
ونقرأ أن الرواية التي جعلت المنفى البابلي محورها غطّت على انتماء رافدي أقدم. فإلى جانب الحركة إلى بابل، وهي ثابتة بالوثائق، خرجت من بابل حركة أخرى نحو الأطراف، وكان الناس يُهجَّرون ويعودون في أكثر من اتجاه؛ ومن ذلك أن نبونيد نفسه سار إلى تيماء ويثرب، وغاب في مسيره عشر سنين. وهذا ما نعنيه بـ«السبي المقلوب»: خريطة أوسع للحركة، يقع فيها سبي يهوذا إلى بابل حلقةً واحدة منها.
فمكانة بابل في تاريخ الجماعة، ومنبت الآباء في الرافدين كما تجعله الرواية، كلاهما يشهد لاتجاه أقدم سار من الرافدين نحو الأطراف. أما تعيين الجماعات التي سارت فيه، والأزمنة التي سارت فيها، فلكل موضع منه شواهده. والسجل يثبت تهجيراً إلى بابل، ونحن نقرأ وراءه، وإلى جانبه، انتماءً رافدياً أقدم وحركة نحو الأطراف.
التيس الحي ومعنى حمل الآثام
في لاويين ١٦: ٢١–٢٢ يُطلق التيس الحي حاملاً آثام الجماعة «إلى أرض جَزِرة»، أي إلى أرض منقطعة. والتلمود نفسه يقرأ اللفظ بمعنى القطع (يوما ٦٧ب)، وهو المعنى الذي سُمّيت به الجزيرة في العربية والسريانية. ونحن نقرأ «أرض جزرة» الجزيرةَ الفراتية بين دجلة والفرات، ومن مدنها حران، كما بيّنا في الفصل التاسع؛ فالأرض المقطوعة التي يُبعث إليها التيس هي موطن الأصل. ثم تغيرت الشعيرة: ففي مشناة يوما ٦: ٦ صار التيس يُدفع عن جرف حتى يتمزق، وجعلت رسالة برنابا التيسَ الملعون صورة ليسوع المصلوب (برنابا ٧). كانت الذاكرة الأولى إذن ذاكرة رجل أُبعد حياً إلى الأرض المقطوعة، ثم جاءت العقيدة المتأخرة فاحتاجت إلى قتله. أما القرآن فيقول في عيسى ﵇: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، ثم ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
ملحق ١٢: الشهودُ الخارجيّون على عشيّة البعثة ـ نقوشٌ ووثائقُ من خارج التقليد
نختم بما وصلنا من خارج كتب السيرة: نقوش تذكر ملوكاً وأبنية، ونصوص نقلت أخبار العرب والجماعات الدينية. هذه شهود من الحجر والرق على «جزيرة التوحيد» التي عرضها الفصل التاسع، حيث كان للعرب ملوك مسيحيون، وكانت أبواب المزارات تُكتب بالعربية، وكانت ممالك تفتتح نقوشها باسم الرحمن.
نرى في هذه المصادر شيئاً من صورة الملك عند العرب، وكيف انتشرت الكتابة، وكيف اتصلت الجزيرة بالشام والعراق والحبشة. ثم نقرأ خبرين، أحدهما عن الحركة العربية المبكرة، والآخر عن زيارة المواقع المقدسة، فنعرف منهما كيف رأى الجيران هذه الحركة، وما حفظوه من أخبارها.
والتواريخ التي نذكرها للنقوش والوثائق هي ما تذكره نشراتها، وما قرأه الباحثون فيها. ونحرص في كل موضع على أن نفصل بين تاريخ الواقعة التي يحكيها الخبر، والتاريخ الذي يُفترض أنه دُوّن فيه.
نقشُ النَّمارة (٣٢٨م): «ملكُ العربِ كلِّهم»
في سهلِ النَّمارة البازلتيّ، جنوبَ شرقِ دمشق، عُثر سنةَ ١٩٠١م على حجرِ قبرٍ نُقل بعدُ إلى متحف اللوفر (تحت رقم AO 4083). إنّه شاهدةُ قبرِ امرئ القيس بن عمرٍو، ثاني ملوك آل لخم في الحيرة، مؤرَّخةٌ بدقّةٍ بسنة ٢٢٣ لتقويم بُصرى، أي سنة ٣٢٨م. ولغةُ النصّ عربيّةٌ، وحروفُه الخطُّ النبطيّ الآراميّ الذي نَشأت منه الكتابةُ العربيّة. وفي سطوره يُدعى الميتُ «ملكَ العربِ كلِّهم»، ويُرسَم امتدادُ سلطانه من الفرات نزولاً نحو نجران في الجنوب.
فالنقش يحفظ لقباً ملكياً عربياً، ويرسم سلطاناً يمتد من الفرات إلى نجران، ولذلك يرجع إليه من يبحث في المناذرة وفي تاريخ العربية. أما دين امرئ القيس فتنقل الأخبار العربية عن ابن الكلبي أنه كان نصرانياً، ورجّح عرفان شهيد انتسابه إلى المسيحية في «Byzantium and the Arabs in the Fourth Century» (١٩٨٤)، وإن خلت الشاهدة نفسها من صيغ المسيحية ورموزها.
والمصدرُ المعتمَد: الحجرُ نفسُه في اللوفر (AO 4083)، مع قراءة James Bellamy «A New Reading of the Namārah Inscription» في «Journal of the American Oriental Society» ١٠٥ (١٩٨٥).
زبد وأسيس وحران: سياقات الكتابة العربية
وقبل القرآن كانت العربية تُكتب في سياقات دينية وسياسية، كما تشهد نقوش مبكرة، ومن أشهر المؤرَّخ منها:
- عَتَبةُ زَبَد (٥١٢م): في زَبَد جنوبَ شرقِ حلب، عَتَبةٌ من مَزار القدّيس سرجيوس تَحمل ثلاثَ لغاتٍ جنباً إلى جنب ـ اليونانيّةَ والسريانيّةَ والعربيّة ـ والعربيّةُ منها تُسمّي بانيها.
- نقشُ جبل أُسَيس (٥٢٨م): على بازلت جبل أُسَيس جنوبَ شرقِ دمشق، نقشٌ عربيٌّ يُسجّل رجلاً أرسله إلى حاميةٍ «الحارثُ الملكُ»، أي الحارثُ بنُ جبلة الغسّانيّ، ملكُ العرب المسيحيّين في الشام.
- عَتَبةُ حَرّان (٥٦٨م): في حَرّان باللَّجاة، عَتَبةٌ مكتوبةٌ باليونانيّة والعربيّة فوقَ باب مَزارٍ بناه رجلٌ اسمُه شَرَحيل. ويسمّيه النصّ العربيّ «المرطول»، أي مشهد الشهيد، ويهديه النصّ اليونانيّ إلى القدّيس يوحنّا، والأرجح أنه يحيى المعمدان. ويؤرّخ النصّ العربيّ البناء بعامٍ بعد «مفسد خيبر» على القراءة الشائعة، فتلتقي في عتبةٍ واحدة ذاكرةُ يحيى وواحةُ خيبر.
وهذه الشواهد، مجتمعةً، تُرينا العربية تُكتب مع السريانية واليونانية في محيط عربي مسيحي: فعتبة زبد من مزار القديس سرجيوس، وعتبة حران من مشهد القديس يوحنا، ونقش أسيس يذكر رسولاً بعثه الحارث الملك الغساني. ومعنى ذلك أن معظم ما بقي لنا من النقوش العربية المؤرخة في القرن السادس كُتب على أبواب المزارات، أو كُتب في خدمة ملك عربي مسيحي.
والمصادرُ المعتمَدة: زَبَد في «Répertoire d'épigraphie sémitique» (RES 2640)؛ وجبلُ أُسَيس عند Christian Robin وMaria Gorea في «Arabica XLIX» (٢٠٠٢)؛ وحَرّان في نشرة Enno Littmann.
نقشُ CIH 541 (نحو ٥٤٨م): سدُّ مأرب ووفودُ القُوى الخمس
أما CIH 541 فوثيقة واسعة نعرف منها الكثير عن أبرهة وعن علاقات اليمن في عصره. وهو في الجزء الرابع من «مدونة النقوش السامية»، وقد نشره Walter Müller وحققه سنة ١٩٧٤. يخلّد النقش إصلاح سد مأرب بعد أن انكسر مرتين، في سنتي ٥٤٧ و٥٤٨م، ويؤرخ العمل بسنة ٦٥٨ حميرية، ويذكر أبرهة بلقب «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات». ويفتتح بصيغة «بقوة الرحمن ومسيحه والروح القدس»، كما بيّنا في الفصل السابع عشر. فالأثر الواحد يحمل خبر عمل عمراني، ويرسم صورة سلطان مسيحي، ويذكر اسم الرحمن.
ويذكر النقش الوفود التي جاءت إلى مأرب: وفد أكسوم الحبشة (ḥbš)، ووفد روما (rwm)، ووفد فارس (frs)، ووفدي المنذر اللخمي والحارث بن جبلة الغساني. فمأرب في هذا الخبر ملتقى لمبعوثي القوى الكبرى، يجتمع فيه الشمال العربي والجنوب في خبر واحد مؤرخ. وهذا من أقوى ما يوضح شبكة البحر الأحمر التي عرضناها، إذ نرى ممالك متعاصرة تتبادل الوفود، وتتصل الجزيرة من خلالها بالحبشة وفارس والروم.
والمصدرُ المعتمَد: Walter Müller، «Die sabäische Inschrift CIH 541» (١٩٧٤)؛ مع أعمال Sidney Smith المبكّرة وقراءة Christian Julien Robin في «Arabia and Ethiopia» (أكسفورد ٢٠١٢).
تعليم يعقوب: خبر مبكر عن نبي بين العرب
و«تعليم يعقوب المعمد حديثاً» حوار جدلي كُتب باليونانية، ويُؤرخ عادة في ثلاثينيات القرن السابع. وفيه خبر جاء من فلسطين عن نبي ظهر مع العرب، يبشّر بمجيء الممسوح، المسيح الآتي. فأقدم شاهد خارجي على الدعوة يضعها إذن في أفق انتظار المسيح، وهو الأفق نفسه الذي يقرأ فيه هذا الكتاب عودة المسيح علماً. وكاتب الحوار خصم للدعوة في الدين، فنحن نأخذ عنه صورة تلقيها.
ويحفظ لنا هذا الخبر جانباً من تلقي الجيران للدعوة: فيهود فلسطين يسمعون أن نبياً ظهر مع العرب، فيسألون عن المسيح. أما تواريخ الدعوة، وتاريخ وفاة النبي ﷺ، فنرجع فيها إلى السيرة وإلى بقية الشواهد.
والمصدرُ المعتمَد: «Doctrina Jacobi nuper baptizati»، نشرة وترجمة Gilbert Dagron وVincent Déroche («Juifs et chrétiens dans l'Orient du VIIe siècle»، Travaux et Mémoires ١١، ١٩٩١)؛ ودراسةُ Robert Hoyland «Seeing Islam As Others Saw It» (پرنستون ١٩٩٧).
الوقائع المارونية وزيارة معاوية للمواقع المقدسة
تحفظ الوقائع المارونية السريانية أخباراً من عهد معاوية إلى ستينيات القرن السابع، وتسميه ملك العرب. وتروي أن كثيراً من العرب اجتمعوا في القدس سنة ٩٧١ يونانية (٦٦٠م) فملّكوا معاوية، فصعد إلى الجلجلة وصلّى فيها، ثم مضى إلى الجسمانية ونزل إلى قبر مريم المباركة ليصلي فيه. فأول ملوك بني أمية يبدأ ملكه بالصلاة في المواضع المسيحية المقدسة، ومنها قبر مريم عليها السلام.
وصلاة معاوية هذه توافق ما عرضه الفصل التاسع من اتصال دمشق الأموية بمسيحيي الشام، فقد كان في ديوانها كتّاب ومستشارون من السريان، وكان ملكها يتلقى البيعة في القدس ويصلي في مواضعها. فالانتقال من الجزيرة المسيحية العربية إلى الدولة الإسلامية جرى في المواضع نفسها، وبين أهلها أنفسهم.
والمصدرُ المعتمَد: «Maronite Chronicle»، في ترجمة Andrew Palmer «The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles» (ليڤربول ١٩٩٣)؛ ومسحُ Robert Hoyland «Seeing Islam As Others Saw It» (١٩٩٧).
جسرُ النصوص: من قمران إلى أكسوم (إحالةٌ إلى الفصل السادس عشر)
حفظت الجعزية نصين مهمين هما إخنوخ الأول واليوبيلات، ثم جاءت شذرات قمران فأكدت أن أجزاء واسعة من مادتهما قديمة. وقد عرض الفصل السادس عشر هذه الصلة، وميّز فيها بين تواريخ المؤلفات وطبقاتها من جهة، وتواريخ النسخ والترجمات من جهة أخرى.
فإذا قابلنا النص الجعزي بشذرات قمران رأينا مادة قديمة بقيت كاملة في التقليد الإثيوبي، وظهرت أجزاء من أصلها في قمران. وهذا طريق ملموس في حفظ الكتب: انتقل فيه تراث قمران مترجماً إلى اليونانية، ومنها إلى الحبشة، جارة الجزيرة. ولأن الحبشة حفظته اتسعت معرفتنا بتراث كان جزء كبير منه غائباً عنا.
جدولُ النقوش والوثائق
| النقش / الوثيقة | التاريخ | المكان | ما يُثبته |
|---|---|---|---|
| نقشُ النَّمارة (Louvre AO 4083) | ٣٢٨م | النَّمارة، جنوبَ شرقِ دمشق | لقب «ملك العرب كلهم» لملك لخمي من الحيرة، ونص مبكر مهم لتاريخ العربية؛ وتجعله الأخبار العربية نصرانياً. |
| عَتَبةُ زَبَد (RES 2640) | ٥١٢م | زَبَد، جنوبَ شرقِ حلب | كتابة عربية إلى جوار اليونانية والسريانية في سياق بناء ديني. |
| نقشُ جبل أُسَيس | ٥٢٨م | جبلُ أُسَيس، جنوبَ شرقِ دمشق | خبر مهمة أرسل فيها الحارث الملك رجلاً إلى الموضع؛ سياق عسكري. |
| عَتَبةُ حَرّان | ٥٦٨م | حَرّان، باللَّجاة | كتابة عربية ويونانية متصلة بمزار مسيحي. |
| نقشُ CIH 541 | نحو ٥٤٨م | سدُّ مأرب، اليمن | أبرهةُ ووفودُ القُوى الخمس (أكسوم، روما، فارس، الحيرة، الغساسنة): اليمنُ مَركزٌ جيوسياسيٌّ ومملكتا الشمال والجنوب متعاصرتان |
| تعليمُ يعقوب (Doctrina Jacobi) | ثلاثينيات القرن السابع تقريباً؛ التأليف محل بحث | يونانيّةٌ، أرجحُ قرطاج | خبر مبكر عن نبي مع العرب يبشّر بالمسيح الآتي، في سياق جدلي. |
| الوقائع المارونية | أخبار إلى ستينيات القرن السابع | سريانيّةٌ، الشام | تمليك معاوية في القدس وصلاته في الجلجلة والجسمانية وقبر مريم. |
| إخنوخ (مثل 4Q201) واليوبيلات (مثل 4Q216) ومقابلتهما بالنص الجعزي | مؤلفات وطبقات سابقة للمسيحية، وترجمات ونسخ لاحقة | قمران والتقليد الجعزي | حفظ كامل في الجعزية لكتب وُجدت شذراتها في قمران: جسر نصي إلى أكسوم. |
أَترك تَعليقاً